(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
والتعبير بـ (ثُمَّ) يدل على بعد الزمان والمكان ما بين هؤلاء الذين جاء ذكرهم من الأنبياء، وموسى - عليه السلام - فأولئك كانوا قبله بقرون وكانوا في أرض العرب، وموسى في أرض مصر، وأولئك خاطبوا أقوامهم في صحراء أقرب إلى البادية ولم تعرف لهم حضارة، وموسى - عليه السلام - كان في أرض فرعون، وفيها ملك ثابت، وإن لم يقم على الإيمان، وكانت مصر ذات علوم وفنون.
ويقول الله تعالى في بعث موسى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) فلم يكن إلى فرعون وحده، بل كان إليه وإلى الكبراء من قومه فذكرهم مع أنه إذا ذكر جاءوا في ذكره ضمنا، ونقول: إن كل ذي طاغوت لَا يكون طاغوته من شخصه وحده،
بل منه ومن حاشيته فهم مطبوعون بطابعه، يزينون له ما يفعل، ويحسنونه ويؤيدونه، ويشجعونه، ولولا أنهم حوله ما طغى وبغى، أو ما كان طغيانه بالمقدار الذي وصل أو يصل إليه كل طاغية، ولقد رأينا بعض الطواغيت في هذا الزمان يتخذ حاشية تعينه على الظلم، بل تطغى عليه وهو لَا يشعر، رأينا ذلك رأي العيان؛ ولذا خص الله تعالى ملأ فرعون بالذكر، وسنجد من سياق القصص الحكيم في أمر فرعون أنه ملأه كان يعاونه بالقول والفعل، ويسكت عن جرائمه من اعتراض دائما.
وقد نسب الله تعالى الظلم إليهم مع فرعون ولم يفرده بالظلم، فقال: (فَظَلَمُوا بِهَا) فلم يكن الظلم من فرعون وحده بل كان منه ومن هذا الملأ والشعب مأكول فيهما ومأسور بظلمهما.
والظلم يشمل ظلم الرعية، ويشمل الظلم في العقيدة بالشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، والظلم يؤدي الفساد، فالشرك في العقيدة إفساد للعقل والفكر والنفس بالضلال، والضلال أبلغ أنواع الشرك، والشرك ينشأ من الأوهام ويؤدي إلى كثرة الأوهام والضلال، ألم تر أنهم كانوا يعبدون العجل، والظلم يؤدي إلى فساد الرعية بالخنوع والطاعة للظالم، والرضا بالهون، وفقد الحرية والاندفاع في الظلم، حتى ساغ له أن يقول لهم: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى.
ولذا قال تعالى بعد أن ذكر الظلم: (فَانظُرْ كيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) انظر يا محمد مآل الذين أفسدوا في الأرض بشركهم وإرهاقهم للرعية، واستبدادهم إني عاقبتهم أن أغرقوا في اليم، ولم يُجْد فرعون وملأه أن قالوا: آمنا برب هارون وموسى.
فلننظر إلى ما كان من فرعون أكبر طاغية في عصره، ويحاكيه الطغاة في كل عصر، وقد كان فرعون جاهل في أرض مصر، وسام أهلها سوء العذاب، لجنونه وحمقه وجهله، حتى أرداها فيما لم تترد فيه شيء أي عصر من عصورها.
أيد الله موسى بمعجزات كثيرة، عدها الله تعالى آيات، أيده بالعصا، وباليد البيضاء من غير سوء والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، وكانت هذه الآيات الكثيرة لإمعانهم في الضلال والطغيان، وكانت كل آية تأتي في حال تناسبها، ووقت الحاجة إليها.
* * *
موسى يواجه فرعون
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة