ثم قال :[ الذين يصدون عن سبيل الله ] ( الأعراف : آية ٤٥ ) [ الذين ] في محل خفض لأنه نعت للظالمين.
[ يصدون عن سبيل الله ] العرب تستعمل ( صد ) استعمالين : تستعملها متعدية إلى المفعول، تقول : صد زيد عمرا يصده، ومصدر هذه ( الصد ) لا غير. ومنه :[ وبصدهم عن سبيل الله ]( النساء : آية ١٦٠ ) صده يصده صدا، على القياس ؛ لأن كل فعل ثلاثي متعد إلى المفعول ينقاس مصدره على ( فعل ) بفتح فسكون، فصده صدا ؛ لأن مصدرها :( الصد ) على القياس. وهذه مضمونة الصاد، وليس فيها إلا الضم. تقول : صده يصده صدا، لا غير.
الثانية : يستعملون ( صد ) لازمه غير متعدية إلى المفعول، تقول : كان زيد ذاهبا إلى الشام فصد عنه إلى العراق. أي : مال عنه إلى العراق، لازما، ومصدر هذه :( الصدود ) على القياس أو الغلبة. وفي مضارعها ضم الصاد وكسرها. تقول : صد زيد عن الأمر يصد ويصد. وعليه القراءتان السبعيتان :[ وإذ قومك منه يصدون ][ إذا قومك منه يصدون ] ( الزخرف : آية ٥٧ ) و( صد ) : هنا في هذه الآية هي ( صد ) المتعدية للمفعول.
[ الذين يصدون عن سبيل الله ] أي : يصدون الناس عن سبيل الله. و( السبيل ) : الطريق. وإنما أضيفت الطريق إلى الله لأنها السبيل التي أمر بسلوكها، ووعد بالثواب من سلكها، ونهى عن عدم سلوكها، ووعد بالعقاب من لم يسلكها.
والسبيل في لغة العرب وفي القرآن تذكر وتؤنث، فمن تأنيثها في القرآن :[ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ] ( يوسف : آية ١٠٨ ) وقوله :[ ولتستبين سبيل المجرمين ]( الأنعام : آية ٥٥ ) على من قرأ [ سبيل ] بالرفع : تستبين هي أي سبيل المجرمين.
وقد يذكر السبيل كقوله :[ وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ]( الأعراف : آية ١٤٦ ). وسبيل الله : هي دين الإسلام وطاعة الله التي جاءت بها رسله.
[ ويبغونها ] أي : يطلبونها، وهي السبيل، أنثها في هذه الآية. يطلبونها [ عوجا ] هذا مصدر بمعنى الوصف، أي : في حال كونها معوجة، يبغونها معوجة زائغة مائلة، فيها عبادة الأوثان، والشركاء، والأولاد لله. يطلبون هذه السبيل العوجاء التي ليس فيها استقامة. أما القرآن العظيم فسبيله ليس فيها عوج، بل هي مستقيمة، كما قال تعالى :[ قرأنا عربيا غير ذي عوج ]( الزمر : آية ٢٨ ) وقال :[ الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا( ١ ) ]( الكهف : آية ١ ) فسبيل الله ليس فيها عوج. والسبيل التي يبغيها الكفار [ ويبغونها عوجا ]( الأعراف : آية٤٥ ) أي : معوجة ذات عوج، عوجاء غير مستقيمة لما تدعو إليه من الكفر بالله، وادعاء الشركاء والأولاد ل. وهذا معنى :[ يبغونها عوجا ].
[ وهم بالآخرة كافرون ]( الأعراف : آية ٤٥ ) وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، جاحدون بها.
[ بالآخرة ] : هي دار الآخرة، وقد بينا مرارا أنها إنما سميت آخرة لأنها ليس بعدها مرحلة أخرى.
ويجب على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، حتى يفهم الآخرة، لأن الله أمره بذلك حيث قال :[ فلينظر الإنسان مم خلق( ٥ ) خلق من ماء دافق( ٦ ) ]( الطارق : الآيتان٦، ٥ ) فاعلم أيها المسكين- الذي هو الإنسان- أن أول مراحلك تراب بله الله ( تبارك وتعالى ) بماء فصار ذلك التراب طينا، ثم بعد أن صار طينا ونقله الله من طور إلى طور خمر حتى ( صار )( ما بين المعقوفتين ( ) زيادة يقتضيها السياق ) طينا لازبا، وتغيرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يبس حتى صار صلصالا، ثم إن الله نفخ فيه الروح، وجعله بشرا سويا خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعه امرأته حواء، كما قال :[ خلقكم من نفس واحدة ] قال في الأعراف :[ وجعل منها زوجها ]( الأعراف : آية ١٨٩ ) وقال في أول النساء :[ وخلق منها زوجها ] وقال في الزمر :[ ثم جعل منها زوجها ]( الزمر : آية ٦ ) وقد خلق حواء من آدم بلا نزاع كما نصت عليه هذه الآيات القرآنية، ثم بعد ذلك كانت طريق التناسل أيها الإنسان أن تكون أولا نطفة من مني، حقيرة مهينة، من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تمكث ما شاء الله وأنت نطفة، ثم يقلب الله هذه النطفة علقة، أي : دما جامدا إذا صب عليه الماء الحار لم يذب، ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغة، أي : قطعة لحم كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكل عظام يركب بعضها ببعض، يركب فيه المفاصل بعضها ببعض، والسلاميات بعضها ببعض، والفقار بعضها ببعض [ نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا( ٢٨ ) ]( الإنسان : آية ٢٨ ) ثم إنه ( جل وعلا ) يكسو هيكل هذا العظام اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون، والأفواه، والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك، ثم ييسر لك طريق الخروج من بطن أمك، وهو مكان ضيق، كما قال :[ ثم السبيل يسره( ٢٠ ) ]( عيسى : آية ٢٠ ) ثم يخرجك إلى الدنيا. وقد جاوزنا جميع هذه المراحل ونحن في مرحلة الخروج إلى الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها منا من يسافر منها بسرعة، ومنا من يمكث فيها :[ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ]( الحج : لآية٥ ) ويقال لنا : اعلموا أن السفر طويل، وأن الشقة فادحة، وأنه لا محطة يؤخذ منها الزاد إلا هذه المحطة، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك وانقطع عن القافلة، وبقي في بلاء وويل لا ينقطع. فعلينا أن نتزود من هذه المحطة التي هي محل الزاد [ فإن خير الزاد التقوى ]( البقرة : آية ١٩٧ ) فنأخذ من الأعمال الصالحات، والشقة أمامنا طويلة، والسفر بعيد، والسفر لم ينته. ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعا إلى محطة القبور، وهي محطة من رحلة الإنسان. وسمع بدوي رجلا يقرأ :[ ألهاكم التكاثر( ١ ) حتى زرتم المقابر( ٢ ) ]( التكاثر : آية ١ ) قال : انصرفوا والله من المقابر إلى دار أخرى لأن الزائر منصرف لا محالة. ثم إن القبر محطة ومرحلة من هذه المراحل يخرجنا الله منه جميعا أحياء نساق إلى المحشر [ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ]( الروم : آية ٢٥ ) فنساق جميعا من محطة القبر إلى محطة المحشر في عرصات القيامة، ويلقى الناس فيها ما يلاقون من الأهوال والأوجال ودنو الشمس منهم، وإلجام العرق إياهم كما هو معروف، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق الشفاعة الكبرى، فإذا جاء الناس، واعتذر لهم آدم، واعتذر لهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وجاؤوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم، وقال لهم :" أنا لها ". يعني : أن الله وعده بذلك في دار الدنيا حيث قال له :[ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ]( الإسراء : آية ٧٩ ) ولكنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) لشدة علمه بالله، وتعظيمه لله، يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله [ من ذا الذي يشفع عنده، إلا بإذنه ]( البقرة : آية ٢٥٥ )[ ما من شفيع إلا من بعد أذنه ]( يونس : آية ٣ ) فلا يتجرأ على الشفاعة فلتة بسرعة، وإنما يسجد ويلهمه ربه من المحامد ما لم يلهمه أحدا قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك حتى يقول له ربه : يا محمد-صلوات الله وسلامه عليه- ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فيشفع صلى الله عليه وسلم الشفاعة الكبرى، ويظهر في ذلك الوقت فضله- صلوات الله وسلامه عليه- على جميع من في المحشر من الأنبياء والمرسلين، كما ظهر فضله عليهم في دار الدنيا لما عرج به من فوق سبع سماوات، واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلى بجميعهم بأمر من جبريل كما هو معروف في الأحاديث، فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة-صلوات الله وسلامه عليه- ثم إذا أذن الله في الحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرقوا في ذلك الوقت فراقا لا اجتماع بعده، وهو قوله تعالى :[ يومئذ يصدر الناس أشتاتا ]( الزلزلة : آية ٦ ) وقوله :[ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون ][ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون( ١٤ ) ]( الروم : آية ١٤ ) وهذا التفرق مذهوب به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوب به ذات الشمال إلى النار، وقد أوضح الله هذه الأشتات في سورة الروم حيث قال :[ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون( ١٥ ) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون( ١٦ ) ]( الروم : الآيتان١٦، ١٥ ) فيذهب بأهل الجنة إلى الجنة، وبأهل النار إلى النار، ويذبح الموت، ويقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فحينئذ تنقطع الرحلة، وتلقى عصا التسيار، وتكون تلك هي المحطة الأخيرة التي لا انتقال منها أبدا إلى محطة أخرى. فأهل الجنة في نعيم دائم، وأهل النار في عذاب دائم، لن ينتقل هؤلاء إلى منزل آخر، ولا هؤلاء إلى منزل آخر، ولهذا سميت الآخرة لأن ليس بعدها محطة أخرى ينتقل إليها. وهذا لإيضاح معنى ( الآخرة ).
وقوله :[ كافرون ] أي : جاحدون. أصل الكفر في لغة العرب هو : الستر والتغطية، كل شيء سترته وغطيته فقد كفرته. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قيل للزراع : كفار ؛ لأنهم يكفرون البذر في بطن الأرض، يسترونه ويغطونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد في معلقته :
| يعلو طريقة متنها متواتر | في ليلة كفر النجوم غمامها |
| حتى إذا ألقت يدا في كافر | وأجن عورات الثغور ظلامها |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير