خرج لوط وأهله وفارق تلك القرية، حتى إذا صار بعيدا عنها جاءها أمر الله وزلزلت الأرض زلزالها، فصار عاليها سافلها. وأمطر عليهم نوعا من المطر عظيما يقال: هو حجارة من سجيل.
فانظر كيف كان عاقبة المجرمين، في حق أنفسهم وفي حق مجتمعهم، وفي حق ربهم؟ وهذا هو العقاب الطبيعي للترف والفسق الذي يفسد الخلق، ويبيد الأمم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.
عقاب هذه الفعلة:
قال الإمام مالك- رضى الله عنه-: يرجم، أحصن أو لم يحصن، وكذلك يرجم المفعول به إن كان بالغا، وروى عنه أيضا: يرجم إن كان محصنا «متزوجا» ويحبس ويؤدب إن كان لم يتزوج، وعند أبى حنيفة: يعزّر وعند الشافعى: يحد حد الزنا قياسا عليه، إلى آخر ما هو مذكور في كتاب القرطبي عند تفسير هذه الآية.
قصة شعيب عليه السلام [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
المفردات:
مَدْيَنَ: قبيلة عربية كانت تسكن أرض معان من أطراف الشام، وكانوا يكفرون بالله، وقد عبدوا الأيكة من دونه، وكانوا يبخسون الناس أشياءهم، في الكيل والوزن، وقد بعث الله فيهم شعيبا. وَلا تَبْخَسُوا بخسه حقه: نقصه.
تُوعِدُونَ: تخوفون الناس. تَبْغُونَها عِوَجاً: تطلبون اعوجاجها.
فَكَثَّرَكُمْ: بارك الله فيكم.
المعنى:
ولقد أرسلنا إلى قبيلة مدين شعيبا نبيا فيهم، وهو من أشرفهم، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، ما لكم من إله غيره، هو الذي خلقكم وخلق كل شيء لكم. قد جاءتكم بينة من ربكم، وآية دالة على صدقى.
فأوفوا الكيل إذا كلتم، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم، في بيع أو شراء أو حق مادى أو معنوي، وقد أمرهم شعيب بالوفاء في الكيل والوزن، ونهاهم عن نقص الناس شيئا من حقوقهم بعد الأمر بعبادة الله مباشرة وذلك لأن هذه الخصلة كانت فاشية فيهم، كما فشا في قوم لوط الفاحشة، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس وأخذوا حقهم يستوفون، وإذا كالوهم وباعوا إليهم شيئا ينقصون ويبخسون، وهذا مرض نفسي وداء إذا تفشى في أمة قضى عليها وأزال ملكها وعزها.
وقال شعيب: يا قوم لا تفسدوا في الأرض بأى نوع من أنواع الفساد، كالظلم والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، وارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد المجتمع بشيوع الانحلال الخلقي.
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وقد أصلحها، وقد أصلحها الله بما فطر الناس على حب الخير، وبما أودع فيهم من الميل إلى الرشاد، وبما أرسل فيهم من الرسل والهداة والمرشدين.
فعليكم ألا تفسدوا فيها بالبغي والعدوان على الأنفس والمال والعقول والأعراض.
ذلكم الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم في الدنيا والآخرة، وهو مجلبة للسعادة في الدارين إن كنتم مؤمنين حقا بي وبرسالتي، وهكذا العلم وحده لا ينفع في قمع النفس وردها عن الشر بل لا بد معه من إيمان قلبي وتصديق روحي خالص، ومخالفة للنفس والهوى. وقال شعيب لهم: لا تقعدوا يا قوم في الطرقات تنهون الناس عن الإيمان وتخوفونهم عاقبته، وتعدونهم بالشر إن آمنوا- وقد كانت قريش تفعل ذلك، كما ورد في حديث ابن عباس- ولا تصدوا عن سبيل الله من آمن به من الناس.
ولا تطلبوا اعوجاجا لسبيل الله ودينه، بما تصفون وبما تكذبون وبما تشوهون الحقائق، وتفترون على الله الكذب.
واذكروا نعم الله عليكم وقت أن كنتم قلة في المال والرجال والسطوة فبارك فيكم، وزاد مالكم ونما، وكثر عددكم وربا، مع الجاه والقوة، وانظروا نظرة عبرة وعظة كيف كان عاقبة المفسدين الظالمين من قوم عاد وثمود وقوم لوط.
وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وصدقوا، وكانت هناك طائفة لم يؤمنوا، وهذا شأن الناس قديما وحديثا.
إن كان هذا فاصبروا أيها المؤمنون حتى يحكم الله ويقضى بيننا، وهو الحكم العدل، وقد حكم بنصرة عباده المؤمنين وهلاك الظالمين المفسدين، وهو خير الحاكمين.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي