تفسير المفردات : نتقنا الجبل : أي رفعناه كما روي عن ابن عباس :( أو زلزلناه وهو مرفوع )، يقال نتق السقاء : إذا هزه ونفضه ليخرج منه الزبد، أو اقتلعناه كما هو رأي كثير من العلماء، والظلة : كل ما أظلك من سقف بيت أو سماء أو جناح طائر، والجمع : ظلل وظلال.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه قبائح طائفة من اليهود وذكر عقابهم على ذلك بالمسخ قردة، ذكر هنا أنه كتب على اليهود جميعا الذلة والصغار إلى يوم القيامة عقابا على أفعالهم، وهذه سنة الله في عقاب الأمم التي تفسق عن أمره وتخالف أوامر دينه، وهي كما تنطبق على اليهود تنطبق على غيرهم من الأمم التي لا ترعوي عن غيها، بل تتمادى في فجورها وطغيانها وتسير قدما في غوايتها وضلالها.
الإيضاح : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم أي واذكر أيها الرسول إذ رفعنا جبل الطور فوقهم كما روي عن ابن عباس، أو اقتلعناه وجعلناه فوقهم كأنه غمامة وأيقنوا أنهم إن خالفوا أوامر دينهم وقع لا محالة عليهم.
ذاك أنه أخذ عليهم الميثاق ليأخذن الشريعة بقوة وعزم فخالفوا الميثاق فرفع فوقهم الطور وأوقع في قلوبهم الرعب خوف وقوعه بهم، فخر كل واحد منهم ساجدا لربه وقبل العمل بالميثاق.
روي أن بني إسرائيل أبوا أن يقبلوا التوراة، فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم إن قبلتم العمل بها وإلا ليقعن عليكم، فوقع كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة حين امتثلنا ما أمرنا به اه.
وفي الآية تعريض بأنهم إذا كانت حالهم في مبدإ أمرهم بمخالفتهم لكتابه ما عرفت فلا عجب إذ آل أمرهم إلى ترك العمل به بعد طول الأمد وقساوة القلوب والأنس بالمعاصي والذنوب.
خذوا ما آتيناكم بقوة أي وقلنا لهم في هذه الحال : خذوا ما أعطيناكم من أحكام الشريعة بعزم واحتمال للمشاق والتكاليف.
واذكروا ما فيه لعلكم تتقون أي واذكروا ما فيه من الأوامر والنواهي، فإن ذلك يعدكم للتقوى ويجعلها مرجوة لكم، فإن قوة العزيمة في إقامة الدين تزكي النفوس وتهذب الأخلاق، كما أن التهاون فيها يدسيها ويغريها على إتباع الشهوات قد أفلح من زكاها٩ وقد خاب من دساها [ الشمس : ٩ ١٠ ].
تفسير المراغي
المراغي