هذه الآية تتمة السياق الوارد في النشأة الأولى للبشر وشياطين الجن أنزلت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات في وعظ بني آدم، وإرشادهم إلى ما تكمل به فطرتهم، كما بيناه في بحث التناسب بين الآيات السابقة.
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِين ادعى اللعين أنه ناصح لهما فيما رغبهما فيه من الأكل من الشجرة. ولما كان محل الظنة في نصحه عندهما، لأنه تعالى أخبرهما بأنه عدو لهما، أكد دعواه بأشد المؤكدات وأغلظها، وهي القسم وإن اللام وتقديم " لكما " على متعلقه الدال على الحصر. وكان الظاهر أن يقال وأقسم لهما فإن المقاسمة تدل على المشاركة كقاسمه المال أي أخذ كل منهما قسما وللمفسرين في الصيغة قولان أحدهما أن صيغة فاعل وردت للمفرد كثيرا وهذا منها فمعناه : وحلف لهما، واستشهد له ابن جرير بقول خالد بن زهير :
| وقاسمها بالله جهدا لأنتمُ | ألذ من السلوى إذا ما نشورها١ |
قد بينا من قبل أن الله قص علينا خبر نشأتنا الأولى بما يبين لنا سنته تعالى في فطرتنا وما يجب علينا من شكره وطاعته في تزكيتها وتهذيب غرائزها. وملخص هذه الآيات فيها مع ما يفسرها ويوضحها من السور الأخرى : أن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفة له في الأرض وجعله مستعدا لعلم كل شيء فيها، ولتسخير جميع ما فيها من القوة والمادة لمنافعه ليكون في ذلك مظهرا لأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وتعلقها بتدبير خلقه ومعاملتهم في الآخرة والأولى، وأنه كان في نشأته الأولى في جنة من النعيم وراحة البال، وأنه لاستعداده للأمور المتضادة التي يكون بها مظهرا للصفات المتقابلة كالضار والنافع والمنتقم والغافر، كانت نفسه مستعدة للتأثر بالأرواح الملكية التي تجذبها إلى الحق والخير وبالأرواح الشيطانية التي تجذبها إلى الباطل والشر، وإن عاقبة التأثر الأول سعادة الدارين بما تقبله طبيعة كل منهما، وعاقبة الثاني شقاء الدارين بقدر ما يوجد من أسباب الشقاء فيهما، ويحتاج البشر في ذلك إلى هداية الوحي الإلهي الهادية إلى اتقاء الأول والتعرض للآخر، وهو ما بينه تعالى في سورة طه بقوله قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ( طه ١٢٣- ١٢٦ ) ونحوه ما تقدم في سورة البقرة. فهذا أثر الدين في الحفظ من شقاء الدنيا وهلاك الآخرة، وكتاب الله حجة على من لا يصدق عليهم ذلك في حالهم، ومن يفسرونه بما يخالف ذلك بأقوالهم.
وقد تقدم في تفسير القصة من سورة البقرة أن بعضهم جعلها تمثيلا لبيان هذه السنن والنواميس في فطرة البشر والشياطين، على أن يكون المراد بآدم نوع الإنسان الذي هو أصله كما تسمي العرب القبيلة باسم أصلها وجدها الأشهر، فتقول فعلت قريش كذا وكذا وقالت تميم كيت وكيت. وتكون الجنة عبارة عن نعمة الحياة، والشجرة عبارة عن الغريزة التي تثمر المعصية والمخالفة كما مثل كلمتي الكفر والإيمان بالشجرة الخبيثة والشجرة الطيبة، ويكون الأمر بالخروج من الجنة أمر قدر وتكوين، ولا أمر تشريع وتكليف. وقد شرح الأستاذ الإمام هذا التأويل شرحا بليغا يراجع هنالك والغرض المقصود منه لا يتوقف عليه وإنما هو أقرب إلى أذهان من يعسر إقناعهم بظواهر النصوص ولا تطمئن قلوبهم إلا بمثل هذا الضرب من البيان.
هذا ملخص مضمون القصة أو ملخص بقيتها وأما ملخص ما فيها من العبرة فهو أنه : ينبغي لنا أن نعرف أنفسنا بغرائزها واستعدادها للكمال، وما يعرض لها دونه من الموانع، فيصرفها عنه إلى النقائص، وأن أنفع ما يعيننا على تربيتها أن نتذكر عهد الله إلينا بأن نعبده وحده، وأن لا نعبد معه الشيطان ولا غيره، وأن نذكره ولا ننساه فننسى أنفسنا، ونغفل عن تزكيتها، وصقلها بصقال التوبة كلما عرض لها من وسواس الشيطان ما يلوثها، فإنه إن يترك صار صدأ وطبعا مفسدا لها، وما أفسد أنفس البشر ودساها إلا غفلة عقولهم وبصائرهم عنها، وتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات، ووساوس شياطين الضلالات، فعلى العاقل أن يعرف قيمتها ويحرص عليها أشد من حرصه على ما عساه يملك من نفائس الجواهر وأعلاق الذخائر، فإن حرصه على مثل هذا إنما يكون لأجلها، وهو يبذله عند الضرورة في أحقر ما لا بد لها منه. وذلك بأن يطلب لها أقصى ما تسمو إليه همته من الكمال ويحاسبها كل يوم مرة أو أكثر على ما بذلت من السعي لذلك، وعلى مكافحة ما يصدها عنه من الأهواء والوسواس وينصب الميزان القسط لما يشتبه عليها من الآراء والخواطر ليعرف كنه الحق والخير فيلتزمهما، وأضدادهما من الشر والباطل فيجتنبهما. وليتدبر ما قفى به الكتاب العزيز على القصة من الوصايا في الآيات الآتية.
الإشكالات في القصة
قد أكثر المفسرون المتكلمون في هذه القصة من استخراج الإشكالات، والجواب عنها بأنواع من التمحلات وهي مبنية على ما جروا عليه من أن آدم كان نبيا ورسولا وأن الرسل معصومون من معاصي الله تعالى فكيف وسوس له الشيطان فأغواه ؟ وكيف أقسم له فصدقه فيما يخالف خبر الله ؟ وكيف أطمعه في أن يكون ملكا أو خالدا فطمع وهو يستلزم إنكار البعث ؟ وإذا كان لم يصدقه فكيف أطاعه ؟ وهل الأمر له بالأكل من الجنة أمر وجوب أم إباحة ؟ وهل النهي عن الشجرة للتحريم أو الكراهة ؟ إلخ ما هنالك، حتى زعم بعضهم أن معصيته كانت صورية. وزعم بعض الصوفية أن حقيقة هذه المسألة لا تعرف إلا بالكشف أو إلا في الآخرة. ولا يرد على ما أوردناه شيء من ذلك فأما على جعل التأويل من باب التمثيل، وجعل الأمر والنهي للتكوين لا للتكليف فالأمر ظاهر. وأما على الوجه الأول فما جليناه فيه يقربه من الوجه الآخر. وآدم لم يكن نبيا رسولا عند بدء خلقه اتفاقا ولا موضع للرسالة في ذلك الطور والظاهر من الآيات الواردة في الرسل ومن بعض الأحاديث الصحيحة أنه لم يكن رسولا مطلقا. وأن أول الرسل نوح عليه وعليهم السلام١ وعصمة الأنبياء من كل معصية قبل النبوة وبعدها لم ينقل إلا عن بعض الروافض. ولا يظهر دليل العصمة ولا حكمتها فيه. إذ لم يكن هنالك أحد يخاف من سوء الأسوة عليه.
هذا ما ألهمه تعالى من بيان معاني هذه الآيات بما يدل عليه الأسلوب العربي مع مراعاة سنن الله تعالى في الخليقة وما ترشد إليه الآيات الأخرى في القصة وما يناسبها، ولم ندخل فيه شيئا من تلك الروايات المأثورة، والآراء المشهورة التي لا دليل عليها من قول الله ولا قول رسوله، ولا من سننه تعالى في خلقه، إذ كل ما ورد في ذلك أو جله من الإسرائيليات التي لا يوثق بها، وقد فتن كثير من المفسرين بنقلها، كقصة الحية ودخول إبليس فيها وما جرى بينها وبين حواء من الحوار.
كلمة في الإسرائيليات الواردة في قصة آدم وغيرها
ومن أراد الإسرائيليات فليرجع إلى المتفق عليه عند أهل الكتاب ليعلم الفرق بين ما عندنا وما عندهم، بأن يراجع هنا سائر ما ورد في القصة بعد الذي نشرناه منها في سفر التكوين دون غيره مما لا يعرف له أصل عندهم وهو في الفصل الثالث منه. وملخصه أن الحية كانت أحيل حيوان البرية، وأنها قالت لحواء إنها هي وزوجها لا يموتان إذا أكلا من الشجرة كما قال لهما الرب، بل يصيران كآلهة يعرفان الخير والشر، وأن حواء رأت أن الشجرة طيبة الأكل بهجة المنظر، منية للنفس، فأكلت منها وأطعمت زوجها فأكل، فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان فخاطا لأنفسهما مآزر من ورق التين " فسمعا صوت الرب الإله وهو متمش في الجنة " فاختبآ من وجهه بين الشجر فنادى الرب آدم فاعتذر بتواريه عنه لأنه عريان، فسأله من أعلمه أنه عريان وهل أكل من الشجرة ؟ فاعتذر بأن امرأته أطعمته، وسأل الرب المرأة فاعتذرت بإغواء الحية لها " ١٤ فقال الرب الإله للحية : إذ صنعت هذا فأنت ملعونة من بين جميع البهائم وجميع وحوش البرية على صدرك تمشين وترابا تأكلين طول أيام حياتك٢ ١٥ وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يستحق رأسك وأنت ترصدين عقبه " وقال للمرأة إنه يكثر مشقات حملها وآلام ولادتها، وإنها تنقاد إلى بعلها وهو يسودها، وقال لآدم إن الأرض ملعونة بسببه وأنه بمشقة يأكل طول أيام حياته وبعرق وجهه يأكل خبزا حتى يعود إلى التراب الذي أخذ منه، ثم قال الرب ٢٢ هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر، والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل فيحيا إلى الدهر ٢٣ فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليحرث الأرض التي أخذ منها " اه وفي هذه القصة من الإشكالات ما ترى وليس فيما ورد في القرآن شيء مشكل فيها وقد صرح النصارى منهم بأن إبليس دخل في الحية وتوسل بها إلى إغواء حواء. ونقل عنهم المسلمون ما نقلوا في ذلك، ونحن لا نعتد بما يخالف ما في القرآن وصحيح ما في السنة من ذلك.
إذا علمت هذا فلا يغرنك شيء مما روي في التفسير المأثور في تفصيل هذه القصة فأكثره لا يصح، وهو أيضا مأخوذ من تلك الإسرائيليات المأخوذة عن زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكذا الذين لم يدخلوا فيه. كان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره عنه هذه الإسرائيليات من غير بيان فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد أن يكون له أصل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه و سلم لأنه لا يعرف بالرأي، فيعدونه من الموقوف الذي له حكم المرفوع حتى روي عن ابن عباس ( رض ) كتب إلى بعض أحبار اليهود يسأله عن بعض ما ورد في القرآن ليعلم ما عندهم من العلم فيه، وكان بعض المسلمين يصدقونهم فيما لا يخالف كلام الله ورسوله، وينقلون روايتهم وإن خالفت فصار يعسر تمييز المخالف من الموافق إلا على أساطين العلماء الواسعي الاطلاع على السنة الذين يفهمونها ويفهمون القرآن حق الفهم، وكلما قل هؤلاء في الأمة كثر الذين يأخذون كل ما ذكر في كتب التفسير والتاريخ والمواعظ من الإسرائيليات بالتسليم، مع أن النبي صلى الله عليه و سلم قال " لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ". ذلك بأنهم قد حرفوا وزادوا ونقصوا كما قال الله تعالى فيهم : إنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ونسوا حظا مما ذكروا به، فلا نصدق روايتهم لئلا تكون مما حرفوه أو زادوه ولا نكذبها لئلا تكون مما أوتوه فحفظوه إلا أن تكون مخالفة لما صح عندنا. وقد أكثر الرواة من التابعين ومن بعدهم من الرواية عن زنادقتهم. ويقل في صحيح المأثور عن الصحابة ما هو من الإسرائيليات وإن روى بعضهم عن كعب الأحبار كأبي هريرة رضي الله عنه الذي تروى أكثر أحاديثه عنعنة وأقلها ما يصرح فيه بالسماع وكذا ابن عباس.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب في فن التفسير٣ نقل عنه السيوطي في الإتقان بحثا طويلا في المفسرين واختلافهم في التفسير، وقال إنه نفيس جدا ومنه فصل فيما لا يعلم إلا من طريق النقل، وهو قسمان : ما يمكن معرفة الصحيح فيه من غيره وما لا يمكن، وهو الذي تدخل فيه الإسرائيليات. وقد قال فيه ما نصه :
" فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه و سلم قبل، وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب ( أي كعب الأحبار ووهب ابن منبه وهما من خيارهم عند الرواة ومعظم الخرافات والأكاذيب نقلت عنهما ) وقف عن تصديقه وتكذيبه لقوله ( ص ) :" إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " وكذا ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب. فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض. وما نقل من ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم٤ ؟ وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثير ولله الحمد وإن قال الإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصل، التفسير والملاحم والمغازي وذلك لأن الغالب عليها المراسيل " اهـ.
تفسير المنار
رشيد رضا