هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين١٨٩ فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون١٩٠ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون١٩١ ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون١٩٢ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [ لأعراف : ١٨٩ ١٩٣ ].
تفسير المفردات : من نفس واحدة : أي من جنس واحد، ليسكن إليها : أي ليأنس بها ويطمئن إليها، وتغشاها : أتاها كغشيها ويراد بالتغشي أداء وظيفة الزوجية، ومقتضى الفطرة وآداب الدين يكون ذلك في السر، حملت : أي علقت منه، والحمل بالفتح : ما كان في بطن أو على شجرة وبالكسر ما كان على ظهر ونحوه، فمرت به : أي استمرت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، واستمرت في أعمالها وقضاء حاجتها من غير مشقة ولا استثقال، وأثقلت : أي حان وقت ثقل حملها وقرب وضعها، صالحا : أي نسلا سليما من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء.
المعنى الجملي : بعد أن افتتح عزت قدرته السورة بالدعوة إلى التوحيد وإتباع ما أنزل على لسان رسوله وتلاه بالتذكير بنشأة الإنسان الأولى في الخلق والتكوين والعداوة بينه وبين الشيطان.
اختتم السورة بهذه المعاني، فذكر بالنشأة الأولى، ونهى عن الشرك وإتباع وسوسة الشيطان، وأمر بالتوحيد وإتباع ما جاء به القرآن.
الإيضاح : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها أي هو الذي خلقكم من جنس واحد وجعل زوجه من جنسه فكانا زوجين ذكرا وأنثى كما قال في آية أخرى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى [ الحجرات : ١٣ ].
وهكذا خلق من كل الأنواع ومن كل أجناس الأحياء زوجين اثنين كما قال عز من قائل : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون [ الذاريات : ٤٩ ].
والمشاهد : أن كل خلية من الخلايا التي ينمو بها الجسم الحي تنطوي على نواتين ذكر وأنثى إذا اقترنتا ولدتا خلية أخرى وهلم جرا.
وفي التوراة : إن حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم، وعليه حمل بعض العلماء الحديث :( استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا ) رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا.
ولكن المحققين ذهبوا في تفسيره إلى أن المراد أنها ذات اعوجاج وشذوذ تخالف به الرجل، ويؤيده ما رواه ابن حبان عن أبي هريرة :( إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ) فهو على حد قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل [ الأنبياء : ٣٧ ].
وفي التعبير عن ميل الزوج الجنسي إلى زوجه هنا وفي الروم بالسكون، إشارة إلى أن المرء متى بلغ سن الحياة الزوجية يجد في نفسه اضطرابا لا يسكن إلا إذا اقترن بزوج من جنسه واتحد ذلك الاتحاد الذي لا تكمل حياتهما الجنسية المنتجة إلا به.
فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به أي فلما تغشى الذكر الأنثى علقت منه وكان الحمل أول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به، وقد تستدل على وجوده بارتفاع الحيض فحسب ومن ثم استمرت في أعمالها وقضاء حاجتها من غير مشقة ولا استثقال.
فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين أي فلما حان قرب وضعها وكبر الولد في بطنها، توجها : أي آدم وحواء إلى الله ربهما بدعواته أن يعطيهما ولدا صالحا أي تام الخلق يصلح للقيام بالأعمال النافعة التي يعملها البشر، وأقسما على ما وطنا عليه أنفسهما من الشكر له إزاء هذه النعمة قولا وعملا واعتقادا.
المعنى الجملي : بعد أن افتتح عزت قدرته السورة بالدعوة إلى التوحيد وإتباع ما أنزل على لسان رسوله وتلاه بالتذكير بنشأة الإنسان الأولى في الخلق والتكوين والعداوة بينه وبين الشيطان.
اختتم السورة بهذه المعاني، فذكر بالنشأة الأولى، ونهى عن الشرك وإتباع وسوسة الشيطان، وأمر بالتوحيد وإتباع ما جاء به القرآن.
تفسير المراغي
المراغي