يقول الله جل وعلا : وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون [ الأعراف : آية ١٧١ ].
الظرف في قوله : وإذ يقول المفسرون : هو منصوب ب( اذكر ) مقدرا. والدليل على أن العامل في هذا الظرف المحذوف هو ( اذكر ) كثيرة ورود لفظة ( اذكر ) عاملة في ( إذ ) في القرآن، نحو قوله : واذكروا أخا عاد إذ أنذر [ الأحقاف : آية ٢١ ] واذكروا إذ أنتم قليل [ الأنفال : آية ٢٦ ] واذكروا إذ كنتم قليلا [ الأعراف : آية ٨٦ ] ونحو ذلك من الآيات. واذكر يا نبي الله عناد اليهود ولجاجهم القديم في أسلافهم، ومن جملة ذلك العناد واللجاج والكذب العريق في أسلافهم تكذيبهم برسالتك وإنكارهم لصفاتك الموجودة في كتبهم عندهم.
وقوله : نتقنا العرب تقول :( نتق الشيء ) إذا رفعه. وبعض العلماء يقول : النتق أخص من مطلق الرفع ؛ لأن النتق رفع مع حركة قوية، تقول العرب :( نتقت السقاء ) إذا رفعته وهززته هزا قويا ليخرج زبده.
والجبل هنا هو الطور. وقد ذكرنا رفع الطور عليهم في سورة البقرة وفي سورة النساء. وبعض العلماء يقول : كل جبل طور. وبعض العلماء يقول : الطور أخص من مطلق الجبل، فالطور هو خصوص الجبل الذي تحف به أشجار مثمرة. وعلى هذا القول فكل طور جبل، وليس كل جبل طورا.
والنتق في هذه الآية من سورة الأعراف هو الرفع المصرح به في البقرة والنساء.
والجبل المذكور في الأعراف هو الطور المصرح به في سورة البقرة وفي سورة النساء ؛ لأن الله ذكر رفع هذا الجبل عليهم في سورة البقرة فقال جل وعلا : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة [ البقرة : آية ٦٣ ] وقال في سورة النساء : ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا الآية [ النساء : آية ١٥٤ ]. ورفع الطور عليهم لأن نبي الله موسى ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) لما كتب الله له كتابه التوراة بين فيه الحلال والحرام والعقائد وتفصيل كل شيء يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، كانت فيه أوامر ونواهي زعم اليهود أنها شاقة عليهم فامتنعوا من قبولها، فلما عرض عليهم نبي الله موسى التوراة قالوا : لا نقبل هذا الكتاب، ولا نتحمل هذه الأمور والنواهي التي هي فيه ؛ لأن فيها مشقة علينا. فأمر الله الملك فهز الطور فاقتلعه ورفعه فوقهم قدر معسكرهم. والمؤرخون يقولون : هم قدر فرسخ في فرسخ، فصار الجبل فوقهم بقدرة الله كأنه ظلة، كأنه غمامة تظلهم فوق رؤوسهم، وقيل لهم : إنما هي واحدة من اثنين : خذوا ما آتيناكم بقوة [ البقرة : الآية ٦٣ ] التزموا ما في التوراة من الأحكام بقوة، أي : بجد واجتهاد بالعمل بما فيه والمحافظة عليه، وإلا سقط عليكم هذا الجبل. فلما نظروا الجبل فوقهم كأنه ظلة خروا ساجدين، كل واحد منهم خر ساجدا على شق جبهته الأيسر، فسجود الواحد منهم بحاجبه الأيسر وعينه اليمنى ناظرة إلى الجبل خوفا من سقوطه إليه، والتزموا العمل بما في التوراة، فرفع الله عنهم الجبل. وكان سجود اليهود على شق الجبهة الأيسر يقولون : هذا السجود هو الذي رفع الله عنا بسببه العقوبة، وهذا معنى قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم أي : رفعنا فوقهم الطور لما امتنعوا أن يقبلوا ما في التوراة كأنه أي : الجبل الذي هو الطور ظلة كأنه غمامة أو مزنة تظلهم من فوق رؤوسهم، فخافوا أن يسقط عليهم فالتزموا ما في التوراة.
وقوله : خذوا ما آتيناكم بقوة محكي قول محذوف، والمقرر في علم العربية : أن حذف القول وبقاء مقوله قياسي مطرد معروف لا تكاد تحصيه في لغة العرب وفي القرآن العظيم، أما عكسه –وهو ثبوت القول وحذف المقول- فهو نادر يحفظ ولا يقاس عليه. قال بعض علماء العربية : ومنه قول الشاعر :
| لنحن الألي قلتم فأنى ملئتم | برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا |
وما آتيناكم معناه : أعطيناكم في هذا الكتاب المشتمل على خير الدنيا والآخرة، وصيغة الجمع في قوله : آتيناكم للتعظيم بقوة أي : بعزم وجد واجتهاد.
ويفهم من هذه الآية أنه يجب على من خوطب بأوامر الله في كتبه المنزلة أن يلتزمها بقوة ونشاط واجتهاد، فلا يضعف فيها، ولا يفرط فيها ؛ لأنها لا تمتثل على الوجه الأكمل إلا بالقوة والجد والاجتهاد –أعاننا الله على امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والقيام بما في كتابه- وهذا معنى قوله : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه وهو هذا الذي آتيناكم، يعني : التوراة اذكروا ما فيه من العقائد والأوامر والنواهي، اذكروه ذكر مدارسة وعمل، فتعلموا ما فيه، واعلموا بما فيه لعلكم تتقون أي : لأجل أن تتقوا بذلك سخط الله وعذابه ؛ لأن ما يتقى به سخط وعذابه هو معرفة أوامره ونواهيه، واجتناب النواهي وامتثال الأوامر كما هو معروف. وهذا معنى قوله : واذكروا ما فيه لعلكم تتقون .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير