ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإجابة له فيما يدعو إليه.
وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...) إلى قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا)، أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
وقال قائلون: هذا إنما كان في هَؤُلَاءِ الذين سبق ذكرهم في قوله: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ).
قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هَؤُلَاءِ؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قرودًا لم يحتمل -أيضًا- بعد ما صاروا قرودًا، فهو - واللَّه أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ).
يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.
أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه.
وقوله: (لَسَرِيعُ الْعِقَابِ): لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا... (١٦٨)
يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين.
ثم يحتمل الجمع وجهين:
كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفارًا وبعضهم مؤمنين.
أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره.
أو كانوا في الدِّين واحدًا، ثم صاروا أصحاب أهواء.
ويحتمل قوله: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا) أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد جماعة،

صفحة رقم 76

بعضهم خلفاء لبعض؛ على ماذكر: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ).
فإن كان قوله: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ) في الدِّين والمذهب، فيكون تأويله: أمنهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: (دُونَ ذَلِكَ) أي: غير ذلك كقوله يعيدونها دون اللَّه أي: غير اللَّه.
وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق.
أو بعضهم دون بعض في الدِّين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ).
ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات.
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
يتوبون ويرجعون عن ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فهو يخرج على وجوه:
أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل اللَّه وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و (وَالسَّيِّئَاتِ)، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة اللَّه وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.
والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه أبتسليم، النفس لأمره وحكمه.
والثالث: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.
والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعًا؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله

صفحة رقم 77

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية