ثم بدّلنا مكان السّيّئة الحسنة أي ثم بلوناهم بضد ذلك فجعلنا الحالة الحسنة في مكان الحالة السيئة كاليسر بعد العسر، والغنى في مكان عن الفقر، والنصر عقب الكسر، حتى عفوا أي كثروا ونموا كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو من عفا النبات والشحم والشعر ونحوه إذا كثر، وله شواهد عن العرب، وذلك أن اليسر والرخاء سبب لكثرة النسل وبه تتم نعم الدنيا على الموسرين.
ومن الشواهد على هذا الابتداء في القصص التي قفى عليها بهذه العبر قول هود عليه السلام لقومه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون [ الأعراف : ٦٩ ] وقول صالح عليه السلام لقومه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوّأكم في الأرض تتّخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء اللّه ولا تعثوا في الأرض مفسدين [ الأعراف : ٧٤ ] وقول شعيب عليه السلام لقومه واذكروا إذ كنتم قليلا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين [ الأعراف : ٨٦ ] ولكن لم تزد الآلاء هؤلاء الكافرين إلا بغيا وبطرا وفسادا في الأرض.
وقالوا قد مسّ آباءنا الضّرّاء والسّرّاء أي وقالوا مع ذلك قولا يدل على فساد فطرتهم، وانطماس بصيرتهم، وفقدهم الاستعداد للاتعاظ والاعتبار بأحداث الزمان، وتغير أحوال الإنسان، وتقلب شؤون العمران، قالوا قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وتناوبهم ما ينفع وما يضر، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم، فتلك عادة الزمان في أبنائه، فلا الضراء عقاب من الخالق الحكيم على معاصي تقترف ورذائل ترتكب، ولا السراء جزاء منه على صالحات تعمل، وفضائل تلتزم. والمراد أنهم جهلوا سنته تعالى في أسباب الصلاح والفساد في البشر وما يترتب عليهما من السعادة والشقاء، المعبر عنها بقوله تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الأنفال : ٥٣ ] فلما ذكرهم رسلهم بها لم يتذكروا ولم يعتبروا، بل نسوا وأعرضوا وأنكروا.
فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون أي فكان عاقبة ذلك أن أخذناهم بالعذاب فجأة وهم فاقدون للشعور بما سيحل بهم، لأنهم كانوا يجهلون سنن الله تعالى في الاجتماع البشري فلا هم عرفوها بعقولهم، ولا هم صدقوا الرسل في نذرهم، وهذا معنى قوله تعالى في سياق سورة الأنعام الذي ذكرناه آنفا فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [ الأنعام : ٤٤ ] وذلك شأن الكافرين والجاهلين : إذا مسهم الشر يئسوا وابتأسوا، وإذا مسهم الخير أشروا وبطروا، فإذا كان ذلك الخير قوة وسلطة بغوا في الأرض، وأهلكوا الحرث والنسل.
أصاب أهل بيت في إحدى المدن السورية نفخة من جاه الشيخ محمد أبي الهدى الصيادي أحد المقربين من السلطان عبد الحميد في عصره، فنهبوا بجاهه الأموال وانتهكوا الأعراض، وبغوا في الأرض الفساد، فكنا نتحدث مرة في أمرهم فقلنا : ألم يكن خيرا لهؤلاء لو اغتنموا هذه الفرصة باصطناع الناس بالمعروف، وعمل البر النافع للوطن، فإن جاه أبي الهدى ليس له دوام، ونحوا من هذا الكلام. فقال السيد الوالد رحمه الله تعالى : إن أمثال هؤلاء لا يفهمون هذه الحكم ولا يعقلونها، ولقد أصاب والدهم من قبلهم رياسة إدارية صغيرة كواحد منهم فبغى وبطر وتكبر وتجبر وآذى الناس، فنصحت له إذ كان يوادني ويحترمني وذكرته بتغير الأحوال، فقال لي يا سيد : إن لكل أحد يوما يرقص له فيه الزمان فينبغي له أن يستمتع فيه ولا يضيع الفرصة على نفسه.
وقد قال الله تعالى في هذا المعنى وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشّرّ كان يئوسا قل كلّ يعمل على شاكلته فربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا [ الإسراء : ٨٣، ٨٤ ] وقال : وإنّا إذا أذقنا الإنسان منّا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيّئة بما قدّمت أيديهم فإنّ الإنسان كفور [ الشورى : ٤٨ ] المراد بالفرح ما كان عن بطر وغرور، وقال : هو الّذي يسيّركم في البرّ والبحر حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيّبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كلّ مكان وظنّوا أنّهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدّين : لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشّاكرين * فلمّا أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحقّ [ يونس : ٢٢، ٢٣ ] اقرأ تتمة الآية وما بعدها.
وأما المؤمنون بالله وما جاء به رسله حقا فهم الذين تكون الشدائد والمصائب تربية لهم وتمحيصا، كما تكون للكافرين عقابا وإبلاسا، وقد بين الله تعالى ذلك في مواضع من كتابه أظهرها بيانه إياه بالتفصيل في قصة أحد من سوره آل عمران إذ قضت حكمته بأن يقصر المسلمون في سبب من أسباب النصر في الحرب فيظهر عليهم المشركون فينزل تلك الآيات الحكيمة المبينة للحقائق وسنن الاجتماع في الحروب والشدائد التي أولها قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا [ آل عمران : ١٣٧ ] إلى قوله وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [ آل عمران : ١٤١ ] ومنها قوله : وتلك الأيام نداولها بين الناس [ آل عمران : ١٤٠ ] ولكن شأن المؤمن أن يعرف هذه المداولات بأسبابها وحكمها ويتحرى الاتعاظ وتربية نفسه بها، لا كما يراها الكافرون الجاهلون بظواهرها وصورها، والآيات التي بعدما أشرنا إليه منها تتمة وإيضاح لها، فيراجع تفسيرها في الجزء الرابع من التفسير. وفي معناها أحاديث كقوله صلى الله عليه وآله سلم ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ١ رواه أحمد ومسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه.
فإن قيل : إننا نرى غير المسلمين يعلمون في هذا العصر ما لا يعلم المسلمون من هذه السنن الاجتماعية التي أرشد إليها القرآن ويستفيدون منها عبرا وتقوى للمضار يظهر أثرها باستعدادهم للمصائب قبل وقوعها، حتى لا يأخذهم بغتة، وحتى يتلافوا شرورها بعد وقوعها بقدر الطاقة، ويرى أكثر المسلمين جاهلين وغافلين عن ذلك، وقد فتن بعضهم بهؤلاء الإفرنج وحسبوا أنهم لا يكونون مثلهم في استمتاعهم واستعدادهم لدفع الشدائد، والاستفادة من الأحداث والوقائع، إلا إذا تركوا الإسلام، ونبذوا هداية القرآن ! ! كما فتنوا هم بالمسلمين باحتقارهم لدينهم تبعا لاحتقارهم لهم، وطعنا فيه بما يظنون من تأثيره في إذلالهم وإضعافهم، فما قولك في ظلم الفريقين له، وفي انتهاء الحرب العامة الأخيرة باستيلاء غير المؤمنين، على أقطار عظيمة من بلاد المسلمين ؟ وكون أشد أهل هذه الأقطار استسلاما للذل وخضوعا للقهر، هم الذين يدعون أنهم أصح إيمانا، وأحسن إسلاما ؟ حتى كان ذلك فتنة لبعض زعماء شعب سلم من الهلاك بعد أن كاد يحاط به، فظنوا أن التقيد بالإسلام سبب الهلكة، والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وأن في الانسلال منها المنجاة وارتقاء المملكة ؟
( قلنا ) إننا كشفنا أمثال هذه الشبهات، في تفسير كثير من الآيات، وفي غير التفسير من المنار، وبينا مرارا أن المسلمين قد تركوا هداية القرآن في حكوماتهم ومصالحهم العامة، وفوضوا أمورهم إلى حكامهم الذين يندر أن يوجد منهم من له إلمام بتفسيره أو علم السنة، حتى من سلموا لهم بمنصب خلافة النبوة – كما تركوا هداية الكتاب والسنة في أعمال الأفراد، فأكثرهم لا يعرف من دينه إلا ما يسمعه ويراه ممن يعيش معهم من قومه وفيه الحق والباطل والسنة والبدعة، وأقلهم يتلقى عن بعض الشيوخ بعض كتب الكلام الجدلية التي ألفت للرد على فلسفة نسخت وبدع باد أهلها، وكتب الفقه التقليدية الخالية من جل هداية القرآن والسنة في مثل موضوع الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، وما أشرنا إليه في هذا التفسير من آيات الشواهد. حتى بلغ الجهل من المسلمين في أم المسائل الخاصة بحياتهم السياسية التي هي مناط دولتهم وبقاء ملكهم أو زواله ( وهي مسألة الإمامة العظمى ) أن يكتب الأفراد والجماعات من علمائهم فيها ما هو مخالف لجميع أئمتهم ومذاهبهم ولإجماع سلفهم، على تهافت ظاهر، واختلاف فاضح.
على أن العلماء المتقدمين قد قصروا في هذه المسألة وهم الذين كان العلم صفة من صفاتهم وملكة من ملكاتهم، لا ورقة شهادة يحملونها ممن سبق الإجماع على أن مثلهم من المقلدين لا يعد عالما في خاصة نفسه، حتى يعتد بشهادته لغيره، بله ما عرف عن بعضهم من شهادة الزور، وقول الكذب وأكل السحت، وقد استفسر بعض مجاوري الأزهر المقدمين لامتحان شهادة العالمية واحدا منهم لعرض الرشوة على الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى ليساعدهم في الامتحان فضربه الأستاذ رحمه الله بيديه، ورفسه برجليه، وقال له : يا عدو الله أتريد أن أغش المسلمين بك وبأمثالك من الجاهلين بعد هذه الشيبة وانتظار لقاء الله، فأكون مما يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ؟ ولو كنت ممن يطّبيهم المال، ويحفلون بجمعه ولو من الحلال، لكنت من أغنى الأغنياء ؟
ولما كان القرآن هو الذي هدى المسلمين إلى أنواع العلم، وأعطاهم الحكمة والحكم، كان تركهم لهدايته هو الذي سلبهم ذلك حتى انقلب الأمر، وانعكس الوضع، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذرعا بذراع – كما صح في الحديث- فالسواد الأعظم الجاهل اتبع سنن أهل الكتاب في شر ما كانوا عليه في طور جهلهم من الخرافات، وابتداع الاحتفالات، وتقليد الآباء والأجداد، واتخاذ الأرباب والأنداد، كإعطاء حق التحريم والتحليل للأحبار والرهبان، وطلب النفع ودفع الضر من دجالي الأحياء وقبور الأموات، فغشيهم ما غشي أولئك من ظلمات الجهل، وجعل الدين عدوا للعلم والعقل، والنابتة العصرية المتفرنجة اتبعت سنن المرتدين والفاسقين منهم، في شر ما صاروا إليه في طور فساد حضارتهم، وقلدوهم حتى فيما لا ينطبق على أحوالهم ومصالحهم، كذلك ضل الفريقان عن هداية القرآن، واشتركا في إضاعة ما بقي من ملك الإسلام.
| لا عالم الشرق بدينه ولا | مقتبس العلم من الغرب هدى |
فعلم بما ذكر وبغيره أن العلم بسنن الاجتماع والعمران لا يغني عن هداية الدين التي توقف أهواء البشر ومطامعهم أن تجمح إلى ما لا غاية له من الشر، أو لولا أن عند بعض أمم أوربة بقية قليلة منها تتفاوت في أفرادهم قوة وضعفا، لحشرتهم المطامع والأحقاد صفا صفا، فدكوا معالم أرضهم التي بلغت منتهى العمران دكا دكا، فجعلوها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، بل لج
تفسير المنار
رشيد رضا