قوله :" أوَ عَجْبتُمْ " ألفُ استفهامٍ دخلت على واو العَطْفِ، وقد تقدَّم الخلافُ في هذه الهَمْزَةِ السَّابقة على الواو، وقدَّر الزمخشري على قاعدته معطوفاً عليه محذوفاً تقديره : أكذَّبْتُمْ وعجبتم " أنْ جَاءَكُمْ " أي : مِنْ جاءكم، فلما حذف الحَرْفَ جرى الخلاف المشهورُ.
" مِنْ رَبِّكُمْ " صفةٌ ل " ذِكْر ".
" عَلَى رَجُلٍ " : قال ابْنُ قُتَيْبَةَ :[ قال الفرَّاءُ ]١ : يجوز أن تكون على حذف مضافٍ، أي : على لِسَانِ رَجُل ".
وقيل : على بمعنى " مع "، أي : مع رجل فلا حذف.
وقيل : لا حاجة إلى حَذْف، ولا إلى تضمين حرف ؛ لأنَّ المعنى أُنزل إليكم ذِكْر على رَجُلٍ، وهذا أوْلى ؛ لأنَّ التَّضْمِينَ في الأفعال أحسن منه في الحُرُوفِ لقوَّتِهَا وضعف الحُرُوفِ.
فصل في معنى " الذكر "
قال ابنُ عَبَّاسٍ : الذَّكْرُ الموعظة٢.
وقال الحَسَنُ : إنه الوَحْيُ الَّذي جَاءَهُمْ بِهِ٣.
وقيل : المراد بالذِّكْرِ المُعْجِز.
وقيل : بيان " عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ " أي تعرفون نسبه، فهو منكم نسباً.
" ليُنْذِرْكُمْ " أي : لأجْلِ أن ينذركم عذابَ اللَّه.
" وَلِتَتَّقُوا " أي : لكي تَتَّقُوا.
" وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون " أي : لكي ترحموا.
فصل في دحض شبهة للمعتزلة
قال الجُبُّائِيُّ، والكَعْبِيُّ، والقاضي٤ : دلَّتْ هذه الآية على أنَّهُ تعالى أراد من بعثة الرُّسُل إلى الخلق التَّقْوَى، والفوزَ بالرَّحْمَةِ، وذلك يبطل قول من قال : إنَّهُ تعالى أراد من بعضهم الكُفْرَ والعِنَادَ، وخلقهم لأجل العذاب والنارِ.
والجوابُ بأن نقول : إن لم يَتَوَقَّفِ الفعل على الدّاعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح، وإن توقَّف لزم الجَبْرُ، ومتى لزم ذلك، وجب القطعُ بأنَّهُ تعالى أراد الكُفْرَ، وذلك يبطلُ مذهبكم.
٢ ذكره البغوي في تفسيره (٢/١٦٩)..
٣ ذكره الرازي في تفسيره ١٤/١٢٤..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٢٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود