إيمان السّحرة بربّ العالمين
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١١٧ الى ١٢٢]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
الإعراب:
أَنْ أَلْقِ عَصاكَ أَنْ: إما مصدرية في موضع نصب، وتقديره: بأن ألق عصاك، فحذف حرف الجر فاتّصل الفعل بها، وإما أن تكون مفسّرة بمعنى أي، فلا يكون لها موضع من الإعراب، كقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا [ص ٣٨/ ٦] أي: امشوا.
ما يَأْفِكُونَ ما: موصولة، أي: زال وذهب الذي عملوا به السّحر، أو مصدرية بتقدير:
فإذا هي تلقف إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك. صاغِرِينَ حال منصوب.
البلاغة:
فَوَقَعَ الْحَقُّ استعارة أستعير لوقع للثبوت والظهور والحدوث.
المفردات اللغوية:
تَلْقَفُ تتناول وتبتلع بسرعة. ما يَأْفِكُونَ يقلبون بتمويههم، أو يكذبون ويموهون، مأخوذ من الإفك: وهو قلب الشيء عن وجهه الأصلي، وهو إما أن يكون بالقول الكاذب، وإما أن يكون بالفعل كالسحر. والمأفوك: المصروف عن وجهته الأصلية، قال تعالى:
أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة ٥/ ٧٥ وموضع أخرى] أي يصرفون عن الحقّ في الاعتقاد إلى الباطل، ومنه سمّيت الرياح المعدولة عن مهبها مؤتفكة، كما قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ [الحاقة ٦٩/ ٩] أي أهل تلك القرى. وهي قرى قوم لوط.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون، وهو موقفه من
السّحرة. وهو إخبار من الله تعالى إلى رسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرّق فيه بين الحق والباطل، ومضمون الإخبار: إلقاء ما في يمينه وهي عصاه.
أوحى الله إلى موسى وأمر بإلقاء عصاه، التي تحولت إلى ثعبان عظيم، فإذا هي تبتلع ما ألقوه، وموّهوا به أنه حق وهو باطل، أو ما يقلبونه من الحقّ إلى الباطل ويزوّرونه. قال ابن عباس: فجعلت لا تمرّ بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السّحرة أن هذا شيء من السّماء، ليس بسحر، فخرّوا سجّدا، وقالُوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
وكانوا قد جعلوا الحبال مجوّفة محشوّة بالزئبق، وقد تحرّكت بتأثير الحرارة:
إما بحرارة الشّمس حين أصابتها، وإما بنار أعدت لها.
فَوَقَعَ الْحَقُّ.. أي فثبت الحقّ وظهر كالشّمس، وفسد ما كان السّحرة يعملون من الحيل والتّخييل، وذهب تأثيره، وأدركوا أن فعل موسى فوق السّحر.
وغلب السّحرة في ذلك الجمع العظيم بأمر الله وقدرته، وانقلب فرعون وقومه معه صاغرين أذلّة، بما لحقهم من عار الهزيمة والخيبة والخذلان، لكن السّحرة آمنوا.
وألقي السّحرة عند ذلك وعند معاينة المعجزة سجّدا لربّهم لأنّ الحق بهرهم وحملهم على السجود، وقالوا: صدّقنا وآمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، أي ربّ جميع الأشياء والخلائق من الإنس والجنّ.
وكان هؤلاء منسجمين مع أنفسهم، منطقيين في تصرّفهم، فلم يكابروا، وإنما كانوا صادقين مع نفوسهم، بدليل أن فرعون قبل المبارزة دعا رؤساء السّحرة
ومعلميهم، فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: قد عملنا سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون أمرا من السّماء، فإنه لا طاقة لنا به.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات إظهار واضح لقدرة الله تعالى بإعدام الحبال والعصي وإذهابها من الوجود، مما يدلّ على وجود الإله القادر المختار، وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السّلام، والحسم القاطع بين الحقّ والباطل.
ولكن المشكلة تكمن في مواقف البشر، فالمعاندون وهم فرعون وقومه، بالرغم من عار الهزيمة والخذلان، ظلّوا على وضعهم من الكفر والعناد والتكذيب، وهو طيش وخفّة عقل ومكابرة للحقّ. وأما السّحرة البسطاء في الظاهر، والعقلاء في الحقيقة والواقع، فإنهم عرفوا أن فعل موسى ليس من قبيل السّحر، وإنما هو معجزة سماوية إلهية، فلم يتمالكوا أنفسهم، وخرّوا ساجدين لربّهم، خاضعين لإله الكون.
فما أحرى الناس بتقليد هؤلاء ونبذ أولئك!! ذلك لأنّ السّحرة كانوا مهرة في علم السّحر، متقنين لفنونه وأنواعه، ولأجل مهارتهم وإتقانهم وكمال علمهم بالسّحر انتقلوا من الكفر إلى الإيمان.
واحتجّ أهل السّنّة بقوله تعالى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين. وهذا يدلّ على أن فعل العبد من خلق الله تعالى، فهو سبحانه هو خالق الميل إلى الإيمان في قلوبهم.
ولما ظفروا بمعرفة الله تعالى في الحال، جعلوا سجودهم شكرا لله تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان، وعلامة أيضا على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهار الخضوع والتّذلل لله تعالى.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي