يقول الله جل وعلا : وقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ١٣٠ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولاكن أكثرهم لا يعلمون ١٣١ [ الأعراف : الآيتان ١٣٠- ١٣١ ].
اللام في قوله : ولقد أخذنا موطئة للقسم، وصيغة الجمع للتعظيم، والمراد ب( آل فرعون ) : فرعون وقومه، والمعنى : أن السحرة لما غلبوا، وأظهر الله معجزة نبيه، وعرف فرعون وقومه أنه الحق، كما قال تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ النمل : آية ١٤ ] امتحنهم الله بآيات فيها بعض العذاب، أخذهم أولا بالسنين ونقص من الثمرات، كما قال هنا : ولقد أخذنا والله لقد أخذنا آل فرعون أي : فرعون وقومه.
بالسنين والمراد بالسنين : الجدب والقحط حتى تقل بسببه الأرزاق. يعني : هذا البلاء بالسنين، العرب تقول : هذه سنة، وهذه سنون. يعنون أنها عام أو أعوام جدب، يقل فيه المطر، ويكثر فيه الجدب، ويقل فيها الأرزاق. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قوله : اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى إن العرب ليقولون : أسنت القوم. أي : أصابتهم السنة الشهباء المجحفة، التي فيها جدب وعدم المطر. ومنه قول ابن الزبعري السهمي :
| عمرو العلا هشم الثريد لقومه | ورجال مكة مسنتون عجاف |
ونقص من الثمرات أي : وأخذناهم بنقص من الثمرات بحيث لا تثمر أشجارهم. قال بعضهم : كانت النخلة قد تكون فيها تمرة واحدة. قال بعض العلماء : السنين : هي الجذب بباديتهم، ونقص الثمرات : قلة الزروع والثمرات لأمصارهم.
وعلى كال حال فالمراد أن الله يقل عليهم المطر حتى تقل أرزاقهم من زروع وثمار وغيرها، وهذا معنى قوله : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ١٣٠ [ الأعراف : الآية ١٣٠ ] أي : يتعظون.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن أشهر معاني ( لعل ) معنيان :
احدهما : أنها حرف ترجي كما هو معروف، إلا أن الترجي فيها بالنسبة إلى خصوص علم المخلوقين ؛ لأن الله ( جل وعلا ) عالم بما كان وما سيكون وما تؤول إليه عواقب الأمور. وعلى هذا فمعنى قوله تعالى لموسى وهارون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر [ طه : آية ٤٤ ] أي : على رجائكما أنتما أنه يتذكر، أما الله فهو عالم أنه لا يتذكر ولا يخشى.
المعنى الثاني : هو ما ذكره بعض العلماء من أن كل ( لعل ) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء : وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون [ الشعراء : آية ١٢٩ ] قالوا : هي بمعنى : كأنكم تخلدون. وهكذا ذكر بعضهم، ومن المعلوم أن ( لعل ) تأتي في القرآن مرادا بها التعليل، منه قوله تعالى : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ النحل : آية ٧٨ ] أنعم عليكم بهذه النعم لأجل أن تشكروا. ومن شواهد إتيان ( لعل ) مرادا بها التعليل قول الشاعر :
| وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا | نكف ووثقتم لنا كل موثق |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير