ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

هذا الربع، كله متعلق بقصة موسى وبني إسرائيل من جهة، وفرعون وقومه من جهة أخرى، وهو استمرار لقصة موسى التي ابتدأت في الربع الماضي من قوله تعالى : ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين .
وقد استغرقت قصة موسى أكثر من ثلاثة أرباع هذا الحزب السابع عشر، مما يؤكد ما نبهنا إليه في مطلع سورة الأعراف، من أن قصة موسى وفرعون هي أطول قصة وردت في هذه السورة من بين قصص الأنبياء السابقين، ولعل الحكمة في ذلك – والله أعلم – أن للأمة الإسلامية، وغيرها من الأمم حسابا طويلا وعسيرا مع بني إسرائيل – علاوة على حساب نبيهم موسى نفسه معهم – بدأ منذ ظهور الرسالة المحمدية، ولم ينته ذلك الحساب حتى الآن، فالله تعالى يريد أن يكون المسلمون أولا، وغيرهم بالتبع، على بينة من أمر بني إسرائيل والأطوار التي تقلبوا فيها جملة وتفصيلا، حتى يعدوا العدة لمواجهة دسائسهم، والوقوف في وجه مطامعهم جيلا فجيلا، وبديهي أن كتاب الله لا يورد القصص على أنها نوادر وأسمار، وإنما يوردها تنويرا للبصائر والأبصار.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين وتعني كلمة " السنين " في هذه الآية سنين الجدب والقحط والجوع، وهذا أمر يستغربه كل من يعرف " نيل مصر " حتى قيل فيها إنها " هبة النيل "، وإنها ليست بلد الماء المحدود والزرع القليل.
ومعنى كلمة الطوفان في هذه الآية فيضان النيل وكثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار، " والجراد " معروف بأضراره الفادحة وأخطاره البالغة على الزرع والضرع، ومن اللطائف أن شريحا القاضي الشهير سئل عن الجراد فقال : " قبح الله الجرادة، فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلها رجل جمل، وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب ". وروى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال :( اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء ).
وتعني كلمة " القمل " الواردة في الآية السوس الذي يخرج من الحنطة وينخرها، وفي عدة تفاسير أنه بسبب ذلك السوس كانت عشرة أجربة لا يبقى منها بعد طحنها إلا ثلاثة أقفزة، إذ لا يبقى فيها من الحنطة إلا أقل القليل، و " الضفادع " معروفة ومشهورة بقفزها ووثبها. وورد في عدة تفاسير أن تلك الضفادع كانت قد ملأت البيوت والأواني والأطعمة. وتعني كلمة " الدم " الدم الرعاف كما قال زيد ابن أسلم، ورواه ابن أبي حاتم.
فهذه جملة المصائب التي نزلت بفرعون وقومه على التتابع والتوالي دون أن يتوبوا من شركهم وكفرهم، ولا أن يتراجعوا عن عتوهم وكبرهم، ثم جاءت القاصمة – قاصمة ظهر فرعون وقومه – فأغرق الله فرعون وجنده، ونصر عبده، وهذه المصائب لا تزال تنزل بمختلف الأمم حتى الآن، ولا يحمي منها إلا التقوى والاستقامة والإيمان.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير