تفسير سورة سورة فاطر
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء
6
المحقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
نبذة عن الكتاب
- جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
- جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
- ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
- قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
- شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
- نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
- اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
- هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
- يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
- كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
- أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
- اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
- اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
مكية في قول الجميع
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أحدها : أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله أبو قلابة، ويكون سوء عمله معاندة الرسول.
الثاني : أنهم الخوارج، رواه عمرو بن القاسم، ويكون سوء عمله تحريف التأويل.
الثالث : الشيطان، قاله الحسن ويكون سوء عمله الإغواء.
الرابع : كفار قريش، قاله الكلبي، ويكون سوء عملهم الشرك.
وقيل إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب، وقال غيره نزلت في أبي جهل بن هشام.
في قوله : فَرآهُ حَسَناً وجهان :
أحدهما : صواباً، قاله الكلبي.
الثاني : جميلاً.
وفي الكلام محذوف اختلف فيه على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المحذوف منه : فإنه يتحسر عليه يوم القيامة، قاله ابن عيسى.
الثاني : أن المحذوف منه : كمن آمن وعمل صالحاً لا يستويان، قاله يحيى بن سلام.
الثالث : أن المحذوف منه : كمن عمل الحسن والقبيح.
أحدهما : يعني بالعزة المنعة فيتعزز بطاعة الله تعالى، قاله قتادة.
الثاني : علم العزة لمن هي، فلله العزة جميعاً.
وقيل إن سبب نزول هذه الآية ما رواه الحسن أن المشركين عبدوا الأوثان لتعزّهم كما وصف الله تعالى عنهم في قوله : وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُم عِزّاً فأنزل الله تعالى : مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فِلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً .
إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فيه قولان :
أحدهما : أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : الثناء على من في الأرض من صالح المؤمنين يصعد به الملائكة المقربون، حكاه النقاش.
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فيه قولان :
أحدهما : أنه أداء الفرائض.
الثاني : أنه فعل القرب كلها.
وفي قوله : يَرْفَعُهُ ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب، قاله الحسن ويحيى بن سلام.
الثاني : أن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، قاله الضحاك وسعيد بن جبير.
الثالث : أن العمل يرفعه الله بصاحبه، قاله قتادة والسدي.
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ يعني يشركون في الدنيا.
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يعني في الآخرة.
وَمَكْرُ أُوْلئِكَ هُوَ يَبُورُ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يفسد عند الله تعالى، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : يبطل، قاله قتادة.
الثالث : يهلك، والبوار الهلاك، قاله قطرب.
وفي المراد : أُوْلئِكَ قولان :
أحدهما : أهل الشرك.
الثاني : أصحاب الربا، قاله مجاهد.
ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ يعني نسله.
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً فيه وجهان :
أحدهما : أصنافاً، قاله الكلبي.
الثاني : ذكراناً وإناثاً، والواحد الذي معه آخر من شكله : زوج والاثنان زوجان، قال الله تعالى :
وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينَ الذَّكَرَ والأُنْثَى [ النجم : ٤٥ ] وتأول قتادة قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً أي زوّج بعضكم لبعض.
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ يعني بأمره.
وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ منْ عمُرِهِ.. الآية. فيه قولان :
أحدهما : ما نمد في عمر معمر حتى يصير هرماً، ولا ينقص من عمر أحد حتى يموت طفلاً إلا في كتاب.
الثاني : ما يعمر من معمر قدر الله تعالى مدة أجله إلا كان ما نقص منه بالأيام الماضية عليه في كتاب عند الله.
قال سعيد بن جبير : هي صحيفة كتب الله تعالى في أولها أجله، ثم كتب في أسفلها ذهب يوم كذا ويوم كذا حتى يأتي على أجله، وبمثله قال أبو مالك والشعبي.
وفي عمر المعمر ثلاثة أقاويل :
أحدها : ستون سنة، قاله الحسن.
الثاني : أربعون سنة.
الثالث : ثماني عشرة سنة، قاله أبو غالب.
... إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي هين.
ويحتمل وجهين :
أحدهما : أن إثبات ذلك عند الله يسير.
الثاني : أن زيادة عمر المعمر ونقصان عمر الآخر عند الله تعالى يسير.
وللكلبي فيه ثالث : أن حفظ ذلك بغير كتاب(١) على الله يسير.
| (دُرَّةٌ في اليمين أخرجها الغا | ئص من قعر بحر ملح أجاج) |
| (تراها إذا راحت ثقالاً كأنها | مواخر فلك أو نعام حوافل) |
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَإن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَل مِنْهُ شَيْءٌ قال مجاهد مثقلة بالذنوب، ومعنى الكلام أن النفس التي قد أثقلتها ذنوبها إذا دعت يوم القيامة من يتحمل الذنوب عنها لم تجد من يتحمل عنها شيئاً من ذنوبها.
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ولو كان المدعو إلى التحمل قريباً مناسباً، ولو تحمله عنها ما قُبل تحمّله، لما سبق من قوله تعالى : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .
إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهَم بِالْغَيْبِ فيه وجهان :
أحدهما : في السر حيث لا يطلع عليه أحد، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : في التصديق بالآخرة، حكاه ابن عيسى.
ويحتمل ثالثاً : يخشونه في ضمائر القلوب كما يخشونه في ظواهر الأفعال(١).
أحدهما : أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، كما لا يستوي الأعمى والبصير، ولا تستوي الظلمات ولا النور، ولا يستوي الظل ولا الحرور لا يستوي المؤمن والكافر، قاله قتادة.
الثاني : أن معنى قوله وما يستوي الأعمى والبصير أي عمى القلب بالكفر وبصره بالإيمان، ولا تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا يستوي ظل الجنة وحرور النار، قاله السدي.
والحرور الريح الحارة كالسموم، قال الفراء : الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار.
وقال الأخفش : الحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل والنهار.
قال قطرب : الحرور الحر، والظل البرد. ومعنى الكلام : أنه لا يستوي الجنة والنار.
أحدهما : أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، كما لا يستوي الأعمى والبصير، ولا تستوي الظلمات ولا النور، ولا يستوي الظل ولا الحرور لا يستوي المؤمن والكافر، قاله قتادة.
الثاني : أن معنى قوله وما يستوي الأعمى والبصير أي عمى القلب بالكفر وبصره بالإيمان، ولا تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا يستوي ظل الجنة وحرور النار، قاله السدي.
والحرور الريح الحارة كالسموم، قال الفراء : الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون إلا بالنهار.
وقال الأخفش : الحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل والنهار.
قال قطرب : الحرور الحر، والظل البرد. ومعنى الكلام : أنه لا يستوي الجنة والنار.
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، كما أنه لا يستوي الأحياء والأموات فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، قاله قتادة.
الثاني : أن الأحياء المؤمنون الذين أحياهم الإيمان، والأموات الكفار الذين أماتهم الكفر، وهذا مقتضى قول السدي.
الثالث : أن الأحياء العقلاء، والأموات الجهال، قاله ابن قتيبة وفي لاَ في هذا الموضع وفيما قبله قولان :
أحدهما : أنها زائدة مؤكدة.
الثاني : أنها نافية لاستواء أحدهما بالآخر.
إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ أي يهدي من يشاء.
وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِِ (١) فيه وجهان :
أحدهما : أنه مثل(٢) ضربه الله، كما أنك لا تُسمع الموتى في القبور كذلك لا تسمع الكافر.
الثاني : أن الكافر قد أماته الكفر حتى أقبره في كفره فلذلك لا يسمع، وقيل إن مراد الله تعالى بهذه الآية الإخبار أن بين الخير فروقاً، كما أن بين الشر فروقاً، ليطلب من درجات الخير أعلاها ولا يحتقر من درجات الشر أدناها، وهو الظاهر من قول علي بن عيسى.
٢ ما ذكره الماوردي في تفسير الآية هو الأرجح فقد ورد في السنة أن الموتى يسمعون فروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم يأتيه ملكان فيقعدانه إلى آخر الحديث (مختصر صحيح مسلم الحديث رقم ٤٩١). وقد خاطب رسول الله ﷺ قتلى أحد فقيل يا رسول الله أتكلمهم وقد جيفوا: فقال ﷺ ما أنتم بأسمع منهم....
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَنَذِيراً من النار. وَإن مَّنْ أُمَّةِ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ أي سلف فيها نبي، قال ابن جريج : إلا العرب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
| (كأنه أسفع الخدين ذو جُدد | طاوٍ ويرتع بعد الصيف عريانا) |
| (العين طامعة واليد سابحة | والرجل لافحة والوجه غربيب) |
أحدهما : كذلك مختلف ألوانه أبيض وأحمر وأسود.
الثاني : يعني بقوله كذلك أي كما اختلف ألوان الثمار والجبال والناس والدواب والأنعام كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية.
ثم استأنف فقال : إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عَبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(١) يعني بالعلماء الذين يخافون.
قال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم. قال ابن مسعود : المتقون سادة، والعلماء قادة. وقيل : فاتحة الزبور الحكمة خشية الله.
أهابك أجلالا وما بك قدرة*** على ولكن ملء عين حبيبها.
| (يا رسول المليك إن لساني | راتق ما فتقت إذا أنا بور) |
وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ فيه أربعة أوجه :
أحدها : يفسح لهم في قبورهم، قاله الضحاك.
الثاني : يشفعهم فيمن أحسن إليهم في الدنيا، قاله أبو وائل.
الثالث : يضاعف لهم حسناتهم، وهو مأثور.
الرابع : غفر الكثير وشكر اليسير، قاله بعض المتأخرين.
ويحتمل خامساً : يوفيهم أجورهم على فعل الطاعات ويزيدهم من فضله على اجتناب المعاصي إنَّهُ غَفُورٌ للذنب.
شَكُورٌ للطاعة. ووصفه بأنه شكور مجاز ومعناه أن يقابل(١) بالإحسان مقابلة الشكور لأنه يقابل على اليسير بأضعافه.
أحدهما : أن الكتاب هو القرآن، ومعنى الإرث انتقال الحكم إليهم.
الثاني : أن إرث الكتاب هو الإيمان بالكتب السالفة لأن حقيقة الإرث انتقال الشيء من قوم إلى قوم.
وفي الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبادِنَا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم الأنبياء، حكاه ابن عيسى.
الثاني : أنهم بنو إسرائيل لقوله عز وجل : إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً [ آل عمران : ٣٣ ] الآية. قاله ابن بحر.
الثالث : أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي.
فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ فيه وجهان :
أحدهما : أن قوله : فَمِنْهُمْ ظَالِِمٌ لِّنَفْسِهِ كلام مبتدأ لا يرجع إلى المصطفين، وهذا قول من تأوّل المصطفين الأنبياء، فيكون من عداهم ثلاثة أصناف على ما بينهم.
الثاني : أنه راجع إلى تفصيل أحوال الذين اصطفينا، ومعنى الاصطفاء الاختيار وهذا قول من تأول المصطفين غير الأنبياء، فجعلهم ثلاثة أصناف.
فأما الظالم لنفسه ها هنا ففيه خمسة أوجه :
أحدها : أنهم أهل الصغائر من هذه الأمة، روى شهر بن حوشب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.
الثاني : أنهم أهل الكبائر وأصحاب المشأمة، قاله السدي.
الثالث : أنهم المنافقون وهم مستثنون.
الرابع : أنهم أهل الكتاب، قاله الحسن.
الخامس : أنه الجاحد، قاله مجاهد.
وأما المقتصد ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه المتوسط في الطاعات وهذا معنى حديث أبي الدرداء، روى إبراهيم عن أبي صالح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قرأ هذه الآية فقال :" أَمَّا السَّابِقُ فَيدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَيُحَاسَب حِسَاباً يَسِيراً، وَأمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فيُحْصَرُ فِي طُولِ الحبْسِ(١) ثُمَّ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنهُ(٢) "
الثاني : أنهم أصحاب اليمين، قاله السدي.
الثالث : أنهم أصحاب الصغائر وهو قول متأخر.
الرابع : أنهم الذين اتبعوا سنن النبي ﷺ من بعده، قاله الحسن.
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم المقربون، قاله مجاهد.
الثاني : أنهم المستكثرون من طاعة الله تعالى، وهو مأثور.
الثالث : أنهم أهل المنزلة العليا في الطاعات، قاله علي بن عيسى.
الرابع : أنه من مضى على عهد رسول الله ﷺ فشهد له بالجنة.
روى عقبة بن صهبان قال : سألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية فقالت : كلهم من أهل الجنة، السابق من مضى على عهد رسول الله ﷺ فشهد له بالحياة والرزق، والمقتصد من اتبع أثره حتى لحق به، والظالم لنفسه مثلي ومثلك ومن اتبعنا.
٢ رواه أحمد في المسند ٥/ ١٩٨ و ٦/ ٤٤٤..
أحدها : أنه خوف النار، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه حزن الموت، قاله عطية.
الثالث : تعب الدنيا وهمومها، قاله قتادة.
الرابع : حزن المنّة، قاله سمُرة.
الخامس : حزن الظالم لما يشاهد من سوء حاله ؛ قاله ابن زيد.
السادس : الجوع حكاه النقاش.
السابع : خوف السلطان، حكاه الكلبي.
الثامن : طلب المعاش، حكاه الفراء.
التاسع : حزن الطعام، وهو مأثور.
ويحتمل عاشراً : أنه حزن التباغض والتحاسد لأن أهل الجنة متواصلون لا يتباغضون ولا يتحاسدون.
وفي وقت قولهم لذلك قولان :
أحدهما : عند إعطاء كتبهم بأيمانهم لأنه أول بشارات السلامة، فيقولون عندها : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ .
الثاني : بعد دخول الجنة، قاله الكلبي، وهو أشبه لاستقرار الجزاء والخلاص من أهوال القيامة فيقولون ذلك عند أمنهم شكراً.
وفي الفرق بين المقامة بالضم والفتح وجهان :
أحدهما : أنها بالضم دار الإقامة، وبالفتح موضع الإقامة.
الثاني : أنها بالضم المجلس الذي يجتمع فيه للحديث.
لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ فيه وجهان :
أحدهما : تعب، قاله ابن عيسى.
الثاني : وجع، قاله قتادة.
وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ فيه وجهان :
أحدهما : أنه العناء، قاله أبو جعفر الطبري.
الثاني : أنه الإعياء، قاله قطرب وابن عيسى.
أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ فيه خمسة أقاويل :
أحدها : أنه البلوغ، قاله الحسن لأنه أول زمان التذكر(١).
الثاني : ثماني عشرة سنة.
الثالث : أربعون سنة، قاله ابن عباس ومسروق.
الرابع : ستون سنة، قاله علي بن أبي طالب مرفوعاً.
الخامس(٢) : سبعون سنة لأنه آخر زمان التذكر، وما بعده هرم. روى أبو هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إلَى عَبدٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتّىَ بلَغَ سِتِيّنَ سَنَةً أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً(٣) ".
قوله عز وجل : وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد.
الثاني : الشيب، حكاه الفراء والطبري.
فَذُوقُواْ يحتمل وجهين :
أحدهما : حسرة الندم.
الثاني : عذاب جهنم.
الثالث : الحمى.
الرابع : موت الأهل والأقارب.
ويحتمل خامساً : أنه كمال العقل.
٢ هذا القول والذي قبله جديران بالاختيار لورود فيهما وقد رجحها القرطبي في تفسيره.
٣ رواه البخاري في الرفاق ١١/ ٢٠٤، والترمذي في الزهد رقم ٢٣٣٢ وابن ماجه في الزهد أيضا رقم ٤٢٣٦..
فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي فعليه عقاب كفره.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| (وقد دفعوا المنية فاستقلت | ذراعاً بعدما كادت تحيقُ) |
أحدهما : استكباراً عن عبادة الله، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : استكباراً بمعاصي الله، وهذا قول متأخر.
وَمَكْرَ السيئ فيه وجهان :
أحدهما : الشرك بالله، قاله يحيى.
الثاني : أنه المكر برسول الله ﷺ ودينه كما قال تعالى :
وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ
[ الأنفال : ٣٠ ] الآية.
وَلاَ يَحِيقُ الْمُكْرُ السيئ إلاَّ بِأَهْلِهِ فيه وجهان :
أحدهما : قاله الكلبي، يحيق بمعنى يحيط.
الثاني : قاله قطرب، يحيق بمعنى ينزل، وأنشد قول الشاعر :
| وقد دفعوا المنية فاستقلّت | ذراعاً بعدما كادت تحيقُ |
فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ يعني سنة الله في الأولين، وفيها وجهان :
أحدهما : نزول العذاب بهم عند إصرارهم في التكذيب.
الثاني : لا تقبل منهم التوبة عند نزول العذاب.
مكية في قول الجميع، إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا إلا آية منها وهي قوله: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا﴾ [يس: ٤٧] الآية. ؟ بسم الله الرحمن الرحيم
مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ قال يحيى بن سلام بحبس المطر عنهم وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني جميع الحيوان مما دب ودرج، قاله ابن مسعود، قال قتادة : وقد فعل ذلك زمان نوح عليه السلام.
الثاني : من الإنس والجن دون غيرهما لأنهما مكلفان بالعقل، قاله الكلبي.
الثالث : من الناس وحدهم، قاله ابن جريج(١).
وَلكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فيه قولان :
أحدهما : الأجل المسمى الذي وعدهم في اللوح المحفوظ، قاله مقاتل.
الثاني : إلى يوم القيامة، قاله يحيى.
فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُم فيه قولان :
أحدهما : نزول العذاب.
الثاني : البعث في القيامة.
فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً يحتمل وجهين :
أحدهما : بصيراً بأجلهم.
الثاني : بصيراً بأعمالهم، والله أعلم.
تم عرض جميع الآيات
39 مقطع من التفسير