ثم بدَّلنا مكانَ الحالة السيئةِ الحالة الحسنةَ أي : أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، حتى عَفَوا : كثروا عَددًا وعُددًا، يقال : عفا النبات : إذا كثر، ومنه :" اعفُو اللِّحى " ١. وقالوا قد مسَّ آباءنا الضراءُ والسراءُ ؛ كُفرًا لنعمة الله عليهم، ونسيانًا لذكره، واعتقادًا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، فأخذناهم بَغتةً : فجأة وهم لا يشعرون بنزول العذاب.
وقال القشيري في قوله تعالى : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... الآية : أي : لو آمنوا بالله واتَّقُوا الشرك لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض بأسباب العطاء، فإن سَبَقَ بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال : ليس العبرة بالنعمة ؛ العِبرة بالبركة في النعمة. هـ.
قوله تعالى : ولكن كذَّبوا أي : شكُّوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا... الآية، وقد تقدم عند قوله : الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ [ الأنعَام : ٨٢ ]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي