وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة يَقُول: رفعناه وَهُوَ قَوْله ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم النِّسَاء الْآيَة ١٥٤ فَقَالَ خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة وَإِلَّا أَرْسلتهُ عَلَيْكُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل قَالَ: رفعته الْمَلَائِكَة فَوق رؤوسهم فَقيل لَهُم خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة فَكَانُوا إِذا نظرُوا إِلَى الْجَبَل قَالُوا: سمعنَا وأطعنا وَإِذا نظرُوا إِلَى الْكتاب قَالُوا: سمعنَا وعصينا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنِّي لأعْلم لم تسْجد الْيَهُود على حرف قَالَ الله وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة وظنوا أَنه وَاقع بهم قَالَ: لتأخذن أَمْرِي أَو لأرمينكم بِهِ فسجدوا وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ مَخَافَة أَن يسْقط عَلَيْهِم فَكَانَت سَجْدَة رضيها الله تَعَالَى فاتخذوها سنة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة قَالَ: أَتَى ابْن عَبَّاس يَهُودِيّ وَنَصْرَانِي فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: مَا دعَاكُمْ أَن تسجدوا بجباهكم فَلم يدر مَا يجِيبه فَقَالَ: سجدتم بجباهكم لقَوْل
الله وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة فخررتم لجباهكم تنْظرُون إِلَيْهِ وَقَالَ لِلنَّصْرَانِيِّ: سجدتم إِلَى الشرق لقَوْل الله إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقياً مَرْيَم الْآيَة ١٦
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء قَالَ: إِن هَذَا الْجَبَل جبل الطّور هُوَ الَّذِي رفع على بني إِسْرَائِيل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل قَالَ: كَمَا تنتق الزبدة أخرجنَا الْجَبَل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ثَابت بن الْحجَّاج قَالَ: جَاءَتْهُم التَّوْرَاة جملَة وَاحِدَة فَكبر عَلَيْهِم فَأَبَوا أَن يأخذوه حَتَّى ظلَّل الله عَلَيْهِم الْجَبَل فَأَخَذُوهُ عِنْد ذَلِك
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة وَإِذ نتقنا الْجَبَل قَالَ: انتزعه الله من أَصله ثمَّ جعله فَوق رؤوسهم ثمَّ قَالَ: لتأخذن أَمْرِي أَو لأرمينكم بِهِ
وَأخرج الزبير بن بكار فِي الموفقيات عَن الْكَلْبِيّ قَالَ: كتب هِرقل ملك الرّوم إِلَى مُعَاوِيَة يسْأَله عَن الشَّيْء وَلَا شَيْء وَعَن دين لَا يقبل الله غَيره وَعَن مِفْتَاح الصَّلَاة وَعَن غرس الْجنَّة وَعَن صلا ة كل شَيْء وَعَن أَرْبَعَة فيهم الرّوح وَلم يركضوا فِي اصلاب الرِّجَال وَلَا ارحام النِّسَاء وَعَن رجل لَا أَب لَهُ وَعَن رجل لَا قوم لَهُ وَعَن قبر جرى بِصَاحِبِهِ وَعَن قَوس قزَح وَعَن بقْعَة طلعت عَلَيْهَا الشَّمْس مرّة لم تطلع عَلَيْهَا قبلهَا وَلَا بعْدهَا وَعَن ظاعن ظعن مرّة لم يظعن قبلهَا وَلَا بعْدهَا وَعَن شَجَرَة نَبتَت بِغَيْر مَاء وَعَن شَيْء يتنفس لَا روح لَهُ وَعَن الْيَوْم وأمس وغد وَبعد غَد مَا أجزاؤها فِي الْكَلَام وَعَن الرَّعْد والبرق وصوته وَعَن المجرة وَعَن المحو الَّذِي فِي الْقَمَر فَقيل لَهُ: لست هُنَاكَ وَإنَّك مَتى تخطىء شَيْئا فِي كتابك إِلَيْهِ يغتمزه فِيك فَاكْتُبْ إِلَى ابْن عَبَّاس
فَكتب إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ ابْن عَبَّاس: أما الشَّيْء: فالماء قَالَ الله وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ واما لَا شَيْء: فالدنيا تبيد وتفنى وَأما الدّين الَّذِي لَا يقبل الله غَيره: فَلَا إِلَه إِلَّا الله وَأما مِفْتَاح الصَّلَاة: فَالله أكبر وَأما غرس الْجنَّة
فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأما صَلَاة كل شَيْء: فسبحان الله وَبِحَمْدِهِ وَأما الْأَرْبَعَة الَّتِي فِيهَا الرّوح وَلم يرتكضوا فِي أصلاب الرِّجَال وَلَا أَرْحَام
النِّسَاء: فآدم وحواء وعصا مُوسَى والكبش الَّذِي فدى الله بِهِ إِسْحَق واما الرجل الَّذِي لَا أَب لَهُ: فعيسى بن مَرْيَم وَأما الرجل الَّذِي لَا قوم لَهُ: فآدم وَأما الْقَبْر الَّذِي جرى بِصَاحِبِهِ: فَالْحُوت حَيْثُ سَار بِيُونُس فِي الْبَحْر وَأما قَوس قزَح: فأمان الله لِعِبَادِهِ من الْغَرق وَأما الْبقْعَة الَّتِي طلعت عَلَيْهَا الشَّمْس وَلم تطلع عَلَيْهَا قبلهَا وَلَا بعْدهَا: فالبحر حَيْثُ انْفَلق لبني إِسْرَائِيل وَأما الظاعن الَّذِي ظعن مرّة لم يظعن قبلهَا وَلَا بعْدهَا: فجبل طور سيناء كَانَ بَينه وَبَين الأَرْض المقدسة أَربع لَيَال فَلَمَّا عَصَتْ بَنو إِسْرَائِيل أطاره الله بجناحين من نور فِيهِ ألوان الْعَذَاب فأظله الله عَلَيْهِم وناداهم مُنَاد إِن قبلتم التَّوْرَاة كشفته عَنْكُم وَإِلَّا أَلقيته عَلَيْكُم فَأخذُوا التَّوْرَاة معذورين فَرده الله إِلَى مَوْضِعه فَذَلِك قَوْله وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة الْآيَة وَأما الشَّجَرَة الَّتِي نَبتَت من غير مَاء: فاليقطينة الَّتِي أنبتت على يُونُس وَأما الَّذِي تنفس بِلَا روح فالصبح
قَالَ الله وَالصُّبْح إِذا تنفس التكوير الْآيَة ١٨ وَأما الْيَوْم: فَعمل وَأما أمس: فَمثل وَأما غَد: فأجل وَبعد غَد فأمل وَأما الْبَرْق: فمخاريق بأيدي الْمَلَائِكَة تضرب بهَا السَّحَاب وَأما الرَّعْد: فاسم الْملك الَّذِي يَسُوق السَّحَاب وصوته زَجره وَأما المجرة: فأبواب السَّمَاء وَمِنْهَا تفتح الْأَبْوَاب وَأما المحو الَّذِي فِي الْقَمَر فَقَوْل الله وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ فمحونا آيَة اللَّيْل الاسراء الْآيَة ١٢ وَلَوْلَا ذَلِك المحو لم يعرف اللَّيْل من النَّهَار وَلَا النَّهَار من اللَّيْل
فَبعث بهَا مُعَاوِيَة إِلَى قَيْصر وَكتب إِلَيْهِ جَوَاب مسَائِله
فَقَالَ قَيْصر: مَا يعلم هَذَا إِلَّا نَبِي أَو رجل من أهل بَيت نَبِي
وَالله تَعَالَى أعلم
- الْآيَة (١٧٢ - ١٧٤)
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي