ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

يقول الله جل وعلا : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا تغفر لكم خطيئتكم سنزيد المحسنين ١٦١ [ الأعراف : آية ١٦١ ].
واذكر يا نبي الله خسائس هؤلاء اليهود العريقة في أسلافهم ؛ ليعلم بذلك أن تكذيبهم لك وإنكارهم لما عندهم من صفاتك أنه أمر أصله فيهم وفي أسلافهم. واذكر إذ قيل لهم حين قال لهم الله على ألسنة أنبيائه اسكنوا هذه القرية قوله : اسكنوا أمر من السكنى لا بد من السكون الذي هو ضد الحركة ؛ لأن الأمر بالسكون الذي هو ضد الحركة سجن وحبس، فهو أمر بالسكنى، وأن يتخذ ذلك البلد مسكنا، وكون البلد مسكنا له لا ينافي أن يتجول في أنحائه ويتنعم فيها، كما قال هنا بعد الأمر بقوله : اسكنوا وكلوا منها حيث شئتم هذا معنى قوله : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية .
وأكثر المفسرين على أن هذه القرية هي بيت المقدس. وبعض المفسرين يقول : هي أريحا. وبعضهم يقول غير ذلك. فهي قرية في فلسطين من قرى الشام ؛ لأن الشام كان يطلق أولا على ما يضم دمشق وفلسطين والأردن وغير ذلك من نواحيه، وهذا معنى قوله : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية . القرية : هي المحل الذي يجتمع فيه السكان، من : قريت الماء في الحوض، إذا جمعته.
وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها أي : كلوا من ثمارها وحبوبها وزروعها حيث شئتم ؛ لأنهم كانوا في التيه يتمنون الأكل من ذلك كما قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله : فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصله وقد قال لهم : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم [ البقرة : آية ٦١ ] ولما أمروا بدخول هذه القرية وبسكناها أمروا بالأكل من ذلك أمر إباحة وتكريم وكلوا منها أي : من ثمارها وحبوبها وزروعها وغير ذلك.
وقوله : حيث شئتم أصل ( حيث ) في لغة العرب كلمة تدل على المكان كما تدل ( حين ) على الزمان، ورما ضمنت معنى الشرط، ويجوز في العربية لا في القراءة تثليت فائها وإبدال يائها واوا كما هو معروف في علم العربية.
وقوله : شئتم أي : من أي مكان من هذه القرية أردتم أن تأكلوا من ثمارها وحبوبها، وهذا معنى قوله : كلوا منها حيث شئتم وهذا الأكل رغدا بدليل ما تقدم في سورة البقرة : كلوا منها حيث شئتم رغدا [ البقرة : آية ٥٨ ].
وقوله : وقولوا حطة لما كان في التيه مات نبي الله هارون أولا، ثم مات موسى في التيه كما أطبق عليه المؤرخون. ثم إن خليفة موسى كان يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف، وهو الذي فتح الله عليه هذه القرية قرية الجبارين بيت المقدس أو أريحا، وقيل غير ذلك. لما فتح الله عليهم أمرهم أن يشكروا لله نعتمه التي أنعمها عليهم فأمرهم بقول، وأمرهم بفعل، أما الفعل : فقد أمرهم بان يدخلوا الباب سجدا، أي : يدخلوا من باب القرية التي فتحها الله لهم سجدا. قال بعض العلماء : المراد بالسجود هنا : الركوع تواضعا وانحناء وتعظيما لله، وشكرا له على نعمة الفتح. وقال بعض العلماء : هو السجود على الجبهة، يسجدون. ثم أنهم أمروا أيضا بقول، وهو أن يدخلوا الباب وهم يقولون :( حطة ) وأكثر المفسرين – وهو ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة- أنهم تعبدوا بهذه اللفظة ( حطة ). وقراءة الجمهور التي لا يجوز العدول عنها : حطة بالرفع، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي : مسألتنا حطة، والحطة فعلة من الحط الذي هو الوضع. والمعنى : مسألتنا لربنا هي حطة لذنوبنا وأوزارنا. معناه : مسألتنا لك أن تحط عنا ذنوبنا وأوزارنا. فهي كلمة استغفار تؤذن بحط الذنوب ووضع الأوزار، وهي خبر مبتدأ محذوف، ( فعلة ) من الحط، بمعنى الوضع، هذا معناه. وقال بعض العلماء : الحطة : الكلمة التي تحط الذنوب، وهي لا إله إلا الله، والقول الأول أظهر. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أنهم أمروا بقول وأمروا بفعل، وأمرهم بالقول والفعل كلاهما مذكور في القرآن ؛ لأن الله أمرهم بأن يدخلوا الباب سجدا، وهو الفعل الذي أمروا به، وأمرهم أن يقولوا : حطة، وهو القول الذي أمروا به، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أنهم بدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره ؛ ولذا قال تعالى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [ الأعراف : آية ١٦٢ ] قال بعض العلماء : في الكلام حذفان، أي : فبدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم، وبالفعل الذي قيل لهم فعلا غير الذي قيل لهم ؟، فالفعل الذي قيل لهم – وهو دخولهم الباب سجدا- بدلوه فدخلوا يزحفون على أستاههم، كما ثبت في حديث البخاري المذكور، وبدلوا القول الذي قيل لهم فقالوا مكان حطة : حبة في شعرة. وفي بعض روايات الحديث في غير البخاري : حنطة في شعره. فبدلوا القول وبدلوا الفعل، وقابلوا نعم الله بالكفران والمعصية في الأقوال والأفعال –عياذا بالله- وهذا معنى قوله : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطياتكم [ الأعراف : آية ١٢١ ].
في هاتين الكلمتين بضميمة إحداهما إلى الأخرى أربع قراءات سبعيات كلها صحيحة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأه نافع وحده من السبعة وادخلوا الباب سجدا تغفر لكم خطيئاتكم بضم تاء ( تغفر ) وفتح الفاء مبنيا للمفعول. و( خطيئاتكم ) هو جمع مؤنث سالم، هو سالم نائب فاعل ( تغفر ) فهذه قراءة نافع وحده.
وقرأه الشامي –أعني ابن عامر- وحده من السبعة : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا تغفر لكم خطيئتكم فقراءة ابن عامر كقراءة نافع إلا أن نافعا قال : خطيئاتكم بالجمع، وابن عامر قرأ خطيئتكم بالإفراد، واكتسب العموم من إضافتها إلى الضمير.
وقرأ أبو عمرو وحده : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم ب( نغفر ) بنون العظمة، و( خطاياكم ) جمع تكسير.
وقرأ الباقون من السبعة وهم : ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي : وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئتكم بكسر التاء جميعا مؤنثا سالما، والكسرة علامة النصب. هذه القراءة –في الآية- الصحيحة، ومعناها شيء واحد كما ترون.
الغفران في لغة العرب : هو الستر والتغطية.
والخطايا والخطيئات : جمع خطيئة وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال يقال لها :( خطيئة ) و ( خطء ) ومنه قوله : إن قتلهم كان خطأ كبيرا [ الإسراء : آية ٣١ ] ويقال لمرتكبها عمدا :( خاطئ ) ومنه قوله : ناصية كاذبة خاطئة ١٦ [ العلق : آية ١٦ ] وقوله : ولا طعام إلا من غسلين ٣٦ لا يأكله إلا الخاطئون ٣٧ [ الحاقة : الآيتان ٦٣، ٦٧ ] فالخاطئ بصورة الفاعل إنما هو على مرتكب الخطيئة عمدا، أما مرتكب الذنب غير عامد فهو المسمى بالمخطئ، فلا يقال له : خاطئ كما هو معلوم.
وعلى قراءة ( نغفر ) فصيغة الجمع للتعظيم، عظم الله ( جل وعلا ) نفسه. هذا معنى قوله : نغفر لكم خطيئتكم .
سنزيد المحسنين [ الأعراف : آية ١٦١ ] هذا استئناف، فكأن قائلا قال : وماذا بعد غفران الخطايا ؟ قال : سنزيد المحسنين. السين للتنفيس، وهو وعد صادق من الله.
واختلفت عبارات المفسرين في المراد بالمحسنين، ولا ينبغي أن يختلف فيه ؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فسر المحسنين تفسيرا ثابتا في الصحيح فلا ينبغي العدول عنه لغيره وذلك ما هو مشهور في حديث جبريل لما جاء في صورة الأعرابي وقال للنبي صلى الله عليه وسلم :( يا محمد أخبرني عن الإحسان ). فقال صلى الله عليه وسلم :( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ). وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن سؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معنى الإحسان أنه سؤال عظيم محتاج إليه غاية الحاجة، وذلك أن الله ( جل وعلا ) بين في آيات من كتابه أن الحكمة التي خلق من أجلها خلقه وسماواته وأرضه هي أن يبتلي الخلق، أي : يختبرهم في شيء واحد هو إحسانهم العمل ليظهر من يحسن منهم عمله ومن لا يحسنه، كما قال تعالى في أول سورة هود : خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ثم بين الحكمة فقال : ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ هود : آية ٧ ] ولم يقل : أيكم أكثر عملا. وقال في أول سورة الكهف : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ثم بين الحكمة بقوله : ليبلوكم أيكم أحسن عملا [ الملك : آية ٢ ] فاتضح في هذه الآيات أن الإحسان هو الذي خلقتم من أجل الابتلاء فيه –ولا ينافي هذا القول : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ٥٦ [ الذاريات : آية ٥٦ ] أي : إلا آمرهم بالعبادة على ألسنة رسلي فأبتلي محسنهم من غير محسنهم، كما لا يخفى –صار الإحسان محتاجا إلى معرفته ؛ ولذا سأل جبريل عنه وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم أنه : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . والإحسان مصدر أحسن العمل يحسنه إحسانا إذا جاء حسنا متقنا لا نقص فيه ولا وصم. وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون ( جل وعلا ).
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن العلماء أجمعوا على أنه لم ينزل الله واعظا من السماء إلى الأرض ولا زاجرا أكبر من واعظ المراقبة المعبر عنه هنا بالإحسان، وقد ضرب العلماء لهذا مثلا قالوا : لو فرضنا أن في هذا البرج من الأرض ملكا عظيم البطش، شديد النكال، وسيافه قائم على رأسه، و النطع مبسوط، والسيف يقطر منه الدم –ولله المثل الأعلى- وهذا الملك الذي هذا بطشه وشدته ينظر، أترى أن أحدا من الحاضرين يهتم بريبة مع بناته أو زوجاته أو نسائه ؟ ! لا، كلهم خاشع الطرف، ساكن الجوارح، أمنيته السلامة –ولله المثل الأعلى- فرب العالمين أعظم اطلاعا وأشد بطشا، وحماه في أرضه محارمه، فمن لا حظ أن رب السماوات والأرض مطلع عليه، وأنه يرى كل ما يفعل إن كان عاقلا لا بد أن يحاسب.
ولو علم أهل بلد أن أمير ذلك البلد بات مطلعا على كل ما يفعلون من القبائح والخسائس لكفوا عن كل ما لا ينبغي، ولم يرتكبوا إلا ما يجمل القلوب –ولله المثل الأعلى- فكيف بخالق السموات والأرض الذي يعلم خطرات القلوب، وكيف يجهل القلوب خالق خطرات القلوب ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [ الملك : آية ١٤ ] ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ١٦ [ ق : آية ١٦ ] معناه : أن المحسنين الذين يراقبون الله ويعبدونه كأنهم يرون أن الله يزيدهم على هذه المراقبة وهذه النية وهذا الإحسان للعمل يزيدهم أجرا على أجرهم. وقد جاءت آية في سورة يونس تدل على أن إحسان العمل يزيد الله صاحبه النظر إلى وجهه الكريم كما يأتي في تفسير قوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [ يونس : آية ٢٦ ] فقد جاء في الصحيح أن المراد بالحسنى : الجنة، والزيادة : النظر إلى وجه الله الكريم. وبذلك فسر بعض العلماء قوله تعالى في ( ق ) : لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ٣٥ [ ق : آية ٣٥ ] ومعنى الآية : أن المحسنين الذين يراقبون الله عند الأعمال ويعبدونه كأنهم يرونه يزيدهم أجرا، ولا مانع من أن يكون مما يزيدهم : النظر إلى وجهه الكريم كما فسرت به آية يونس المذكورة آنفا. وهذا معنى قوله : سنزيد المحسنين [ الأعراف : آية ١٦١ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير