تفسير سورة سورة المدثر
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء
6
المحقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
نبذة عن الكتاب
- جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
- جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
- ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
- قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
- شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
- نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
- اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
- هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
- يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
- كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
- أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
- اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
- اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
مكية عند الكل
| (وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ | فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ) |
| (فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر | لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع.) |
| (ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ | وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان) |
| (كم رامنا من ذي عديد منه | حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ.) |
ويحتمل وجهاً ثالثاً : يا أيها الكاتم لنبوته اجهر بإنذارك.
ويحتمل هذا الإنذار وجهين :
أحدهما : إعلامهم بنبوته لأنه مقدمة الرسالة.
الثاني : دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها.
قال ابن عباس وجابر هي أول سورة نزلت(١).
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدها : أن المراد بالثياب العمل.
الثاني : القلب.
الثالث : النفْس.
الرابع : النساء والزوجات.
الخامس : الثياب الملبوسات على الظاهر.
فمن ذهب على أن المراد بها العمل قال تأويل الآية : وعملك فأصلح، قاله مجاهد، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال :
" يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيهما " يعني عمله الصالح والطالح.
ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس :
| وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ | فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ |
ولهم في تأويل الآية وجهان :
أحدهما : معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي، قاله ابن عباس وقتادة.
الثاني : وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول الشاعر(١) :
| فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر | لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع. |
أحدها : معناه ونفسك فطهرها مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو كهانة أو جنون، رواه ابن أبي نجيح وأبو يحيى عن مجاهد.
الثاني : ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر، من قول الوليد بن المغيرة، قاله عطاء.
الثالث : ونفسك فطهرها من الخطايا، قاله عامر(٢).
ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقرة : ١٨٧ ] ولهم في تأويل الآية وجهان :
أحدهما : معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف.
الثاني : الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر، وفي الطهر دون الحيض، حكاهما ابن بحر.
ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر، فلهم في تأويله أربعة أوجه :
أحدها : معناه وثيابك فأنْقِ، رواه عطاء عن ابن عباس، ومنه قول امرىء القيس :
| ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ | وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان(٣) |
الثالث : وثيابك فطهر من النجاسات بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء.
الرابع : معناه لا تلبس ثياباً إلا [ من ] كسب حلال مطهرة من الحرام.
٢ يريد عامرا الشعبي..
٣ كل ما جاء في تفسير "ثيابك فطهر" نقله القرطبي حرفيا عن المؤلف وهو نحو صفحتين. وقد كتب هذا البيت محرفا ونسبه إلى ابن أبي كبشة وهو خطأ. والبيت ذكره أبو بكر الأنباري في شرح القائد السلع الطوال ص ٤٦..
أحدها : يعني الآثام والأصنام، قاله جابر وابن عباس وقتادة والسدي.
الثاني : والشرك فاهجر، قاله ابن جبير.
الثالث : والذنب فاهجر، قاله الحسن.
الرابع : والإثم فاهجر، قاله السدي(١).
الخامس : والعذاب(٢) فاهجر، حكاه أسباط.
السادس : والظلم فاهجر، ومنه قول رؤبة بن العجاج.
| كم رامنا من ذي عديد منه | حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ(٣). |
٢ وهذا على تقدير حذف مضاف أي وعمل الرجز فاهجر، وأصل الرجز العذاب..
٣ البيت في ديوان رؤبة ص ٦٤. رقم.: رد..
٤ هكذا في الأصل ولم أجد في كتب اللغة ما يؤيده إلا إذا أراد أن كل وعيد يشتمل على عذاب فيصح لكنه غير دقيق..
أحدها : لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة، قال الضحاك : هذا حرمه الله تعالى على رسول وأباحه لأمته.
الثاني : معناه لا تمنن بعملك تستكثر على ربك، قاله الحسن.
الثالث : معناه لا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليها منهم أجراً، قاله ابن زيد.
الرابع : معناه لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد.
ويحتمل تأويلاً خامساً : لا تفعل الخير لترائي به الناس.
أحدها : لأمر ربك.
الثاني : لوعد ربك.
الثالث : لوجه ربك.
وفي قوله " فاصْبِرْ سبعة تأويلات :
أحدها : فاصْبِرْ على ما لاقيت من الأذى والمكروه قاله مجاهد.
الثاني : على محاربة العرب ثم العجم، قاله ابن زيد.
الثالث : على الحق فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من أحد، قاله السدي.
الرابع : فاصْبِرْ على عطيتك لله، قاله إبراهيم.
الخامس : فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله، قاله عطاء.
السادس : على انتظام ثواب عملك من الله تعالى، وهو معنى قول ابن شجرة.
السابع : على ما أمرك الله من أداء الرسالة وتعليم الدين، حكاه ابن عيسى.
أحدهما : يعني نفخ في الصور، قاله ابن عباس، وهل المراد النفخة الأولى أو الثانية ؟ قولان :
أحدهما : الأولى.
والثاني : الثانية.
- الثاني : أن الناقور القلب يجزع إذا دعي الإنسان للحساب، حكاه ابن كامل.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (إذا نزلت فاجعلاني وسطا | إني كبير لا أطيق العُنَّدا) |
| (أرانا على حال تفرِّق بيننا | نوى غُرْبَةٍ إنّ الفراق عنود.) |
| (صبحنا تميماً غداة الجِفار | بشهباءَ ملمومةٍ باسِرةَ) |
| (وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه | وإعْراضها عن حاجتي وبُسورها.) |
| (سَقَتْني على لوْحٍ من الماءِ شَرْبةً | سقاها به الله الرهامَ الغواديا.) |
أحدها : ألف دينار، قاله ابن عباس.
الثاني : أربعة آلاف دينار، قاله سفيان.
الثالث : ستة آلاف دينار، قاله قتادة.
الرابع : مائة ألف دينار، قاله مجاهد.
الخامس : أنها أرض يقال لها ميثاق، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً.
السادس : أنها غلة شهر بشهر، قاله عمر رضي الله عنه.
السابع : أنه الذي لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، قاله السدي.
الثامن : أنها الأنعام التي يمتد سيرها في أقطار الأرض للمرعى والسعة، قاله ابن بحر.
ويحتمل تاسعاً : أن يستوعب وجوه المكاسب فيجمع بين زيادة الزراعة وكسب التجارة ونتاج المواشي فيمد بعضها ببعض لأن لكل مكسب وقتاً.
ويحتمل عاشراً : أنه الذي يتكون نماؤه من أصله كالنخل والشجر.
أحدها : أنهم كانوا عشرة، قاله السدي.
الثاني : قال الضحاك : كان له سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف.
الثالث : أنهم كانوا ثلاثة عشر رجلاً، قاله ابن جبير.
وفي قوله " شهوداً " ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنهم حضور معه لا يغيبون عنه، قاله السدي.
الثاني : أنه إذا ذكر ذكروا معه، قاله ابن عباس.
الثالث : أنهم كلهم رب بيت، قاله ابن جبير.
ويحتمل رابعاً : أنهم قد صاروا مثله من شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره.
أحدها : مهدت له من المال والولد، قاله مجاهد.
الثاني : مهدت له الرياسة في قومه، قاله ابن شجرة.
ويحتمل ثالثاً : أنه مهد له الأمر في وطنه حتى لا ينزعج عنه بخوف ولا حاجة.
أحدهما : ثم يطمع أن أدخله الجنة، كلاّ، قاله الحسن.
الثاني : أن أزيده من المال والولد " كلاّ " قال ابن عباس :
فلم يزل النقصان في ماله وولده.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : ثم يطمع أن أنصره على كفره.
أحدها : القرآن، قاله ابن جبير(١).
الثاني : محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي.
الثالث : الحق، قاله مجاهد.
وفي قوله " عنيداً " أربعة تأويلات :
أحدها : معاند، قاله مجاهد وأبو عبيدة، وأنشد قول الحارثي :
| إذا نزلت فاجعلاني وسطا(٢) | إني كبير لا أطيق العُنَّدا |
| أرانا على حال تفرِّق بيننا | نوى غُرْبَةٍ إنّ الفراق عنود. |
الرابع : مُعْرض، قاله مقاتل.
ويحتمل تأويلاً خامساً : أنه المجاهر بعداوته.
٢ رواه في لسان العرب: إذا رحلت فاجعلوني وسطا. انظر اللسان- عند..
أحدها : مشقة من العذاب، قاله قتادة.
الثاني : أنه عذاب لا راحة فيه، قاله الحسن.
الثالث : أنها صخرة في النار ملساء يكلف أن يصعدها، فإذا صعدها زلق منها، وهذا قول السدي.
الرابع : ما رواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ " سأرهقه صعودا " قال :" هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت ".
ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل قولاً خامساً : أنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه.
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يكون فكّر في العداوة وقدّر في المجاهدة.
أحدهما : أي عوقب ثم عوقب، فيكون العقاب تكرر عليه مرة بعد أخرى.
الثاني : أي لعن ثم لعن كيف قدر أنه ليس بشعر ولا كهانة، وأنه سحر.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما : أنه نظر في الوحي المنزل من القرآن، قاله مقاتل.
الثاني : أنه نظر إلى بني هاشم حين قال في النبي ﷺ إنه ساحر، ليعلم ما عندهم.
ويحتمل ثالثاً : ثم نظر إلى نفسه فيما أُعطِي من المال والولد فطغى وتجبر.
أحدهما : كلح وجهه، قاله قتادة، ومنه قول بشر بن أبي خازم :
| صبحنا تميماً غداة الجِفار | بشهباءَ ملمومةٍ باسِره(١) |
| وقد رابني منها صدودٌ رأيتُه | وإعْراضها عن حاجتي وبُسورها. |
وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبل المحاورة.
٢ توبة: هو توبة بن الحمير صاحب ليلى الإخيلية. عاشا في العصر الأموي..
أحدهما : أدبر عن الحق واستكبر عن الطاعة.
الثاني : أدبر عن مقامه واستكبر في مقاله.
ويحتمل وجهاً آخر : أن يكون معناه أن النفوس تؤثر لحلاوته فيها كالسحر.
أحدهما : أنه اسم من أسماء جهنم مأخوذ من قولهم : سقرته الشمس إذا آلمت دماغه، فسميت جهنم بذلك لشدة إيلامها.
أحدهما : لا تبقي من فيها حياً، ولا تذره ميتاً، قاله مجاهد.
الثاني : لا تبقي أحداً من أهلها أن تتناوله، ولا تذره من العذاب، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : لا تبقيه صحيحاً، ولا تذره مستريحاً.
أحدهما : لا تبقي من فيها حياً، ولا تذره ميتاً، قاله مجاهد.
الثاني : لا تبقي أحداً من أهلها أن تتناوله، ولا تذره من العذاب، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل وجهاً ثالثاً : لا تبقيه صحيحاً، ولا تذره مستريحاً.
أحدها : مغيرة لألوانهم، قال أبو رزين تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل.
الثاني : تحرق البشر حتى تلوح العظم، قاله عطية.
الثالث : أن بشرة أجسادهم تلوح على النار، قاله مجاهد.
الرابع : أن اللوح شدة العطش، والمعنى أنها معطشة للبشر، أي لأهلها، قاله الأخفش، وأنشد :
| سَقَتْني على لوْحٍ من الماءِ شَرْبةً | سقاها به الله الرهامَ الغواديا(١). |
يعني باللوح شدة العطش :
ويحتمل خامساً : أنها تلوح للبشر بهولها حتى تكون أشد على من سبق إليها، وأسرّ لمن سلم منها.
وفي البشر وجهان :
أحدهما : أنهم الإنس من أهل النار، قاله الأخفش والأكثرون.
الثاني : أنه جمع بشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة، قاله مجاهد وقتادة.
وقد يلوح لي في الاقتصار على هذا العدد معنى خفي يجوز أن يكون مراداً، وهو أن تسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثير، لأن العدد آحاد وعشرات ومئون وألوف، والآحاد أقل الأعداد، وأكثر الآحاد تسعة، وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة، فصارت التسعة عشر عدداً يجمع من الأعداد أكثر قليلها، وأقل كثيرها، فلذلك ما وقع عليها الاقتصار والله أعلم للنزول عن أقل القليل وأكثر الكثير فلم يبق إلا ما وصفت.
ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يكون الله حفظ جهنم حتى ضبطت وحفظت بمثل ما ضبطت به الأرض وحفظت به من الجبال حتى رست وثبتت، وجبال الأرض التي أرسيت بها واستقرت عليها تسعة عشر جبلاً، وإن شعب فروعها تحفظ جهنم بمثل هذا العدد، لأنها قرار لعُصاة الأرض من الإنس والجن، فحفظت مستقرهم في النار بمثل العدد الذي حفظ مستقرهم في الأرض، وحد الجبل ما أحاطت به أرض تتشعب فيها عروقه ظاهره ولا(١) باطنه، وقد عد قوم جبال الأرض فإذا هي مائة وتسعون جبلاً، واعتبروا انقطاع عروقها رواسي وأوتاداً، فهذان وجهان يحتملهما الاستنباط، والله أعلم بصواب ما استأثر بعلمه.
وذكر من يتعاطى العلوم العقلية وجهاً ثالثاً : أن الله تعالى حفظ نظام خلقه ودبر ما قضاه في عباده بتسعة عشر جعلها المدبرات أمراً وهي سبعة كواكب واثنا عشر برجاً، فصار هذا العدد أصلاً في المحفوظات العامة، فلذلك حفظ جهنم، وهذا مدفوع بالشرع وإن راق ظاهره.
ثم نعود إلى تفسير الآية، روى قتادة أن الله تعالى لما قال :
" عليها تسعة عشر " قال أبو جهل : يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم أن يأخذوا واحداً منهم وأنتم أكثر منهم.
قال السدي : وقال أبو الأشد بن الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزئاً.
| (يا ابن المُغَلّى نزلتْ إحدى الكُبَرْ | داهية الدهرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ.) |
أحدهما : إذ ولّى، قاله ابن عباس.
الثاني : إذ أقبل عند إدبار النهار قاله أبو عبيدة، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن إذا دبر، وهي قراءة ابن مسعود وأُبي بن كعب.
واختلف في أدبر ودبر على قولين :
- أحدهما : أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الأخفش.
- الثاني : أن معناهما مختلفان، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه دبر إذا خلفته خلفك، وأدبر إذا ولى أمامك، قاله أبو عبيدة.
الثاني : أنه دبر إذا جاء بعد غيره وعلى دبر، وأدبر إذا ولى مدبراً، قاله ابن بحر.
أحدها : أي أن تكذيبهم بمحمد ﷺ لإحدى الكبر، أي الكبيرة من الكبائر، قاله ابن عباس.
الثاني : أي أن هذه النار لإحدى الكبر، أي لإحدى الدواهي.
الثالث : أن هذه الآية لإحدى الكبر، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل رابعاً : أن قيام الساعة لإحدى الكبر، والكُبَرُ هي العظائم والعقوبات والشدائد، قال الراجز :
| يا ابن المُغَلّى نزلتْ إحدى الكُبَرْ | داهية الدهرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ. |
أحدهما : أن محمداً ﷺ نذير للبشر حين قاله له " قم فأنذر " قاله ابن زيد.
الثاني : أن النار نذير للبشر، قال الحسن : والله ما أنذر الخلائق قط بشيء أدهى منها.
ويحتمل ثالثاً : أن القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد.
أحدها : أن يتقدم في طاعة الله، أو يتأخر عن معصية الله، وهذا قول ابن جريج.
الثاني : أن يتقدم في الخير أو يتأخر في الشر، قاله يحيى بن سلام.
الثالث : أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة، قاله السدي.
ويحتمل رابعاً : لمن شاء منكم أن يستكثر أو يقصر، وهذا وعيد وإن خرج مخرج الخبر.
| (أمْسِكْ حمارَك إنه مُستنفِرٌ | في إثْر أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ.) |
| (يا ناس إني مثل قسورةٍ | وإنهم لعداة طالما نفروا.) |
| (إلى هاديات صعاب الرؤوس | فساروا للقسور الأصيد.) |
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أحدها : نكذب مع المكذبين، قاله السدي.
الثاني : كلما غوى غاو غوينا معه، قاله قتادة.
الثالث : قولهم محمد كاهن، محمد ساحر، محمد شاعر، قاله ابن زيد.
ويحتمل رابعاً، وكنا أتباعاً ولم نكن متبوعين.
أحدهما : الموت، قاله السدي.
الثاني : البعث يوم القيامة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ويحتمل ثانياً : عن الاعتبار بعقولهم.
| أمْسِكْ حمارَك إنه مُستنفِرٌ | في إثْر أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ(١). |
أحدها : أن القسورة الرماة، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه القناص أي الصياد، ومنه قول علي :
| يا ناس إني مثل قسورةٍ | وإنهم لعداة طالما نفروا. |
| إلى هاديات صعاب الرؤوس | فساروا للقسور الأصيد. |
الخامس : أنه أصوات الناس، رواه عطاء عن ابن عباس.
السادس : أنه النبل، قاله قتادة.
أحدها : أن يؤتى كتاباً من الله أن يؤمن بمحمد، قاله قتادة.
الثاني : أن يؤتى براءة من النار أنه لا يقذف بها، قاله أبو صالح.
الثالث : أن يؤتى كتاباً من الله بما أحل له وحرم عليه، قاله مقاتل.
الرابع : أن كفار قريش قالوا [ إن بني إسرائيل ] كانوا إذا أذنب الواحد ذنباً وجده مكتوباً في رقعة، فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت الآية، قاله الفراء.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أحدها : هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة.
الثاني : هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً.
الثالث : هو أهل أن يتقى عذابه وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته.
ويحتمل رابعاً : أهل الانتقام والإنعام.
تم عرض جميع الآيات
48 مقطع من التفسير