ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلقتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ١٥٠ [ الأعراف : آية ١٥٠ ].
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا لما رجع موسى إلى قومه من الميقات، عندما انتهى الميقات، وكلم ربه وناجاه، وكتب له التوراة في الألواح، ورجع إلى قومه ولما رجع موسى إلى قومه رجع في حال كونه غضبنا أسفا ( غضبنا ) حال من فاعل ( رجع ) رجع في حال كونه غضبان. وقوله : أسفا حال أخرى. والأسف : شدة الغضب، فمعنى : غضبان شديد الغضب. والتحقيق : أن أسفا هنا معناه : شديد الغضب، فهو كالتوكيد لغضبان. ومنه قوله تعالى : فلما آسفونا انتقمنا منهم أي : فلما أغضبونا انتقمنا منهم وأغرقناهم.
قوله : غضبنا أسفا هذان حالان من قوله : رجع موسى أي : في حال كونه غضبان أسفا. وجمهور علماء العربية : أن الحال تتعدد وعاملها واحد وصاحبها واحد، خلافا لجماعة من علماء العربية منهم أبو الحسن ابن عصفور ومن وافقه قالوا : لا يجوز تعدد الحال، وإنما تتداخل، فزعموا أن أسفا حال من الضمير المستكين في غضبان وأن العامل فيها هو غضبان فقالوا : الأحوال متداخلة، والجمهور يقولون : إنها متعددة لا متداخلة، وأن الحال تتعدد من غير تداخل مع العطف وبدون العطف. ومن أمثلتها بدون العطف قوله هنا : غضبان أسفا وقول الشاعر :
علي إذا ما زرت ليلي بخفية *** زيارة بيت الله رجلان حافيا
أي : في حال كوني ماشيا على رجلي غير منتعل. وتأتي أيضا مع العطف كقوله : مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا [ آل عمران : آية ٣٩ ] فهي أحوال متعددة متعاطفة.
والأسف : شديد الغضب : وشذ بعض العلماء هنا فقال : الأسف : الحزين، أي : غضبان حزينا. والأول هو الأظهر، وغضبه وشدة أسفه مما فعله قومه من عبادة العجل.
غضبان أسفا بئسما خلقتموني من بعدي قرأ هذا الحرف جمهور القراء : بئسما خلفتموني بتحقيق الهمزة، وقراه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو : بيسما خلقتموني بإبدال الهمزة ياء.
ومعروف أن ( بئس ) في العربية فعل جامد لإنشاء الذم، وإذا جاءت بعدها ( ما ) فالخلاف فيها مشهور : هل فاعل ( بئس ) ضمير محذوف و( ما ) نكرة مميزة لذلك الضمير ؟ أو ( ما ) هو الفاعل ؟ خلاف معروف، وأقوال لأهل العلم فيها، أظهرها : أن الفاعل ضمير محذوف، وأن ( ما ) نكرة ميزت ذلك الفاعل المحذوف، بئس هو ما. أي : شيئا خلفتموني به.
ومعنى خلفتموني قمتم مقامي في غيبتي فيه، وكنتم خليفتي فيه، وهو عبادة العجل، على أن هذا راجع للسامري ومن عبد معه العجل. وعلى أنه راجع للوجهاء من بني إسرائيل -هارون ومن معه- فتكون خلافتهم التي ذمها : أنهم لم يمنعوا من عبد العجل عن عبادة العجل، يعني : لم تخلفني يا هارون في قومي خلافة حسنة حيث لم تكفف هؤلاء عن عبادة العجل. وهذا اظهر ؛ لأنه قال لهارون : اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين [ الأعراف : آية ١٤٢ ] ولم يقل للسامري وعبدة العجل إنهم يخلفونه في قومه، وهذا معنى قوله : بئسما خلفتموني من بعدي .
خلفتموني تدل على أنه غير موجود، فهي قد تغني عن قوله : من بعدي قال بعض العلماء : وإنما زاد من بعدي مع أن خلفتموني تدل عليها ليشير إلى أنه ما دام موجودا كان معروفا بالتوحيد، والقمع عن الشرك، والحمل على ما يرضي الله جل وعلا.
ثم قال منكرا عليهم : أعجلتم أمر ربكم للعلماء في هذه الآية أقوال متقاربة، وخير ما يفسر به القرآن : القرآن ؛ لأن أية طه كالتفسير لآية الأعراف هذه، وعلى ذلك فالمعنى : أن الله أمركم بأمر، ووعدكم وعدا، وقال لكم على لسان نبيه : إن موسى يذهب إلى الموعد، وأن الله يناجيه وينزل عليه كتابا وفيه كل خير، وكل هدى ونور، يصلح الله لكم له دنياكم ودينكم وآخرتكم، وهذا وعد عظيم من الله، كما أشار له في قوله : ووعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى [ طه : آية ٨٠ ] على أحد التفسرين. فلما وعدكم الله هذا الوعد العظيم الذي فيه كل هذا من الخير عجلتم أمر ربكم بذلك الوعد، أي : عجلتم عنه، وسبقتموه، وعبدتم العجل، ولم تنتظروا الخير الذي وعدكم الله به، وجئتم قبله بكل شر وسوء وخبث. والدليل على أن هذا هو تفسير الآية الصحيح : أن الله قال في سورة طه : فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي [ طه : آية ٨٦ ] هذا هو الأظهر في معنى الآية الكريمة : بئسما خلقتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم أعجلتم عن أمر ربكم بانتظار موسى، وانتهاء الوعد، وإتيانكم بكل خير تصلح به دنياكم وآخرتكم عجلتم عن هذا كله، وعبدتم العجل، وكفرتم بالله والعياذ بالله.
وألقى الألواح جاء في حديث رواه ابن أبي حاتم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليس الخبر كالمعاينة ) واستدل لهذا بان موسى لما قال له ربه : قال فإنا فتنا قومك من بعدك هذا خبر يقين من الله، لم ينفعل موسى، ولم يلق الألواح، فلما جاء حاملا ألواح التوراة، ونظر إليهم يعبدون العجل، ويعكفون حوله، لم يتمالك حتى ألقى الألواح، وانفعل عند المعاينة انفعالا لم ينفعله عند الخبر اليقين، ومن هنا عرف أن الخبر ليس كالمعاينة. وهذا معنى قوله : قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح يعني : طرح ألواح التوراة التي هي مكتوبة فيها من شدة غضبه لانتهاك حرمة الله، وعبادة العجل فيه. وكثير من المفسرين يقولون : إنه ألقاها إلقاء قويا حتى تكسرت، وأنه رفع شيء منها مع المكسر منها. وكل هذا لا دليل عليه، ولم يقم عليه دليل صحيح لا من كتاب ولا من سنة، وظاهر القرآن أنها لم تتكسر، ولم يضع منها شيء ؛ لأنه قال : ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح [ الأعراف : آية ١٥٤ ] و( ال ) هنا عهدية، وهي الألواح المعهودة التي ألقاها.
يقول الله جل وعلا : قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين [ الأعراف : آية ١٥٠ ] لما غضب موسى، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، استعطفه أخوه وقال له : ابن أم ، معناه : يا ابن أمي إن القوم استضعفوني يعني : أن القوم الذين عبدوا العجل لما نهاهم كما شهد الله له بذلك في سورة طه في قوله : ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمان فاتبعوني وأطيعوا أمري ٩٠ قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ٩١ [ طه : الآيتان ٩٠، ٩١ ] فلما ناصبوه وقالوا له علنا :( لن نبرح عاكفين على عبادة هذا العجل حتى يرجع موسى ). دل ذلك على أنهم استضعفوه، أي : تقووا عليه واستذلوه، ورأوه ضعيفا عاجزا عن مقومتهم.
وكادوا يقتلونني قاربوا قتلي وما قصرت، ثم إنه بين عذره في طه ؛ لأن موسى قال له : ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري ٩٣ استعطفه واعتذر له أيضا وقال : إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي [ طه : الآيتان ٩٣، ٩٤ ] قال له هنا : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء يعني : لا تفعل بي فعل سيئا يفرح به أعدائي. فالشماتة هي سرور العدو بما ينال عدوه الآخر من مكروه أو سوء. فإذا أتى الله إنسانا بمكروه أو سوء ومصائب نزلت به وفرح عدوه بما أصابه فذلك الفرح يسمى : الشماتة، والذي تسبب فيه يقال : أشمته به يشمته، ونفس العدو : شامت أي : فرح مسرور بما يصب عدوه من الأذى. وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى أو غيره :
كم شامت بي إن هلكت *** وقائل لله دره
وفي شعر الحماسة :
إذا ما الدهر جر على أناس *** كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقى الشامتون كما لقينا
يعني : لا تشمت بي الأعداء، لا تفعل لي فعلا سيئا يفرح به أعدائي، لا تفعل لي بذلك : ولا تجعلني مع القوم الظالمين لا تجعلني مع عبدة العجل كأني ممالئ لهم وموافقهم على ذلك، فأنا برئ من ذلك، وقد نصحتهم غاية طاقتي وجهدي. وهذا معنى قوله : فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير