العبرة من قصص أهل القرى
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
الإعراب:
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ تلك: مبتدأ، القرى: صفة، ونَقُصُّ عَلَيْكَ خبر المبتدأ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا معنى اللام تأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافيا لحالهم في التصميم على الكفر.
بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ الباء سببية وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ الضمير للناس على الإطلاق، أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد.
وَإِنْ وَجَدْنا إن مخففة من الثقيلة. قال الزمخشري: وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة مارقين. والآية اعتراض.
المفردات اللغوية:
تِلْكَ الْقُرى هي قرى الأقوام الخمسة التي وصفت سابقا، وهم قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها نذكر لك شيئا من أخبارها كيف أهلكت.
والخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام. وقوله: مِنْ أَنْبائِها أي بعض أخبار أهلها بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرات. فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم بِما كَذَّبُوا كفروا به مِنْ قَبْلُ قبل مجيئهم، بل استمروا على الكفر كَذلِكَ يَطْبَعُ أي مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا.
لِأَكْثَرِهِمْ أكثر الناس مِنْ عَهْدٍ أي وفاء بعهدهم يوم أخذ الميثاق، أي أن أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى.
والعهد: قد يكون بين طرفين كالمعاهدة، أو من طرف واحد بأن يعهد لآخر بشيء، أو يلزم به. والميثاق: العهد المؤكد.
لَفاسِقِينَ لخارجين عن الطاعة وعن كل عهد، إما فطري أو شرعي، بنقضه ونكثه والغدر بأحكامه. وَما وَجَدْنا أي ألفينا وَإِنْ وَجَدْنا علمنا.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى على نبيه أخبار قرى الأقوام الخمسة (قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب) وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وإعذاره إليهم ببيان الحق بالأدلة على ألسنة رسلهم، أراد الله تسلية نبيه، وتثبيته على الصبر على دعوته، وتذكيره بالعبرة من قصص الماضين، وأن ما يلاقيه من قومه ليس جديدا، وإنما هو طريق قديم سلكه كثير من أقوام الأنبياء.
التفسير والبيان:
تلك القرى: قرى الأقوام الخمسة الذين وصفوا بما سبق نقص عليك يا محمد بعض أخبارها كيف أهلكت، مما فيه العبرة والعظة لقومك، والتسلية لك والتثبيت على دعوتك. وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، وذكرها الله تنبيها لقريش وأمثالهم عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال.
ثم إن هذه القرى كانت في بلاد العرب، وكان أهل مكة يتناقلون بعض أخبارها، وهي جميعا متشابهة في تكذيب الرسل، وعذاب الاستئصال، فكانت العبرة منها واحدة، لذا فصلت عن قصة موسى الآتية لأن قومه آمنوا به، وإنما كذب به فرعون وجماعته فعذّبوا.
وسبب عقاب تلك الأقوام هو تكذيب الرسل، فبالرغم من أنهم أقاموا لهم الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب
تكذيبهم بالحق من قبل مجيء الرسل وأول ما ورد عليهم، أي في بدء الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله، ومن قبل مجيء المعجزات، فظلوا على حالهم، ولم تؤثر فيهم الآيات الدالة على صدق الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم وعنادهم، مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات.
ومثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم ألا يؤمنوا أبدا. وبإيجاز: مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين.
وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت له على دعوته، وإخباره بأن هذا العناد والتمرد من أهل مكة قد سبقهم إليه أمثالهم من الأمم الغابرة، فلا تأس ولا تحزن على كفرهم.
وما وجدنا لأكثر الأمم الماضية عهدا وفوا به، سواء عهد فطرة الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم، أو عهد شرع بالإيمان وأداء التكاليف، أو عهد عرف متعارف عليه بأداء الالتزامات واحترام العقود التي يبرمونها فيما بينهم. ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. وفي التعبير بالأكثر إشارة إلى أن بعضهم قد آمن، ونفذ كل عهد مع الله أو مع الناس. وهذا من دقة القرآن ومصداقيته.
ومخالفة عهد الفطرة السليمة القائم على الإقرار بتوحيد الله وأنه لا إله إلا هو، وعبادة غيره بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، كان كلاهما بتأثير البيئة،
جاء في صحيح مسلم: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم»
وفي
الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» الحديث.
وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن مخالفة الفطرة السليمة وعن الشرك، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء ٢١/ ٢٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل ١٦/ ٣٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
الكفر عناد وتصميم بالرغم من معرفة الحق والاقتناع بالبرهان. ولقد كان إيراد قصص القرى التي أهلكها الله، وهي قرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب للعبرة والاتعاظ، وما كان أهل تلك القرى ليؤمنوا الآن حقيقة بسبب تكذيبهم السابق قبل مجيء الرسل، وظلوا إلى آخر أعمارهم مستمرين على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم، إلى أن ماتوا مصرّين على كفرهم وعنادهم.
والختم والطبع على قلوب الكفار القدامى والمعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن يأتي بعدهم إنما هو بسبب كفرهم وإصرارهم على موقفهم.
وهناك حقيقة أخبرت عنها الآية وهي أن أكثر الناس لا أمانة لهم ولا وفاء لديهم لعهد الله وميثاقه، وعهود الناس ووعودهم، وأن أكثرهم في الواقع فاسقون مارقون خارجون عن حدود الطاعة المطلوبة منهم نحو ربهم.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي