المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أحكام قتال المنافقين الذين يظهرون الإسلام خداعا ويسرون الكفر ويسارعون أهله على قتال المؤمنين والذين يعاهدون المسلمين على السلم ويحالفونهم على الولاء والنصر ثم يغدرون ويكونون عونا لأعدائهم عليهم – ذكر هنا قتل من لا يحل قتله من المؤمنين والمعاهدين والذميين وما يقع منهم من ذلك عمدا أو خطأ.
روى ابن جرير في سبب نزول الآية عن عكرمة قال : كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه عياش بالحرة من أرباض المدينة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت الآية فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال له قم فحرر.
الإيضاح :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما خالدا فيها أي ماكثا إلى الأبد أو ماكثا مكثا طويلا غضب الله عليه أي انتقم منه لعنه : أبعده عن رحمته أعد له : أي هيأ له.
و للعلماء في توبة قاتل المؤمن عمدا آراء ثلاثة :
( ١ ) يرى ابن عباس وفريق من السلف أن قاتل المؤمن عمدا لا تقبل له توبة وهو خالد في النار أبدا ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا }و أخرج البيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى " وروي عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله تعالى النار " عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال :" لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر به.
و هؤلاء يرون أن التائب من الشرك وقد كان قاتلا زانيا تقبل توبته ولا تقبل توبة المؤمن الذي ارتكب القتل وحده إذ الأول لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور فله شبه عذر إذا هو كان متبعا لهواه بالكفر وما يتبعه ولم يكن ظهر له صدق النبوة فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه كفر وضلال وتاب وأناب وعمل صالحا كان جديرا بالعفو.
و أما المؤمن الموقن بصحة النبوة وحرمة القتل فلا عذر له إذ هو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته ومن ثم يهن المسلمون ويضعفون ويكون بأسهم بينهم شديدا.
و إنك لترى أنه ما انحلت الرابطة بين المسلمين وانفصمت عروة الوفاق بينهم إلا بعد أن أقدم بعضهم على سفك دماء بعض ورجحوا شهوة الغضب والانتقام على أمر الله تعالى ومن رجح شهوات نفسه الضارة على أمر الله وعلى مصلحة المؤمنين بغير شبهة فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة إذ هؤلاء قد تجرؤوا على حدود دينه ولم يبق للشرع حرمة في قلوبهم.
قال في الكشاف : هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب جليل ومن ثم روي عن ابن عباس أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة... والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث ( الأحاديث التي تقدم ذكرها ) وقول ابن عباس بمنع التوبة ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارعة وأتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ( محمد : ٢٤ ) اه.
( ٢ ) يرى فريق آخر أن المراد بالخلود المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص القاطعة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم وما في الآية إخبار من الله بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه ذلك كما جاء في قوله عز اسمه وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ( الشورى : ٤٠ ) فإنه لو كان المراد منها أنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ( المائدة : ١٥ ) ومن ثم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا أنه قال هو جزاؤه إن جازاه وبهذا قال جمع من العلماء وقالوا هو كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب وهو إن لم يجازه لم يكن كذابا وقد روي عن ابن عباس جواز المغفرة بلا توبة أيضا وقال في الآية هي جزاؤه فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
( ٣ ) ويرى فريق ثالث أن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل وحكمه مما لا شك فيه وعكرمة وابن جريجن فسرا متعمدا مستحلا في الآية.
أي : ومن يقتل مؤمنا متعمدا لقتله مستحلا له فجزاؤه جهنم خالد فيها أبدا.
تفسير المراغي
المراغي