معلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكن من الغافلين في حال، ولكن على النهي لأمته؛ كقوله: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) و (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ونحوه، نهاه أن يكونن ما ذكر؛ لما ذكرنا نهيا لغيره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ... (٢٠٦)
قالت المشبهة: لو لم يكن بين اللَّه وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم والبشر بقوله: (عِنْدَ رَبِّكَ) سواء، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك.
لكن التأويل عندنا في قوله: (عِنْدَ رَبِّكَ): في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة والمنزلة، ليس على قرب الذات، ولكن على ما وصف - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقوله: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ)، وصفهم بالطاعة له والخضوع؛ فعلى ذلك الأول، ليس على قرب الذات، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع.
ألا ترى أنه قال: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، ليس على أنه في الأرض يقترب منه إذا سجد؟!.
وأصل ما يضاف إلى اللَّه من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات؛ كقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، خص المساجد بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها له؛ تعظيمًا لها، وكذلك قوله: الكعبة بيت اللَّه الحرام، وإن كانت البيوت كلها له، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء؛ تعظيمًا لذلك وإجلالا؛ فعلى ذلك الأول، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع، وإما لكرامة لهم والمنزلة، وإضافة كلية الأشياء إلى اللَّه تخرج مخرج تعظيم الرب؛ من ذلك قوله: (لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وقوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ).
ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لكنا نقول: إن الأفضل عند اللَّه الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه؛ على ما ذكرنا: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، لا نشير أن هَؤُلَاءِ أفضل من هَؤُلَاءِ، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم.
وتأويل الآية - واللَّه أعلم - في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...) الآية، أي: إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته.
أو أن يقول: إن الذين تعبدون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم أحق ألا تستكبروا عن عبادته؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، فخرج هذا جواب ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُسَبِّحُونَهُ).
التسبيح: هو وصف الرب - عَزَّ وَجَلَّ - بالرفعة، والعظمة والجلال، والتعالي عن الأشباه والأمثال، وعما وصفه الملحدون.
والتسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ يَسْجُدُونَ).
السجود: هو الخضوع في الغاية، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من تلاها أو سمعها، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين، وفي ذلك
ترغيب في السجود، إلا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - روي أنه سجد وسجد من معه.
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعًا يسجد فيه.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سجد في " ص ".
وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يقرأ القرآن في غير صلاته، فيسجد ونسجد معه.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ كبير من قريش أخذ كفًّا من جص فرفعه إلى جبهته، فلقد رأيته قتل كافرًا.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه ذكر سجود القرآن - أو عدّ - فقال: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج - سجدة واحدة - والفرقان،
وطس، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل، وقال: وليس في المفصل سجود.
وعن ابن مسعود قال في السورة يكون في آخرها السجدة نحو الأعراف والنجم: إن شئت فاسجد ثم قم فاقرأ، وإن شئت فاركع.
وعن ابن مسعود: كان يسجد في الأعراف، وفي بني إسرائيل، والنجم، و (إذا السماء انشقت)، و (اقرأ باسم ربك).
واحتج بعض مشايخنا أن السجود على من تلا آية السجدة واجب: بما أجمع أهل العلم أن على المصلي إذا تلا الآية فيها السجدة أن يسجد في صلاته، فلو كان السجود تطوعًا ما كان لأحد أن يزيد في صلاته ما ليس منها؛ فدل ذلك على أن السجود واجب في الصلاة، وإذا كان في الصلاة واجبًا فهو على كل واجب.
ومن الحجة لنا -أيضًا- ما روي أن النبي - عليه السلام - قرأ آيات فسجد فيها، فكان السجود فيها واجبًا، كما أنه لما صلى صلاة العيدين كانت واجبة.
* * *
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم