تعليق على عبارة
يطبع الله على قلوب الكافرين
وفي الآيتين الأخيرتين ورد مقطعان عن طبع الله على قلوب الكافرين. وهذا التعبير قد تكرر في مواضع عديدة ومناسبات مماثلة. وكان من أسباب التشاد بين علماء الكلام، حيث رآه فريقا دليلا على أن أعمال الناس ومصائرهم مقدرة محتمة منذ الأزل، وأوله فريق آخر رأى في رأي هذا الفريق ما يناقض عدل الله وحكمته في إرسال الرسل، وما يتناقض مع تقريرات قرآنية متنوعة.
والذي يلهمه سياق الآيات هنا وسياق الآيات الأخرى التي ورد فيها هذا التعبير أنه ليس في معنى : أن الله قد قسى قلوب أناس بأعيانهم سلفا وأغلق أذهانهم وصرفهم عن الاستجابة إلى دعوة الله كقضاء أزلي. وفحوى الآيات هنا وفي غير مكان لا يمكن أن يساعد على ذلك ؛ لأنها تحتوي في الوقت نفسه لوما وتنديدا وإنذارا وتعنيفا للكافرين على جحودهم وانحرافهم. وإنما هو بسبيل وصف شدة قسوة قلوبهم بسبب سوء طويتهم وخبث نيتهم حيث يؤدي ذلك إلى انغلاق أذهانهم، أو بسبيل تقرير ما يصيرون إليه من ذلك نتيجة لمواقف المكابرة والعناد التي يقفونها حتى بدو أنه أصيل فيهم.
ومما يلحظ : أن هذا التعبير يأتي دائما مع وصف الكفر والجحود والفسق والخسران مع التنديد والتقريع بالكافرين الجاحدين الفاسقين، حيث يبدو أن الآيات في الحقيقة : إنما تقرر أن الكفر والفسق وعدم الاستجابة لدعوة الحق ونقض العهد كل ذلك قد وجد في الكافرين، فنعتوا بهذا النعت واستحقوا من أجله التنديد والتقريع والتعنيف. وفي الآيات يبدو هذا قويا بارزا.
ولعل من أهداف هذا التعبير وأمثال تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وكأنما يقال لهم إنه لا موجب للحزن والأسى إذا لم تلن قلوب الكافرين والجاحدين، فإن الله قد طبع عليها بما بيتوه من نية الكفر وانطبعوا عليه من خبث وفساد وفسق.
ولقد ثبت يقينا أن كثيرين من الذين وصفوا بوصف الكافرين والفاسقين والظالمين، والذين تقرر الآيات أن الله يطبع على قلوبهم، وأن كلمة الله حقت عليهم بأنهم لا يؤمنون من السامعين للقرآن من عرب وغير عرب ومن مشركين وكتابيين قد آمنوا بالرسالة المحمدية والقرآن ونالوا رضاء الله بعد نزول هذه الآيات وتابوا وتاب الله عليهم حيث يصح القول : إن هذه الآيات وأمثالها الكثيرة في القرآن مما مر ويأتي قد انطوت على تسجيل للواقع عند نزولها وعلى تأييد لما شرحناه به آنفا. وإن ما احتوته من إنذار وتنديد إنما يظل واردا بالنسبة للذين يصرون على الكفر والفسق والظلم ويموتون على ذلك ويبقى الوصف ملازما لهم. وفي القرآن آيات كثيرة تؤيد ذلك منها آيات سورة البقرة هذه : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون١٥٩ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم١٦٠ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين١٦١ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون١٦٢ ١.
وما أرسلنا في قرية١ من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون( ٩٤ )٢ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا٣ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء٤ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون( ٩٥ ) ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون( ٩٦ ) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون( ٩٧ ) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون( ٩٨ ) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون( ٩٩ ) أو لم يهد٥ للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم٦ فهم لا يسمعون( ١٠٠ ) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين( ١٠١ ) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين( ١٠٢ ) [ ٩٣-١٠٢ ].
تلقين الآيات التي جاءت عقب السلسلة القصصية
عبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كما يتبادر منها معقبة على السلسلة القصصية وموضحة وداعمة لأهدافها بأسلوب قوي رصين موجه إلى القلوب والعقول معا. ومن شأنه أن ينفذ إلى أعماق النفوس ويحمل السامعين وبخاصة إذا كانوا راغبين في الحق سليمي النية والطوية على التفكر والتدبر والتروي وحسبان العواقب والاعتبار بالسوابق. وفيها في ذات الوقت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
فشأن الجاحدين شان أمثالهم السابقين. جاءتهم أنبياؤهم فجحدوا وتمردوا. وامتحنهم الله بالضيق ثم باليسر فغفلوا عن مغزى هذا الامتحان، وظنوا أن ما وقع عليهم هو عادات الدهر التي تتراوح بين الشدة والفرج. فلما بلغ البغي منهم أوجه أخذهم الله أخذا قويا بما كسبت أيديهم في حين أنهم لو آمنوا بالله واتقوه بصالح العمل لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض. ولكنهم لو يرعووا وقست قلوبهم فحل نكال الله بهم. وإنه لأجدر بالسامعين الجاحدين أن يتعظوا بأنباء من سبقهم وأحداثهم ويذكروا أن الله قادر على أن يصيبهم بذنوبهم، وأن لا يطمئنوا إلى ما هم فيه ويظنوا أنهم في أمن ويغفلوا عن بأس الله ونقمته. فإن المطمئن الغافل هو الخاسر حتما. ولقد بدا أنهم ساروا في طريق أمثالهم ولم يتعظوا وكذبوا نبيهم ولم يف أكثرهم بعهد الله وتمردوا عليه وقست قلوبهم وانسدت آذانهم وكانوا فاسقين.
والأسلوب التقريري القوي الذي جاءت عليه الآيات مطلق التوجيه بحيث يتناول في عظمته وشموله وما فيه من تقرير عادة الله ونواميسه وطبائع أكثر الناس في جميع الأجيال. وما احتواه من تلقين جليل مستمر المدى بطبيعة الحال تبعا لذلك.
تعليق على كلمة نبيء ومدى الفرق
بينها وبين كلمة رسول
وكلمة نبي تأتي هنا لأول مرة. وهي مشتقة من : نبأ بمعنى : صات أو ظهر أو أخبر. وكلمة [ النبي ] بمعنى المنبأ أي الذي يأتيه النبأ أو الخبر من الله تعالى. ولقد وردت بعض الأسماء في القرآن بالوصفين معا مثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم في آية في هذه السورة ستأتي بعد قليل ومثل موسى وإسماعيل في آيتي سورة مريم [ ٥١ و ٥٤ ] ووردت بعض الأسماء بوصف النبي فقط مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهارون وإدريس في آيات سورة مريم [ ٤١ و ٤٩ و ٥٣ و ٥٧ ] مع أن منهم من كان رسولا يقينا مثل إبراهيم وهارون مع أن المفسرين والعلماء فرقوا بين كلمتي النبي والرسول وقالوا : إن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا١. فإن آية سورة الحج هذه : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم٥٢ قد جمعت بين الكلمتين من جهة واستعملت كلمة الإرسال للنبي والرسول معا من جهة ثانية. وقد خاطب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا بصفة النبي كما جاء في آية سورة التحريم هذه : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم١ وأحيانا بصفة الرسول كما جاء في آية سورة المائدة هذه يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين٦٧ وقد اجتمعت صفتا الرسول والنبي في النبي صلى الله عليه وسلم في آيات سورة الأعراف هذه : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون١٥٧ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون١٥٨ .
وآيات المائدة والتحريم تسوغ القول : إنهما مترادفتان وآيات الحج والأعراف التي جمعت الكلمتين معا قد تدل على أن هناك فرقا بينهما إن لم نستطع إدراكه فهو على كل حال ليس من نوع الفرق الذي يراه المفسرون والعلماء فيما هو المتبادر لنا وفحوى آية سورة الحج بخاصة يدعم قولنا.
التفسير الحديث
دروزة