ويقول الحق بعد ذلك :
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( ١٦١ ) " :
وهذه القصة مذكورة أيضا في سورة البقرة، ونعرف أن قوله سبحانه : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ، ولم يذكر الحق من القائل ؛ لأن طبيعة الأمر في الأسباط أنه سبحانه جعل لكل سبط منهم عينا يشرب منها، وكل سبط له نقيب، وهذا دليل على أنهم لا يأتلفون ؛ فلا يكون القول من واحد إلى الجميع، بل يصدر القول من المشرع الأعلى وهو الحق إلى الرسول، والرسول يقول للنقباء، والنقباء يقولون للناس.
وبعد أن تلقى موسى القول أبلغه للنقباء، والنقباء قالوه للأسباط، وفي آية أخرى قال الحق : وإذا قلنا . وهذا القول الأول وضعنا أمام لقطة توضح أن المصدر الأصيل في القول هو الله، ولأنهم أسباط ولكل سبط مشرب ؛ لذلك يوضح الحق هنا أنه أوحي لموسى. وساعة ما تسمع " وإذ " فاعلم أن المراد اذكر حين قيل لهم اسكنوا هذه القرية، لقد قيل إن هذه القرية هي بيت المقدس أو أريحا، لكنهم قالوا : لن ندخلها أبدا لأن فيها قوما جبارين وأضافوا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ( من الآية ٢٤ سورة المائدة ).
والحق لا يبين لنا القرية في هذه الآية ؛ لأن هذا أمر غير مهم، بل جاء بالمسألة المهمة التي لها وزنها وخطرها وهي تنفيذ الأمر على أي مكان يكون : اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا .
ويوضح الحق : أنا تكفلت بكم فيها كما تكفلت بكم في التيه من تظليل غمام، وتفجير ماء من صخر، ومَنّ وسلوى. وحين أقول لكم ادخلوا القرية واسكنوها فلن أتخلى عنكم : وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ . وقديما كان لكل قرية باب ؛ لذلك يتابع سبحانه : وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا .
والحطة تعني الدعاء بأن يقولوا : يا رب حط عنا ذنوبنا فنحن قد استجبنا لأمرك وجئنا إلى القرية التي أمرتنا أن نسكنها، وكان عليهم أن يدخلوها ساجدين ؛ لأن الله قد أنجاهم من التيه بعد أن أنعم عليهم ورفّههم فيه. وإذا ما فعلوا ذلك سيكون لهم الثواب وهو : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( من الآية ١٦١ سورة الأعراف ) : وسبحانه يغفر مرة ثم يكتب حسنة، أي سلب مضرة، وجلب منفعة، لكن هناك في سورة البقرة قد جاء النص التالي :
وإِذْ قُلْنا ادْخُلُوا هذِهِ الْقرْية فكُلُوا مِنْها حيْثُ شِئْتُمْ رغدًا وادْخُلُوا الْباب سُجّدًا وقُولُوا حِطّةٌ نغْفِرْ لكُمْ خطاياكُمْ وسنزِيدُ الْمُحْسِنِين ( ٥٨ ) ( سورة البقرة ).
فالكيان العام واحد ونجد خلافا في الألفاظ واللقطات عن الآية التي وردت في سورة الأعراف. أول خلاف وإذا قلنا ، وإذا قيل ، وشاء الحق ذلك ليأتي لنا بلقطة مختلفة كما أوضحنا من قبل. ففي آية سورة البقرة يقول سبحانه : ادخلوا وفي آية سورة الأعراف يقول : اسكنوا ، ونعلم أن الدخول يكون لغاية وهي السكن أي ادخلوا لتسكنوا، وأوضح ذلك بقوله في سورة الأعراف : اسكنوا ليبين أن دخولهم ليس للمرور بل للإقامة. وأراد سبحانه أن يعطيهم الغاية النهائية ؛ لأنه لا يسكن أحد في القرية إلا إذا دخلها.
وهكذا نرى أن كلمات القرآن لا تأتي لتكرار، بل للتأسيس وللإتيان بمعنى جديد يوضح ويبين ويشرح. ويقول الحق هنا في سورة الأعراف : وَكُلُوا مِنْهَا حيْثُ شِئْتُمْ . وفي آية سورة البقرة يقول : فكُلُوا مِنْها حيْثُ شِئْتُمْ رغدًا .
وحين أمرهم الله بالدخول وكانوا جوعى أمرهم الحق أن يأكلوا، على الفور والتوّ بتوسع، لذلك أتى بكلمة " رغدا " لأن حاجتهم إلى الطعام شديدة وملحة، لكنه بعد أن أمرهم بالسكن أوضح لهم أن يأكلوا ؛ لأن السكن يحقق الاستقرار ويتيح للإنسان أن يأكل براحة وتأن. وقال الحق هنا في سورة الأعراف : وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا . أي أنه قدم قولهم " حطة " على السجود، وفي آية سورة البقرة قدم السجود فقال : وادْخُلُوا الْباب سُجّدًا وقُولُوا حِطّةٌ ( من الآية( ٥٨ ) سورة البقرة ).
جاء الحق بهذا الاختلاف لأنه علم أن انفعالات السامعين تختلف ساعة الدخول، فهناك من ينفعل للقول، فيقول أول دخوله ما أمر به من طلب الحطة وغفران الذنب من الله، وهناك آخر ينفعل للفعل فيسجد من فور الدخول تنفيذا لأمر الله. وأيضا قال الحق هنا في سورة الأعراف.
نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( من الآية ١٦١ سورة الأعراف ).
وفي سورة البقرة يقول : نغْفِرْ لكُمْ خطاياكُمْ وسنزِيدُ الْمُحْسِنِين .
ونعلم أن صيغة الجمع تختلف ؛ فهناك " جمع تكسير " وجمع تأنيث، ففي جمع التكسير نغير من ترتيب حروف الكلمة، مثل قولنا " قفل " فنقول في جمعها " أقفال ". أما في جمع التأنيث فنحن نزيد على الكلمة ألفا وتاء بعد حذف ما قد يوجد في المفرد من علامة تأنيث، مثل قولنا " فاطمة "، و " فاطمات "، و " أكلة "، و " أكلات " وهذا جمع مؤنث سالم، أي أن ترتيب حروفه لم يتغير، وجمع المؤنث السالم الذي يدل على القلة ويجمع التكسير الذي يدل على الكثرة لاختلاف درجات ونسب الخطايا ؛ لأن المخاطبين غير متساوين في الخطايا، فهناك من ارتكب أخطاء كثيرة، وهناك من أخطأ قليلا. والاختلاف حدث أيضا في عجز الآيتين، فقال في سورة البقرة : وسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ .
وجاء عجز سورة العراف بدون " واو " فقال : سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ .
وقد عودنا ودعانا الحق إلى أن نقول : اغفر لنا وأنت خير الغافرين، وارحمنا وأنت خير الراحمين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة. وهنا يوضح سبحانه : أنا لن أكتفي بأن أغفر لكم وأن أرفع عنكم الخطايا. لكني سأزيدكم حسنا، وفي هذا سلب للضرر وجلب للنفع. كأن الله حينما قال : " خطاياكم بجمع التكسير الذي ينبئ ويدل على كثرة الذنوب والخطايا و " خطياتكم " التي تدل على القلة انشغلوا وتساءلوا : وماذا بعد الغفران يا رب فقيل ؟ لهم : سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ هل سيغفر لنا فقط، أو أنه سيجازينا بالحسنات أيضا ؟ وكانت إجابة الله أنه سيغفر لهم ويزيدهم ويمدهم بالحسنات. وقد عقدنا هذه المقارنة المفصلة بين آية سورة البقرة وآية سورة الأعراف لنعرف أن الآيات لا تتصادم مع بعضها البعض، بل تتكامل مصداقا لقوله الحق : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ( من الآية ٨٢ سورة النساء ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي