تفسير المفردات : عفوا : كثروا ونموا، من قولك : عفا النبات إذا كثر، وبغتة : فجأة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه حال الأمم السابقة مع أنبيائها وبين ما في قصصهم من العظة والعبرة فقد كانت العاقبة في كل حال للمتقين، والدائرة تدور على المبطلين.
أشار هنا إلى سنة الله في الأمم التي تكذب رسلها أن ينزل بها البؤس وشظف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرعوا إلى ربهم وينيبوا إليه بالإقلاع عن كفرهم والتوبة من تكذيب أنبيائهم، وفي هذا من التحذير لقريش والتخويف لهم ما لا يخفى.
ثم ذكر أنه بدل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا، لكنهم لم يفعلوا فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
الإيضاح : ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة أي ثم أعطينا بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، الرخاء والسعة.
حتى عفوا أي حتى كثر عددهم ونموا، إذ أن الرخاء مما يكون سببا في كثرة النسل وبه تتم النعمة في الدنيا على الموسرين، ومن هذه الحسنات ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها وذكرهم هود بها في قوله : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون [ الأعراف : ٦٩ ] وكذا ما قاله صالح لقومه : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعتوا في الأرض مفسدين [ الأعراف : ٧٤ ].
وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء أي وقالوا قولا يدل على أنهم لا يعتبرون بأحداث الزمان، قالوا قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر، وما نحن إلا مثلهم فيصيبنا مثل ما أصابهم، والدهر بالناس قلب. وتلك عادة الدهر بأبنائه، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب.
وخلاصة هذا : إنهم لم يفهموا السنن التي وضعها المولى سبحانه في أسباب السعادة والشقاء في البشر والتي أرشد إليها قوله : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ الرعد : ١١ ] ومن ثم لم يتذكروا ولم يعتبروا حين ذكرهم رسولهم، بل أعرضوا ونأوا.
فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون أي فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم، إذ هم قد جهلوا سنن الله التي وضعها في شؤون الاجتماع، فلا هم اهتدوا إليها بعقولهم، ولا هم صدقوا الرسل فيما أنذروهم به، وجاء بمعنى الآية تعالى في سورة الأنعام : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون [ الأنعام : ٤٤ ].
فالكافرون إذا مسهم الشر يئسوا وابتأسوا، وإذا مسهم الخير بطروا واستكبروا وبغوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، والمؤمنون بالله وما جاء به رسله تكون الشدائد والمصايب تربية لهم وتمحيصا.
ولما ترك المسلمون هدي القرآن في حكوماتهم ومصالحهم العامة، في أعمال الأفراد سلبهم الله ما أعطاهم من أنواع العلم والحكمة واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، فاتبعوا أهل الكتاب في خرافاتهم وحفلهم وتقليد آبائهم وأجدادهم وطلب النفع والضر من دجالي الأحياء وقبور الأموات، فغشيهم الجهل، والنابتة منهم قلدوا الإفرنج في الفسق والفجور وشر ما وصلوا إليه في طور فساد حضارتهم وقلدوهم حتى فيما لا يوافق أحوالهم وبلادهم ومصالحهم.
وهكذا ضلت الفئتان عن هدى القرآن، وأضاعتا ما بقي من ملك الإسلام.
تفسير المراغي
المراغي