ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

يقول الله جل وعلا :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون( ٦٣ ) فكذبوه فانجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا أنهم كانوا قوما عمين( ٦٤ ) ]( الأعراف : الاتان٦٤، ٦٣ ).
هذا مما قص الله علينا من قصص أنبيائه مع أممهم. لما قال نوح لقومه :[ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ]( الأعراف : آية ٥٩ ) وردوا عليه ذلك الرد القبيح الشنيع، وقالوا له :[ إنا لنراك في ضلال مبيني( الأعراف : آية ٦٠ ) وقابل سفاهتهم وجهلهم وقبح ردهم بالكلام اللطيف، والجواب الكريم الخالي من بذاءة اللسان، اللين كما هي عادة الرسل في مخاطباتهم مع الكفرة الجهلة :[ يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ( ٦١ ) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم واعلم من الله ما لا تعلمون( ٦٢ ) ]( الأعراف : الآيتان٦٢، ٦١ ) قال أيضا لقومه :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ] ( الأعراف : آية ٦٣ ) أجرى الله العادة بأن الأمم إذا بعث فيهم رسل منهم يقولون : لو كان الله مرسلا رسولا لما جعله بشرا يأكل الطعام، ويشرب كما نشرب، ويروح إلى السوق ليقضي حاجته، ويتزوج، ويولد له ! لو كان مرسلا رسولا لأرسل الملائكة ؛ لأن لهم هيبة ليست عند الآدميين، وعلامات تميزهم عن الآدميين. ويقولون للرسل : أنتم بشر مثلنا، تأكلون كما نأكل، وتشربون كما نشرب، وتذهبون إلى الأسواق لقضاء حاجاتكم كما نفعل، وتتزوجون كما نتزوج، ويولد لكم كما يولد لنا، فأنتم بشر مثلنا لا يمكن أن نكون لكم تبعا، وأن تكونوا أفضل منا بحيث تكونون آمرين ناهين علينا ! ! هذه عادة أجراها الله كما قال تعالى :[ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا( ٩٤ ) ]( الإسراء : آية ٩٤ ) كيف يبعث الله بشرا يأكل ويشرب، ويذهب إلى السوق ؟ وهذا كثير في القرآن [ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه ]( القمر : آية ٢٤ ) لا يمكن هذا [ أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله ]( التغابن : آية ٦ ) [ ما انتم إلا بشر مثلنا ]( يس : آية ١٥ ) [ ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعمتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون( ٣٤ ) ]( المؤمنون : الآيتان٣٤، ٣٣ ) فيعجبون من أن الله يبعث الرسل من البشر، ويستنكرون هذا الأمر. والرسل تبين لهم أن هذا لا عجب فيه ؛ لأن الله ما أرسل إلى الأمم إلا رسلا منهم، كما قال :[ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ]( يوسف : آية ١٠٩ ) لم نرسل قبل الملائكة. وقال ( جل وعلا ) لما قالوا :[ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ]( الفرقان : آية ٧ ) قال الله :[ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ]( الفرقان : لآية ٢٠ ) إلى غير ذلك. ومن هذا القبيل قال نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لقومه :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ]( الأعراف : آية ٦٣ ) هذه الهمزة التي تأتي بعدها أداة عطف كالواو، والفاء، وثم، الأكثرون من علماء العربية على أن الهمزة تتعلق بجملة محذوفة، وان الواو إنما فتحت لأنها عاطفة على الجملة المحذوفة الذي دل عليه المقام. وهذا هو الوجه المختار من الوجهين، واعتمده ابن مالك في الخلاصة بقوله :
وحذف متبوع بدا هنا استبح...........................
وتقدير المحذوف : أكفرتم وكذبتموني أيضا من أن جاءكم ذكر من ربكم، أي : أكفرتم وعجبتم ؟ إنكار لكفرهم، وإنكار لعجبهم المعطوف عليه ؛ لأن كل هذا ليس محل استنكار.
والعجب معروف، وهو أن يستغرب الإنسان الشيء ويستبعده كأنه ليس من المألوف وجود نظيره [ أو عجبتم ]( الأعراف : آية ٦٣ ) أي : أكفرتم وعجبتم ؟ أي : تعجبتم واستغربتم من [ ان جاءكم ذكر من ربكم ] ؟ ( الأعراف : آية ٦٣ ) أي : جاءكم ذكر. أي : موعظة. المراد بالذكر هنا : موعظة الله التي انزلها على نبيه نوح من توحيد الله الخالص وعبادته وحده ( جل وعلا )، والوعظ الذي يلين القلوب، والزجر عن عبادة غير الله، فهذا الذكر الذي جاءهم، ( ذكر ) أي : وعظ نازل من الله.
[ على رجل منكم ]( الأعراف : آية ٦٣ ) على لسان رجل منكم بعثه الله فيكم نبيا، بعثه الله بهذا الوعظ لأجل أن ينذركم. وقد قدمنا أن ( الإنذار ) أنه الإعلام المقترن بتهديد خاصة. فكل ( إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارا ) ( في الأصل :" فكل إعلام إنذار، وليس كل إنذار إعلاما " وهو سبق لسان )، أي : لينذركم. أي ليخبركم برسالات الله، مبلغكم اوامره ونواهيه، مبينا لكم أنكم إن لم تتقوه وتطيعوا رسوله أنكم ستلقون العذاب الأليم والنكال الشديد. وكون الإخبار مقترنا بهذا التهديد والتخويف من عذاب الله ونكاله هو معنى الإنذار. أي :( لينذركم ) لأجل أن ينذركم، يخوفكم عقاب الله وشدة نكاله وبأسه إن تماديتم على كفركم.
[ ولتتقوا ]( الأعراف : لآية ٦٣ ) علة أخرى. أي : جاءكم ذكر من ربكم على لسان رجل منكم لأجل أن تتقوا وتجعلوا بينكم وبين سخطه وعذابه وقاية، هي امتثال أمر الله واجتناب نهي الله ؛ ولأجل أن ترحموا. ( لعل ) هنا الظاهر فيها أنها تعليلية ؛ لأنها معطوفة على موضعين من لام كي ؛ لأن قوله :[ لينذركم ولتتقوا ] كلتاهما لام كي، فعطف ( لعل ) عليهما يدل على أنها للتعليل. وقد قال بعض علماء التفسير : كل ( لعل ) في القرآن ففيها معنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء [ وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون( ١٢٩ ) ]( الشعراء : آية ١٢٩ ) قالوا : هي بمعنى كأنكم تخلدون. هكذا قالوا والله اعلم. ولا شك أن ( لعل ) تأتي في القرآن للتعليل، وكذلك تأتي في كلام العرب ؟، فمن إتيانها في القرآن ظاهرة في التعليل واضحة فيه :[ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ]( النحل : آية ٧٨ ) أي : انعم عليكم بنعمة الأبصار والأفئدة لأجل أن تشكروا نعمه فتؤمنوا به. ومن إتيان ( لعل ) في كلام العرب بمعنى التعليل قول الشاعر :

فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق
فقوله :( كفوا الحروب لعلنا ) أي : كفوا الحروب لأجل أن نكف. وهذا معنى قوله :[ ولتتقوا ولعلكم ترحمون ] هذا الذكر الذي انزله الله عليكم على لسان رجل منكم لا عجب فيه وإنما انزل الله هذا الذي تعجبتم منه لصلاحكم، أولا : لأجل أن تتقوا الله بإنذار هذا النبي الكريم الذي هو منكم، الثاني :[ لينذركم ] يخوفكم عقاب الله، وتتقوا الله، ولأجل أن يرحمكم الله برحمته الواسعة إذا أقلعتم عن الكفر واتقيتم الله ؛ لأن رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن الله بين من يكتب لهم رحمته في قوله :[ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون( ١٥٦ ) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ]( الأعراف : الآيتان١٥٧، ١٥٦ ) هؤلاء هم الذين يكتب الله لهم رحمته ؛ ولذا قال نبي الله نوح لقومه : لا تعجبوا فهذا ليس محل عجب، وهذا أمر لا يعجب منه ؛ لأن الله أنزل عليكم ذكرا على لسان رجل منكم ليخوفكم من الله، ومن عبادة غيره ؛ ولأجل أن تتقوا ربكم بما يعلمكم ويبلغكم عن الله ؛ ولأجل أن يرحمكم الله إن انتم فعلتم ذلك. وهذا معنى قوله :[ لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ]

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير