فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ نصب على الحال من الأسماء المذكورة مُّفَصَّلاَتٍ مبينات لا يخفى على العاقل أنها من الله تعالى ونقمته أو منفصلات لامتحان أحوالهم وكان بين كل آيتين منها ثلاثون يوما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وكان امتداد كل منها أسبوعا أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس بلفظ يمكث فيهم سبتا إلى سبت ثم يرفع عنهم شهرا، وقيل : إن موسى لبث فيهم بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل، قال : البغوي : قال : ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق : دخل كلام بعضهم في بعض لما آمنت السحرة ورجع فرعون وقومه مغلوبا إلى مصر وقومه إلا لإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات فلما عالج منهم بالآيات الأربع العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات فأبوا أن يؤمنوا، فدعا عليهم موسى عليه السلام فقال يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وطغى وعتى وإن قومه قد نقضوا عهدك فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي غطة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث عليهم الطوفان وهو الماء أرسل الله عليهم المطر وبيوت بني إسرائيل وبيوتهم مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء وركد الماء على أراضيهم لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يزرعوا شيئا ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، وقال : مجاهد وعطاء الطوفان الموت كذا أخرج ابن جرير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : وهب الطوفان الطاعون بلغة اليمن، وقال : أبو قلابة الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض، وقال : مقاتل الطوفان الماء طفا فوق حروثهم، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : الطوفان أمر من الله عز وجل طاف بهم ثم قرأ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ( ١٩ ) ١.
قال نحاة الكوفة الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان وقال : أهل البصرة هو جمع واحدها طوفانة، فقالوا : لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف الطوفان فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينبت قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمار فأخصبت بلادهم فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا فلم يؤمنوا وقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الجراد وأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل وسقف البيت والخشب والنبات والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى يقع دونهم وابتلى الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولا يصيب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجوا وقالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك وأعطوا عهد الله وميثاقه، فدعا موسى فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، وفي الخبر مكتوب على صدر كل جراد جند الله الأعظم ويقال إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم فقالوا : قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يفوا بما عاهدوا وعادوا إلى أعمالهم السوء فأقاموا شهرا في عافية ثم بعث الله عليهم القمل، واختلفوا في القمل، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : القمل السوس الذي يخرج من الحنطة، وقال : مجاهد والسدي وقتادة والكلبي الدباء قالوا الجراد الطيارة التي لها أجنحة والدباء صغارها التي لا أجنحة لها، وقال : عكرمة هي بنات الجراد، قال : أبو عبيدة هو الحمنان وهو ضرب من القراد، وقال : عطاء الخراساني هو القمل وبه قرأ الحسن والقمل بفتح القاف وسكون الميم، قالوا : أمر الله تعالى موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى الشمس فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانهال عليهم بالقمل فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا، قال : سعيد بن المسيب القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل يخرج عشرة أقفزة إلى الرحى فلم يرد منها إلا ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل وأغزت أشعارهم وأبصارهم وأشعار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كالجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى إنا نتوب فادع الله لنا ربك يكشف عنا البلاء فدعى موسى فرفع الله القمل عنهم بعدما ما أقام سبعة أيا من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا ما كنا قط أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الوصل دوابا فدعا موسى عليهم بعدما أقاموا شهرا في عافية. فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه وكانت تثب في قدورهم فيفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه لأكله فيسبق الضفادع أكلته إلى فيه ولا يعجن عجينا إلا تشدخت فيه ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع فلقوا منها أذى شديدا، وروى عكرمة عن ابن عباس قال : كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله على أهل فرعون سمعت وأطاعت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور فأثابها لحسن طاعتها ترد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقاموا سبعا من السبت إلى السبت فأقاموا شهرا في عافية. ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما من يستسقون من الآبار والأنهار إلا وجدوا دما عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون فقال إنه قد سحركم فقال القوم من أين سحرنا ونحن لا نجد في أعيننا من الماء إلا دما، كان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما ويقومان إلى جب فيه الماء فيخرج الإسرائيلي ماء والقطبي دم حتى تكون المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول أسقيني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول إجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فإذا مجته في فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى أنه كان يضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغ يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا فمكثوا في ذلك سبعة أيام ولم يشربوا إلا الدم، قال : زيد بن أسلم الذي كان سلط الله عليهم كان رعافاً فأتوا موسى وقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فَاسْتَكْبَرُواْ عن الإيمان بموسى.
وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي نزل بهم جنس العذاب الذي ذكر من الطوفان وغيره، وقال : سعيد بن جبير الرجز هو الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد فأمسوا وهم يتدافنون. روى الشيخان في الصحيحين والترمذي والبغوي عن أسامة بن زيد قال : قال : رسول الله صل الله عليه وسلم :( الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به من أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه )٢.
وروى أحمد والبخاري عن عائشة قالت : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد )٣ قلت : لكن الحديثين المذكورين لا يدلان على أن الطاعون أرسل على القبط بل يدلان على أنه أرسل على بني إسرائيل ولعل ذلك بعد فرعون، قلت : ولو صح قول سعيد بن جبير فحينئذ يعد السنين ونقص من الثمرات آية واحدة ثالثة بعد العصا واليد بعضها على أهل القرى هو السنين وبعضها على أهل الأمصار وهو نقص من الثمران وبعدها ست آيات من الطوفان إلى الرجز فهي الآيات التسع المرادة بقوله تعالى : لقد أتينا موسى تسع أيات ٤
وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي نزل بهم جنس العذاب الذي ذكر من الطوفان وغيره، وقال : سعيد بن جبير الرجز هو الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد فأمسوا وهم يتدافنون. روى الشيخان في الصحيحين والترمذي والبغوي عن أسامة بن زيد قال : قال : رسول الله صل الله عليه وسلم :( الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به من أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه )٢.
وروى أحمد والبخاري عن عائشة قالت : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد )٣ قلت : لكن الحديثين المذكورين لا يدلان على أن الطاعون أرسل على القبط بل يدلان على أنه أرسل على بني إسرائيل ولعل ذلك بعد فرعون، قلت : ولو صح قول سعيد بن جبير فحينئذ يعد السنين ونقص من الثمرات آية واحدة ثالثة بعد العصا واليد بعضها على أهل القرى هو السنين وبعضها على أهل الأمصار وهو نقص من الثمران وبعدها ست آيات من الطوفان إلى الرجز فهي الآيات التسع المرادة بقوله تعالى : لقد أتينا موسى تسع أيات ٤
التفسير المظهري
المظهري