ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم( ٥٩ ) ]( الأعراف : آية ٥٩ ) قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا الكسائي :[ ما لكم من إله غيره ] وقرأ الكسائي من السبعة :[ مالكم من إله غيره ].
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو :[ إني أخاف عليكم ] بفتح ياء المتكلم. وقرأ الباقون :[ إني أخاف عليكم ] بإسكان الياء. والجميع لغة.
أما قراءة الكسائي :[ ما لكم من إله غيره ]ف( غيره ) نعت للإله وهو مجرور ب( من ). وأما على قراءة الجمهور :[ ما لكم من إله غيره ] فالنعت راجع للمحل ؛ لأن الأصل :( ما لكم إله غيره ] فجر المبتدأ ب( من ) لتوكيد النفي، فهو مخفوض لفظا مرفوع محلا، والتابع للمخفوض لفظا المرفوع محلا يجوز رفعه نظرا على المحل، وخفضه نظرا إلى اللفظ كما هو معروف في علم العربية.
واللام في قوله :[ لقد أرسلنا ] هي جواب قسم محذوف : والله لقد أرسلنا. وهذه اللام الموطئة للقسم إذا جاءت مع الفعل الماضي لا تكاد العرب تجردها من ( قد )، تأتي معها ب( قد ) التحقيقية دائما، حتى زعم بعض العلماء ان ( قد ) واجبة معها إن كانت بعد اللام الموطئة للقسم قبل فعل ماض. والتحقيق انه لغة فصحى كثيرة ربما نطقت العرب بغيرها فجاءت باللام والماضي دون ( قد )، وهو مسموع في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس :

حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صالي
ولم يقل : لقد ناموا.
والله [ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] [ نوحا ] هو نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والمؤرخون يقولون : إنه ابن لمك بن متوشلخ بن خنوخ، ويزعمون أن خنوخ هو إدريس، وان نوحا من ذرية إدريس. هكذا ذكره غير واحد من المفسرين. وأن إدريس قبل نوح، وجاء في بعض روايات حديث الإسراء ما يدل على أن نوحا ليس من ذرية إدريس، لأنه إذا سلم على أجداده كإبراهيم ونوح ومن جرى مجراهم يقولون : مرحبا بالنبي الصالح والابن الكريم. وإدريس لم يقل مرحبا بالنبي الصالح والابن، وإنما قال " والأخ. كما جاء في بعض روايات حديث المعراج كما هو معروف، وأكثر المؤرخين على هذا.
ونوح هو أول نبي بعثه الله في الأرض بعد أن صار الكفر في الأرض، وعبدت فيها الأصنام، وعبد فيها غير الله. فأول رسول أرسل بمنع عبادة الأصنام وتوحيد الله بعبادته هو نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد ثبت في أحاديث الشفاعة التي تكاد أن تكون متواترة أن آدم يقول لهم : اذهبوا إلى نوح فإنه أول نبي بعثه الله في الأرض. وذكر المؤرخون وأصحاب الأخبار أن بين نوح وآدم عشرة قرون كلها كانت على دين الإسلام، وكان في قوم نوح رجال صالحون من أفاضل الناس في العبادة والزهد وطاعة الله، وهم : ود، ويغوث، ونسر، ويعوق، فلما ماتوا صور قومهم صورهم وبنوا عليهم مساجد، وصاروا إذا نظروا إلى صور أولئك الصالحين بكوا بكاء شديدا ونشطوا في العبادة لما يعلمون من صلاح أولئك القوم وما كانوا عليه من العبادة، فتطاول بهم الزمان حتى مات أهل العلم وبقي الجهال فجاءهم الشيطان فقال لهم : إنما كانوا يعبدون هؤلاء ويسقون بها. فعبدوهم، وذلك أول كفر وقع في الأرض.
وعلم بذلك أن أول كفر وقع في الأرض إنما جاء عن طريق التصوير، فكثير من الناس الذين لا يفهمون يقولون : هؤلاء المنتسبون للعلم يشددون النكير في التصاوير ويحرمون التصوير، والتصوير ليس فيه جناية على مال، ولا على نفس، ولا على عرض، فأي ذنب عظيم في التصوير، وأي بأس فيه ؟ ويظنون لجهلهم أن أمره خفيف.
والتصوير له أثره البالغ في إفساد الدنيا وإفساد الدين أولا وآخرا، أما أولا : فالتصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض تحت السماء، وأوله تصوير صور أولئك القوم الصالحين الذين صورهم بقصد حسن، وكانوا إذا رأوا صورهم بكوا وأنابوا إلى الله، وجدوا في العبادة بما كانوا يعلمون من صلاح أولئك القوم الذين صرروا صورهم، ثم تطاول بهم الزمان إلى أن كانت تلك الصور أوثانا تعبد من دون الله ؛ ولذا عارضوا نبي الله نوحا في عبادتهم أشد المعارضة[ وقالوا لا تذرن ألهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ( ٢٣ ) وقد أضلوا كثيرا ]( نوح : تالآيتان٢٤، ٢٣ ) فعلم أن التصوير كان أول جناية شركية وقعت في الدنيا. وهذا الأثر السيئ التاريخي يدل على عظم شره قبحه الله.
وكذلك في الآخر كان من أعظم الأسباب التي ضيعت أخلاق المسلمين وذهبت بعقولهم ومكارمهم ؛ لأن الذين يريدون ضياع الإسلام يسعون كل السعي في أن يصوروا النساء عاريات الفروج، ويطبعون صورها في الصحف والمجلات، ويرسلونها لأقطار الدنيا. فإذا رأى الشاب الغر المسكين صورة فرج الخبيثة باديا تحركت غريزته، وقامت شهوته، وسافر إلى البلاد التي تمكنه فيها الحرية وإشباع رغبته الغريزية التي لم يقيدها تقوى، ولم يزمها إيمان ولا ورع ولا مروءة. فصار التصوير في الأحوال الراهنة له أيضا أثره البالغ في ضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق- قبحه الله- ويكفيه أن الله ( جل وعلا ) له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ومن أسمائه العظيمة التي تحتها غرائب وعجائب تفتت الأكباد اسمه( المصور ) جل وعلا، فهو جل وعلا من أسمائه الأزلية التي سمى بها نفسه ( المصور ) واسمه( المصور ) تحته من غرائب صنعه وعجائب قدرته ما يبهر العقول لمن كان له عقل أو ألقى السمع وهو شهيد، ومما يوضح عظمة هذا الاسم وما يشير إليه من كمال قدرة الله وعظم علمه وإحاطته بكل شيء أن ينظر الواحد منكم إلى الحجيج يوم جمرة العقبة فيجد الناس بهذه الكثرة العظيمة مع اختلاف ألوانهم وأشكالهم وبلادهم وهيئاتهم، ويجد الجميع مصبوبين صبة واحدة، الأنف موضوع في محله، والعينان في محلهما، والأذنان في محلهما، والفم في محله، وكل عضو موضوع في موضعه من الجميع. والله يصور كل واحد منهم صورة مستقلة يطبعه عليها بعلمه وقدرته لا يشاركه فيها احد ألبة، فلا يشتبه منهم اثنان، وكل صورة طبع عليها واحد منهم فهي كانت في علمه الأزلي قبل أن يقع ذلك الإنسان، فلما وقع وقع مصورا بالصورة التي كانت مهيأة له في العلم السابق، ولو جاء ملايين أضعاف الحصى من البشر لم يضق علم الله عن أن يخترع لكل واحد منهم صورة تخصه لا يشاركه فيه غيره، حتى أن أصواتهم لم تتشابه، وآثارهم في الأرض لا يختلط بعضها ببعض، وبصمات أصابعهم في الأوراق لا يشابه بعضها بعضا عند من يعرف ذلك، فالله سمى نفسه ( المصور ) لما تحته من هذه الأسرار العظام والعجائب والغرائب التي تبهر العقول، فيأتي هذا الإنسان الضعيف المسكين لينزل نفسه منزلة العظيم الجبار المصور ويفعل كفعله ؛ ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في تشديد عذاب المصورين في الأحاديث الصحيحة أنهم أشد الناس عذابا، وان ما صوروه في الدنيا يؤمرون بأن يحيوه ويعذبون عليه عذابا شديدا.
والحاصل أن التصوير هو سبب أول شرك وقع في الدنيا، وله أثره الفعال الآن في فساد الأخلاق، وضياع شباب المجتمع كما هو معروف ؛ لأن من أعظم أسباب الفساد وتغيير فطر شباب المسلمين أن يروا في أوراق الصحائف والمجلات فروج النساء-صورها- عاريات، فإذا رأى صورة المرأة على هيئتها متجردة من كل شيء بادية الفرج، فلا شك أن الشباب الذي ليس عقله مزموما بإيمان كامل، وورع ومروءة تامة أن ذلك يحرك غريزته ويهيج طبيعته، فتراهم كثيرا يسافرون باسم العلاج، وباسم كذا وكذا من الأعذار الكاذبة، وإنما مقصدهم في الحقيقة هو أن يشبعوا رغباتهم الغريزية مما عاينوا منتشرا من الفساد في قعر بلادهم نعوذ بالله من ذلك، وهذا معنى قوله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ]( الأعراف : آية ٥٩ ).
ذكر بعض العلماء أن قوم نوح كانوا خلقا كثيرا منتشرين في أقطار الدنيا. وبعضهم يقول : إنهم كانوا في بعض الأرض دون بعضها. ولم يقم دليل صحيح على عددهم وكثرتهم، هل كانوا يشغلون جميع نواحي المعمور أو بعضا منها ؟ ولم يأت من هم. والله في القرآن لم يسمهم إلا بقوم نوح. [ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] يعني : بعد أن عبدوا الأصنام، وعبدوا صور أولئك الصالحين : ودا ويغوث ويعوق ونسرا، وبعد أن فعلوا ذلك أرسل الله إليهم نبيه نوحا ليتركوا عبادة الأصنام ويعبدوا الله وحده، فقال لهم نوح :[ يا قوم ]( الأعراف : آية ٥٩ ) حذف ياء المتكلم، والأصل :( يا قومي ) والمنادى المضاف إلى ياء المتكلم أصله فيه الخمس اللغات المعروفة منها حذف ياء المتكلم.
[ اعبدوا الله ] ( الأعراف : آية ٥٩ ) أصل العبادة في لغة العرب : الذل والخضوع، فكل خاضع ذليل تسميه ( عابدا ) وكل ما خضع وذلل فقد عبد، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته :
تباري عتاق الناجيات واتبعت وظيفا وظيفا فوق مور معبد
أي : فوق طريق مذلل بأقدام المشاة. وهذا معروف في كلام العرب.
والعبادة في اصطلاح الشرع : هي التقرب إلى الله ( جل وعلا ) وإفراده بذلك التقرب والعبادة في جميع ما أمر أن يتقرب إليه به على سبيل الذل والخضوع والمحبة، فلا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، ولا يكفي المحبة دون الذل والخضوع، فلا بد من الجمع بين الأمرين. فإن كان الذل والخضوع دون محبة فالذليل الخاضع قد يكن مبغضا كارها لمن أذله وأخضعه، ومن أبغض ربه وكرهه فهو في دركات النار. والمحبة وحدها إذا لم يكن معها خوف قد يتجرأ صاحبها ويكون ذا دلال فيتجرأ على المقام الأقدس بما لا ينبغي. فلا بد أن تكون هناك محبة، وان يكون هناك خوف وذل وخضوع لله. وضابطها هي التقرب إلى الله بما أمر أن يتقرب إليه به بإخلاص، على النحو الذي شرع، فلا يرضى الله أن يعبد بغير ما شرع. فلا بد أن تكون بما شرع مطابقة للشرع، مخلصا فيها لله وحده ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله :[ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٥٩ ) ليس لكم من إله غيره.
قوله هنا :[ ما لكم من إله ] ( الأعراف " آية ٥٩ ) أصله مبتدأ زيدت قبله( من ) والمقرر في فن الأصول : أن النكرة في سياق النفي ظاهرة في العموم، أما إذا دخلت عليها( من ) المزيدة لتوكيد النفي فإنها تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. فلو قيل :" ما لكم إله غيره " كان ظاهرا في العموم. فإن قيل :" ما لكم من إله غيره ". كان نصا صريحا في العموم، وقد تزاد ( من ) قبل النكرة في سياق النفي لتنقله من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، تطرد زيادتها هكذا بهذا المعنى في اللغة العربية في ثلاثة مواضع لا رابع لها :
الأول : أن تزاد قبل المبتدأ كما هنا، كقوله :[ ما لكم من إله غيره ] أصله :( ما لكم إله غيره ).
الثاني : أن تزاد قبل الفاعل، نحو :[ ما جاءنا من بشير ]( المائدة : آية ١٩ ) الأصل :( ما جاءنا بشير ) فالمجرور بها فاعل أصلا.
الثالث : أن تزاد قبل المفعول به، نحو :[ وما أرسلنا من قبلك من رسول ] ( الأنبياء : آية ٢٥ ) الأصل :( وما أرسلنا من قبلك رسولا ).
[ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] ( الأعراف : آية ٥٩ ) على قراءة الجمهور ف [ غيره ] نعت لمحل الإله ؛ لأن أصله مرفوع. وعلى قراءة الكسائي فهو نعت للفظ الإله ؛ لأنه مجرور ب( من ) وقد قدمنا أن ( الإله ). ( فعال ) بمعنى ( مفعول ) أي : معبود، فالإلهة في اللغة : العبادة. والإله :

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير