ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

[ فأنجيناه وأهله ]( الأعراف : آية ٨٣ ) اختصرت القصة هنا وبسطت في مواضع أخر كثيرة، وذلك أن الرسل لما جاؤوا إلى إبراهيم وبشروه بغلام عليم، ووقع ما وقع من ذبحه لهم العجل، وخوفه منهم، وسؤاله لهم :[ قال فما خطبكم أيها المرسلون( ٣١ ) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين( ٣٢ ) لنرسل عليهم حجارة من طين ( ٣٣ ) ]( الذاريات : الآيات ٣١-٣٣ ) وجاؤوا لوطا وسيء بهم لوط[ وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب( ٧٧ ) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ]( هود : ألايتان٧٨، ٧٧ ) وحاورهم المحاورة المعروفة المتكررة في القرآن [ أو لم ننهك عن العالمين ]( الحجر : آية ٧٠ ) وجاؤوا يكسرون الباب، يظنون ان جبريل والملائكة معه جاؤوا في صفة شباب حسان الوجوه، حسان الثياب، حسان الريح، فجاؤوا يريدون أن يفعلوا بهم الفاحشة اللواط، فلما غلبوا لوطا على الباب وكادوا ان يكسروه، وقال لوط كلامه المحزن[ لو ان لي بكم قوة او أوي إلى ركن شديد ]( هود : آية ٧٨ ) عند ذلك اخبره جبريل والملائكة معه :[ قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ]( هود : آية ٨١ ) وأمروه بالإسراء بأهله[ فأسر بأهلك بقطع من الليل ]( هود : آية ٨١ ) وقالوا له :[ ولا يلتفت منكم احد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ]( هود : آية ٨١ ) الخبيثة الكافرة بقيت معهم ؛ ولذا قال هنا :[ أنجيناه وأهله ]( الأعراف : آية ٨٣ ) حيث أمرناه بان يسري ليلا وإنا مهلكوهم مع الصبح [ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ]( هود : آية ٨١ ) فأهلكهم الله.
وقوله :[ إلا امرأتك[ ( هود : لآية ٨١ ) كانت امرأته قبيحة خبيثة مع الكفار وضرب الله لها مثلا هي وامرأة نوح في قوله :[ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين( ١٠ ) ]( التحريم : آية ١٠ ) قبحها الله.
وقراءة الجمهور ما عدا ابن كثير وأبا عمرو لا إشكال ؛ لأن الجمهور قرؤوا :[ ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ] وعلى قراءة النصب لا إشكال في الآية البتة، وان المعنى : فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك فلا تسر بها فاتركها مع الهالكين[ إنه مصيبها ما أصابهم ]( هود : آية ٨١ ) لأنها كافرة منهم.
أما على قراءة أبي عمرو وابن كثير :[ إلا أمرأتك ] بالرفع ففي الآية إشكال متعارض مع قوله :[ إلا امرأتك[ لأن قوله :[ إلا امراتك ] بالفتح يدل على أنه لم يسر بها، وعلى قراءة [ إلا امرأتك ] يدل أنه سرى بها، وأنها لم يلتفت أحد إلا هي.
وجمع بعض العلماء بين القراءتين بان الله أعلمه أنها هالكة لا محالة، وأنه لم يسر بها إسراء إلى حيث النجاة، سواء بقيت معهم أو ذهبت معهم قليلا فالتفتت فأصابها حجر فأهلكها كما أهلك قومها، فهي هالكة على كلا القولين سواء أسرى بها فالتفتت فهلكت، أو بقيت معهم، فهي هالكة على كل حال. وفائدة إسرائه بمن معه هي النجاة، وهي محرومة من هذه الفائدة. وإذا يكون معنى القراءتين كالشيء الواحد. هكذا قال بعض العلماء. وهذا معنى قوله :[ فانجيناه وأهله إلا امرأته ].
[ كانت من الغابرين ]( الأعراف : آية ٨٣ ) ( الغابرين ) : جمع الغابر، والغابر اسم مشترك من الأضداد، يطلق على الماضي وعلى الباقي، تقال ( الغابر ) للماضي، و( الغابر ) للباقي. والمراد بها هنا : الباقين. [ من الغابرين ] أي : من الباقين في الهلاك [ إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ]( هود آية ٨١ ) والله بين هذه القصة في آيات كثيرة من كتابه وأوضحها ؛ لأن الرسل لما قالوا لإبراهيم :[ إنا أرسلنا إلى قوم لوط ] وبينوا له أنهم سيهلكون القرية قال :[ ان فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه واهله الا امرأته ]( العنكبوت : آية ٣٢ ) القبيحة، فلما كان وقت الصبح الذين جاؤوا يريدون كسر الباب وفاحشة اللواط بجبريل والملائكة معه لما قال جبريل للوط :[ يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ]( هود : آية ٨١ ) ذكر المفسرون أن الله أذن له في النكال بهم، فجاء في صورته، وعليه ما عليه من الوشاحات والأجنحة، ثم مسح أعينهم بريشة من جناحه، فبقيت وجوههم كأنها لم تكن فيها عيون أصلا، كما سيأتي في قوله في القصة بعينها :[ ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر( ٣٧ ) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر( ٣٨ ) فذوقوا عذابي ونذر( ٣٩ ) ]( القمر : الآيات٣٧-٣٩ ) ويذكرون أن جبريل عليه السلام اقتلع أرضهم من الأرض، وأدخل جناحه من تحتها، واقتلعها من الأرض، ورفعها حتى قربت من السماء، ثم ألقاها منكسا لها، جاعلا عاليها أسفلها، وأنهم أتبعتهم الملائكة حجارة السجيل، كما يأتي في قوله :[ جعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ]( هود : آية ٨٢ ) والتحقيق : أن السجيل : انه الطين ؛ لأن الله قال :[ لنرسل عليهم حجارة من طين( ٣٣ ) ]( الذاريات : آية ٣٣ ) وخير ما يفسر القرآن القرآن، إلا أنه طين مشوي بالنار، شديد الحرارة، لا يأتي على شيء إلا خرقه. وهذه القصة مذكورة في مواضع كثيرة من كتاب الله ؛ ولذا قال هنا :[ فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين( ٨٣ )

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير