ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

وقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، قال ابن عباس: (يريد: كي يستكينوا ويرجعوا) (١).
٩٥ - قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ، مضى الكلام في حقيقة التبديل عند قوله: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦]، ومعنى: السَّيِّئَةِ و الْحَسَنَةَ هاهنا: الشدة والرخاء. عن ابن عباس (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) ومجاهد (٥).
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة) (٦).
وقال أهل اللغة: (السيئة (٧) كل ما يسوء صاحبه، والحسنة (٨) ما يحسن عليه أثره).

= الأموال والهموم وعوارض الزمن، والضراء المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة..) اهـ.
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ٢، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٢١١ بلا نسبة.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ بسند جيد.
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" ٢/ ٢٤٢، عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٣٣، والطبري ٩/ ٧ بسند جيد.
(٥) ذكره الماوردي ٢/ ٢٤٢، وفي "تفسير مجاهد" ١/ ٢٤٠ - ٢٤١: (مكان الشر الرخاء والعدل والعافية والولد) اهـ، وأخرجه الطبري ٩/ ٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ بسند جيد، وفي رواية عند الطبري قال: (السيئة الشر، والحسنة الخير) اهـ.
(٦) في "تنوير المقباس" ٢/ ١١٣ نحوه، وذكره المؤلف في "الوسيط" ١/ ٢١١ بلا نسبة.
(٧) انظر: "العين" ٧/ ٣٢٧، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٨٣، و"مقاييس اللغة" ٣/ ١١٣، و"المفردات" ص ٤٤١ (سوء).
(٨) انظر: "العين" ٣/ ١٤٣، و"تهذيب اللغة" ١/ ٨٢١، و"المفردات" ص ٢٣٥ (حسن).

صفحة رقم 243

وقال أبو علي: (السيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما: سيئة مأخوذ بها، وحسنة مُثَاب عليها، لقوله: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ (١) [الأنعام: ١٦٠]، والثاني: لما يستثقل (٢) في الطباع أو يُسْتَحفُّ (٣) كما في هذه الآية، وكقوله: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ الآية [الأعراف: ١٣١]، وكذلك الفساد، قد يكون (٤) فسادًا معاقبًا عليه كقوله: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ الآية [القصص: ٧٧]، ويكون على غير ذلك، كقوله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ [الروم: ٤١] يعني: الجدب) (٥)
والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة (٦).
وقوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا (٧). قال أبو عبيد: (قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره إذا كثر، يَعْفُو فهو عافٍ، ومنه قوله تعالى: حَتَّى

(١) نص الآية (١٦٠) من سورة الأنعام: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.
(٢) في (ب): (ما يستثقل).
(٣) في (ب): (ويستخف).
(٤) (وقد يكون).
(٥) "الحجة" لأبي علي ٥/ ١٠٣.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٧، و"معاني النحاس" ٣/ ٥٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٧.
(٧) العفُوّ على فَعُول: الكثير العفو وهو: ترك العقوبة، وعفا الشيء: إذا درس ونقص، وعفا إذا زاد وكثر، وأعفيت الشعر وعفوته: إذا كثرته وزدت فيه. انظر: "العين" ٢/ ٢٥٨، و"الأضداد" لقطرب ص ١١٤، و"الجمهرة" ٢/ ٩٣٨، و"أشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص ١٣٤، و"الصحاح" ٦/ ٢٤٣١، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٥٦، و"المجمل" ٣/ ٦١٥، و"المفردات" ص ٥٧٤ (عفا).

صفحة رقم 244

عَفَوْا} يعني: كثروا، وفي بعض الحديث: (إذا عفا الوَبَر وبرأ الدبر حلت العمرة لمن اعتمر) (١).
ويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما (٢) ومنه قول زهير:

أَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ (٣)
وقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته (٤) ومنه قوله عليه السلام أنه:
(١) هذا طرف من كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرج البخاري رقم (١٥٦٤) كتاب الحج، باب التمتع والإقران والإفراد، وفي رقم (٣٨٣٢) كتاب مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية، ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب: تقليد الهدى وإشعاره عند الإحرام رقم (١٢٤٠)، عن ابن عباس قال: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الفجور ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر..) قال الإمام النووي في "شرح مسلم" ٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩: (يعني: أهل الجاهلية، والدبر: يعنون دبر ظهور الإبل بعد انصرافها من الحج فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج، وعفا الأثر أي: درس وامحى والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها عفا أثرها لطول مرور الأيام) اهـ، وانظر: "النهاية" ٣/ ٢٦٦.
(٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٩٠، عن أبي عبيد عن الكسائي، وانظر: "الكامل المبرد" ١/ ٤٣٠.
(٣) الشاهد في "شرح ديوان زهير" لثعلب ص ٧٥، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٩٠، و"اللسان" ٥/ ٣٠٢٠ (عفا)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٨٩، (والأقب الضامر، والجأب، الغليظ، وعقيقته وبره، والعفاء: صغار الوبر والريش، وهو هنا شعر الحمار الذي ولد وهو عليه، يقول: أذلك الظليم أم هذا الحمار يشبه ناقتي أفاده ثعلب وقال ويروي: أذلك أم شَتِيم الوجهِ جأْب، وشتيم كريه الوجه صاحب شر) اهـ. وهو كذلك في "ديوانه" ص ١٥.
(٤) في (ب): (إذا كثر به).

صفحة رقم 245

"أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى" (١)، يعني: توفر وتكثر) (٢).
وقال ابن الأنباري (٣): (يقال: عما الشيء: إذا زاد وكثر، وأنشد للبيد:

ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم (٤)
أراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: حَتَّى عَفَوْا أي: كثروا (٥)، في قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧) والسدي وابن زيد (٨).
(١) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (٥٨٩٣) كتاب اللباس، باب: إعفاء اللحى، ومسلم كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة رقم (٢٥٩)، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - ﷺ -، أنه قال: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى". وفي رواية لمسلم عن النبي - ﷺ -: أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.
(٢) أبي عبيد في "غريب الحديث" ١/ ٩٣، ونحوه قال ابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٤٢٨ - ٤٢٩، و"شرح القصائد" ص ٢١ - ٢٢، وانظر: "النهاية" ٣/ ٢٢٦، ١/ ٤١٠.
(٣) "الأضداد" لابن الأنباري ص ٨٧، و"الزاهر" ١/ ٤٢٩، و"شرح القصائد" ص ٢١.
(٤) "ديوانه" ص ١٨٦، و"مجاز القرآن" ١/ ٢٢٢، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤٩٣، و"اللسان" ٥/ ٣٠٢١ (عفا)، و"الدر المصون" ٥/ ٣٨٩ وبلا نسبة في "الكامل" للمبرد ١/ ٤٣٠، و"تفسير ابن عطية" ٦/ ١٥.
(٥) وهو قول عامة أهل اللغة والتفسير، انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٢، و"غريب القرآن" لليزيدي ص ١٤٨، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٩، و"الكامل" للمبرد ١/ ٤٣٠، و"تفسير الطبري" ٩/ ٨، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٥٩، و"نزهة القلوب" ص ٣٢٥، و"معاني النحاس" ٣/ ٥٦، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٥٧، و"تفسير المشكل" ص ٨٦.
(٦) ذكره البخاري في "صحيحه" ٥/ ١٩٥، في تفسير سورة الأعراف، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٦ من عدة طرق جيدة.
(٧) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٤١، وأخرجه الطبري ٩/ ٨ من عدة طرف جيدة.
(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٨، من عدة طرف جيدة عن السدي وابن زيد، وأخرجه عن إبراهيم النخعي والضحاك، وذكره الماوردي ٢/ ٢٤٢، عن ابن عباس ومجاهد والسدي.

صفحة رقم 246

قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) (١). وروى عنه أيضاً: (حتى جموا) (٢).
وقوله تعالى: وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ، يعني: لما صاروا إلى الرخاء وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا (٣) عن الكفر بما مسهم من الضراء، والله تعالى أخذهم بالضراء ليعتبروا ويقلعوا عن الكفر، وتكذيب الأنبياء فلم يعتبروا، وقالوا من غرّتهم وجهلهم: قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا. وهذا معنى قول المفسرين (٤) في هذه الآية؛ قال ابن عباس: وهذا كما قال في سورة الأنعام: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية (٥) [الأنعام: ٤٤].

(١) قوله: كثروا، وكثرت أموالهم، سبق تخريجها، أما قوله: (سمنوا)، فلم أقف عليها عن ابن عباس، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٢٧، بسند جيد عن الحسن قال: (حتى سمنوا). وذكره هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ٣٢، والماوردي ٢/ ٢٤٢، عن الحسن.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٨ بسند ضعيف، وذكره الثعلبي ٦/ ٢، وجَمّ الشيء واستجم: كثر، ومال جَمٌّ: كثير. انظر: "اللسان" ٢/ ٦٨٦ (جمم).
(٣) في (ب): (ولم يفعلوا)، وهو تحريف.
(٤) هذا كلام الزجاج في "معانيه" ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠، ونحوه قال النحاس في "معانيه" ٣/ ٥٧، والماوردي ٢/ ٢٤٣، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٤، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٤، والرازي ١٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وانظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨، والسمرقندي ١/ ٥٥٧، وابن كثير ٢/ ٢٦٠.
(٥) لم أقف عليه.

صفحة رقم 247

وقوله تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً.
قال المفسرون (١): (لما فسدوا على الأمرين جميعًا أخذهم الله بغتة آمن ما كانوا؛ ليكون أعظم في الحسرة.
وقوله تعالى: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. قال ابن عباس: (يريد بنزول العذاب) (٢).
وقال أبو إسحاق: (بيّن الله عز وجل تأولهم بخطئهم في قولهم: وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ، وقد علموا أن الأمم قد أهلكت قبلهم بكفرهم، وإنما أخبر الله تعالى بهذا عن الأمم السالفة لتعتبر أمة محمد - ﷺ -؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا (٣) [الأعراف: ٩٦]، قال ابن عباس: (وحدوا الله واتقوا الشرك) (٤). وقال عطاء عنه: (يريد آمنوا بالله وحده، وصدقوا أنبياءه، وخافوا الوعيد) (٥).
وقوله تعالى: لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. قال المفسرون: (بركات السماء بالقطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار) (٦).

(١) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٩، والسمرقندي ١/ ٥٥٧، والبغوي ٣/ ٢٦٠.
(٢) "تنوير المقباس" ٢/ ١١٤، وهو قول الأكثر، انظر: السمرقندي ١/ ٥٥٧، والثعلبي ٢/ ١ ب، و"الوسيط" للواحدي ١/ ٢١٢، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن الجوزي ٣/ ٢٣٤، والرازي ١٤/ ١٨٤.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦٠.
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ١١٤، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٢١٢.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٦٠، والنحاس ٣/ ٥٧، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٥٧، والماوردي ٢/ ٢٤٣، والبغوي ٣/ ٢٦٠، وابن عطية ٦/ ١٦ - ١٧، وقال أبو حيان =

صفحة رقم 248

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية