ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

وقطعناهم معناه : جعلناهم قطعا متفرقين في أرض الله لا تكاد تجد أرضا إلا وفيها شرذمة منهم. أجرى الله العادة بتفريقه اليهود في أقطار الدنيا لحكمة يعلمها هو ( جل وعلا ) ؛ ولذا قال : وقطعناهم في الأرض أمما أي : طوائف متفرقة في أنحاء الدنيا. ثم قال : منهم الصالحون منهم قوم صالحون مطيعون لله، وهم الذين كانوا على شرع موسى بن عمران، لم يغيروا ولم يبدلوا حتى ماتوا على ذلك، أو أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، كعبد الله بن سلام. وبعض العلماء يقول : من هؤلاء الأمم الصالحين : السبط الذين خرجوا من بين أظهر بني إسرائيل. وجرت عادة المفسرين أن يذكروا قصة غريبة عنهم في آية ذكرناها قبل هذا من سورة الأعراف وهي قوله تعالى : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ١٥٩ [ الأعراف : آية ١٥٩ ] لأن هذه الآية من سورة الأعراف يذكر المفسرون عندها قصة غريبة : يزعمون أن واحدا من أسباط بني إسرائيل لما عصى الإسرائيليون، وقتلوا الأنبياء، وارتكبوا المناكر تبرؤوا منهم، وطلبوا من الله أن يفرق بينهم وبينهم، ويزعمون أن الله فتح لهم نفقا في الأرض فدخلوا فيه وساروا فيه سنة ونصف سنة، حتى خرجوا من وراء الصين، وأنهم كانوا وراء الصين على دين صحيح يعبدون الله. هكذا يقولون. وتكثر هذه القصة –يكثر ذكرها- في كلام المفسرين عند هذه الآية الكريمة، وقد ألممنا بالآية ولم نذكرها، لأنها لم يثبت عندنا فيها شيء.
وبعضهم يقول : من هؤلاء الأمم الصالحة ذلك السبط الذين ساروا في النفق في الأرض سنة ونص السنة حتى خرجوا من وراء الصين. وعلى كل حال فقد كان في اليهود قوم هم على دين موسى حتى ماتوا على ذلك، وقوم كانوا على دين موسى وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الذين كانوا على دين موسى وأدركوا محمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا به هم الذين ذكر الله في سورة القصص أن لهم أجرهم مرتين : أجر إيمانهم الأول، وأجر إيمانهم الثاني، كما نص الله على ذلك في قوله : ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ٥١ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ٥٢ وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ٥٣ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا الآية [ القصص : الآيات ٥١- ٥٤ ]. وقوله في هذه الآية الكريمة : ومنهم دون ذلك أي : ومنهم أمة وناس آخرون دون ذلك الصلاح. أي : منحطون عن مرتبة الصلاح، قاصرون عنها ؛ لارتطامهم في المعاصي أو الكفر بالله جل وعلا.
وهذا الحرف قرأه عامة القراء : دون ذلك بفتح النون ظرفا غير متصرف، ولم يقرأه أحد اسما. وكونه اسما يجوز لغة لا قراءة ؛ لأن العرب تطلق ( دون ) إطلاقين : تطلقها ظرفا جامدا غير متصرف، وتطلقها اسما بمعنى الشيء الردي، ومن إطلاقها اسما : قول الشاعر :

إذا ما علا المرء رام العلاء ويقنع بالدون من كان دونا
فالرواية في قوله :( من كان دونا ) أصله :( من كان دونا ) بالتنوين، أي : حقيرا. وهذه الآية لم يقرأ فيها بجعله اسما متصرفا. هذا معنى قوله : ومنهم دون ذلك أي : ومنهم أمة، كقوله : وما منا إلا له مقام معلوم ١٦٤ [ الصافات : آية ١٦٤ ] أي : وما منا أحد إلا له مقام معلوم. أي : ومنهم طائفة دون ذلك أي : منحطون عن رتبة الصلاح لكفرهم أو معاصيهم.
وقوله : وبلوناهم البلاء : الاختبار. والحسنات جمع الحسنة، والحسنة المراد بها هنا الخصلة الطيبة كالخصب والعافية ؛ لأن الله يبتلي بالطيبات ويبتلي بالبلايا. يبتلي الناس بان يغدق عليهم نعمه ويرزقهم العافية والأموال والأمطار ليبتليهم أيشكروا نعمة الله ؟ وكذلك يبتلي بالسيئات كالجدب والمرض وغير ذلك من البلايا هل ينيبوا إلى الله ؟ فالله ( جل وعلا ) ذكر هنا أنه ابتلى اليهود بالحسنات كسعة الرزق والخصب والصحة والعافية، والسيئات كالأمراض والجدب والزلازل والبلايا لعلهم يرجعون أي : لأجل أن يرجعوا فينيبوا عند أحد الابتلاءين. ودلت الآية على أن منهم طائفة كانوا صالحين كما بيناه مرارا. كقوله : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اليل وهم يسجدون ١١٣ [ آل عمران : آية ١١٣ ] وقوله : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما انزل إليهم الآية [ آل عمران : آية ١٩٩ ]. وهذا معنى قوله : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون .
السيئات : جمع سيئة، وعلماء العربية يقولون : إن أصل السيئة :( سيوئة )، فهي على وزن :( فعلية )، ووزنها بالميزان الصرفي :( فعلية )، والزائد فيها : ياء ( الفعلية )، وحروفها الأصلية هي : السين في مكان الفاء، والواو في مكان العين، والهمزة في مكان اللام. أصل حروفها الصحيحة :( سوء ) بسين، وواو، وهمزة. وياء ( الفعلية ) زائدة، أصلها :( سيوئة ) فاجتمعت الياء والواو، وسكنت أولاهما غير عارضة ولا عارضة السكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء، على القاعدة التصريفية المشهورة. فقوله :( السيئة ) هذه الياء المشددة فيها حرفان : أولاهما : ياء ( الفعلية ) الزائدة، والثانية : الواو الواقعة عين الكلمة المبدلة ياء. وإنما سميت السيئة ( سيئة ) لأنها تسوء صاحبها يوم القيامة إذا نظر إليها في صحيفته. وهذا معنى قوله : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ الأعراف : آية ١٦٨ ] أي : يرجعون إلى ما يرضي ربهم من طاعته جل وعلا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير