مِمَّنْ يُقَالُ فِيهِمُ الْيَوْمَ " يَفُكُّونَ الْخَطَّ " فَأَنَّى لِمَنْ كَانَ أَبْعَدَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ يَعْرِفَ هَذِهِ الدَّقَائِقَ الْمُفَصَّلَةَ السَّالِمَةَ مِنَ الشَّوَائِبِ الَّتِي لَا يُصَدِّقُهَا الْعَقْلُ، أَوْ لَا تَتَّفِقُ مَعَ تَوْحِيدِ الْأَنْبِيَاءِ وَفَضَائِلِهِمْ لَوْلَا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ؟ !
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ تَفْصِيلٌ لِمُقَدِّمَاتِ الْهَلَاكِ الْمَوْعُودِ بِهِ فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْجَازُ وَعْدِ اللهِ تَعَالَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ.
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ صُدِّرَتِ الْجُمْلَةُ بِالْقَسَمِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ لَامُهُ؛ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهَا وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وَكَيْفَ لَا؟
وَهُوَ مِنْ أَظْهَرِ آيَاتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى تَأْيِيدِ رُسُلِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِدَالَةِ لِلْمَظْلُومِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ الظَّالِمِينَ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ مَادَّةِ " الْأَخْذِ " فِي الْعَذَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١١: ١٠٢) فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٥٤: ٤٢) فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (٧٣: ١٦) يَعْنِي فِرْعَوْنَ مُوسَى فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (٦٩: ١٠) وَآلُ فِرْعَوْنَ: قَوْمُهُ، كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُفَسِّرُونَ، أَوْ خَاصَّتُهُ وَأَعْوَانُهُ فِي أُمُورِ الدَّوْلَةِ، وَهُمُ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَثُرَ ذِكْرُهُمْ فِي قِصَّتِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُذْنِبُونَ الْمُعَانِدُونَ لِمُوسَى، وَإِنَّمَا وُقُوعُ الْعَذَابِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِالتَّبَعِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُوَافِقِينَ وَمُقِرِّينَ لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (٨: ٢٥) وَهَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنٍ الِاجْتِمَاعِ الْعَامَّةِ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَصْلُ اللُّغَةِ أَنَّ آلَ الرَّجُلِ أَهْلُ بَيْتِهِ وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ يُضَافُونَ إِلَى اسْمِهِ، وَهُوَ لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى أَعْلَامِ شُرَفَاءِ قَوْمِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ، ثُمَّ أَطْلَقَ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ بِهِمْ أَوْ وَجَمِيعِ أَتْبَاعِهِمْ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ آلَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَتْبَاعِهِ، وَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ فِي التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْآلُ
قِيلَ: مَقْلُوبٌ عَنِ الْأَهْلِ، وَيُصَغَّرُ عَلَى أُهَيْلٍ إِلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَعْلَامِ النَّاطِقِينَ دُونَ النَّكِرَاتِ، وَدُونَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ. يُقَالُ: آلُ فُلَانٍ، وَلَا يُقَالُ: آلُ رَجُلٍ، وَلَا آلُ زَمَانِ كَذَا أَوْ مَوْضِعِ كَذَا، وَلَا يُقَالُ: آلُ الْخَيَّاطِ، بَلْ يُضَافُ إِلَى الْأَشْرَفِ الْأَفْضَلِ، يُقَالُ: آلُ اللهِ وَآلُ السُّلْطَانِ، وَالْأَهْلُ يُضَافُ إِلَى الْكُلِّ، يُقَالُ: أَهْلُ اللهِ وَأَهْلُ الْخَيَّاطِ، كَمَا يُقَالُ: أَهْلُ زَمَنِ كَذَا وَبَلَدِ كَذَا. وَقِيلَ: هُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ الشَّخْصِ، وَيُصَغَّرُ أُوَيْلًا، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يَخْتَصُّ بِالْإِنْسَانِ اخْتِصَاصًا ذَاتِيًّا إِمَّا بِقِرَابَةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بِمُوَالَاةٍ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ (٣: ٣٣) وَقَالَ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ٤٠: ٤٦) قِيلَ: وَآلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقَارِبُهُ، وَقِيلَ: الْمُخْتَصُّونَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الدِّينِ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ مُتَخَصِّصٌ بِالْعِلْمِ الْمُتْقَنِ وَالْعَمَلِ الْمُحْكَمِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: آلُ النَّبِيِّ وَأُمَّتُهُ، وَضَرْبٌ يَخْتَصُّونَ بِالْعِلْمِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا يُقَالُ لَهُمْ: آلُهُ، فَكُلُّ آلٍ لِلنَّبِيِّ أُمَّةٌ لَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ أُمَّةٍ لَهُ آلَهُ. وَقِيلَ لِجَعْفَرٍ الصَّادِقِ ـ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ ـ: النَّاسُ يَقُولُونَ: الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ آلُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: كَذَبُوا وَصَدَقُوا، فَقِيلَ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: كَذَبُوا فِي أَنَّ الْأُمَّةَ كَافَّتَهُمْ آلُهُ، وَصَدَقُوا فِي أَنَّهُمْ إِذَا قَامُوا بِشَرَائِطِ شَرِيعَتِهِ آلُهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (٤٠: ٢٨) أَيْ: مِنَ الْمُخْتَصِّينَ بِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ وَجَعَلَهُ مِنْهُمْ مَنْ حَيْثُ النَّسَبُ أَوِ الْمَسْكَنُ، أَوْ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيرُ الْقَوْمِ أَنَّهُ عَلَى شَرِيعَتِهِمْ اهـ.
بَعْدَ هَذَا نَقُولُ: إِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ أُطْلِقَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُمْ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُحْتَمِلٍ لِغَيْرِهِمْ، فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا (٢٨: ٨) وَالثَّانِي قَوْلُهُ: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (٤٠: ٢٨) وَأُطْلِقَ كَثِيرًا بِمَعْنَى مَلَئِهِ، وَخَاصَّةً أَتْبَاعُهُ أَوْ جُمْلَتُهُمْ كَقَوْلِهِ: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (٢: ٥٠) أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٠: ٤٦) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (٢: ٤٩) وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٠: ٤٥) وَلَقَدْ جَاءَ آلُ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٥٤: ٤١) كَذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ مَلَأِ فِرْعَوْنَ فِي إِرْسَالِ مُوسَى إِلَيْهِمْ، وَمَا دَارَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَبَيْنَ الْمَلَأِ، وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ وَرِجَالُ دَوْلَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْلَا أَنْ وَرَدَ ذِكْرُ قَوْمِهِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ لَحَمَلْنَا الْآلَ فِي الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا، وَفِي أَمْثَالِهَا عَلَيْهِمْ دُونَ سَائِرِ قَوْمِهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ قِصَّةِ مُوسَى مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (٢٦: ١٠، ١١) وَقَالَ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (٤٤: ١٧) إِلَخْ. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ عَامَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يَنَالُهُمْ مِنْ عَذَابِ الْأَخْذِ بِالسِّنِينَ وَنَقْصِ الثَّمَرَاتِ مَا لَا يَنَالُ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني