(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)
لأنه قد استكبر بهذا الجواب فأعلمه اللَّه أنه صاغر بهذا الفِعْل.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
أي أخرنِي إلى يَومِ البَعْثِ، فلَم يُجَب إلى الإِنْظَارِ إلَى يَوْمِ البعث
بعينه، وأُعْلمَ أنه منظور إلى يوم الوقْت المعلُومِ.
* * *
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)
في قوله: (أغويتني) قولان. قال بعضهم: فبما أضْلَلْتَنِي
وقال بعضهم: فبما دَعَوْتني إلى شيء غَوِيت به، أي غويتُ من أجْل آدم.
(لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ).
ولا اختلاف بين النحويين في أن " على " محذوفة، ومن ذلك قولك:
ضرِبَ زيد الظهْر والبَطْنَ.
* * *
وقوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)
معناه - واللَّه أعلم - ثم لآتينهمْ في الضلَال من جميع جهاتهم.
وقيل من بين أيديهم أي لأضِلنَّهم في جميع ما يُتَوَقعُ.
وقيل أيضاً: لأخوِّفنََّهم الفَقرَ.
والحقيقةُ - واللَّه أعلم - أي أنْصَرِفُ لهم في الإضلال في جميع جهاتهم.
* * *
وقوله: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
- ْ معنى مَذْءُوم كمعنى مَذْمُوم، يُقَالُ: ذَأمْتُه أذْأمُه ذَأماً، إذَا رَعَبْتَه
وَذَمَمْتَه.
ومعنى (مَدْحُورًا) مُبْعَداً من رحمة اللَّه.
وقوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ).
هذه اللام لام القسمِ تدخلُ توطئة للأمر.
(لأملأنَّ).
والكلام بمعنى الشرط والجزاء، كأنه قيل: من تبعك أعَذبُه، فدخلت
اللام للمبالغة والتوكيد، ولام لأملأنَّ لام القسمِ ولام " من تبعك " توطئة
لها ةيجوز في الكلام: واللَّه من جاءَكَ لأضْربنه، ولا يجوز ُ: واللَّه لَمَنْ
جَاءَكَ أضربه، وأنت تريدُ لأضربنه، ولكن يجوز: واللَّهِ لمنْ جاءَك أضْربْهُ
تريد لأضْربَنَّه.
وقال بعضهم في قوله: (ثُمَّ لآتِيَنهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهمْ)
أي لأغْوَينهُمْ فيما أمِرُوا به.
وقوله: (وَعَن شَمَائِلِهمْ) أي: لأغوَينهم فيما نُهُوا عَنْه والذي أظنه - والله
أعلم - على هذا المذهب: أني أغويهم حتى يُكَذِّبُوا بأمور الأمم السالِفةِ
- بالبَعْث، كما ذكر في هذا.
ومعنى: (وَعَنْ أيْمَانِهمْ وَعَنْ شمَائِلِهمْ).
أي لأضلنهمُ فيما يَعْقلونَ، لأن الكسب يقال فيه: ذَلكَ بمَا كسبتْ يَدَاك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئاً، إلا أنه يقال لكل ما عمله عامل كسَبَتْ يَدَاكَ، لأن اليَدَيْن الأصلُ في التصرف فجعلتا مثلًا لجميع مَا عُمِلَ بغيرهِمَا.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، وقال: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ).
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي