الكافر، والموت راحة المؤمن) (١) هذا قول أهل التفسير، وذهب بعض أهل المعاني: (إلى أن هذا يكون في الآخرة، ومعنى قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا أي: ملائكة العذاب يَتَوَفَّوْنَهُمْ أي: يتوفون عدتهم وفاة الحشر إلى النار، على معنى: يستكملونهم جميعًا لا يغادرون منهم أحداً).
وذكر الزجاج هذه الوجه (٢) في أحد قوليه.
وهذا يحكى عن الحسن (٣) أيضًا.
٣٨ - قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ الآية. الله تعالى يقول ذلك، أخبر عن نفسه، كذلك قال أهل التفسير.
وقال مقاتل: (هو من كلام خازن النار) (٤).
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦، وقال: (هو أضعف الوجهين) وكذلك ذكر القولين النحاس في "معانيه" ٣/ ٣١ - ٣٢.
(٣) ذكره هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ١٦، والماوردي ٢/ ٢٢١، وابن الجوزي ٣/ ١٩٤، والرازي ١٤/ ٧١ والأول أظهر وهو ما رجحه جمهور المفسرين، والمعنى يتمتعون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يتوفونهم عند الموت أقروا على أنفسهم بالكفر، وانظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٢، والسمرقندي ١/ ٥٣٩، والبغوي ٣/ ٢٢٧، وابن عطية ٥/ ٤٩٦.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٦، وهو قول السمرقندي في "تفسيره" ١/ ٥٣٩، وابن عطية ٥/ ٤٩٧، وقال ابن الجوزي ٣/ ١٩٤: (إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة) والأول أظهر وهو اختيار جمهور المفسرين.
انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٣، والبغوي ٣/ ٢٢٨، والزمخشري ٢/ ٧٨، والقرطبي ٧/ ٢٠٤، و"البحر" ٤/ ٢٩٥.
وقوله تعالى: فِي أُمَمٍ، قال عطاء: (يريد في النار مع أمم) (١) وعلى هذا في الآية تقديم وتأخير ومجاز (٢) لأن التقدير: ادخلوا في النار مع أمم قد خلت من قبلكم واستعمال (في) بمعنى (مع) (٣) مجاوز (٤)، ويمكن أن يقال: قوله: فِي أُمَمٍ من صلة ادْخُلُوا، وقوله (٥) فِي النَّارِ من تمام (٦) صفة الأمم، يقول: ادخلوا في أمم في النار، فلا يكون في الآية تقديم ولا تأخير ولا مجاز (٧).
وقوله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ يعني النار لَعَنَتْ أُخْتَهَا [قال الفراء: (يعني: التي سبقتها إلى النار، وهي أختها] (٨) في دينها لا في النسب) (٩).
(٢) لفظ: (ومجاز) ساقط من (أ).
(٣) لفظ: (مع) ساقط من (ب).
(٤) مجاوز أي -جائز- وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص ٨٣، و"رصف المباني" ص ٤٥٣، و"مغني اللبيب" ١/ ٤٦٨، وقال الرماني في "معاني الحروف" ص ٩٦: (زعم الكوفيون أنها تكون بمعنى (مع) والبصريون يقولون (في) على بابها) وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" ١٣/ ٣٤٨: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.
(٥) في (ب): (فقوله).
(٦) في (ب): (مع تمام).
(٧) وهذا هو الظاهر، واختيار الجمهور. انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٣، و"الكشاف" ٢/ ٧٨، وابن عطية ٥/ ٤٩٧، ٤٩٨، و"البحر" ٤/ ٢٩٥، و"الدر المصون" ٥/ ٣١٢.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٩) "معاني القرآن" ١/ ٣٧٨.
قال ابن عباس: (يريد: يلعنون من كان قبلهم) (١).
وقال الزجاج: لَعَنَتْ أُخْتَهَا؛ (لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض) (٢).
قال مقاتل: (كلما دخل أهل ملة النار لعنوا أهل ملتهم، يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، وكذلك النصارى، والمجوس، والصابئون، ويلعن الأتباع القادة، يقولون: لعنكم الله، أنتم غررتمونا حتى أطعناكم) (٣).
وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا؛ ادَّارَكُوا أي: تداركوا، والكلام فيه كالكلام في قوله: فَادَّارَأْتُمْ (٤) [البقرة: ٧٢]، وقد مر (٥)، ومعنى تداركوا: تتابعوا (٦)، وتلاحقوا، قال ابن عباس: (توافوا فيها جميعًا) (٧).
قال الزجاج: (وهو (٨) منصوب على الحال أي: مجتمعين).
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٦.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٦، وأخرجه الطبري ٨/ ١٧٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٧٥ بسند جيد عن السدي.
(٤) جاء في النسخ: (ادارأتم)، وهو تحريف.
(٥) انظر: "البسيط" البقرة: ٧٢.
(٦) (اداركوا) أصله (تداركوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت الألف ليسلم السكون، وتدارك القوم أي: تلاحقوا وتتابعوا ولحق آخرهم أولهم. انظر: "العين" ٥٦/ ٣٢٧، و"الجمهرة" ٢/ ٦٣٦، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١١٧٨، و"الصحاح" ٤/ ١٥٨٢، و"المجمل" ٢/ ٣٢٢، و"المفردات" ص ٣١١، و"اللسان" ٣/ ١٣٦٣، (درك).
(٧) "تنوير المقباس" ٢/ ٩٣، وفيه: (اجتمعوا في النار) اهـ.
(٨) يعني قوله: جَمِيعًا انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٣٦، و"إعراب النحاس" ١/ ٦١١، و"المشكل" لمكي ١/ ٢٩٠.
وقوله تعالى: قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ، يعني بالأخرى: آخر الأمم، وبالأولى: أول الأمم، وبيانه ما قاله السدي: (أُخْرَاهُمْ يعني: الذين كانوا في آخر الزمان، لِأُولَاهُمْ يعني: الذين شرعوا لهم ذلك الدين) (١). وقال مقاتل: (أُخْرَاهُمْ يعني: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع لِأُولَاهُمْ دخولًا وهم القادة) (٢). وتأويل هذا راجع إلى معنى القول الأول؛ لأن (٣) آخرهم دخولًا النار هم الأتباع، والأولى هم القادة، فالمعنى على القولين جميعًا: قالت الأتباع للقادة: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا (٤).
قال ابن عباس: (لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ، قال: يريد أضعف عليهم العذاب بأشد مما تعذبنا به) (٥).
وأما معنى الضعف فقال أبو عبيدة: (هو مثل الشيء مرة واحدة) (٦).
(٢) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٦.
(٣) في (ب): (إلا أن)، وهو تحريف.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٣، و"معني الزجاج" ٢/ ٣٣٦، و"النحاس" ٣/ ٣٣، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٠، والماوردي ٢/ ٢٢٢.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٧٩، وابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ١٩٥.
(٦) في "مجاز القرآن" ١/ ٢١٤: (أي: عذابين مضعف فصار شيئين)، وفي "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١١٨، عن أبي عبيدة قال: (معناه يجعل الواحد ثلاثة) اهـ. وضعف الشيء -بالكسر- مثله، ويقال مثلاه، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال الخليل في "العين" ١/ ٢٨٢: (التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر) اهـ.
وانظر: "الجمهرة" ٢/ ٩٠٣، و"الصحاح" ٤/ ١٣٩٠، و"المجمل" ٢/ ٥٦٢، و"المفردات" ص ٥٠٨، و"اللسان" ٥/ ٢٥٨٨ (ضعف).
قال الأزهري: (الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم. وقد قال الشافعي -رحمه الله- ما يقارب هذا في رجل أوصى فقال: (أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي، قال: يعطي مثله مرتين) (١).
قال الأزهري: والوصايا يستعمل فيها العرف وما يسبق إلى الأفهام، فأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب الذي هو صيغة ألسنتها، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه (٢) أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى قول الله (٣) عز وجل: فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا [سبأ: ٣٧]، ولم يرد مثلًا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠]، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور) (٤).
ونحو هذا قال الزجاج في هذه الآية: فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا (أي: عذاباً مضاعفًا؛ لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء (٥)، أي: زيادته (٦) إلى ما لا يتناهى).
(٢) في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١١٨ (ضعفاه).
(٣) في (ب): (قول الله تعالى).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢١١٨.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٣٧٧، وقوله: (أي زيادته..) غير موجود فيه.
(٦) في (ب): (أي زيادة).
فأما اللام في قوله: لِأُولَاهُمْ، فقال الزجاج: المعنى: (قالت أخراهم: يا ربنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم أي تعني أولاهم) (١) فعلى هذا ليست اللام من صلة القول؛ لأنهم قالوا لله تعالى: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا، ولم يقولوا لأولاهم شيئًا، ولكن اللام لإبانة (٢) أنهم عنوا بقولهم: هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا أولاهم وهم القادة، فاللام هاهنا لام (أجل) أي لأجلهم ولإضلالهم إياهم قالوا: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا، فقال الله تعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ، قال ابن عباس: (يريد: لأولاكم ضعف ولأخراكم عذاب مضعف) (٣).
قال الزجاج: (أي: للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعًا أي: لكل عذاب مضاعف.
وقوله تعالى: وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، أي: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز: ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك) (٤).
(٢) في (أ): (ولكن اللام بإنه أنهم عنوا).
(٣) في (أ): عذاب ضعف. والأئر لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٩٤، قال: (لكل واحد منهم ضعف) أهـ.
وقال الماوردي في "تفسيره" ٢/ ٢٢٢: (أي: فلكم أيها الأتباع ضعف العذاب وهذا قول الجمهور وإن ضعف الشيء زيادة مثله) اهـ. وانظر: "بدائع التفسير" ٢/ ٢١١.
(٤) هذا كله قول الزجاج "معانيه" ٢/ ٣٧٧، وانظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٧٤، و"معاني النحاس" ٢/ ٣٣، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٤٠.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي