ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

لما اعترف الكفار بكفرهم، وندموا حيث لا ينفع الندم، وقال الله عنهم :[ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ]( الأعراف : آية ٣٧ ) لما شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا في دار الدنيا كافرين حتى ماتوا على ذلك بين جزاءهم فقال إن الله يقول لهم يوم القيامة ما قص هنا، قال الله لهم، أو قالها لهم خازن النار بأمر من الله ( جل وعلا ). والظاهر أن القائل هو الله ؛ لأنه إذا لم يقيد بما يدل على انه الملك انصرف إلى أن الله هو الذي أمر بإدخالهم النار ؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بأمره-جل وعلا- قال الله لأولئك الكفار : ؟ [ ادخلوا ] في النار[ في أمم ] في جملة أمم. والأمم : هي أجيال الناس المتقدمة من الكفرة. ادخلوا في زمرة امم [ قد خلت من قبلكم ] مضت من قبلكم وماتوا وهم كافرون فدخلوا النار. ادخلوا في زمرتهم في النار- والعياذ بالله- وقوله :[ قد خلت من قبلكم ] أي : قد مضت من قبلكم، ومضى زمانها قبل زمانكم. والمعنى : انه كانت قبلكم في الوجود أمم كافرة فأدخلتها النار، فادخلوا في جملتهم في النار- والعياذ بالله-.
وقوله :[ في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ] قال بعض العلماء " [ في النار ] بدل من قوله :[ في أمم ] والظاهر أن الصواب أنها ليست بدلا منها، وان المعنى : ادخلوا في جملة أجناسكم من الكفرة، ادخلوا انتم وهم في النار.
وقوله :[ من الجن والإنس ] ( الأعراف : آية ٣٨ ) هذه الأمم التي أدخلت النار بعضها من الجن، وبعضها من الإنس. وهذه الآية نص صريح في أن كفرة الجن في النار مع فكرة الإنس كما قدمناه مرارا.
وكون كافر الجن في النار لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما اختلف العلماء في المؤمنين من الجن هل هم في الجنة أو ليسوا فيها ؟ فذهب جماعة أن جزاء المؤمنين من الجن أنهم لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، بل كان جزاؤهم الإجارة من النار فقط دون التنعم بالجنة. واغتر من قال بهذا القول بظاهر آية الأحقاف ؛ لأن الجن لما قال نذيرهم :[ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ]( الأحقاف : آية ٣١ ) رتبوا على ذلك قولهم [ يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ] ولم يقولوا : ويدخلكم الجنة. فاغتروا بهذا الظاهر. والخلاف في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو يجارون من النار ولا يدخلون الجنة ؟ وبعضهم يقول : يكونون رابضين عند أبواب الجنة. خلاف معلوم مشهور، والظاهر أن الصواب أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كما دخل الكافرون منهم النار. وقد دل على هذا بعض الآيات : من أصرح الآيات دليلا عليه قوله تعالى في سورة الرحمن مخاطبا للإنس والجن :[ ولمن خاف مقام ربه جنتان( ٤٦ )( الرحمن : آية ٤٦ ) ثم بين أن هذا الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه للإنس والجن حيث أتبعه بقوله :[ فبأي ألاء ربكما تكذبان( ٤٧ ) ]( الرحمن : آية ٤٧ ) والتثنية في قوله :[ فبأي ألاء ربكما تكذبان ( ٤٧ ) ] للإنس والجن بلا نزاع بين العلماء. فدل ظاهر هذه الآية أن مؤمن الجن في الجنة، ويستأنس له بظاهر قوله :[ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ]( الرحمن : آية ٧٤ ) فيفهم منه أن في الجنة جنا يطمثون النساء، ولكنهم لم يسبقوا هؤلاء أزواجهم في الجنة. وهذا الأخير أظهر.
وقوله جل وعلا :[ ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ] والعياذ بالله [ كلما دخلت أمة ] من هذه الأمم [ لعنت أختها ] إنما كانت أختها لأنها أختها في الديانة والملة والكفر بالله، وتكذيب الرسل، وكل شيئين متشابهين، أو متصاحبين تنسب العرب لهما الأخوة ومنه :[ وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ]( الزخرف : آية ٤٨ ) فالمتشابهان تسميهما العرب ( إخوان ) وكذلك المتصاحبان تسميهما ( إخوان ) وإنما كانت الأمة أخت الأمة لمشابهتها لها في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل حتى مات الجميع على ذلك-والعياذ بالله- كما قال تعالى :[ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ]( الإسراء : آية ٢٧ ) وهو معنى معروف في كلام العرب، وكل امة كافرة أخت للكافرة، كما أن الأمة المؤمنة أخت للأمة المؤمنة [ إنما المؤمنون إخوة ]( الحجرات : آية ١٠ ) وإنما لعنتها لأن بعض هذه الأمم يسن الضلال والكفر حتى يقتدي به الذين جاؤوا من بعدهم- والعياذ بالله- فيلعنوهم لأنهم تسبب لهم بالاقتداء بهم دخول النار، كما قال الله ( جل وعلا ) عن نبيه إبراهيم إنه قال لهم :[ ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ]( العنكبوت : آية ٢٥ ) وقال- تعالى- عنهم :[ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب( ١٦٦ ) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ]( البقرة : الآيتان١٦٧، ١٦٦ ) فهم يوم القيامة أعداء يلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا. وهذا معنى قوله :[ كلما دخلت أمة ]( الأعراف : آية ٣٨ ) في النار [ لعنت أختها ] أي : صاحبتها المماثلة لها في الضلال والكفر، وتكذيب الرسل ؛ لأن بعض الأمم تبقى سننهم في الضلال والكفر فيقتدي بها من جاء بعدهم من الأمم- والعياذ بالله- فيلعنونهم لذلك.
ثم قال جل وعلا :[ كلما دخلت امة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا ][ اداركوا ] أصله : تداركوا. والمعروف في علم العربية أن ( تفاعل ) و( تفعل ) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام. فقوله :[ اداركو ] أصله ( تداركوا ) [ فادارءتم فيها ] ( البقرة : آية ٧٢ ) أصله ( فتدارءتم ). وكذلك في ( تفعل ) كقوله :[ وازينت وظن اهلها ]( يونس : آية ٢٤ ) أصله ( تزينت ) [ قالوا اطيرنا بك وبمن معك ]( النمل : آية ٤٧ ) أصله( تطيرنا ) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في ( تفاعل ) كما هنا قول الشاعر :

تولي الضجيع إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
يعني : إذا ما تتابع القبل. [ حتى إذا اداركوا فيها جميعا ] أي : تلاحقوا وأدرك الآخر الأول واجتمعوا في النار جميعا- والعياذ بالله-، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل- شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاء رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم-أي لأجلهم ؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله :( جل وعلا )، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم- :[ ربنا ] معناه : يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، [ هؤلاء ] الرؤساء من قادة الكفرة[ أضلونا ]، هم الذين أضلونا عن طريق الصواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد أطعناهم وزينوا لنا وقالوا لنا : أطيعونا نهدكم، واتبعونا نذهب بكم إلى الخير، ومكروا بنا حتى أضلونا عن طريقك فاتبعناهم فأهلكونا [ أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار ]( الأعراف : آية ٣٨ )[ فأتهم ] : أعطهم عذابا مضاعفا، بان تعذب الواحد منهم كعذاب اثنين، ويكون هذا العذاب المضاعف من النار، كما قال تعالى :[ وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا( ٦٧ )ربنا اتهم ضعفين من العذاب وألعنهم لعنا كبيرا( ٦٨ ) ]( الأحزاب : آية ٦٨ ) وفي القراءة الأخرى :[ وألعنهم لعنا كثيرا ]. فسألوا الله أن يزيد عليهم العذاب، وأن يلعنهم، وشكوه بأنهم أضلوهم. ومحاججتهم مذكورة في آيات كثيرة، كما قال تعالى :[ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار( ٦٤ ) ]( ص : آية ٦٤ ) وبسطها الله في سورة سبأ في قوله :[ ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا انتم لكنا مؤمنين( ٣١ ) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا انحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين( ٣٢ ) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ]( سبأ : آية٣١-٣٣ ) الآيات. فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضا، ويسأل الأتباع أن يزيد الله الرؤساء المتبوعين عذابا فوق عذابهم، كما قال تعالى :[ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ]( النحل : آية ٨٨ ) فعند ذلك الوقت يتمنون الرجعة إلى دار الدنيا ليتبرؤوا منهم، وأن لا يدخلوهم النار [ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب( ١٦٦ ) ]( البقرة الآية ١٦٦ ) فلما تبرأ المتبعون من الأتباع تمنى عند ذلك الأتباع الرجعة إلى الدنيا [ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ( لو ) هنا تمنيا. يا ليت لنا كرة. أي : رجعة ثانية إلى الدنيا [ فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ] لما شكا الأتباع المتبوعين وقالوا لربهم : هؤلاء أضلونا فضاعف لهم العذاب عذابا على الضلال وعذابا على الإضلال. قال الله مجيبا لهم :[ لكل ضعف ]( الأعراف : آية ٣٩ ) لكل منكم ومنهم ضعف، أما ضعف المتبوعين الرؤساء فلا إشكال في مضاعفة العذاب عليهم ؛ لأن ضعفا على ضلالهم، وضعفا على إضلالهم ؛ لأنهم هم الذين سنوا لهم الضلال " ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا " وقد بين الله أن رؤساء الضلالة المتبوعين عليهم وزر ضلالهم ووزر إضلالهم في آيات كثيرة كقوله :[ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ]( العنكبوت : آية ١٣ ) وكقوله جل وعلا :[ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ( ٢٥ ) ]( النحل : آية ٢٥ ).
ومضاعفة العذاب على الرؤساء قادة الضلالة لا إشكال فيه [ الذين كفروا ] يعني في أنفسهم [ وصدوا ] غيرهم[ عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ] عذابا بصدهم الناس عن سبيل الله [ بما كانوا يفسدون ]( النحل : آية ٨٨ ).
أما مضاعفة العذاب للضعفاء الأتباع ففيها إشكال، وكثير من المفسرين لا يتعرضون لهذا الإشكال ؛ لأن الله يقول :[ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها ]( الأنعام : آية ١٦٠ ) وهم لم يضلوا. وهذا إشكال معروف في هذه الآية. وهو مضاعفة العذاب للأتباع.
فقال بعضهم : إنهم وإن كانوا أتباعا فلا بد لهؤلاء الأتباع من ضعفاء أخر، فالواحد يكون تبعا لرئيسه في الضلالة، ولكنه يضل امرأته وأولاده وبعض أقاربه، فمعهم هم أيضا رئاسة في الضلال قليلة كل بحسبه، ويضاعف العذاب لكل بحسبه.
وقال بعض العلماء : مضاعفة العذاب للرؤساء بإضلالهم وضلالهم، ومضاعفته للأتباع بتقليدهم الأعمى، وتعصبهم للكفر، وعدم نظرهم في المعجزات البينات، والأدلة الواضحات التي جاءت بها الرسل، مع الكفر، فقد جمعوا بين التقليد الأعمى والإعراض عن سماع الحق، مع الكفر الذي ارتكبوه. هكذا قاله بعض العلماء.
وقوله :[ ولكن لا تعلمون ]( الأعراف : آية ٣٨ ) قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا شعبة عن عاصم :[ ولكن لا تعلمون ] بتاء الخطاب. والمعنى : أن لكل من أهل النار ضعفا بحسب عمله ولكنكم لا تعلمون قدر ما ينالونه من العذاب المهين وشدته وهوله وألمه. وفي قراءة شعبة عن عاصم :[ ولكن لا يعلمون ] ولكن لا يعلم الجميع أن لكل منهم ضعفا من العذاب، كانوا لا يعلمون ذلك، ويوم القيامة سيعلمونه :[ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ]( الزمر : آية ٤٧ ).
وهذه الآيات الكريمة تدل على أن المتبوعين في الضلالة، والأتباع في الضلالة، كلهم- والعياذ بالله- يضاعف لهم العذاب في النار، وهؤلاء الأتباع الذين يدعون على الرؤساء بقولهم :[ أتهم ضعفي

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير