ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

ثم إن الله قال : تلك القرى نقص عليك من أنبائها [ الأعراف : آية ١٠١ ] الإشارة في قوله : تلك إشارة للقرى، ومعلوم أن ( القرى ) وما جرى مجراها أنه يعامل معاملة المؤنثة المجازية التأنيث. والقرى : جمع قرية على غير مثال. والقرى المشار إليها هي ما تقدم ذكرها في آيات سورة الأعراف الماضية، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب كما تقدم قصصهم مفصلا.
تلك القرى نقص عليك من أنبائها بعضهم يقول : تلك مبتدأ، و القرى خبره، و نقص جملة حالية، كقوله : وهذا بعلي شيخا [ هود : آية ٧٢ ] على أن ( هذا ) مبتدأ، و( بعلي ) خبره، و( شيخا ) حال، ولهم فيه غير ذلك. وبعضهم يقول : إن ( تلك ) مبتدأ و( القرى ) نعته. وهذا مبني على ما يقوله جماعة من النحويين أن أسماء الأجناس الجامدة أنها ربما نعت ووصف بها، وبه قال جماعة من علماء النحو كما هو معروف في محله.
وقوله : نقص عليك من أنبائها [ الأعراف : آية ١٠١ ] صيغة الجمع للتعظيم، ومعنى : نقص عليك من أنبائها نتلوا عليك أخبارها في هذا الكتاب العظيم. والأنباء : جمع النبأ وهو الخبر، وقد قدمنا مرارا أن النبأ أخص من الخبر، فكل نبأ خبر وليس كل خبر نبأ ؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على الخبر الخاص، وهو الخبر الذي له خطب وشأن، كما قلنا : إنك لا تقول :( جاءني اليوم نبأ عن حمار الحجام ) لأن حمار الحجام لا خطب له ولا شأن، فلا يطلق فيه النبأ، وإنما يطلق فيه خبر. وإنما كانت هذه الأنباء عن هذه القرى أخبار لها خطب وشأن ؛ لأنها دلت على كمال قدرة الله، وعلى صبر أنبيائه، وعلى شدة بطشه وعدالته وإنصافه، وإهلاكه للظالمين، وأن فيها من التخويف للموجودين من عذاب الله وسخطه ما ينهاهم أن يقع منهم مثل ما وقع من الأولين ؛ ولذا كان لها شأن وخطب ؛ ولذا قال : نقص عليك من أنبائها [ الأعراف : آية ١٠١ ].
ثم قال تعالى : وقد جاءتهم رسلهم بالبينات اللام موطئة لقسم محذوف، وقوله : جاءتهم ضمير جماعة الذكور راجع إلى سكان القرى المعبر عنهم بقوله : تلك القرى فأنث في قوله : نقص عليك من أنبائها نظرا إلى لفظ القرى، وذكر في قوله : ولقد جاءتهم نظرا إلى سكانها.
وبعض العلماء يقول : القرى تطلق إطلاقين : تطلق على الأبنية، كما تطلق على السكان. وعلى هذا فلا إشكال.
ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات قد قدمنا فيما مضى أن البينات جمع بينة، وأن البينة هي الحجة القاطعة التي لا تترك في الحق لبسا، ومنه ( البينات في الشهادات ) ؛ لأنها شهادات قوم عدول لا تترك في الحق لبسا، فالبينات : الحجج الواضحة البينة التي لا تترك في الحق لبسا. ومعنى ( البينات ) هنا على التحقيق : المعجزات ؛ لأن الله ما أرسل نبيا قط إلا ومعه معجزة تقارب التحدي، يعجز عنها الخلق، فتثبت بها نبوته ؛ لأن إثبات الله للمعجزات للرسل هي بمثابة قوله لهم : أنتم صادقون في خبركم عني. فهي تصديق من الله لهم ؛ لأنه ما خرق لهم العادة وقت التحدي وجاء بهذا العلم الخارق الذي لا يقدر عليه غيره إلا ومعناه عنده : أنت صادق يا عبدي فيما تنقل عني. فهو تصديق من الله ؛ ولذا سمي معجزة ؛ لأن المعجزة فعل خارق يحصل عند التحدي لا يقدر عليه البشر.
وقد ذكرنا فيما مضى في الكلام على قوله : قد جاءتكم بينة [ الأعراف : آية ١٠١ ] تصريف هذه الكلمة، وما جاء من أمثلتها في القرآن ببعض أمثالها، وكان ذلك الذي ذكرنا هنالك سقط منه قسم نسيانا، وكنا نتحرى إن جاءت لها مناسبة أخرى أن نبين القسم الذي سقط من كلامنا سهوا لئلا يضيع على بعض طلبة العلم الذين يسمعون هذه الدروس. ذكرنا فيما مضى أن ( البينة ) أنها صفة مشبهة من ( بان يبين ) فهو ( بين ) والأنثى ( بينة ) بمعنى : وضح. وأنها المعجزة الواضحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في الحديث الصحيح أن الله ما أرسل رسولا إلا أتاه بمعجزة كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ). هذا حديث صحيح صرح فيه النبي أن الله ما بعث نبيا قط إلا أعطاه ما آمن عليه البشر، أي : معجزة تفحم الناس وتلزمهم الحق كما هو واضح.
وقد ذكرنا فيما مضى أن البينة جاء من تصاريفها في القرآن ولغة العرب أربعة تصاريف، وثلاثة مزيدة –وهذا محل النسيان- لأنها جاءت على خمسة أنواع، أربعة منها مزيدة وواحد مجرد، ومن هنا وقع الغلط، وكنا نريد إذا جئنا بمناسبة كهذه أن نتدارك النسيان السابق لنبين القسم الذي سقط. اعلموا أولا : أن هذه المادة أعني مادة ( الباء والياء والنون ) ( ب، ي، ن ) جاء منها لفظ ( بان ) ثلاثيا مجردا، ومنه هذه ؛ لأن قوله : ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات [ الأعراف : آية ١٠١ ] البينات : وزنه ( فيعلات ) وهو من ( بان ) الثلاثية بلا نزاع عند من يعرف فن الصرف معرفة معروفة، ف( بان ) الثلاثي المجرد دل عليه قوله : فقد جاءتهم بينة جاءتهم رسلهم بالبينات [ الأنعام : آية ١٥٧ ] لأنها ( فيعلة ) وهي من ( بان ) الثلاثية المجردة بلا نزاع عند من له إلمام بموازين الصرف وأصوله. هذا الوجه المجرد، وهذا لازم في القرآن، وفي اللغة العربية، ولم يسمع متعديا بقية الأوزان الأربعة المزيدة التي تستعمل لازمة ومتعدية. ذكرنا فيما مضى منها ثلاثة، وهي ( أبان ) بزيادة الهمزة على وزن ( أفعل ) ومن هذه المادة قوله في جميع القرآن : والكتاب المبين ٢ [ الدخان : آية ٢ ] وكتاب مبين [ النمل : آية ١ ] لأن المبين هو الوصف من ( أبان ) الرباعية بالهمزة بلا نزاع عند من له إلمام بالفن.
[ وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة ] ( في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) فقد بينا أن ( أبان ) بالهمزة تكون متعدية وتكون لازمة، وذكرنا شواهد ذلك، وقلنا : إن من إتيانها متعدية : أبان حجته، وأبان للناس ما كان يخفى عنهم، وأنها تأتي لازمة، ومنه : وكتاب مبين أي : البين الواضح، ومنه لازما قول كعب بن زهير

قنواء في حرتيها للبصير بها عتق مبين وفي الخدين تسهيل
وقد بينا هذا فيما مضى.
الثاني من الأوزان المزيدة :( بين ) بالتشديد على وزن ( فعل ) بتضعيف العين، وهذه في القرآن كثيرة كما قال : نبين لهم الآيات [ المائدة : آية ٧٥ ] وهي كثيرة في القرآن العظيم، وهي تأتي في كلام العرب أيضا متعدية ولازمة، وذكرنا شواهدها لازمة كما في مثل :( قد بين الصبح لذي عينين ) إلى آخر ما ذكرنا من شواهدها.
الثالث :( استبان ) على وزن ( استفعل ) وقد ذكرنا أنها تأتي متعدية أيضا ولازمة، وأن تعديها ولزومها جاء مثالهما في القراءتين في قوله : ولتستبين سيبل المجرمين [ الأنعام : آية ٥٥ ] لأنه فيه قراءتان سبعيتان ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المجرمين فعلى قراءة : سبيل بالرفع، ف( تستبين ) لازمة معناه : تظهر وتتضح، وعلى قراءة سبيل المجرمين ف( تستبين ) متعدية للمفعول، تستبين أنت يا نبي الله سبيل المجرمين أي : تعلمها وتعرفها حتى تتضح لك، هذه الأوزان التي ذكرنا، والذي نسيناه في ذلك، وهو سبب الرجوع لهذا الكلام :
الوزن الرابع من المزيد وهو قوله :( تبين ) على وزن ( تفعل ) بزيادة التضعيف والتاء، وهذا موجود في القرآن بكثرة، وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه [ التوبة : آية ١١٤ ] وتبين لكم كيف فعلنا بهم [ الرعد : آية ].
( وتبين ) أيضا بزيادة التاء مع التضعيف تأتي في لغة العرب لازمة ومتعدية، مثال إتيانها لازمة : وتبين لكم كيف فعلنا بهم [ إبراهيم : آية ٤٥ ] { فلما تبين له أنه عدو لله ] وقد سمعت في كلام العرب متعدية، ومن سماعها متعدية قول الشاعر :
ولما تزايقا من الجزع والنأي مشرق ركب مصعدا عن مغرب
تبينت ألا دار من بعد عالج تسر وألا خلة بعد زينب
فالمصدر المنسبك في قوله :( أن لا دار ) في محل مفعول ل ( تبين ).
فنحن نذكر هذه المناسبات لأننا نعلم أن القرآن العظيم هو مصدر العلوم، وله في كل علم بيان، فنتطرق الآية من وجوهها، وقصدنا انتفاع طلبة العلم ؛ لأن القرآن أصل عظيم تعرف به أصول التصريف والنحو وأصول الفقه والتاريخ والأحكام إلى غير ذلك من جميع النواحي، فنحن جرت عادتنا بأن نتطرق الآية من جميع نواحيها بحسب الطاقة لينتفع كل بحسبه.
يقول الله حل وعلا : ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ١٠١ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ١٠٢ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ١٠٣وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ١٠٤ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ١٠٥ [ الأعراف : الآيات ١٠١ -١٠٥ ] اللام موطئة لقسم محذوف، والله لقد جاءتهم. والضمير في قوله : ولقد جاءتهم عائد إلى الأمم المذكورة في قوله : تلك القرى نقص عليك من أنبائها والله لقد جاءت تلك القرى التي قصصنا عليك من أنبائها رسلهم بالبينات، فجاء نوح قوم نوح، وهود عادا، وصالح ثمود، وقوم لوط لوط، وقوم شعيب شعيب. هذه الرسل جاءت هذه الأمم. وهذا معنى قوله : ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات والله ولقد جاءتهم رسلهم [ الأعرف : آية ١٠١ ] من عندنا، أي : من عند خالقهم بالبينات أي : بالأدلة الواضحة، وهي المعجزات ؛ لأن الله ما أرسل نبيا قط إلا ومعه معجزة تثبت قوله وتقوم بها الحجة على من أرسل إليهم.
وقوله : رسلهم الرسل جمع رسول، والرسول هو من أرسل بشيء إلى غيره، وأصل الرسول مصدر، وإتيان المصادر على ( الفعول ) قليل، كالقبول والولوع والرسول، وإنما قلنا : إن أصل الرسول مصدر لأن ذلك يزول به بعض الإشكالات في القرآن ؛ لأن الرسول أصله مصدر بمعنى الرسالة، ومنه قول الشاعر :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بقول ولا أرسلتهم برسول
أي : ما أرسلتهم برسالة، وإنما قلنا : إنه مصدر لأن كونه مصدرا يزيل بعض الإشكالات ؛ لأن المصادر إذا وصف بها ونعت بها جاز إفرادها وتذكيرها من غير جمع ؛ ولذلك جاز إفراد الرسول في حالة التثنية والجمع نظرا إلى أن أصله مصدر، ومن إفراده في الثنية : قوله تعالى في الشعراء : فقولا إنا رسول رب العالمين [ الشعراء : آية ١٦ ] وقد ثناه في طه في قوله : إنا رسولا ربك [ طه : آية ٤٧ ] فإفراده وهو تثنية نظرا إلى أن أصله مصدر، وتثنيته اعتبارا بوصفيته الطارئة و قطعا للنظر عن مصدريته الأصلية، وسمع في كلام العرب إطلاق الرسول على الجمع بلفظ المفرد، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر
إذا علمت أن أصل الرسول مصدر، وأنه وصف به، فإذا جمع كقوله : جاءتهم رسلهم أو ثني كقوله : إنا رسولا ربك [ طه : آية ٤٧ ] فذلك للاعتداد بالوصفية العارضة، وإذا أفرد كقوله : إنا رسول رب العالمين [ الشعراء : آية ٦١ ] فذلك نظرا إلى المصدرية الأصلية كما لا يخفى.
قوله : بالبينت أي : المعجزات.
وقوله :{ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من ق

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير