فكرة ميسرة عن نبي الله شعيب :
كان أهل مدين يسكنون أرض معان، من أطراف الشام تمتد أرضهم شرقي وغربي خليج العقبة ( ٧٧ ).
وكانوا يكفرون بالله ويشركون به ؛ إذ عبدوا الأيكة من دونه ( وهي : الشجر الكثيف الملتف ) وصاروا يبخسون الناس أشياءهم ويطففون الكيل والميزان ؛ فأرسل الله إليهم نبيه شعيبا فدعاهم إلى توحيد الله تعالى وأمرهم بالعدل وعدم تطفيف الكيل والميزان، ولكنهم قاوموه وجادلوه :
قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد * قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخافكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود * قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز * قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط * ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب * ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ( هود : ٨٧- ٩٥ ).
عناصر القصة :
قوم مدين يكفرون بالله ويطففون الكيل والميزان ويفسدون في الأرض.
يرسل الله إليهم نبيه شعيبا فيدعوهم إلى توحيد الله ويحذرهم من المخالفة.
قوم مدين يجادلونه ويناقشونه ويقولون : كيف يتركون عبادة ما كان يعبد آباؤهم ؟ وكيف يتركون تطفيف الكيل وفي هذا نقص لأموالهم ؟ !.
شعيب يوضح لهم بأنه يحمل هداية السماء ويدعو الإنسان إلى طاعة الرحمن ويذكره بواجباته فالشيطان حريص على امتلاك الإنسان في العبادة وفي الأعمال.
ويذكرهم شعيب بما أصاب الأمم السابقة مثل : قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط.
ويدعوهم إلى الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله ويحرك فيهم عناصر الخير، ويقاوم عوامل الشر.
يتحججون بأنهم لا يفقهون كلامه، ولا يعقلون دعوته وهكذا الطغاة والجبارون لم تتهيأ نفوسهم لتقبل كلام الهداة والمرسلين.
وفي النهاية تأتي عدالة السماء، فقد أرسل الله عليهم الرجفة العاتية فأهلكتهم وغلبت كبريائهم وتعنتهم وأصبحوا في ديارهم جاثمين هالكين.
وهكذا يقص الله علينا من قصص القرآن ويحرك دواعي الهدى، وما يحيي ذكرى الأنبياء السابقين ويمجد ذكراهم، وما ينبئ عن أخبار السابقين وهلاك المكذبين، ونجاة المؤمنين.
٨٧- وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
أي : وإن اختلفتم في رسالتي، فصرتم فريقين : فريق صدقوا بالذي أرسلت به من إخلاص العبادة لله وترك معاصيه من ظلم الناس وبخسهم في المكاييل والموازيين، واتبعوني في ذلك.
وجماعة أخرى لم يصدقوني وأصروا على شركهم وإفسادهم.
فاصبروا على قضاء الله الفاصل بيننا وبينكم، وهو خير من يفصل وأعدل من يقضي ؛ لتنزهه عن الباطل والجور.
جاء في فتح البيان للعلامة صديق حسن خان :
وهذا في باب التهديد والوعيد الشديد لهم، وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر، وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين ( ٨١ ) ومثله قوله تعالى : فتربصوا إنا معكم متربصون.
( التوبة : ٥٢ ).
وقال الأستاذ سيد قطب، في ظلال القرآن :
لقد دعاهم إلى أعدل خطة، ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة.. نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى، وترك كل وما اعتنق من دين، حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس، لا تدين للطاغوت، إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعا إلا شرعه، ولا تتبع في حياته منهجا إلا منهجه – إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت، حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضا على الجماعة المسلمة، حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة، إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل، وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل، إنها سنة الله لابد أن تجرى ( ٨٢ ).
خاتمة :
يختم الجزء الثامن بهذا المقطع في قصة شعيب مع قومه مدين، وفي صراع بين الإيمان والكفر، واعتزاز الكفر بالجبروت والقوة، وفي النهاية ينصر الله المؤمنين، ويهلك الكافرين، وهذه ظاهرة نلمحها في سورة الأعراف، التي بدأت بإنذار الكافرين، ثم قدمت دعوة لبني آدم ؛ ليحذروا من الشيطان.
ثم قدمت قصص عدد من الرسل مع قومهم، فذكرت قصص قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وقد شاهدنا هلاك المكذبين، وانتصار المؤمنين، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وفي هذا القصص عظة وعبرة، وتثبيت لدعائهم الإيمان، وإحياء لذكرى المرسلين وجهادهم.
قال تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ( يوسف : ١١١ ).
اللهم، وفقنا للسير على سنن العدل والرشاد.
اللهم، اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وذهاب غمنا وحزننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا وذكرنا منه ما نسينا وارزقنا تلاوته على النحو الذي يرضيك عنا.
اللهم ربنا، آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كان الفراغ من هذا الجزء الثامن عشية يوم الخميس ٣٠ ذوالقعدة ١٤١١ ه الموافق ١٣ يونيو ١٩٩٩م بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان.
اللهم ربنا ولك الحمد والشكر حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم، ارزقنا الإخلاص والقبول، اللهم، إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين.
*** ***
تفسير القرآن الكريم
شحاته