يبتليهم أولا بالفقر والجوع والجدب، ثم يبتليهم بالأمراض ونحوها، وإذا لم ينفعهم هذا الابتلاء بالشر ابتلاهم بالخير ؛ لأن الابتلاء تارة بالشر وتارة بالخير فبين ابتلاءه لهم بالخير بعد ابتلائه لهم بالشر في قوله :[ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ] ( الأعراف : آية ٩٥ ) بدلنا مكان السيئة الحسنة، ( الحسنة ) و( مكان ) هما مفعولا ( بدلنا ) على التحقيق، خلافا لمن زعموا أن ( مكان ) ظرف، فهما مفعولان لبدلنا.
ومعنى :[ بدلنا مكان السيئة الحسنة ] أي : بدلنا لهم الخصب مكان الجدب، والصحة والعافية مكان الأمراض، فجعلنا لهم الشيء الحسن بدلا من الشيء السيئ ؛ لنبتليهم أخيرا بالحسن بعد أن ابتليناهم أولا بالسيئ.
وأصل ( السيئة ) أصلها :( سيوئة ) حروفها الأصلية هي : السين وهو فاؤها، والواو وهو عينها، والهمزة وهي لامها، وياء ( فيعلة ) زائدة، فأبدلت الياء الزائدة بالواو التي هي عين الكلمة بعد إبدالها ياء على القاعدة التصريفية المشهورة المعروفة.
و( الحسنة ) صفة مشبهة من : حسن الشيء فهو حسن، وكذلك ( السيئة ) صفة مشبهة من : ساء يسوء فهو سيء ؛ لأن السيئة تسوء صاحبها يوم القيامة إذا رآها في صحيفته.
والحسنة : أصلها صفة مشبهة تأنيث الحسن إلا أنها اشتهر استعمالها حتى استعملت استعمال الأسماء الجامدة كالصالحة والحسنة والخصال الطيبة، وهو معنى معروف في كلام العرب.
ومعنى :[ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ] ( الأعراف : آية ٩٥ ) بدلنا لهم مكان الجدب خصبا ورزقا، ومكان الأمراض عافية وصحة ؛ لنبتليهم بذلك أيضا.
وقوله :[ حتى عفوا ] يعني : كثروا. العرب تقول :" عفا الشيء " بمعنى : كثر، ف( عفوا ) معناه : كثروا. كثرت أنفسهم- بالعافية والصحة- وأموالهم، حتى نموا ونمت أموالهم، وكل شيء كثر تقول فيه العرب :( عفا ) ومنه : إعفاء اللحية، وهو تكثير شعرها وتوفيره لا حلقه وقصه. فمعنى :[ حتى عفوا ] حتى كثروا، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
| ولكنا نعض السيف منها | بأسوق عافيات الشحم كوم |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير