[ وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين( ٨٧ ) ]( الأعراف : آية ٨٧ ).
قد آمنت لشعيب طائفة من قومه كما يأتي في قوله عن الكفار منهم :[ لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا ]( الآية ( الأعراف : آية ٨٨ ) فهذه الطائفة أقل الطائفتين، فكانت طائفة آمنت بشعيب وطائفة كفرت به، فكانت تهدد شعيبا وقومه بالإخراج من الوطن والنفي من البلد أو يرجعوا إلى كفر الكفار فيكونوا معهم في كفرهم كما سيأتي قريبا.
فقال لهم نبي الله شعيب :[ وإن كان طائفة ] لم تدخل تاء التأنيث هنا في قوله :( كان ) لأن تأنيث طائفة تأنيث غير حقيقي ؛ والفعل إذا اسند إلى مؤنث تأنيثا غير حقيقي جاز تجريده من التاء ( كلفظ ) ( في هذا الموضع كلمة غير واضحة. وما بين المعقوفتين ( ) زيادة ينتظم بها الكلام ) الطائفة كما هو معروف. [ طائفة منكم آمنوا ] رد الضمير في قوله :[ آمنوا ] ضمير جمع على ( الطائفة ) نظرا إلى المعنى ؛ لأن الطائفة اسم جمع تدل على أفراد كثيرة. وهذا معنى قوله :[ طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به ] أي : آمنوا بما أرسلني الله به من إثبات التوحيد لله، وإيفاء المكيال والميزان، وعدم بخس الناس أشيائهم، وعدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، ونحو ذلك.
[ طائفة ] أخرى [ لم يؤمنوا ] بي بل كفروا، وصارت الطائفتان طائفتين مختلفتين كل منهما تقول : إننا على الحق والأخرى على الباطل [ فاصبروا ] انتظروا قضاء الله وحكمه حتى يحكم بيننا وهو خير من يحكم. وفي هذا أعظم تهديد، فالكفار يرون حكم الله سيأتي بإهلاك الظالم الكافر وإنجاء المسلم، وقد حكم الله بينهم هذا الحكم المنتظر في قوله :[ ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ] ثم قال :[ وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كان لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود( ٩٥ ) ]( هود : الآيتان٩٥، ٩٤ ) هذا حكم الله جاء مبينا في سورة هود، وسيأتي الإشارة إليه هنا في سورة الأعراف. وهذا معنى قوله :[ فاصبروا[ ( العراف : آية ٨٧ ) أي : انتظروا وتربصوا.
[ حتى يحكم الله بيننا ]حتى حرف غاية، والفعل المضارع بعدها منصوب ب( أن ) مضمرة، وهو في محل جر بمعنى [ حتى يحكم الله ] إلى أن يحكم الله [ بيننا ] إلى أن يأتي حكم الله بيننا. فالمقصود أن حكم الله عاقبته لنا فيهلك الكافر وينجي المسلم كما لا يخفى.
[ وهو خير الحاكمين ]( الأعراف : آية ٨٧ ) جل وعلا. ( خير ) هنا صيغة تفضيل ؛ لأن من الناس من يحكم، في الدنيا حكام يحكمون، ربما حكموا بعدل وتشريف وطهر، إلا أن الله خير من يحكم- جل وعلا- لأنه لا يخفى عليه الحق من الباطل، ولا يفعل إلا ما هو في غاية الصواب والسداد والحكمة ؛ ولذا قال :[ وهو خير الحاكمين ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير