تفسير المفردات : الطوفان لغة : ما طاف بالشيء وغشيه، وغلب في طوفان الماء سواء كان من السماء أو الأرض، والقمل : بضم القاف وتشديد الميم المفتوحة هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل هو صغار الجراد، وقال الراغب : هو صغار الذباب، والدم : هو الرعاف وقيل هو دم كان يحدث في مياه المصريين.
المعنى الجملي : بعد أن حكى سبحانه وعد موسى لقومه بقوله. عسى ربكم أن يهلك عدوكم ـ ذكر هنا مبادئ الهلاك الموعود به بما أنزله على فرعون وقومه من المحق حالا بعد حال، إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال، تنبيها للسامعين وزجرا لهم عن الكفر وتكذيب الرسل، حذر أن ينزل بهم من الشر مثل ما نزل بهؤلاء.
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين أي فأرسلنا عليهم عقوبة على جرائمهم تلك المصايب والنكبات، وهي آيات بينات على صدق رسالة موسى، إذ قد توعدهم بوقوع كل واحدة منها على وجه التفصيل، لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل تأويلا بأنها وقعت لأسباب لا ارتباط لها برسالته، فاستكبروا عن الإيمان بها لرسوخهم في الإجرام والإصرار على الذنوب وإن كانوا يعتقدون صدق دعوته وصحة رسالته.
وقد عدد سبحانه هنا من الآيات خمسا وفي سورة الإسراء تسعا وهي :
( ١ ) الطوفان : فقد نزلت عليهم أمطار أغرقت أرضهم وأتلفت زرعهم وثمارهم، وجاء وصفها في التوراة ؛ ففي الفصل التاسع في سفر الخروج : ثم قال الرب لموسى : بكّر في الغداة وقف بين يدي فرعون وقل له : كذا قال الرب إله العبرانيين : أطلق شعبي ليعبدوني، فإني في هذه المرة منزل جميع ضرباتي على قلبك وعلى عبيدك وشعبك، لكي تعلم أنه ليس مثلي في جميع الأرض، وأنا الآن أمد يدي وأضربك أنت وشعبك بالوباء فتضمحل من الأرض، غير أني لهذا أبقيك لكي أريك قوتي ولكي يخبر باسمي في جميع الأرض، وأنت لم تزل مقاوما لشعبي، ها أنا ممطر في مثل هذا الوقت من غد بردا عظيما جدا لم يكن مثله في مصر منذ يوم أسست إلى الآن.
ثم ذكر فيها وقوع البرد مع نزول نار من السماء، ووصف عظمته وشموله لجميع بلاد مصر وأن فرعون طلب موسى وهارون واعترف لهما بخطئه وطلب منهما أن يشفعا إلى الرب ليكف هذه النكبة عن مصر ووعدهما بإطلاق بني إسرائيل وجاء في ختام هذا الفصل.
فخرج موسى من المدينة من لدن فرعون وبسط يديه إلى الرب فكفّت الرعود ولم يعد المطر يهطل على الأرض.
( ٢ ) الجراد : قد ذكر في التوراة بعد الطوفان، فقد جاء فيها : إن فرعون قسا قلبه فلم يطلق بني إسرائيل فأخبر الرب موسى فأمره بأن ينذره بإرسال الجراد عليهم فيأكل ما سلم من النبات والشجر ويملأ بيوته وبيوت عبيده وسائر بيوت المصريين ففعل فرضي فرعون أن يذهب الرجال من بني إسرائيل ليعبدوا ربهم دون النساء والأولاد والمواشي، فرد موسى عصاه بأمر الرب على أرض مصر فأرسل الرب ريحا شرقية ساقت الجراد على أرض مصر فغطى جميع وجه الأرض حتى أظلمت الأرض وأكل عشبها وجميع ما تركه البرد من ثمر الشجر حتى لم يبق شيء من الخضرة في الشجر ولا في عشب الصحراء في جميع أرض مصر، وجاء فيها : إن فرعون استدعى موسى وهارون واعترف لهما بخطئه وطلب منهما الصفح والشفاعة إلى الرب إلههما أن يرفع عنه هذه التهلكة ففعلا فأرسل الله ريحا غريبة فحملت الجراد كله فألقته في بحر القلزم.
( ٣ ) القمل : وهو صغار الذباب وقد جاء في التوراة إن البعوض والذباب كان من الضربات العشر التي ضرب الرب بها فرعون وقومه ليرسلوا بني إسرائيل مع موسى ؛ ففي الفصل الثامن من سفر الخروج : إن موسى أنذر أن الذباب سيدخل بيوته وبيوت عبيده وسائر قومه فيفسدها ولا يدخل بيوت بني إسرائيل المقيمين في أرض جاسان وأن ذلك وقع وفسدت الأرض من تأثير الذباب.
( ٤ ) الضفادع : وفي سفر الخروج وقال الرب لموسى : ادخل على فرعون وقل له كذا قال الرب أطلق شعبي ليعبدوني وإن أبيت أن تطلقهم فهاأنذا ضارب جميع تخومك بالضفادع فيفيض النهر ضفادع فتصعد وتنتشر في بيتك وفي مخدع فراشك وعلى سريرك وفي بيوت عبيدك وشعبك وفي تنانيرك ومعاجنك إلخ. وكذلك كان وفيها : إن فرعون طلب من موسى أن يشفع له عند ربه برفع الضفادع فأجابه إلى ذلك قال : ففعل الرب كما قال موسى وماتت الضفادع من البيوت والأقبية والحقول فجمعوها أكواما وأنتنت الأرض منها.
( ٥ ) الدم : فقد كانت مياه المصريين تتحول إلى دم، وقد جاء في الفصل السابع من سفر الخروج :( إن الرب أمر موسى أن ينذر فرعون ذلك ففعل، ثم قال الرب لموسى قل لهارون : خذ عصاك ومد يدك على مياه المصريين وأنهارهم وخلجهم ومنافعهم وسائر مجامع مياههم فتصير دما، ويكون دم في جميع أرض مصر وفي الخشب وفي الحجارة ) وفيها أن موسى وهارون فعلا ذلك وأن سمك النهر مات وأنتن النهر فلم يستطع المصريون أن يشربوا منه.
هذه هي الآيات الخمس التي أيد الله بها رسوله موسى عليه السلام وليس فيها ما ينفي ما في التوراة ولا ما يؤيدها، وعلينا أن نقف عندما أثبته القرآن فحسب دون زيادة عليه.
تفسير المراغي
المراغي