ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

معلوم أن ( ثم ) حرف عطف مع الترتيب والانفصال، و( بعثنا } معناه : أرسلنا : وصيغة الجمع للتعظيم من بعدهم موسى من بعدهم أي : من بعد الرسل المذكورين في هذه السورة، وهم : نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، بعثنا من بعد هؤلاء نبينا موسى، بعثناه بآياتنا وهي الآيات التسع والمعجزات التي جاء بها فرعون، كاليد البيضاء، والعصا الآتية في هذه السورة، وبعض الآيات المذكورة في سورة الأعراف كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
إلى فرعون وملإيه [ الأعراف : آية ١٠٣ ] الملأ : أشراف الجماعة من الذكور، و( فرعون ) هو ملك مصر. يقولون : إن كل من ملك مصر يسمي ( فرعون ) كما هو معروف من تسمية ( كسرى ) و( قيصر ) لكل من ملك ذلك المحل المعروف، وبعض العلماء يقول :( فرعون ) لفظ عربي من تفرعن الرجل إذا كان ذا مكر ودهاء، وعلى تقدير أن ( فرعون ) لفظ عربي فوزنه :( فعلول ) باللام لا ( فعلون ) بالنون. وبعضهم يقول : هو اسم أعجمي. وهو الأظهر ؛ لأنه لو كان عربيا لما منع من الصرف ؛ لأن هذا الوزن إذا كان عربيا قد لا يمنع من الصرف. وفرعون المذكور هنا هو ملك مصر الذي جاءه موسى وأرسل إليه، وقص الله من خبره ما قص، والمؤرخون والمفسرون بعضهم يقول : اسمه :( طالوس ). وبعضهم يقول اسمه : الوليد بن مصعب بن الريان كما هو معروف في تاريخه.
إلى فرعون وملإيه أي : أشراف جماعته بآياتنا إلى فرعون وملإيه قوله : بآياتنا [ الأعراف : آية ١٠٣ ] أي : بمعجزاتنا التي جاء بها موسى.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن المحققين من علماء العربية يقولون : إن أصل الآية ( أيية ) فوزنها ( فعلة ) وفاؤها همزة، وعينها ولامها كلاهما ياء ( أيية ) وقد اجتمع فيها موجبا إعلال ؛ لأن العين واللام كلتاهما ياء مفتوحة قبلها فتحة أصلية. فالإعلال تكرر موجبه هنا، وقد عرف في فن الصرف أن الإعلال إذا تكرر موجبه يكون الإعلال غالبا في الأخير. وهنا خولف الأغلب، وصار الإعلال في الأول، فأبدلت الياء الأولى ألفا، وصححت الياء الثانية، وفيه أقوال غير هذا ولكن هذا أشهرها عندهم.
والآية في لغة العرب : تطلق إطلاقين :
أحدهما : تطلق الآية ويراد بها العلامة. وهذا إطلاقها المشهور. تقول : آية كذا. أي : علامة كذا. وقد جاء في شعر نابغة ذبيان –وهو عربي جاهلي- تفسير الآية بالعلامة، وذلك في قوله :

توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع
ثم فسر الآية بأنه يريد بها علامات الدار، وما تشخص من آثارها بقوله :
رماد ككحل العين لأيا أبينة ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
الإطلاق الثاني : هو إطلاق الآية على الجماعة ؛ لأن العرب تقول : جاء القوم بآيتهم. أي : بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر الطائي أو غيره :
خرجنا من النقبين لاحي مثلنا بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا
أي : بجماعتنا.
والآية هنا بمعنى العلامة ؛ لأن المعجزات أفعال خارقة للعادة هي علامات واضحة قاطعة على أن الله مصدق لمن أعطاه إياها مقارنة للتحدي كما هو معروف.
وقوله : فظلموا بها الباء في قوله :( بها ) عدى به. و( ظلموا ) فيه وجهان معروفان لعلماء التفسير :
أحدهما : أن ( ظلموا ) معناه : كفروا. أي : فكفروا بها، وإذا كان ( ظلموا ) بمعنى : كفروا فلا إشكال في الباء، والظلم كثيرا ما يطق بمعنى الكفر كقوله : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] والكافرون هم الظالمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ١٠٦ [ يونس : آية ١٠٦ ] وعلى هذا فالظلم بمعنى الكفر، وتعديته بالباء واضحة، وبعض العلماء يقول : فظلموا بسببها، حصل منهم الظلم الكبير بسببها حيث كذبوا بها ولم تدلهم على الحق وعاندوا. وذلك الظلم قد بين ( جل وعلا ) أنهم أيقنوا أن الآيات حق، وأنهم ظلموا عدوانا منهم، كما قال في قوم فرعون لما علموا الحق من آيات موسى في أول سورة النمل : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : آية ١٤ ] فقوله : ظلما وعلوا في النمل يوضح قوله : فظلموا بها أي : بسببها، وقد قال تعالى : قال لقد علمت ما انزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر [ الإسراء : آية ١٠٢ ] أي : لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات إلا رب السموات والأرض بصائر أي : دلالات قاطعة لا تترك في الحق لبسا، وهذا معنى : فظلموا بها .
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا : أن الظلم في لغة العرب، هو وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئا في غير موضعه فقد ظلم، وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه : وضع العبادة في غير من خلق، ثم يليه : وضع الطاعة في الشيطان دون الله ( جل وعلا )، والعرب كل من وضع شيئا في غير موضعه تقول له : ظلم. ومن هذا المعنى قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب : إنه ظالم ؛ لأن الضرب وقع في غير موضعه ؛ لأنه يضيع زبده ؛ ولذا كانوا يسمون الذي يضرب [ لبنه ] ( في الأصل :( زبده ) وهو سبق لسان ) قبل أن يروب : ظالما، ففي لغز الحريري يقول :( هل يجوز أن يكون الحاكم ظالما ؟ قال : نعم إذا كان عالما ). فقوله :( ظالما ) يعني : يضرب لبنه قبل أن يروب، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم
وقول الآخر :
وصاحب صدق لن تربني شكاته ظلمت وفي ظلمني له عامدا أجر
فهذا معروف في كلام العرب بكثرة، ومنه قيل لمن وضع شيئا في غير موضعه :( ظالم ) ؛ ولذا سموا الحفر في الأرض التي ليست محلا للحفر والماء سموها :( مظلومة )، ومنه قول نابغة ذبيان :
إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
سوموا تراب القبر :( ظليما ) ؛ لأنه يحفر وهو ليس محلا للحفر أصلا، ومنه قول الشاعر :
فأصبح في غبراء بعد إشاحة من العيش مردود عليها ظليمها
هذا معروف في كلام العرب، ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف : الظلم منه بمعنى النقص، وهو قوله : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم [ الكهف : آية ٣٣ ] يعني : ولم تنقص منه شيئا .
إذا عرفتم هذا فكل من كفر بالله فقد وضع العبادة في غير موضعها، ومن عصى ربه وأطاع الشيطان فقد وضع الطاعة في غير موضعها، ووضع المعصية في غير موضعها، ومن هنا كان الظلم يطلق على الكفر وعلى المعاصي، قد قدمنا إطلاق الظلم على الكفر آنفا في قوله : والكافرون هم الظالمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ يونس : آية ١٠٦ ] وقد يطلق الظلم على معصية الله ولو لم تكن كفرا كقوله : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [ فاطر : آية ٣٢ ] إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا إلى قوله : فلا تظموا فيهن أنفسكم [ التوبة : آية ٣٦ ] لا تعصوا الله فيهن. هذا معنى قوله : فظلموا بها أي : بسببها.
فانظروا يا نبي الله كيف كان عاقبة المفسدين [ الأعراف : آية ١٠٣ ] ماذا يؤول إليه أمر المفسدين من الوبال والدمار والخسار فإن جميع الأمم الماضية كانت عاقبة إفسادها عاقبة وخيمة جدا، فأهلك الله قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بالصيحة والرجفة والظلة، وأهلك قوم موسى –فرعون وقومه- بالغرق كما سيأتي إيضاحه، وهذا معنى قوله : فانظر كيف كان عاقبة المفسدين أهل الإفساد، وقد قدمنا أنهم الذين يحاولون أن يعملوا في الأرض بغير ما أنزل الله ( جل وعلا ) على رسله.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير