قوله تعالى: فدلاهما بغرور : الباء للحال أي: مصاحبين للغرور أو مصاحباً للغرور فهي حال: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول. ويجوز أن تكون الباءُ سببيةً أي: دَلاَّهما بسبب أن غرَّهما. والغُرور مصدر حُذف فاعله ومفعوله، والتقدير: بغُروره إياهما. وقوله: «فدلاَّهما» يحتمل أن يكون من التَدْلية من معنى دلا دَلْوَه في البئر والمعنى أطمعهما. قال أبو جندب الهذلي:
| ٢١٧٠ - أَحُصُّ فلا أُجير ومَنْ أُجِرْه | فليس كمَنْ تَدَلَّى بالغرورِ |
| ٢١٧١ - أظن الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قومي | وقد يُسْتَجْهَلُ الرجلُ الحليم |
| ٣١٧٣ - وقد جَعَلَتْ قَلوصُ بني سهيلٍ | من الأَكْوارِ مَرْتَعُها قريبُ |
والخَصْف الخَرْز في النِّعال، وهو وَضْعُ طريقة على أخرى وخَرْزُهما، والمِخْصَف: ما يُخْصَفُ به وهو الإِشْفى قال:
| ٢١٧٤ -........................ | ............... |
| ٢١٧٥ -...... طِبْتَ في الظلال وفي | مستودَعٍ حيث يُخْصَفُ الورقُ |
قوله: أَلَمْ أَنْهَكُمَا يجوز أن تكون هذه الجملةُ التقريرية مفسرةً للنداء ولا محلَّ لها، ويُحتمل أن يكون ثَمَّ قولٌ محذوف وهي معمولةٌ له أي: فقال: ألم أنْهَكما، وذلك القولُ مفسِّر للنداء أيضاً. وقال الشيخ: «الأَوْلى أن يعود الضمير في» عليهما «على عورتيهما كأنه قيل: يَخْصِفان على سَوْءاتيهما، وعاد بضمير الاثنين لأن الجمعَ يُراد به اثنان، ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء لأنه تقرَّر في علم العربية أنه لا يتعدَّى فعل الظاهر والمضمر المتصل إلى الضميرِ المتصلِ المنصوب لفظاً أو محلاً في غير باب ظن وفقد وعدم ووجد، لا يجوز: زيد ضربه ولا ضربه زيد، ولا زيد مرَّ به ولا مرَّ به زيد، فلو جَعَلْنا الضميرَ في» عليهما «عائداً على آدم وحواء لَلَزِمَ من ذلك تعدِّي» يَخْصِفُ «إلى الضمير المنصوب محلاً وقد رفع الضمير المتصل وهو الألف في» يَخْصِفان «، فإنْ أُخِذَ ذلك على حَذْف مضاف مرادٍ جاز ذلك وتقديره:» يَخْصِفان على بَدَنَيْهما «، قلت: ومثلُ ذلك فيما ذكر
وهزى إِلَيْكِ [مريم: ٢٥] {واضمم صفحة رقم 283
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} [القصص: ٣٢] وقول الشاعر:
| ٢١٧٦ - هَوِّنْ عليك فإن الأمور | بِكَفِّ الإِله مقاديرُها |
| ٢١٧٧ - دَعْ عنك نَهْباً صِيْح في حَجَراته | ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرواحلِ |
وقرأ الزهري «يُخْصِفان» مِنْ أخصف وهي تحتمل وجهين أحدهما: أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَل. والثاني: أن تكون الهمزةُ للتعدية، والمفعولُ على هذا محذوفٌ أي: يَخْصِفان أنفسهما أي: يجعلان أنفسَهما خاصِفين. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب/ «يَخِصِّفان» بفتح الياء وكسر الخاء والصادُ مشددةٌ، والأصل: يختصفان، فأُدْغمت التاء في الصاد ثم أُتْبعت الخاءُ للصاد في حركتها، وسيأتي لهذه القراءة نظيرٌ في يونس ويس نحو يهدي [يونس: ٦] و يَخِصِّمُون [يس: ٤٩] إن شاء الله تعالى. وروى محبوب عن الحسن كذلك إلا أنه فتح الخاء فلم يُتْبِعْها للصاد، وهي قراءة يعقوب أيضاً وابن بريدة. وقرأ عبد الله «يُخُصِّفان» بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة وهي مِنْ خصَّف بالتشديد، إلا أنه أتبع الخاء للياء قبلها في الحركة وهي قراءة عَسِرةُ النطق، ويدل على صفحة رقم 284
أن أصلها مِنْ خَصَّف بالتشديد قراءةُ بعضهم «يُخَصِّفَان» كذلك إلا أنه بفتح الخاء على أصلها.
قوله: أَلَمْ أَنْهَكُمَا هذه الجملةُ في محل نصب بقول مقدر ذلك القولُ حالٌ تقديره: وناداهما قائلاً ذلك. ولم يُصَرِّحْ هنا باسم المنادي للعلم به. و «لكما» متعلق ب «عدو» لِما فيه من معنى الفعل. ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً بمحذوف على أنها حال من «عدوّ» لأنها لو تأخّرت لجاز أن تكون وصفاً له.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط