قالوا : فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان أي : لعلة عنادهم وضلالهم وكفرهم وعدم إيمانهم بآيات الله. وصيغة الجمع في قوله : أرسلنا للتعظيم.
عليهم الطوفان قال بعض العلماء : أصل الطوفان مصدر من : طاف يطوف، كالرجحان، والكفران، والغفران، نعت به وللعلماء في الطوفان المذكور هنا أقوال متقاربة :
أشهرها وعليه الجمهور أن المراد بالطوفان : الماء الكثير كما صرح الله بذلك ؛ لأنه أهلك قوم نوح بالطوفان، وأن الله أولا عذبهم بالماء الكثير، فأرسل عليهم مطرا كثيرا حتى دخل الماء بيوتهم، وصار الواحد منهم في بيته والماء إلى ترقوته، وإذا جلس غرق في الماء، ومنعهم الماء حراثتهم أن يحرثوا أو يزرعوا أو يعملوا شيئا، صار يكاد يهلكهم. هذا هو الأظهر في الآية، أن المراد بالطوفان : الماء الكثير بأن أرسل الله عليهم الأمطار الغزيرة حتى فاض الماء على وجه الأرض ودخل بيوتهم. يقول المفسرون والمؤرخون : حتى إن الماء ليبلغ تراقيهم، ومن جلس منهم غرق في الماء، فمنعهم النوم وحالة المعائش والعمل في أرضهم، وكاد يقضي عليهم. وهذا هو القول المشهور الذي عليه أكثر العلماء.
وقال جماعة من علماء التفسير : الطوفان : الجدري. وهو قول غريب، وإن ذكره غير واحد.
وقال بعض العلماء : الطوفان : الموتان. والموتان بضم الميم : موت كثير يأتي الحيوانات فيقع فيها موت كثير، وربما أطلق على الطاعون ؛ لأنه يموت به موت كثير. وكان بعض علماء السلف يقول : الطوفان : هو كل ما طاف بك ليهلكك ولا قدرة لك عليه، من ذلك قوله تعالى : فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ١٩ [ القلم : آية ١٩ ].
فالحاصل أن أشهر أقوال علماء التفسير : أن المراد بالطوفان هنا : الماء الكثير. وقيل : إنه الجدري. وقيل : الموتان، وهو موت الحيوانات الكثير، أي : الطاعون. والأظهر هو القول الأول : أنه الماء الكثير الذي دخل بيوتهم ومنعهم من أن يعملوا شيئا. وبعض علماء التفسير يقولون : مكث عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت. ومنهم من يقول : أربعون يوما، ومنهم من يقول غير ذلك. فلما شق عليهم وأجهدهم شكوا إلى فرعون، فجاء فرعون إلى موسى وقال له : ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز أي : هذا العذاب والله لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ١٤٣ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ١٣٥ [ الأعراف : الآيتان ١٣٤، ١٣٥ ] فكشفه الله عنهم. قال المفسرون : وانبتت أرضهم من ذلك الماء أكثر ما كانت تنبته، وجاءهم نعيم، فرجعوا إلى كفرهم، قالوا : والله إنه لساحر.
ثم إن الله بعد الطوفان فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد سلط الله عليهم الجراد. والتحقيق أن الجراد هو هذا الجراد المعروف الذي يطير، الذي تعرفونه. وبعض العلماء يقولون : أن أصله نثرات الحوت. وقد جاء ذلك في حديث عند ابن ماجه من حديث أنس وجابر ( رضي الله عنهما ). وتسليط الجراد عليهم : أكثر الله عليهم الجراد. قال بعض العلماء : حتى كانوا لا يرون شعاع الشمس من كثرة الجراد، وانه [ كثر عليهم ] ( في هذا الموضع كلام غير مفهوم، وما بين المعقوفتين [ ] زيادة يتم بها الكلام ) وملأ بيوتهم، وأكل أبوابهم ومساميرها، وسقوف البيوت، حتى تساقطت البيوت، وأكل جميع ما عندهم من غلات وثمار وزروع، وكاد يهلكهم.
والجراد هو الحيوان المعروف، وهو يؤكل، يجوز أكله على التحقيق، كما ثبت في الصحيح عن ابن أبي أوفي قال :( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ) وفي ابن ماجه :( كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق ).
وعامة العلماء على أن الجراد كالسمك، ميتته حلال، ولم نعلم مخالفا في هذا إلا مالك بن أنس ( رحمه الله ) وأصحابه يقول : لا يؤكل الجراد إلا إذا ذكي بما يموت به. أي : ولو مات حتف أنفه فهو ميتة لا يؤكل.
واحتج جمهور العلماء بحديث ابن عمر المشهور :{ أحل لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان : فالسمك والجراد، والدماء : الكبد والطحال ).
ومالك يقول -وهو صادق- : إن هذا الحديث لم يأت من طريق صحيحة مرفوعة، فجميع طرقه المرفوعة ضعيفة لا تقوم الحجة بشيء منها.
واحتج على المالكية من خالفهم بأنه جاء من رواية موقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال، وهي طريق صحيحة، وهي موقوفة على ابن عمر، إلا أن لها حكم الرفع ؛ لأن طريق سليمان بن بلال صحيحة، وكونها موقوفة على ابن عمر لا يضر ؛ لأن لها حكم الرفع، وكل ما هكذا له حكم الرفع ؛ لأن من المعلوم أنه لا يحله إلا هو صلى الله عليه وسلم.
أما المالكية فقالوا : نعم، نحن نعلم طريق سليمان بن بلال هذه، ونعلم أن هذا له حكم الرفع، ولكن كونه له حكم الرفع هذا من صناعة الحديث التي اتفق أهل الحديث عليها، لا من قول الله، ولا من قول رسوله، ونحن يجب علينا أن نتمسك بعموم كلام الله وهو قوله : حرمت عليكم الميتة [ المائدة : آية ٣ ] وميتة الجراد داخلة في عموم الميتة، فلا ننصرف عن تحريم الله للميتة إلا بدليل جازم يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا كلام العلماء فيه، ووجه اختلاف وجهات نظرهم في ذلك، وهو معروف. وجاء في سنن ابن ماجه من حديث أنس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الجراد وقال :( اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأسرابه عن معائشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء ). وأن جابرا لما سمعه يدعو عليه قال له : كيف تدعو على جند من جند الله ؟ وأنه قال له :( هو نثرة حوت ). هكذا ذكروا في سنن ابن ماجه ( رحمه الله ) عن هذين الصحابيين. وذكر القرطبي في تفسير هذه الآيات أن الجراد إن هجم على زروع الناس اختلف العلماء : هل تجوز مقاتلته ومكافحته ؟ ؟ وأن اظهر القولين أنه تجوز مكافحته وقتله لكف أذاه عن الناس، وهذا القول هو الذي لا ينبغي العدول عنه لجريه على ظاهر النصوص ؛ لأن المسلم إذا تعدى على أموال الناس لزم دفعه عنها ولو أدى إلى القتال، فكيف بالجراد ! ! وهذا معنى قوله : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل [ الأعراف : آية ١٣٣ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير