تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين١٠١ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [ الأعراف : ١٠١ ١٠٢ ].
المعنى الجملي : هذا خطاب وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته بتذكيره بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من وجوه العبر والمواعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم يدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم وطروق أرضهم في حلهم وترحالهم في رحلتي الشتاء والصيف.
الإيضاح : تلك القرى نقص عليك من أنبائها أي تلك القرى التي بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها وجهل قومك حقيقة حالها نقص عليك أنبائها مما في العبرة لقومك ولك.
والمراد بها القرى المعهودة في هذا القصص، والحكمة في تخصيصها بالذكر أنها كانت في بلاد العرب وما جاورها، وكان أهل مكة وغيرهم ممن وجهت إليهم الدعوة أول الإسلام يتناقلون بعض أخبارها وهي جميعا طبعت على غرار واحد في تكذيب الرسل والمماراة فيما جاؤوا به من النذر فحل بهم النكال بعذاب الاستئصال، فالعبرة في جميعها واحدة، ومن ثم فصلها من قصة موسى الآتية لأن قومه آمنوا به وإنما كذب فرعون وملؤوه فعذبوا.
ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل أي ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم، فجاء كل رسول قومه بما أعذر به إليهم، ولكن لم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجيء البينات بما كذبوا به من قبل مجيئها حين بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده بما شرعه وترك الشرك والمعاصي.
ذاك أن شأن المكذبين عنادا أو تقليدا أن يصروا على التكذيب بعد إقامة البينة، إذ لا قيمة لها في نظرهم، فهم إما جاحدون معاندون ضلوا على علم، وإما مقلدون يأبون النظر والفهم.
وفي معنى الآية قوله في سورة يونس : ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين [ يونس : ٧٤ ].
كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين أي مثل ما ذكر من عناد هؤلاء وإصرارهم على الضلال وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم يكون الطبع قلوب من ران الكفر على قلوبهم وصار العناد ديدنهم سنة الله في أخلاق البشر وأحوالهم، إذ هم يأنسون بالكفر وأعماله وتستحوذ أوهامه على عقولهم ويملأ حب الشهوات أفئدتهم فلا يقبلون بحثا ولا فيما هم عليه نقدا، فما مثلها إلا مثل السكة التي طبعت على طابع خاص أثناء صهر معدنها وإذابته ثم جمدت فلا تقبل بعد ذلك نقضا ولا شكلا آخر.
وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإعلام له بأن أهل مكة قد وصلوا إلى حال من الجمود والعناد وفساد الفطرة، وإهمال النظر والعقل لا تؤثر فيها البينات وإن وضحت. ولا الآيات وإن اقترحت.
وقد كانوا يقترحون عليه الآيات، وكان يتمنى أن يؤتيه الله ما اقترحوا منها حرصا على إيمانهم، حتى بين الله له طباعهم وأخلاقهم ليعرف مبلغ أمرهم في قبول دعوته وأنه لا أمل له فيهم بحال.
المعنى الجملي : هذا خطاب وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته بتذكيره بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من وجوه العبر والمواعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم يدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم وطروق أرضهم في حلهم وترحالهم في رحلتي الشتاء والصيف.
تفسير المراغي
المراغي