ﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

قوله : فدلاهما بِغُرُورٍ التدلية والإدلاء : إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال أدلى دلوه : أرسلها، والمعنى : أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة. وقيل معناه : أوقعهما في الهلاك. وقيل : خدعهما، وأنشد نفطويه :

إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجرباً لا يخدع
وقيل معنى : دلاهما دللهما من الدالة، وهي الجرأة : أي جرأهما على المعصية، فخرجا من الجنة. قوله : فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سوآتِهِما أي لما طعماها ظهرت لهما عوراتهما، بسبب زوال ما كان ساتراً لها، وهو تقلص النور الذي كان عليها. وقد تقدّم في البقرة، قوله : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة طفق يفعل كذا، بمعنى شرع يفعل كذا. وحكى الأخفش : طفق يطفق مثل ضرب يضرب : أي شرعا أو جعلا يخصفان عليهما. قرأ الحسن «يخصفان » بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل يختصفان، فأدغم وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح الخاء. وقرأ الزهري «يخصفان » من أخصف. وقرأ الجمهور يخصفان من خصف. والمعنى : أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها، من خصف النعل : إذا جعله طبقة فوق طبقة وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا قائلاً لهما : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة التي نهيتكما عن أكلها، وهذا عتاب من الله لهما وتوبيخ، حيث لم يحذرا ما حذرهما منه وَأَقُل لَّكُمَا معطوف على أنهكما إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ أي مظهر للعداوة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن وهب بن منبه في قوله : لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا قال : كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما سوءة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : أتاهما إبليس فقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين مثله، يعني مثل الله عزّ وجلّ، فلم يصدّقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في الآية إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين فلا تموتان فيها أبداً وَقَاسَمَهُمَا قال : حلف لهما إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين .
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب، في قوله : فدلاهما بِغُرُورٍ قال : مناهما بغرور. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي شيبة، عن عكرمة قال : لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة قال : ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال، فبقي في أطراف أصابعه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، قال : كان لباس آدم في الجنة الياقوت، فلما عصى قلص فصار الظفر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ قال : يرقعان كهيئة الثوب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة قال آدم : ربّ إنه حلف لي بك، ولم أكن أعلم أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً، وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا الآية قال : هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية