فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ١٣٥ [ الأعراف : آية ١٣٥ ] يقول بعض المفسرين : فمكثوا شهرا في عافية.
وبعضهم يقول : سنة. فأرسل الله عليهم القمل، هذا القمل الذي أرسل الله عليهم فيه للعلماء أقوال متقاربة :
كان ابن عباس ( رحمه الله ) يقول : هو سوس الحنطة. أرسل الله عليهم سوس الحنطة –على قول ابن عباس- فتكدس عليهم، وملأ عليهم بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وكان يدخل بين الواحد وبين ثيابه، فبلغوا منه أذى شديدا.
وقال بعض العلماء : القمل : صغار الدبي، والدبي : صغار الجراد قبل أن تنبت له أجنحة.
وكان أبو عبيدة في طائفة من علماء التفسير يقول : القمل هو المعروف بالحمن، ويقال له : الحمنان، وهو نوع من القراد صغير، وأن الله ملأ عليهم الأرض منه. وذكر بعضهم : أن موسى جاء لكثيب أعفر وضربه بعصاه، فجعله الله قملا. وأنه تكدس عليهم فملأ بيوتهم وآنيتهم وأطعمتهم، وامتص دماءهم تحت ثيابهم حتى بلغوا منه غاية الجهد.
والحاصل أن القمل هنا فيه أقوال متقاربة، بعضهم يقول : هو الحمنان المعروف بالحمن، وهو نوع من القردان صغير، وبعضهم يقول : هو صغار الدبي، والدبي : الجراد الصغار قبل أن تنبت له أجنحته، وبعضهم يقول : هو البراغيث. هذه أقوال فيه لا يكذب بعضها بعضا، وعلى كل حال فهو شيء من خلق الله سلطه الله عليهم فعذبهم به، وآذاهم إيذاء كثيرا، حتى ضجوا وزعموا أنهم يتوبون، فهذا معنى قوله : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل [ الأعراف : آية ١٣٣ ] لما عذبهم القمل -سواء قلنا : إنه البراغيث، أو قلنا : إنه الدبى، أو قلنا : إنه سوس الحنطة، أو قلنا : إنه الحمن والحمنان، وقال بعضهم : هو حيوانات تشبه القراد الكبير لها ريح منتنة سلطها الله عليهم- قال بعض المفسرين : مكث عليهم أيضا سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال : ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ١٣٤ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ١٣٥ [ الأعراف : الآيتان ١٣٤، ١٣٥ ] والقمل هذا كان يأتي بعض الناس فيتأذى به كما هو معروف، قال بعضهم : ومنه قول الأعشى :
| قوما يعالج قملا أبناؤهم | وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا |
لما رفع الله عنهم القمل وأزاله ولم يبق له أثر مكثوا شهرا في عافية، كما قال بعضهم، وقال بعضهم غير ذلك، فأرسل الله عليهم الضفادع، والضفادع جمع ضفدع، وهو الحيوان المعروف، وكان بعضهم يزعم أن الضفادع كانت برية، وأنها لم تكن من حيوانات البحر كما زعموا، فلما عذب الله بها قوم فرعون صارت تقتحم في قدورهم وهي تفور، وتقتحم في تنانيرهم في شدة حرها، ومنعتهم الطعام، كان الرجل يجلس في الضفادع إلى عنقه، وإذا أراد أن يتكلم بادرته الضفدع فجاءت في فيه، ولقوا منها العذاب الشديد –والعياذ بالله- فلما لقوا منها ذلك كانوا ليس عندهم شيء إلا به الضفادع، لا يرفعون ثوبا ولا إناء إلا وبه الضفادع، وبيوتهم ملأى منها، والواحد جالس في الضفادع إلى عنقه، تتساقط لهم في قدورهم وأطعمتهم وتنانيرهم، وكادت تهلكهم، فمكث عليهم –يقولون- سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا ذلك إلى فرعون، فجاء فرعون موسى فقال : يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك [ الأعراف : آية ١٣٤ ] إلى آخر ما ذكرنا.
والضفادع حيوانات تكون برية وتكون بحرية، والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أنها لا يجوز أكلها ولا قتلها، وقد ثبت في السنن من حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله طبيب في ضفادع يجعلها في دواء فنهي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هذا جاء في السنن في حديث صحيح عن النبي، وما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله لا يجوز أكله ؛ لأنه لا يوصل إلى أكله إلا بقتله بالذبح، وهذا هو التحقيق. فالذين يأكلون الضفادع يرتكبون الحرام الذي لا شك فيه، وظاهر هذا الحديث سواء كانت برية أو بحرية، وهو الأظهر والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : والضفادع [ الأعراف : آية ١٣٣ ].
ولما وقع رفع الله عنهم الضفادع، وبقوا في عافية شهرا أو غير ذلك، وهم راجعون لأشد ما هم فيه من العذاب، وقالوا : تبين لنا أن هذا الرجل هو رئيس السحرة وكبيرهم، كما قص الله عنهم في قوله : إنه لكبيركم الذي علمكم السحر [ طه : آية ٧١ ] عندما آمن السحرة لرب موسى وهارون، فلما رجعوا إلى كفرهم بعد ذلك أرسل الله عليهم الدم، والدم : هو الدم هذا المعروف الذي تعرفونه، وأصل الدم ( دمي ) بالياء، فهو من الأسماء الثلاثية التي حذفت العرب لامها وعاضتها على العين. والتحقيق أن لامه المحذوفة ياء، خلافا لمن زعم أنها واو، فهو ( دمي ) على وزن ( فعل ) وربما ظهرت ياؤه المحذوفة عند التثنية وغيرها، ومن ظهروها عند التثنية قول سحيم بن وثيل الرياحي :
| فلو أنا على حجر ذبحنا | جرى الدميان بالخبر اليقين |
| هل أنت إلا أصبع دميت | وفي سبيل الله ما لقيت |
| ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا | ولكن على أقدامنا تقطر الدما |
ومعنى تعذيبهم بالدم : أنهم كانوا كلما أخذوا الماء ليشربوا فإذا ذلك الماء دم أحمر قان عبيط، ليس لهم ماء، فإذا صبوا من أوعيتهم ماء فإذا ذلك الماء دم، وإذا استقوا من الأنهار فإذا الماء الذي استقوا منها دم، وإذا استقوا من الآبار فإذا هو دم.
يذكرون أن فرعون كان يجمع القبطي والإسرائيلي، والإسرائيلي يشرب الماء من إناء واحد فما أخذ منه إسرائيلي فهو ماء، وما أخذه القبطي يكون دما، حتى إنهم زعموا أن القبط لما أضر بهم العطش ؛ لأن جميع مياههم صارت دما، وصار كل ماء استقوه دما عبيطا، أن القبطية كانت تقول لجارتها الإسرائيلية : اجعلي الماء في فيك ومجيه في في لأتبرد به، فإذا مجته في فيها نزل من فم الإسرائيلية ماء، فإذا وصل فم القبطية إذا هو دم عبيط ! ! هكذا يقولون.
والمفسرون يقولون : إن هذا الذي وقع كله للقبطيين لم يقع منه شيء للإسرائيليين، فلم يدخل الماء بيوتهم، ولم يأتيهم القمل، ولم تأتيهم الضفادع، ولم يأتهم الدم كما يقولون –والله تعالى أعلم.
قالوا : زعموا أن فرعون -قبحه الله- أضر به العطش، وعطش عطشا شديدا ؛ لأنه صار كلما استقى ماء فإذا هو دم عبيط، وأنه اضطر إلى مص مياه الشجر التي تكون في الشجر، قالوا : فإذا مص ماء الشجرة فوصل فاه فإذا هو دم –والعياذ بالله تعالى- قالوا : مكث عليهم الدم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فلما تأذوا به كثيرا شكوا إلى فرعون، وجاء فرعون موسى وقال : الآن حق لنا أن نتوب التوبة النصوح ف }ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بين إسرائيل } [ الأعراف : آية ١٣٤ ] فلما كشفه عنهم رجعوا إلى أخبث كفرهم وأشده، وهذا من اللجاج ؛ ولأجل هذا -اللجاج والكفر وإخلاف الوعد- غضب موسى عليهم غضبا شديدا، ودعى ربه ذلك الدعاء الحاد العظيم حيث ذكره الله في سورة يونس في قوله : وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك [ يونس : آية ٨٨ ] وفي قراءة أخرى : ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ٨٨ قال قد أجيبت دعوتكما [ يونس : الآيتان ٨٨، ٨٩ ] لأن [ هارون ] ( في الأصل :( موسى ). وهو سبق لسان ) قال : آمين. والمؤمن أحد الداعيين. وهذا معنى قوله : فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات [ الأعراف : آية ١٣٣ ] ( آيات ) حال. أرسلنا عليهم هذه الأشياء في حال كونها آيات. أي : علامات ودلالات واضحات لا شك في الحق معها.
وقوله : مفصلات قال بعض العلماء : مفصلات أي : بينات واضحات لا لبس فيها أنها من الله، وأنها حق، وأن هؤلاء الكفرة عاندوا الحق الواضح.
وقال بعض العلماء : مفصلات : بينها فصل ؛ لأنه كلما جاءتهم آية وعذبهم الله بها وضجوا إلى فرعون، وضج فرعون إلى موسى، وقال : لئن كشفت عنا الرجز لنؤمن لك [ الأعراف : آية ١٣٤ ] فكشف عنهم الرجز ومكثوا زمنا في عافية فصار بين الآيات فصل من العافية بين هذه وهذه، وأن ذلك هو معنى قوله : مفصلات أي : متتابعات بين كل اثنين منها فصل، هكذا معنى قوله : والدم آيات مفصلات .
فاستكبروا أي : تكبروا عن قبول الحق مع مشاهدة هذا عندما ينزل بهم العذاب يستكينون ويخضعون قهرا لا رغبة في الخير، فإذا رفع عنهم أعرضوا إلى ما كانوا عليه، هذا معنى : فاستكبروا .
وكانوا قوما مجرمين [ الأعراف : آية ١٣٤ ] قدمنا مرارا أن القوم في لغة العرب التي نزل بها القرآن : اسم جمع لا واحد له من لفظه، يختص في الوضع في الذكور دون الإناث، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع، والدليل على اختصاصه بالذكور في الوضع قوله تعالى في الحجرات : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ثم قال :: ولا نساء من نساء فلو دخل النساء في اسم القوم وضعا لما قال : ولا نساء من نساء [ الحجرات : آية ١١ ] ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى :
| وما أدري وسوف إخال أدري | أقوم آل حصن أم نساء |
المجرمون : جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والمجرم هو مرتكب الجريمة، والجريمة : الذنب الذي يستحق صاحبه التنكيل والعذاب، وهذا معنى قوله : فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين [ الأعراف : آية ١٣٣ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير