تفسير سورة سورة المائدة
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء
6
المحقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
نبذة عن الكتاب
- جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
- جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
- ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
- قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
- شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
- نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
- اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
- هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
- يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
- كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
- أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
- اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
- اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
| (إني لذاك إذا ما ساءني بلد | يممت صدر بعيري غيره بلداً) |
| (ولقد طعنت أبا عيينة طعنة | جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا) |
| (لقد لفها الليل بسواق حطم | ليس براعي إبل ولا غنم) |
| (ولا بجزار على ظهر وضم | باتوا نياماً وابن هند لم ينم) |
| (بات يقاسيها غلام كالزلم | خدلج الساقين ممسوح القدم) |
وفي شعائر الله خمسة تأويلات :
أحدها : أنها مناسك الحج، وهو قول ابن عباس، ومجاهد.
والثاني : أنها ما حرمه الله في حال الإحرام(٢)، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
والثالث : أنها حرم الله، وهو قول السدي.
والرابع : أنها حدود الله فيما أحل وحرَّم وأباح وحظر، وهو قول عطاء.
والخامس : هي دين الله كله، وهو قول الحسن، كقوله تعالى :
ذّلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ
[ الحج : ٢٢ ] أي دين الله(٣).
وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ أي لا تستحلوا القتال فيه، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه رَجَبُ مُضَر.
والثاني : أنه ذو العقدة، وهو قول عكرمة.
والثالث : أنها الأشهر الحرم(٤)، وهو قول قتادة.
وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ أما الهدي ففيه قولان :
أحدهما : أنه كل ما أهداه من شيء إلى بيت الله تعالى.
والثاني : أنه ما لم يقلّد من النعم، وقد جعل على نفسه، أن يُهديه ويقلده، وهو قول ابن عباس.
فأما القلائد ففيها ثلاثة أقاويل :
أنها قلائد الهدْي، وهو قول ابن عباس، وكان يرى أنه إذا قلد هديه صار مُحرِماً.
والثاني : أنها قلائد من لحاء الشجر، كان المشركون إذا أرادوا الحج قلدوها في ذهابهم إلى مكة(٥)، وعَوْدهم(٦) ليأمنوا، وهذا قول قتادة.
والثالث : أن المشركين كانوا يأخذون لحاء الشجر من الحرم إذا أرادوا الخروج منه، فيتقلدونه ليأمنوا، فَنُهوا أن ينزعوا شجر الحرم فيتقلدوه، وهذا قول عطاء.
وَلاَ ءَامِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يعنى ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام، يقال أممت كذا إذا قصدته، وبعضهم يقول يممته، كقول الشاعر :
| إني لذاك إذا ما ساءني بلد | يممت صدر بعيري غيره بلداً |
أحدهما : الربح في التجارة، وهو قول ابن عمر.
والثاني : الأجر، وهو قول مجاهد وَرِضْوَاناً يعني رضي الله عنهم بنسكهم.
وَإِذَا حَلَلتُمْ فَاصْطَادُوا وهذا وإن خرج مخرج الأمر، فهو بعد حظر، فاقتضى إباحة الاصطياد بعد الإِحلال دون الوجوب.
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَان قَوْمٍ في يجرمنكم تأويلان.
أحدهما : لا يحملنكم، وهو قول ابن عباس، والكسائي، وأبي العباس المبرد يقال : جرمني فلان على بغضك، أي حملني، قال الشاعر(٧) :
| ولقد طعنت أبا عيينة طعنة | جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا |
وفي شَنَئَانُ قَوُمٍ تأويلان :
أحدهما : معناه بغض قوم، وهذا قول ابن عباس.
والثاني : عداوة قوم، وهو قول قتادة.
وقال السدي : نزلت هذه الآية فى الحُطَم(٨) بن هند البكري أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إِلاَمَ تَدعو ؟ فأخبره، وقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه :" يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيكُم رَجُلٌ مِن رَّبِيعةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ " فلما أخبره النبي ﷺ قال : أنظرني حتى أشاور، فخرج من عنده، فقال رسول الله ﷺ :" لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ، وَخَرجَ بِقَفَا غَادِرٍ " فمر بسرح(٩) من سرح المدينة، فاستقاه وانطلق وهو يرتجز ويقول :
| لقد لفها الليل بسواق حطم(١٠) | ليس براعي إبل ولا غنم |
| ولا بجزار على ظهر وضم(١١) | باتوا نياماً وابن هند لم ينم |
| بات يقاسيها غلام كالزلم(١٢) | خدلج الساقين(١٣) ممسوح القدم |
ثم اختلفوا فيما نسخ من هذه الآية بعد إجماعهم على أن منها منسوخاً على ثلاثة أقاويل :
أحدهما : أن جميعها منسوخ، وهذا قول الشعبي، قال : لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية.
والثاني : أن الذي نسخ منها وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ ءَآمِّينَ البَيتَ الحَرَامَ وهذا قول ابن عباس، وقتادة.
والثالث : أن الذي نسخ منها ما كانت الجاهلية تتقلده من لحاء الشجر، وهذا قول مجاهد
٢ - الإحرام: سقطت من ك..
٣ - سقط من ك..
٤ - الأشهر الحرم أربعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، قال تعالى: أن هذه الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم (آية ٣٦ التوبة)..
٥ - سقط من ك..
٦ - سقطت من ك..
٧ - هو أبو أسماء بن الضريبة يخاطب كرز العقيلي الذي قتل حصن بن حذيفة الفزاري أيا عيينة، والشاعر يرثي القتيل..
٨ - الحطم: هذا لقبه، واسمه شريح، وفي تفسير القرطبي أنه ابن ضبيعة، وفي أسباب النزول للواحدي: ابن ضبيع. وفي ك: الحكم بدلا من الحكم، وقد أدرك هذا الرجل ردة اليمامة وقتل مرتدا..
٩ - السرح: المال السائم..
١٠ - يقال رجل حطم وحطمة إذا كان قليل الرحمة بالماشية يهشم بعضها ببعض..
١١ - الوضم: كل شيء يوضع عليه اللحم من خشب أو حصير يوقى به من الأرض..
١٢ -الزلم: القدح، والجمع أزلام وهي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها..
١٣ - خدلج الساقين: عظيمهما..
١٤ - قيل أن قدومه كان عام عمرة القضاء، وأن الهدى التي قلدها كانت من سرح المدينة الذي استاقه قبل ذلك..
| (يهل بالفرقد ركبانها | كما يهل الراكب المعتمر) |
| (شغارة تقذ الفصيل برجلها | فطَّارة لقوادم الأبكار) |
| (تبيتون في المشتى ملاء بطونكم | وجاراتكم غرقى يبتن خماصا) |
| (ذا جبار منضجاً ميسمه | يذكر الجارح ما كان اجترح) |
شُهَدَآءَ بِالقِسْطِ أي بالعدل. وفى هذه الشهادة ثلاثة أقاويل.
أحدها : أنها الشهادة بحقوق الناس، وهذا قول الحسن.
والثاني : الشهادة بما يكون من معاصي العباد، وهذا قول بعض البصريين.
والثالث : الشهادة لأمر الله تعالى بأنه حق.
وهذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف المفسرون في سبب نزولها فيه على قولين :
أحدهما : أن النبي خرج إلى يهود بني النضير، يستعين بهم في دية، فهمّوا أن يقتلوه، فنزل ذلك فيه، وهذا قول قتادة، ومجاهد.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والقول الثاني : أن قريشاً بعثت رجلاً(١)، ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَطْلَعَ الله نَبِيَّهُ على ذلك، فنزلت فيها هاتان الآيتان، وهذا قول الحسن.
وَجَعَلنَا قَلُوبَهُمْ قَاسيَةً من القسوة وهي الصلابة.
وقرأ حمزة والكسائي قَسِيّةً وفيه تأويلان :
أحدهما : أنها أبلغ من قاسية.
والثاني : أنها بمعنى قاسية.
يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ يعني بالتغيير والتبديل، وسوء التأويل.
وَنَسُوا حَظّاً مِّمََّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم.
وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ منْهُمْ فيه تأويلان.
أحدهما : يعني خيانة منهم.
والثاني : يعني فرقة خائنة.
إِلاَّ قَلِيلاً منْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحُ فيها قولان :
أحدهما : أن حكمها ثابت في الصفح والعفو إذا رآه. والثاني : أنه منسوخ، وفى الذي نسخه قولان :
أحدهما : قوله تعالى :
قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِاليَومِ الآخِرِ
[ التوبة : ٢٩ ] وهذا قول قتادة.
والثاني : قوله تعالى :
وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيهِم عَلَى سَوَآءٍ
[ الأنفال : ٥٨ ].
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما : سبيل الله، لأن الله هو السلام، ومعناه دين الله، وهذا قول الحسن.
والثاني : طريق السلامة من المخافة، وهو قول الزجاج.
وَيُخْرِجُهُم منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ يعني : من الكفر إلى الإِيمان بلطفه.
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فيه تأويلان :
أحدهما : طريق الحق وهو دين الله(١)، وهذا قول الحسن.
والثاني : طريق الجنة في الآخرة، وهو قول بعض المتكلمين.
أحدها : أنه قول جماعة من اليهود حذرهم النبي ﷺ عقاب الله، وخوفهم به، فقالوا لا تخوفنا : نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّآؤُهُ ، وهذا قول ابن عباس.
والثاني : أن اليهود تزعم أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بِكْري من الولد، فقالوا، نَحنُ أَبْنآءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وهذا قول السدي.
وقال الحسن : أنهم قالوا ذلك على معنى قرب الولد من والده، وهو القول الثالث.
وأما النصارى، ففي قولهم لذلك قولان :
أحدهما : لتأويلهم ما في الإِنجيل من قوله(١) : اذهب إلى أبي وأبيكم، فقالوا لأجل ذلك نَحنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ والثاني : لأجل قولهم في المسيح : ابن الله، وهم يرجعون إليه، فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباءه، فرد الله منطقهم ذلك بقوله :
... فَلِمَ يُعَذّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ لأن الأب لإِشفاقه لا يعذب ابنه، ولا المحب حبيبه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدها : أرض بيت المقدس، وهذا قول ابن عباس، والسدي.
والثاني : دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وهذا قول الزجاج.
والثالث : هي الشام، وهذا قول قتادة، ومعنى المقدسة : المطهرة.
وقوله : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وإن قال : إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم لأنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرَّمها عليهم بعد معصيتهم.
وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فيه تأويلان :
أحدهما : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته.
والثاني : لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها.
وقيل بلغ من جبروت هؤلاء القوم، أن واحداً منهم، أخذ الأثني عشر نقيباً، الذين بعثهم موسى، ليخبروه بخبرهم، فحملهم مع فاكهة حملها من بستانه، وجاء فنشرهم بين يدي الملك، وقال : هؤلاء يريدون أن يقاتلونا، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا.
أحدهما : يخافون الله، وهو قول قتادة.
والثاني : يخافون الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق.
أَنْعََمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فيه تأويلان :
أحدهما : بالتوفيق للطاعة.
والثاني : بالإِسلام، وهو قول الحسن.
وفي هذين الرجلين قولان :
أحدهما : أنهما من النقباء يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهذا قول ابن عابس، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
والثاني : أنهما رجلان، كانا في مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام، وهذا مروي عن ابن عباس.
ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ البَابَ فإِذَا دَخَلتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ فيه تأويلان :
أحدهما : إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم.
والثاني : لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعدائه، ولم يمنعهم خوفهم من القول الحق، وقد قال النبي ﷺ :" لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ الناسِ أَنْ يَقُولَ الحَق إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ فَإِنَّهُ لاَ يُبْعِدُ مِنْ رِزْقٍ وَلاَ يُدْنِي مِنْ أَجَلٍ ".
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عليها | فوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قبيحٌ) |
| (تَغَيَّرَ كلُّ ذِي لَوْنٍ | وقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ) |
| (أبا هابيل قد قُتِلا جَمِيعاً | وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ) |
| (وجَاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ منه | على خَوْفٍ فَجَاءَ بها تَصِيحْ) |
أحدهما : منعه منه التحرج مع قدرته عليه وجوازه له، وهذا قول ابن عباس، وعبد الله بن عمر.
والثاني : أنه لم يكن له الامتناع ممن أراد إذ ذاك، وهذا قول مجاهد والحسن.
والثاني : يعني أن تبوء بإثمي في خطاياي، وإثمك بقتلك لي، فتبوء بهما جميعاً، وهذا قول مجاهد.
وروى الأعمش، عند عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :" مَا مِنْ نَفْسٍ تُقتَلُ ظُلماً إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ " (١).
أحدها : يعنى شجعت، وهو قول مجاهد.
والثاني : يعني زينت، وهو قول قتادة.
والثالث : يعني فساعدته.
وكان هابيل أول من قُتِلَ في الأرض، وقيل إن قابيل لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له إبليس فعلمه، وقيل إنه قتله غيلة، بأن ألقى عليه وهو نائم صخرة، شدخه بها.
أحدهما : يعني عورة أخيه.
والثاني : جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن، فقيل لجيفته سوأة.
وفي الغراب المبعوث قولان :
أحدهما : أنه كان ملكاً على صورة الغراب، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه.
والثاني : أنه كان غراباً بحث الأرض على غراب آخر.
قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخَي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ قيل إنه ندم على غير الوجه الذي تصح منه التوبة، فلذلك لم تقبل منه، ولو ندم على الوجه الصحيح لقبلت توبته.
وروى معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :" إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَ مَثَلاً لِهَذِهِ الأَمَّةِ، فَخُذُوا مِنْ خَيرِهِمَا، وَدَعُوا شَرَّهُمَا ".
أحدها : أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فعرف الله نبيه الحكم فيهم، وهذا قول ابن عباس.
والثاني : أنها نزلت في العُرَنِيِّينَ(١) ارتدوا عن الإِسلام وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا إبله، وهذا قول أنس بن مالك، وقتادة.
والثالث : أنها نزلت إخباراً من الله تعالى بحكم من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً.
واختلف في المستحق اسم المحارب لله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الزنى والقتل والسرقة، وهذا قول مجاهد.
والثاني : أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية في المِصْر وغيره، وهذا قول الشافعي، ومالك، والأوزاعي.
والثالث : أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر في المِصْر، وهذا قول أبي حنيفة، وعطاء الخراساني.
أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم منْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْض جعل الله هذا حكم المحارب، وفيه قولان :
أحدهما : أنها على التخيير وأن الإِمام فيهم بالخيار بين أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفي، وهذا قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم.
والثاني : أنها مرتبة تختلف على قدر اختلاف الأفعال : أن يقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي.
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك العرنيين وهم من بجيلة، فسأل رسول الله ﷺ جبريل عن القصاص فيمن حارب، فقال : من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله لإِخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج فاصلبه.
أما قوله تعالى : أَوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ فقد اختلف أهل التأويل فيه على أربعة أوجه :
أحدها : أنه نفيهم وإبعادهم من بلاد الإِسلام إلى بلاد الشرك، وهو قول أنس : والحسن، وقتادة، السدي، والزهري، والضحاك، والربيع.
والثاني : أنه إخراجهم من مدينة إلى مدينة أخرى، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير.
والثالث : أنه الحبس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والرابع : هو أن يطلبوا لتقام الحدود عليهم فيُبْعَدُوا، وهذا قول ابن عباس، والشافعي، والليث بن سعد.
والثاني : إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم، فأما التائب بغير أمان فلا، وهذا قول عليّ عليه السلام، والشعبي، وروى الشعبي أن خارجة بن زيد خرج محارباً فأخاف السبيل، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وجاء تائباً من قبل القدرة عليه، فقبل عليّ توبته وجعل له أماناً منشوراً على ما كان أصاب من دم ومال.
والثالث : إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه، وهذا قول عروة بن الزبير.
والرابع : إن كان في دار الإٍسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإن لم يكن له فئة يمتنع بها [ وتاب ] لم [ تسقط ] عنه توبته شيئاً من عقوبته، وهذا قول ابن عمر، وربيعة، والحكم بن عيينة.
والخامس : أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين، وهذا قول الشافعي.
والسادس : أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء، وهذا مذهب مالك(١).
| (يميني أمير المؤمنين أعيذها | بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها) |
| (يدي كانت الحسناء لو تم سبرها | ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها) |
| (فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة | إذا ما شمالي فارقتها يمينها) |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به، لثلاثة معانٍ :
أحدها : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه.
والثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر في الزنى باطن(١)،
والثالث : أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله.
وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة، فأمر الله تعالى بقطعه(٢) في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقال :" لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ ".
وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة.
والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به، لقول رسول الله ﷺ في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه، فقال صفوان : قد عفوت عنه، فقال النبي ﷺ :" هَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَاتِيَنِي بِهِ ؟لاَ عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوتُ ".
وروي أن معاوية بن أبي سفيان أُتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال :
| يميني أمير المؤمنين أعيذها | بعفوك أن تلقى مكاناً يشينها |
| يدي كانت الحسناء لو تم سبرها | ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها |
| فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة | إذا ما شمالي فارقتها يمينها |
ولوجوب القطع مع ارتفاع الشبهة شرطان هما : الحرز والقدر، وقد اختلف الفقهاء في قدر ما تقطع فيه اليد خلافاً، كُتُبُ الفقه أولى(٣).
واختلف أهل التأويل حينئذ لأجل استثناء القطع وشروطه عمن سرق من غير حرز أو سرق من القدر الذي تقطع فيه اليد في قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا هل هو عام خُصّ ؟ أو مجمل فُسِّر على وجهين.
أحدهما : أنه العموم الذي خُصّ.
والثاني : أنه المجمل الذي فُسِّر.
ثم قال تعالى : جَزَآءً بِمَا كَسَبا فاختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين :
أحدهما : أنه لا غرم، وهذا قول أبي حنيفة.
والثاني : يجب فيه الغرم، وهو مذهب الشافعي.
وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدرع.
٢ - أي بقطع السارق..
٣ - العمدة في هذا حديث السيدة عائشة رضي الله عنها وهو أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا" والمراد الدينار الإسلامي ووزنه أربع غرامات وربع من الذهب..
أحدهما : أنها كالتوبة من سائر المعاصي والندم على ما مضى والعزم على ترك المعاودة.
والثاني : أنها الحد، وهو قول مجاهد.
وقد روى عبد الله بن عمرو قال : سرقت امرأة حلياً فجاء الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله ﷺ :" اقْطَعُوا يَدَهَا اليُمْنَى " فقالت المرأة : هل لي من توبة ؟ فقال رسول الله ﷺ :" أَنْتِ اليَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتكِ أُمُّكِ " فأنزل الله تعالى : فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ (١).
أحدهما : يغفر لمن تاب من كفره، ويعذب من مات على كفره، وهذا قول الكلبي.
الثاني : يعذب من يشاء في الدنيا على معاصيهم بالقتل والخسف والمسخ والآلام وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتوبة واستنقاذهم بها من الهلكة وخلاصهم من العقوبة.
| (وعض زمان يا ابن مروان لم يدع | من المال إلا مسحتاً أو مجلف) |
أحدها : أن السحت الرشوة، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني : أنه الرشوة في الحكم، وهو قول علي.
والثالث : هو الاستعجال في القضية، وهو قول أبي هريرة.
والرابع : ما فيه الغارّ من الأثمان المحرمة : كثمن الكلب، والخنزير، والخمر وعسب الفحل، وحلوان الكاهن.
وأصل السحت الاستئصال، ومنه قوله تعالى : فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ أي يستأصلكم، وقال الفرزدق :
| وعض زمان يا ابن مروان لم يدع | من المال إلا مسحتاً أو مجلف(١) |
فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيمن أريد بذلك قولان :
أحدهما : اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والزهري.
والثاني : أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخّير رسول الله ﷺ عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع، وهذا قول قتادة.
واختلفوا في التخيير في الحكم بينهم، هل هو ثابت أو منسوخ ؟ على قولين : أحدهما : أنه ثابت وأن كل حاكم من حكام المسلمين مخير في الحكم بين أهل الذمة بين أن يحكم أو يدع، وهذا قول الشعبي، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم.
والقول الثاني : أن ذلك منسوخ، وأن الحكم بينهم واجب على من تحاكموا إليه من حكام المسلمين، وهذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعكرمة، وقد نسخه قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
أحدهما : حكم الله بالرجم.
والثاني : حكم الله بالقود.
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فيه قولان :
أحدهما : بعد حكم الله في التوراة.
والثاني : بعد تحكيمك.
وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالمُؤمِنِينَ فيه قولان :
أحدهما : أي في تحكيمك أنه من عند الله مع جحودهم نبوتك.
والثاني : يعني في توليهم عن حكم الله غير راضين به.
يَحْكُمْ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فيهم قولان :
أحدهما : أنهم جماعة أنبياء منهم محمد صلى الله عليه وسلم.
والثاني : المراد نبينا محمد ﷺ وحده وإن ذكر بلفظ الجمع.
وفي الذي يحكم به من التوراة قولان :
أحدهما : أنه أراد رجم الزاني المحصن، والقود من القاتل العامد.
والقول الثاني : أنه الحكم بجميع ما فيها من غير تخصيص ما لم يرد به نسخ.
ثم قال تعالى : لِلَّذِينَ هَادُوا يعني على الذين هادوا، وهم اليهود، وفي جواز الحكم بها على غير وجهان : على اختلافهم في التزامنا شرائع من قبلنا إذا لم يرد به نص ينسخ.
ثم قال تعالى : وَالرَّبَانُّيِونَ والأَحْبَارُ واحد الأحبار حَبْر بالفتح، قال الفراء، أكثر ما سمعت حِبْر بالكسر، وهو العالم، سُمِّي بذلك اشتقاقاً من التحبير، وهو التحسين لأن العالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، ويحتمل أن يكون ذلك لأن العلم في نفسه حسن.
ثم قال تعالى : بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ فيه قولان :
أحدهما : معناه يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله.
والثاني : معناه والعلماء استحفظوا من كتاب الله.
وفي اسْتُحْفِظُوا تأويلان :
أحدهما : استودعوا، وهو قول الأخفش.
والثاني : العلم بما حفظوا، وهو قول الكلبي.
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ يعني على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة.
فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ فيه قولان :
أحدهما : فلا تخشوهم في كتمان ما أنزلت، وهذا قول السدي.
والثاني : في الحكم بما أنزلت.
وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً فيه تأويلان :
أحدهما : معناه لا تأخذوا على كتمانها أجراً.
والثاني : معناه لا تأخذوا على تعليمها أجراً.
وَمَن لمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ، ثم قال تعالى : فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، ثم قال تعالى : فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ وفي اختلاف هذه الآي الثلاث أربعة أقاويل :
أحدها : أنها واردة في اليهود دون المسلمين، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والبراء، وعكرمة.
والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب، وحكمها عام في جميع الناس، وهذا قول الحسن، وإبراهيم.
والثالث : أنه أراد بالكافرين أهل الإِسلام، وبالظالمين اليهود، وبالفاسقين النصارى، وهذا قول الشعبي.
والرابع : أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فهو كافر، ومن لم يحكم مقراً به فهو ظالم فاسق، وهذا قول ابن عباس.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (مَن يَكُ ذَا شَكٍّ فهذَا فَلْجُ | مَاءٌ رُوَاءٌ وطريقٌ نَهْجُ) |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (يَرُدُّ عَنَّا القَدَرَ الْمَقْدُورَا | وَدَائرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا) |
أحدهما : أن المرض الشك وهو قول مقاتل.
والثاني : النفاق، وهو قول الكلبي.
وفيهم قولان :
أحدهما : المعنيّ به عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سلول، وهذا قول عطية بن سعد.
والثاني : أنهم قوم من المنافقين.
.... يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ والدائرة الدولة ترجع عمن انتقلت إليه إلى من كانت له، سميت بذلك لأنها تدور إليه بعد زوالها عنه، ومنه قول الشاعر :
| يَرُدُّ عَنَّا القَدَرَ المَقْدُورَا | وَدَائرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا |
أحدها : يريد فتح مكة، قاله السدي.
والثاني : فتح بلاد المشركين على المسلمين.
والثالث : أن القضاء الفصل، ومنه قوله تعالى :
افْتَح بَينَنَا وَبَينَ قَومِنَا بِالحَقِّ
[ الأعراف : ٨٩ ]، قاله قتادة.
أَوْ أَمْرٍ منْ عِنْدِهِ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : هو دون الفتح الأعظم.
والثاني : أنه موت من تقدم ذكره من المنافقين.
الثالث والرابع : أنه الجزية، قاله السدي.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما : أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أصحابه حين شكوا إلى رسول الله ﷺ ما أظهره اليهود من عداوتهم لهم، قاله الكلبي.
والثاني : أنها نزلت في عُبادة بن الصامت حين تبرأ من حلف اليهود وقال : أتولى الله ورسوله.
وفي قوله تعالى : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ قولان :
أحدهما : أنه علي، تصدق وهو راكع، قاله مجاهد.
والثاني : أنها عامة في جميع المؤمنين، قاله الحسن، والسدي.
وفي قوله : وَهُمْ رَاكِعُونَ ثلاثة أوجه :
أحدها : أنهم فعلوا ذلك في ركوعهم.
والثاني : أنها نزلت فيهم وهم في ركوعهم.
والثالث : أنه أراد بالركوع التنفل، وبإقامة الصلاة الفرض من قولهم فلان يركع إذا انتفل بالصلاة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَالعُدْوَانِ أي ظلم الناس.
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ فيه تأويلان : أحدهما : الرُّشا.
والثاني : الربا.
وقوله : لَوْلاَ بمعنى هلا.
والربانيون : هم علماء الإِنجيل، والأحبار : هم علماء التوراة.
| (يداك يدا مجد فكف مفيدة | وكف إذا ما ضنَّ بالزاد تنفق) |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما : أقاموها نصب أعينهم حتى إذا نظروا ما فيها من أحكام الله تعالى وأوامره لم يزلوا.
والثاني : إن إقامتها العمل بما فيها من غير تحريف ولا تبديل.
ثم قال تعالى : وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَبِّهِمْ يعني القرآن لأنهم لما خوطبوا به صار منزلاً عليهم.
لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم فيه تأويلان :
أحدهما : أنه أراد التوسعة عليهم كما يقال هو في الخير من قرنه إلى قدمه.
والثاني : لأكلوا من فوقهم بإنزال المطر، ومن تحت أرجلهم بإنبات الثمر. قاله ابن عباس.
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ فيه تأويلان :
أحدهما : مقتصدة على أمر الله تعالى، قاله قتادة.
الثاني : عادلة، قاله الكلبي.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما أن الميثاق آيات مبينة يقررها علم ذلك عندهم.
والثاني : أن الميثاق أيمان أخذها أنبياء بني إسرائيل عليهم أن يعملوا بها وأمروا بتصديق(١) رسله.
وَأَرْسَلنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً يعني بعد أخذ الميثاق.
كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ هوى النفس مقصور، وهواء الجو ممدود، وهما يشتركان في معنى الاسم لأن النفس تستمتع بهواها كما تستمتع بهواء الجو.
فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ يعني أن الأنبياء إذا لم يحلوا لهم ما يَهْوُونَه في الدين كذبوا فريقاً في الدين، كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، وهم قد كذبوا من قتلوه ولكن تقدير الكلام أنهم اقتصروا على تكذيب فريق وتجاوزوا إلى قتل فريق.
أحدها : أنها العقوبة التي تنزل من السماء.
والثاني : ما ابتلوا به من قتل الأنبياء وتكذيبهم.
والثالث : ما بلوا به من جهة المتغلبين عليهم من الكفار.
فَعَمُوا وَصَمُّوا يعني، فعموا عن المرشد وصموا عن الموعظة حتى تسرعوا إلى قتل أنبيائهم حين حسبوا ألا تكون فتنة.
ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني أنهم تابوا بعد معاينة الفتنة فقبل الله توبتهم.
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا يعني أنهم عادوا بعد التوبة إلى ما كانوا عليه قبلها، والعود إنما كان من أكثرهم من جميعهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ رد على اليهود في نسبتها إلى الفاحشة.
وفي قوله : صِدِّيقَةٌ تأويلان :
أحدهما : أنه مبالغة في صدقها ونفي الفاحشة عنها.
والثاني : أنها مصدقة بآيات ربها فهي بمنزلة ولدها، قاله الحسن.
كَانَا يَاكُلاَنِ الطَّعَامَ فيه قولان :
أحدهما : أنه كنى بذلك عن الغائط لحدوثه منه، وهذه صفة تُنْفَى عن الإِله.
والثاني : أنه أراد نفس الأكل لأن الحاجة إليه عجز والإِله لا يكون عاجزاً.
انظُر كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ يعني الحجج والبراهين.
ثُمَّ انظُر أَنَّى يُؤْفَكُونَ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني يصرفون، من قولهم أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر.
والثاني : يعني يقلبون، والمؤتفكات(١) : المنقلبات من الرياح وغيرها.
والثالث : يكذبون، من الإفك، وهو الكذب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
يعني عبدة الأوثان من العرب، تَمَالأَ الفريقان على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَّوَدَّةً للَّذِينَ ءَامنوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى ليس هذا على العموم، وإنما هو خاص، وفيه قولان :
أحدهما : عنى بذلك النجاشي وأصحابه لَما أَسْلَمُوا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.
والثاني : أنهم قوم من النصارى كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى عليه السلام، فَلَمَّا بُعِثَ محمد ﷺ آمنوا به، قاله قتادة.
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً واحد القسيسين قس(١)، من قس وهم العباد. وواحد الرهبان راهب، وهم الزهاد.
وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يعني عن الإِذعان للحق إذا لزم، وللحجة إذا قامت.
أحدهما : مع أمة محمد ﷺ الذين يشهدون بالحق، كما قال تعالى : لِتَكُونُوا شُهَدَءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : ١٤٣ ]، قاله ابن عباس، وابن جريج.
والثاني : يعني الذين يشهدون بالإِيمان، قاله الحسن.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| (أبني غدانة إنني حررتكم | فوهبتكم لعطية بن جعال) |
اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل :
أحدها : ما روى ابن إسحاق عن أبي ميسرة قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فزلت الآية التي في البقرة : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء : لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُم سُكَارَى وكان منادي رسول الله ﷺ إذا حضرت الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران، فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ إلى قوله تعالى : فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ فقال عمر : انتهينا، انتهينا.
والثاني : أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد لاحى رجلاً على شراب، فضربه الرجل بلحي جمل، ففزر قاله مصعب بن سعد(١).
والثالث : أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشراب فعبث بعضهم ببعض، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، قاله ابن عباس.
فأما المَيْسِرُ فهو القمار.
وأما الأنصَابُ ففيها وجهان :
أحدهما : أنها الأصنام تعبد، قاله الجمهور.
والثاني : أنها أحجار حول الكعبة يذبحون لها، قاله مقاتل.
وأما الأَزْلاَمُ فهي قداح من خشب يُسْتَقْسَمُ بها على ما قدمناه.
قوله تعالى : رِجْسٌ يعني حراماً، وأصل الرجس المستقذر الممنوع منه، فعبر به عن الحرام لكونه ممنوعاً منه.
ثم قال تعالى : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ أي مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به لأنه لا يأمر إلا بالمعاصي، ولا ينهى إلا عن الطاعات.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني الإِحرام بحج أو عمرة، قاله الأكثرون.
والثاني : يعني بالحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل في الحرم، وأتهم إذا دخل تهامة، وأَنْجَدَ إذا دخل نجد، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم. قاله بعض أهل البصريين.
والثالث : أن اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على سواء بظاهر الآية، قاله أبو علي بن أبي هريرة.
وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم متَعَمِّداً فيه قولان :
أحدهما : متعمداً لقتله، ناسياً لإحرامه، قاله مجاهد، وإبراهيم، وابن جريج.
والثاني : متعمداً لقتله ذاكراً لإِحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء، والزهري.
واختلفوا في الخاطئ في قتله الناسي لإِحرامه على قولين.
أحدهما : لا جزاء عليه، قاله داود.
الثاني : عليه الجزاء، قاله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.
فَجَزآءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعَمِ يعني أن جزاء القتل في الحرم أو الإِحرام مثل ما قتل من النعم.
وفي مثله قولان :
أحدهما : أن قيمة الصيد مصروفة في مثله من النعم، قاله أبو حنيفة.
والثاني : أن عليه مثل الصيد من النعم في الصورة والشبه(١) قاله الشافعي.
يَحْكُمْ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ يعني بالمثل من النعم، فلا يستقر المثل فيه إلا بحكم عدلين فقيهين، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما.
هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ يريد أن مثل الصيد من النعم يلزم إيصاله إلى الكعبة، وعنى بالكعبة جميع الحرم، لأنها في الحرم.
واختلفوا هل يجوز أن يهدي(٢) في الحرم ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين :
أحدهما : لا يجوز قاله : أبو حنيفة.
الثاني : يجوز، قاله الشافعي.
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامٌ مَسَاكِينَ فيه قولان :
أحدهما : أنه يُقَوِّم المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً، قاله عطاء، والشافعي.
والثاني : يقوِّم الصيد ويشتري بالغنيمة طعاماً، قاله قتادة، وأبو حنيفة.
أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً يعني عدل الطعام صياماً، وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يصوم عن كل مد يوماً، قاله عطاء، والشافعي.
والثاني : يصوم عن كل مد ثلاثة أيام، قاله سعيد بن جبير.
والثالث : يصوم عن كل صاع يومين، قاله ابن عباس.
واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة، هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين :
أحدهما : أنه على الترتيب، إن لم يجد المثل فالإطعام، فإن لم يجد الطعام فالصيام، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعامر، وإبراهيم، والسدي.
والثاني : أنه على التخيير في التكفير بأي الثلاثة شاء، قاله عطاء، وهو أحد قولي ابن عباس، ومذهب الشافعي.
ليذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ يعني في التزام الكفارة، ووجوب التوبة.
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يعني قبل نزول التحريم.
وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فيه قولان :
أحدهما : يعني ومن عاد بعد التحريم، فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً، وعقوبة المعصية آجلاً.
والثاني : ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله، فينتقم الله منه.
وعلى هذا التأويل قولان :
أحدهما : فينتقم الله منه بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء، قاله ابن عباس، وداود.
والثاني : بالجزاء مع العقوبة، قاله الشافعي، والجمهور.
٢ -أي في جزاء الصيد.
في تسميتها كعبة قولان :
أحدهما : سميت بذلك لتربيعها، قاله مجاهد.
والثاني : سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم : قد كعب ثدي المرأة إذا علا ونتأ، وهو قول الجمهور.
وسميت الكعبة حراماً لتحريم الله تعالى لها أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها، أو يعضد شجرها.
وفي قوله تعالى : قِيَاماً للنَّاسِ ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني صلاحاً لهم، قاله سعيد بن جبير.
والثاني : تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم.
والثالث : قياماً في مناسكهم ومتعبداتهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال :
أحدها : ما روى أنس بن مالك قال : سأل الناس رسول الله ﷺ حتى ألحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم فقال :" لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُ لَكُمْ " قال أنس : فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فأرى كل الناس لافّاً ثوبه في رأسه يبكي، فسار رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال : يا رسول الله مَنْ أبي ؟ فقال :" أَبُوكَ حُذَافَةُ(١) " فأنشأ عمر فقال : رضينا بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد عليه السلام رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن، فأنزل الله تعالى : لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ .
والثاني : ما روى الحسن بن واقد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله ﷺ فقال :" أَيهَا النَّاسُ كَتبَ اللَّهُ عَلَيكُمُ الحَجَّ فَحجوا " فقام محصن الأسدي وقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فقال :" أَمَا إِنِّي لَوْ قُلتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُم لَضَلِلتُمْ، اسْكتُوا عَنِّي مَا سَكَتُّ عَنْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبَْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ واخْتِلاَفِهِم عَلَى أَنْبِيائِهِمْ " فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَسْأَلُوا... .
والثالث : أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله ﷺ على البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قاله ابن عباس.
وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرءَانُ تُبْدَ لَكُمْ جعل نزول القرآن عند السؤال موجباً بتعجيل الجواب.
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا فيها قولان :
أحدهما : عن المسألة.
والثاني : عن الأشياء التي سألوا عنها.
(أنظر تفسير القرطبي ٦/ ٣٣٠)..
أحدها : قوم عيسى سألوه المائدة، ثم كفروا بها، قاله ابن عباس.
والثاني : أنهم قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها وكفروا به.
والثالث : أنهم قريش سألوا رسول الله ﷺ أن يحول لهم الصفا ذهباً، قاله السدي.
والرابع : أنهم القوم الذين سألوا رسول الله ﷺ مَنْ أبي ؟ ونحوه، فلما أخبرهم به أنكروه وكفروا به، قاله بعض المتأخرين.
(وأمسى فيكم عمران يمشي...... كأنه جمل بحير)
| (عقرتم ناقة كانت لربي | وسائبة فقوموا للعقاب) |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدها : أنها الشهادة بالحقوق عند الحكام.
والثاني : أنها شهادة الحضور للوصية.
والثالث : أنها أيمان، ومعنى ذلك أيمان بينكم، فعبر عن اليمين بالشهادة كما قال في أيمان المتلاعنين : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ .
وفي قوله تعالى :... اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكُمْ تأويلان :
أحدهما : يعني من المسلمين، قاله ابن عباس، ومجاهد.
والثاني : من حي المُوصِي، قاله الحسن، وسعيد بن المسيب، وعكرمة وفيهما قولان : أحدهما : أنهما شاهدان يشهدان على وصية المُوصِي.
والثاني : أنهما وصيان.
أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فيه تأويلان :
أحدهما : من غير دينكم من أهل الكتاب، قاله ابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وشريح.
والثاني : من غير قبيلتكم وعشيرتكم، قاله الحسن، وعكرمة، والزهري، وعبيدة.
وفي أَوْ في هذا الموضع قولان :
أحدهما : أنها للتخيير في قبول اثنين منا أو آخرين من غيرنا.
والثاني : أنها لغير التخيير، وإن معنى الكلام، أو آخران من غيركم إن لم تجدوا، منكم، قاله ابن عباس وشريح، وسعيد بن جبير والسدي.
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ يعني سافرتم.
فَأَصَابَتْكُم مصِيبَةُ المَوْتِ وفي الكلام محذوف تقديره : فأصابتكم مصيبة الموت(٢)، وقد أسندتم الوصية إليهما.
ثم قال تعالى : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ يعني تستوقفونهما للأيمان وهذا خطاب للورثة، وفي هذه الصلاة ثلاثة أقوال :
أحدها : بعد صلاة العصر، قاله شريح، والشعبي، وسعيد بن جبير وقتادة.
والثاني : من بعد صلاة الظهر، والعصر، قاله الحسن.
والثالث : من بعد صلاة أهل دينهما ومِلَّتِهِمَا من أهل الذمة، قاله ابن عباس، والسدي.
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ تَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً معناه فيحلفان بالله إن ارتبتم بهما، وفيهما قولان : أحدهما : أنهما الوصيان إن ارتبتم بهما في الخيانة أَحْلَفَهُمَا الورثة.
والثاني : أنهما الشاهدان إن ارتبتم بهما، ولم تُعْرَفْ عدالتهما، ولا جرحهما، أحلفهما الحاكم ليزول عنه الارتياب بهما، وهذا إنما جوزه قائل هذا القول في السفر دون الحضر.
وفي قوله تعالى : لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً تأويلان :
أحدهما : لا نأخذ عليه رشوة، قاله ابن زيد.
والثاني : لا نعتاض عليه بحق.
وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى أي لا نميل مع ذي القربى في قول الزور، والشهادة بغير حق.
وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ يعني عندنا فيما أوجبه علينا.
٢ - سقط من ك..
يعني فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما.
وفي الذين : عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً قولان :
أحدهما : أنهما الشاهدان، قاله ابن عباس.
والثاني : أنهما الوصيان، قاله سعيد بن جبير.
فَئَاخَرَان يعني من الورثة.
يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا في اليمين، حين ظهرت الخيانة.
مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهُمُ الأَوْلَيَانِ فيه تأويلان :
أحدهما : الأوليان بالميت من الورثة، قاله سعيد بن جبير.
والثاني : الأوليان بالشهادة من المسلمين، قاله ابن عباس وشريح.
وكان سبب نزول هذه الآية ما روى عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وجد الجام بمكة، وقالوا اشتريناه من تميم الداري، وعدي بن بدّاء، فقام رجلان من أولياء السهمي فَحَلَفَا : لَشَهَادَتنا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وأن الجام لصاحبهم قال : وفيهم نزل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُِوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إلى قوله : واتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا والله لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ .
ثم اختلفوا في حكم هاتي الآيتين هل هو منسوخ أو ثابت.
فقال ابن عباس حكمهما منسوخ. قال ابن زيد : لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض.
وقال الحسن : حكمهما ثابت غير منسوخ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
في وحيه إلى الحواريين وجهان :
أحدهما : معناه أَلهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي، ويصدقوا أنك رسولي، كما قال تعالى :
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : ٦٨ ].
والثاني : يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك. وفي التذكير بهذه النعمة قولان :
أحدهما : أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا، فذكر الله تعالى به عيسى لأنهم أنصاره.
والثاني : أنها نعمة على عيسى، لأنه جعل له أنصاراً من الحواريين قد آمنوا به.
والحواريون : هم خواص عيسى عليه السلام الذين استخلفهم من جملة الناس.
قَالُوا ءَامَنَّا يعني بالله تعالى ربك.
وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ يحتمل وجهين : أحدهما : أنهم أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلامهم بالله تعالى وبه.
والثاني : أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم.
(................................... إلى أمير المؤمنين الممتاد)
أي المستعطي. والثاني: لحركتها بما عليها من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرك، قال الشاعر:
| (لعلك باك إن تغنت حمامة | يميد غصن من الأيك مائل) |
| (وما عليك أن تقولي كلما | سبحت أو هللت يا اللهم) |
| (أردد علينا شيخنا مسلما | فإننا من خيره لن نعْدَما) |
| (ونحن أناس نملأ البيد مأمنا | ونحن حواريون حين نزاحف) |
| وما عليك أن تقولي كلما | سبحت أو هللت يا اللهم ما |
| اردد علينا شيخنا مسلما | [ فإننا من خيره لن نعْدَما ](١) |
سأل عيسى ربه، أن ينزل عليهم المائدة التي سألوه، وفي سؤاله وجهان :
أحدهما : أنه تفضل عليهم بالسؤال، وهذا قول من زعم أن السؤال بعد استحكام المعرفة.
والثاني : أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم، وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة.
تَكُونُ لَنَا عِيداً لأوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة والسدي.
وقيل : إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية، ولذلك جعلوا الأحد عيداً(٢).
والثاني : معناه عائدة من الله تعالى علينا، وبرهاناً لنا ولمن بعدنا.
والثالث : يعني نأكل منها جميعاً، أولنا وآخرنا، قاله ابن عباس.
وَءَايَةً مِّنكَ يعني علامة الإِعجاز الدالة على توحيدك وقيل التي تدل على صدق أنبيائك.
[ وارزقنا ]الشكر على ما أنعمت به علينا من إجابتك، وقيل : ارزقنا ذلك من عندك.
٢ سقط من ق..
وهذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين.
واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل.
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه، ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه، قاله مجاهد.
والثاني : أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة، فلما قال لهم : فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً منَ العَالَمِينَ استعفوا منها فلم تنزل عليهم، قاله الحسن.
والثالث : أنهم سألوا فأجابهم، ولم يستعفوا، لأنه ما حكى الاستعفاء عنهم، ثم أنزلها عليهم، لأنه قد وعدهم، ولا يجوز أن يخلف وعده.
ومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على ستة أقاويل :
أحدها : أنه كان عليها ثمار الجنة، قاله قتادة.
والثاني : أنه كان عليها خبز ولحم، قاله عمار بن ياسر.
والثالث : أنه كان عليها سبعة أرغفة، قاله إسحاق بن عبد الله.
والرابع : كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام، قاله عطاء، وعطية.
والخامس : كان عليها كل طعام إلا اللحم، قاله ميسرة.
والسادس(١) : رغيفان وحوتان، أكلوا منها أربعين يوماً في سفرة، وكانوا ومن معهم نحو خمسة آلاف، قاله جويبر.
وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا، فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ.
وفي قوله تعالى :... عَذَاباً لا أعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ قولان :
أحدهما : يعني من عالمي زمانهم.
والثاني : من سائر العالمين كلهم.
وفيهم قولان : أحدهما : هو أن يمسخهم قردة، قاله قتادة.
والثاني : أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم، فكانوا أعظم كفراً فصاروا أعظم عذاباً.
وهل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة ؟ قولان(٢) :
وفي الحواريين قولان :
أحدهما : أنهم خواص الأنبياء.
والثاني : أنهم المندوبون لحفظ شرائعهم إما بجهاد أو علم.
وفي تسميتهم بذلك ثلاثة أقاويل :
أحدها : لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس، تشبيهاً بما هم عليه من نقاء سرائرهم، قاله الضحاك، وهو بلغة القبط حواري.
والثاني : لنظافة ثيابهم وطهارتها بطهارة قلوبهم.
والثالث : بجهادهم عن أنبيائهم، قال الشاعر :
| ونحن أناس نملأ البيد مأمنا | ونحن حواريون حين نزاحف(٣) |
٢ -أي قول أن هذا العذاب في الدنيا والقول الثاني- أنه في الآخرة..
٣ - من وفي الحواريين إلى هنا سقط من ق..
| (ثم جزاك الله عني إذ جزى | جنات عدن في السموات العلا) |
لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين :
أحدهما : تكذيباً لمن اتخذه إلهاً معبوداً.
والثاني : الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه.
قوله تعالى : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يحتمل وجهين :
أحدهما : إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد.
والثاني : أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه.
وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيِهِمْ يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني شاهداً.
والثاني : شاهداً عليهم.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي فيه وجهان :
أحدهما : أنه الموت.
والثاني : أنه رفعه إلى السماء.
... الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ فيه وجهان :
أحدهما : الحافظ عليهم.
والثاني : العالم بهم.
وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يحتمل وجهين :
أحدهما : شاهداً لما حضر وغاب.
والثاني : شاهداً على من عصى، وأطاع.
أحدهما : أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده.
والثاني : أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه(١).
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
103 مقطع من التفسير