وقوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها فالنفس الواحدة هي آدم عليه السلام، وزوجها حواء. و( جعل ) تأتي في كلام العرب على أربعة أنحاء، ثلاثة منها في القرآن، والرابع موجود في لغة العرب ليس في القرآن. وهذه المعاني هي :
الأول :( جعل ) بمعنى اعتقد. وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. ومنه قوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أي : اعتقدوا الملائكة إناثا.
الثاني :( جعل ) بمعنى ( صير ) ومنه قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ... أي : صيرنا شياطين الإنس والجن عدوا لكل نبي. وهي أيضا... ] ( في هذا الموضع انقطع التسجيل. وقد تم استدراك النقص المتعلق بتفسير الآية ( ١٨٨ ) من كلام الشيخ ( رحمه الله ) عند تفسير الآية ( ٥١ ) من سورة الأنعام. كما تم استدراك النقص الواقع في تفسير الآية ( ١٨٩ ) من كلام للشيخ ( رحمه الله ) عند تفسير الآية ( ١١٢ ) من سورة الأنعام. وجعلت ذلك كله بين معقوفين ) تنصب المبتدأ والخبر أيضا.
الثالث : جعل بمعنى ( خلق ) ومنه قوله : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظالمات والنور [ الأنعام : آية ١ ] أي : خلق الظلمات والنور، بدليل قوله : خلق قبله.
والظاهر أن هذا المعنى هو الذي منه قوله : خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها [ الأعراف : آية ١٨٩ ] أي : وخلق منها زوجها. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وقد بينت آية النساء أن ( جعل ) هنا في سورة الأعراف وفي سورة الزمر معناها ( خلق ) لأن الله قال في أول سورة النساء : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [ النساء : آية ١ ] فقوله في النساء : وخلق منها زوجها دليل قرآني على أن قوله في الأعراف : وجعل منها زوجها وقوله في الزمر : ثم جعل منها زوجها [ الزمر : آية ٦ ] أن ( جعل ) فيهما بمعنى ( خلق ) وهذا هو الأظهر لدلالة القرآن عليه.
وقوله : زوجها يعني : حواء، وقد قدمنا امرأة الرجل يقال لها :( زوجه ) بلا تاء، وهذه هي اللغة الفصحى، وهي لغة القرآن، وشذ قوم من علماء العربية فزعموا أن الزوجة بالتاء لحن، وأنها من كلام الفقهاء الملحون، والتحقيق أن ( الزوجة ) بالتاء – لامرأة الرجل - أنها لغة لا لحن، إلا أن اللغة المشهورة الفصحى أن تقول لامرأة الرجل :( هذه زوجه ). ولو قلت :( هذه زوجته ) لكانت لغة، ولم يكن لحنا، خلافا لما ذكره بعض علماء العربية. ومن إطلاق الزوجة بالتاء على امرأة الرجل في كلام العرب : قول الفرزدق، وهو عربي فصيح :
| وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي | كساع إلى أسد الشرى يستبيلها |
| فبكى بناتي شجوهن وزوجتي | والظاعنون إلي ثم تصدعوا |
اعلموا أن الله في هذه الآيات الثلاث من كتابه في سورة النساء، وفي سورة الأعراف، وفي سورة الزمر بين أنه خلق المرأة الأولى – التي هي مبدأ نشأة إيجاد النساء خلقها - من ضلع الرجل الأول ؛ لتعلموا بذلك أن ابتداء نشأة الأنثى ومبدأ خلقها أنها لم تخلق مستقلة في الوجود عن الرجل، بل خلقت في أصل نشأتها الأولى التي أنشأها الله عليها وجودها تابع لوجود الرجل، ومستندة في وجودها على وجوده. وهذا اٍلأمر أمر كوني قدري جبل الله عليه إيجاد الأنثى حيث أوجدها، وهذا الأمر الكوني القدري تحته لوازم عظيمة من عدم مساواة الرجل والأنثى في عشرات الميادين لعدم مساواتهما في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فالرجل وجد ونشأ أولا مستقلا بوجوده عنها، لم يتوقف وجوده على وجودها، وهي في نشأتها الأولى وإيجادها الأول أنشئت جزءا منه، وجودها تابع لوجوده مستند إليه.
ولوازم هذه المسألة الكونية القدرية لم يهملها رب السموات والأرض لأنه الحكيم الخبير، فتحت هذه الإيجاد الأول لوازم تابعة له كثيرة قد جاءت مبينة في الحس والعقل والشرع الكريم، نلم بشيء منها، وبهذا تعلمون أن ملاحدة الإفرنج الكفرة وأتباعهم من الخفافيش الذين يزعمون أنهم مسلمون، الذين يقولون :( إن الأنثى كالرجل في جميع الميادين ) يكذبون أولا في النشأة الأولى والإيجاد الأول، فإنهما عندما أراد الله إيجادهما لم يبدأ إيجادهما بالتسوية، بل جعله إيجادا متفاوتا ومتباينا، فجعل إيجاد هذا مستقلا عن هذا، وجعل إيجاد هذا تابع لإيجاد هذا ومستندا إليه، وهذا التبع الذي هو منشأ الأمر وأصله له لوازم رعاها الشرع ( جل وعلا )، ورعاها الحس والعادة، وهي أمور سنبين أطرافا منها ليعلم الناس أن ما قدره الله في كونه وأزله أنه قد يراعه في شرعه، وأن من يريد أن يغالب قدر الله هو المغلوب فالله ( جل وعلا ) هو خالق هذا الكون، وهو المتصرف فيه بما شاء، وهو المميز بين أجزائه، والمخالف بين أنواعه، وما خالف الله بينه منها لا يمكن أحدا أن يماثله، ومن أردا أن يماثله فإنه مغلوب عاجز لا محالة، كما قال كعب بن مالك في قريش :
| زعمت سخينة أن ستغلب ربها | فليغلبن مغالب الغلاب |
| خفافيش أعماها النهار بضوئه | ووافقها قطع من الليل مظلم |
ونحن نقول : إن كون الطلاق بيد الرجل هو الأمر المعقول الذي يشهد له الحس والفطرة والشرع، والنشأة الأولى ؛ لأن من خلق الرجل وخلق المرأة – هو خالق هذا الكون، وهو أعلم بحقائقه وما يصلح كلا منه - صرح في محكم كتابه - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – أن النساء حروث ومزارع، قال تعالى في محكم كتابه : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم [ البقرة : آية ٢٢٣ ] ولو حاول الإفرنج ما حاولوا أن يكذبوا قوله : نساؤكم حرث لكم لم يقدروا على كل حال ؛ لأنه قول من خلق الجميع وفعله وكونه وقدره لا يمكن أحد أن ينفيه ؛ لأن الرجل لم يكن في بطنه رحم يتربى فيها الولد، والنطفة المشاهدة أن تبذر في بطن المرأة، وأن تتربى فيها كما يتربى البذر في الأرض حتى يحصد تاما، هذا أمر مشاهد يشهده الحس والعقل، لا يمكن المكابر أن ينكره : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ومعلوم أن الحارث المزدرع فاعل، وأن الحقل المزروع مفعول به بطبيعة الحال وحقيقة الأمر الواقع المحسوس الذي لا يمكن أن ينكره المكابر. ومما يوضح هذا : أن آلة الازدراع – آلة التناسل- هي من الرجل، فلو قلنا كما يقول الإفرنج : إنه لا يتركها إلا برضاها، وأن ترضى مفارقته إياها، وصار مكرها عليها لا يريدها، فهو زارع مرغم على حقل لا يريد الزراعة فيه، فإنها لو أرادت أن تجامعه لتحصل منه على ولد فأنا أؤكد لكم أنها لا تقدر، ولا ينتشر ذكره، ولا يقوم إليها، ولا تقدر أن تأخذ البذر منه بحال من الأحوال، بخلاف الرجل الذي هو بطبيعة الحال فاعل، والذي هو زارع نساؤكم حرث لكم [ البقرة : آية ٢٢٣ ] فإنه قد يحبلها وهي كارهة، فتكون في أشد التمنع والكراهة ويرغمها ويقهرها فتحمل. وقد كان العرب يقولون : إن المرأة التي حملت وهي مكرهة على الغشيان أن ولدها لا يطاق أبدا، وهو أمر معروف عندهم مشاهد، ومنه قول أبي كبير الهذلي يصف رجلا لا يطاق ؛ لأن أمه حملته شادة حزامها ونطاقها غير راضية بالمسيس :
| ممن حملن به وهن عواقد | حبك النطاق فشب غير مهبل |
| حملت به في ليلة مزؤودة | كرها وعقد نطاقها لم يحلل |
وكذلك زعمهم أن تفضيل الرجل على الأنثى في الميراث أنه ظلم من الشرع ؛ لأن الرجل والمرأة يدليان للميت بقرابة واحدة، فكيف تكون المرأة والرجل يمتان للموروث بقرابة واحدة ونصيب الرجل أكثر من نصيب الأنثى ؟ ! وهذا قولهم وفلسفتهم الشيطانية، والله ( جل وعلا ) في آية الصيف – أعنى الآية الأخيرة النازلة في المواريث من آخر سورة النساء - بين ( جل وعلا ) فيها أن من سوى بين الذكر والأنثى في الميراث أنه ضال ولا شك في ذلك الضلال ؛ لأن الله يقول : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا [ النساء : آية ١٧٦ ] يبين الله لكم تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث أن تضلوا كراهة أن تضلوا عن الطريق المستقيم، أو لأجل أن لا تضلوا. فالمسوي بينهما ضال بنص المحكم المنزل لا شك في ذلك، وإيضاح هذا بالمحسوس المعقول الذي لا يماري فيه إلا مكابر : أن الله ( تبارك وتعالى ) جعل الذكورة بطبيعتها جمالا وكمالا وقوة خلقية، فنفس الذكورة جمال طبيعي، وكمال خلقي، وقوة طبيعة، كما أن الله ( جل وعلا ) أوجد الرجل – إيجاده الأول- إيجادا مستقلا، والأنوثة هي بحقيقة ذاتها وطبيعتها نقص جبلي خلقي، وضعف خلقي لا ينكره إلا مكابر، والله ( جل وعلا ) بين في كتابه أن الأنوثة أنها بطبيعة حالها ضعف جبلي ونقص خلقي منحط عن درجة الذكورة حيث قال : أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ١٨ [ الزخرف : آية ١٧ ] وفي القراءة الأخرى : أومن ينشوا في الحلية وهو الخصام غير مبين أي أتجعلون لله ولدا وب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير