فدلاهما بغرور فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية بما غرهما به من القسم، من التدلية، وهي إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، ومنه دلى الدلو في البئر. والغرور : إظهار النصح مع إبطان الغش. وأصله من غررت فلانا، أي أصبت غرته وغفلته، ونلت منه ما أريد.
و طفقا يخصفان.. شرعا وأخذا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عورتهما لسترها، من الخصف، وهو خرز طاقات النمل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض. وفعله من باب ضرب.
ولعل المعنى والله أعلم : أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا، وخلعا ثوب الطاعة وبدت منهما سوءة المعصية، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حتى لا يرى، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما يجتنان بها ويستتران، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك. فلما سمعا النداء الرباني بتقريعهما ولومهما الهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما، بكلمات من فيض الرحمة الإلهية، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم، وقال لهما فقط أو لهما ولذريتهما، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض، لينفذ ما أراده الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى، ومنازعة عدوهم لهم فيها، والله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا. والله أعلم بأسرار كتابه
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف