تفسير سورة الأنبياء

اللباب
تفسير سورة سورة الأنبياء من كتاب اللباب في علوم الكتاب المعروف بـاللباب .
لمؤلفه ابن عادل الحنبلي . المتوفي سنة 775 هـ
وهي مائة واثنتا عشرة آية، وكلماتها ألف١ ومائة وستون كلمة، وعدد حروفها أربعة آلاف وثمان وتسعون حرفا٢.
١ في النسختين: ألف كلمة..
٢ في النسختين: وكلماتها ألف ومائة وثمانية وستون كلمة، وعدد حروفها ألف وثمانمائة وتسعون حرفا. والتصويب من السراج المنير ٢/٤٩٤..

وهي مائة واثنتا عشرة آية، وكلماتها ألف ومائة وستون كلمة، وعدد حروفها أربعة آلاف وثمان وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية.
اللام متعلّقة ب «اقْتَرَبَ»، قال الزمخشري: هذه اللام لا تخلو إمَّا ان تكن صلة ل «اقْتَرَبَ»، قال الزمخشري: هذه اللام لا تخلو إمّا أن تكون صلة ل «اقْتَرَبَ»، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم كقولك: أَزِفَ للحيّ رَحِيلُهُمْ، الأصل: أَزِف رحيلُ الحيّ، ثم أزف للحيّ الرحيلُ، ثم أزف للحي رَحِيلُهُمْ، ونحوه ما أورده سيبويه في باب ما يثنى فيه المستقر توكيداً، نحو عَلَيْكَ زَيْدٌ حَرِيصٌ عضلَيكَ، وفِيكَ زيدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، ومنه قولهم: لاَ أَبَا لكَ، لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة،
439
وهذا الوجه أغرب من الأول.
قال أبو حيَّان: يعني بقوله: صلة ل «اقْتَرَبَ» أي «متعلقة به، وأما جعله اللام توكيداً لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحدا يقول ذلك، وأيضاً فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا يمكن تعلقها ب» حِسَابُهُمْ «لأنَّه مصدر موصول، ولأنه قدم معموله عليه، وأيضاً فإنّ التوكيد يكون متأخراً عن المؤكد، وأيضاً فلو أخر في هذا التركيب لم يصح.
وأما تشبيهه بما أورده سيبويه فالفرق واضح، فإن (عَلَيْكَ) معمول ل (حريص) و (عَلَيْك) المتأخرة تاكيد وكذلك (فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌٌ فِيكَ) يتعلق (فِيكَ) ب (رَاغِب) و (فِيكَ) الثانية توكيد، وإنَّمَا غره في ذلك صحة تركيب اقترب حساب الناس، وكذلك أزِفَ رحيلُ الحيّ، فاعتقد إذا تقدم الظاهر مجروراً باللام وأضيف المصدر لضميره أنه من باب: فِيكَ زَيْدٌ رَاغِبٌ فِيكَ، فليس مثله.
وأما (لاَ أَبَا لَكَ)، فهي مسألة مشكلة، وفيها خلاف، ويكن أن يقال فيها ذلك، لأنَّ اللام فيها جاورت الإضافة، ولا يقاس عليها لشذوذها وخروجها عن الأقيسة. قال شهاب الدين: مسألة الزمخشري أشبه شيء بمسألة (لاَ أَبَا لَكَ)،
440
والمعنى الذي أورده صحيح، وأما كونها مشكلة فهو إنما بناها على قول الجمهور، والمشكل مقدر في بابه، فلا يضرنا القياس عليه لتقريره في مكانه. قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوز أنْ يكونَ الجار متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير في» مُعْرِضُونَ «وأن يكون خبراً من الضمير، ومعرضون خب ثان وقول أبي البقاء في هذا الجار: إنه خبر ثان. يعني في العدد وإلا فهو أول في الحقيقة. وقد يقال: لمّا كان في تأويل المفرد جعل المفرد الصيح مقدماً في الرتبة، فهو ثان بهذا الاختيار.
وهذه الجملة في محل نصب على الحال من»
للنَّاسِ «.

فصل


نزلت في منكري البعث، والقرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني هما ممتنع فتعين القرب الزماني. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد عبر هذا القول اكثر من ستمائة عام؟
والجواب من وجوه:
الأول: أنه مقترب عند الله، لقوله تعالى:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بالعذاب
وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾
[الحج: ٤٧].
الثاني: أنَّ كُلَّ آتٍ وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر:
٣٧٠٣ - فَمَا زَالَ مَا تَهْوَاهُ أَقْرَبَ مِنْ غَدٍ وَلاَ زَالَ ما تَخْشَاهُ أبعدُ مِنْ أمسِ
الثالث: أنَّ المقابلة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال: اقترب الأجل، أمَّا إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل. فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا قال عليه السلام: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»
وقال عليه السلام: «ختمت النبوة» كل ذلك لأجل
441
أنَّ الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي واعلم أنه إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من مصلحة المكلفين ليكثر تحرزهم خوفاً منها. ولم يعين الوقت، لأنَّ كتمان وقت الموت أصلح لهم والمراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل فيه.
قال ابن عبس: المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ وصفهم بالغفلة والإعراض، واما الغفلة فالمعنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بُدَّ من جزاء المحسن والمسيء، ثم إذا انتبهوا من سِنَة الغفلة، ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا وسدوا أسماعهم.
قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾ ذكر الله - تعالى - ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأنَّ الله - يجدد لهم الذكر كل وقت، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم الموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا استسخاراً.
قوله: «مُحْدِثٍ» العامة على جر «مُحْدِثٍ» نعتاً ل «ذِكْرٍ» على اللفظ.
وقوله: «مِنْ رَبِّهِمْ» فيه أوجه:
أجودها: انْ يتعلق ب «يَأتِيهِمْ»، وتكون «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً.
والثاني: أنْ يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في «مُحْدِثٍ».
الثالث: أنْ يكونَ حالاً من نفس «ذِكْرٍ»، وإنْ كان نكرة، لأنه قد تخصّص بالوصف ب «مُحْدَثٍ»، وهو نظير: ما جاءني رجلٌ قائماً منطلقٌ، ففصل بالحال بين الصفة والموصوف. وأيضاً فإنّ الكلام نفي وهو مسوغ لمجيء الحال من النكرة.
442
الرابع: أن يكون نعتاً ل «ذِكْرٍ» فيجوز في محله وجهان: الجر باعتبار اللفظ والرفع باعتبار المحل، لأنه مرفوع المحل إذ «مَن» مزيده فيه، وسيأتي.
وفي جعله نعتاً ل «ذِكْرٍ» إشكال من حيث إنه تقدم غير الصريح، وتقدم تحريره في المائدة.
الخامس: أن يتعلق بمحذوف على سبيل البيان. وقرأ ابن عبلة «محدثٌ» رفعاً نعتاً ل «ذِكرٍ» على المحل، لأن «مِنْ» مزيدة فيه لاستكمال الشرطين.
443
وقال أبو البقاء: ولو رفع على موضع «من ذكر» جاز. كأنه لم يطلع عليه قراءة وزيد بن عليّ «مُحْدَثاً» نصباً على الحال من «ذِكْرٍ»، وسوغ ذلك وصفه ب «مِنْ رَبِّهِمْ» إن جعلناه صفة.
قوله: «إلاَّ اسْتَمَعُوهُ» هذه الجملة حال من مفعول «يأتيهم» وهو استثناء مفرغ، و «قد» معه مضمرة عند قوم.
«وهم يلعبون» حال من فاعل «اسْتَمَعُوهُ» أي استمعوه لاعبين.

فصل


قال مقاتل: معنى «مُحْدَثٍ» يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذكر المحدث ما قاله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب، لأنه أمره بقوله إِلاَّ «اسْتَمَعُوهُ» لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون.

فصل


استدلت المعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث، فالقرآن محدث، وبيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤، ص: ٨٧، التكوير: ٢٧] ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] و ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]. وبيان أن الذكر محدث قوله:
444
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾ وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] فالجواب من وجهين:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤، ص: ٨٧، التكوير: ٢٧] وقوله ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات، وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدر كلام الله تعالى بمعنى آخر.
الثاني: أن قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً، كما أن قول القائل: لاَ يَدْخل هذه البلدة رجلٌ فاضلٌ إلا يبغضونه فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن من الرجال من هو فاضل، وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث، فيصير نظم الكلام: القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث، وهذا لا ينتج شيئاً، فظهر أن الذي طنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع.
قوله: «لاهيةً» يجوز أن تكون حالاً من فاعل «اسْتَمَعُوهُ» عند من يجيز تعدد الحال، فيكون الحالان مترادفين.
445
وأن يكون حالاً من فاعل «يلعبون» فيكون الحالان متداخلين وعبر الزمخشري عن ذلك فقال: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالان مترادفان أو متداخلتان وإذا جعلناهما حالين مترادفين ففيه تقديم الحال غير الصريحة وفيه من البحث ما في باب النعت.
«قلوبهم» مرفوع ب «لاَهِيَةً» ).
وقال البغوي: «لاَهِيَة» نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، فإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان فصل ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى ﴿خاشِعاً أَبْصَارُهُمْ﴾ وهذه قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي و ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] و ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] والعامة على «لاَهِيَة»، وابن أبي عبلة على الرفع على أنها خبر ثان لقوله «وهُمْ» عند من يُجوِّز ذلك، أو خبر مبتدأ محذوف عند من لا يجوّزه.
قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ يجوز في محل «الذين» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه بدل من (واو) «أسَرُّوا» تنبيهاً على اتصافهم بالظلم الفاحش وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد.
446
الثاني: أنه فاعل، والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل كما تدل التاء على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك وأنشدوا:
٣٧٠٤ - يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخي خِيلِ أَهْلِ] وَكُلُّهُمُ أَلُوَمُ
وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة، وضعف بعضهم هذه اللغة وبعضهم حسنها فنسبها لأَزْدِ شَنُوءَة.
وتقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١].
الثالث: أن يكون «الذين» مبتدأ «وأسَرُّوا» جملة خبرية قدمت على المبتدأ ويعزى للكسائي.
الرابع: أن يكون «الذين» مرفوعاً بفعل مقدر فقيل تقديره: يقول الذين، واختاره النحاس، قال: والقول كثيراً ما يضمر، ويدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقيل: تقديره: أسرها الذين ظلموا.
الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم الذين ظلموا.
السادس: أنه مبتدأ وخبره الجملة من قوله: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ (ولا بد من إضمار
447
القول على هذا القول تقديره: الذين ظلموا يقولون هل هذا إلا بشر) والقول يضمر كثيراً. والنصب من وجهين:
أحدهما: الذم.
والثاني: إضمار «أعني».
والجرّ من وجهين أيضاً:
أحدهما: النعت.
والثاني: البدل من «للناس»، ويعزى هذا للفراء، وفيه بعد.
قوله: «هَلْ هذَا» إلى قوله: «تُبْصِرونَ» يجوز في هاتين الجملتين الاستفهاميتين أن تكونا في محل نصب بدلاً من «النَّجْوَى» وأن تكونا في محل نصب بإضمار القول. قالهما الزمخشري.
وأن تكونا في محل نصب على أنهما محكيتان ب «النَّجْوَى»، لأَنها في معنى القول «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ» جملة حالية من فاعل «تَأْتُونَ».

فصل


اعلم أن الله - تعالى - ذم الكفار بهذا الكلام، وزجر غيرهم عن مثله، لأنهم إذا استمعوا وهم يلعبون لم يحصلوا إلى على مجرد الاستماع الذي قد تشارك فيه البهيمة
448
الإنسان، ثم أكد ذمهم بقوله: «لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ» واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة والسخرية والاستهزاء مُعَلَّل باللهو الذي معناه الذهول، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق.
وقوله: «وَأسَرُّوا النَّجْوَى» فيه سؤال، وهو أن النجوى اسم من التناجي، وهو لا يكون إلا خفية، فما معنى قوله: «وَأَسَرُّوا» ؟
فالجواب: أنهم بالغوا في إخفائها، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ ؟
فالجواب: أن إبدال «الَّذِينَ ظَلَمُوا» من «أسَرُّوا» إشعار بأنهم المسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث وقوله: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ قال الزمخشري: هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من «النَّجْوَى» أي: وَأسروا هذا الحديث، وهو قولهم: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. ويحتمل أن يكون التقدير: وَأَسروا النجوى وقالوا هذا الكلام وإِنما أسروا هذا الحديث لوجهين:
أحدهما: إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً (فَأخْبِرُونا بما أسررناه).
واعلم أنهم طعنوا في نبوته - عليه السلام - بأمرين:
أحدهما: أنه بشر مثلهم.
والثاني: أن الذي أتى به سحر.
وكلا الطعنين فاسد، أما الأول، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل
449
لا على الصور، إذ لو أرسل الملك إليهم لما علم كونه نبياً بصورته، وإنما كان يعلم بالعلم، فإذا أظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً، لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب، وهو به أقيس. وأما الثاني وهو أن ما أتى به الرسول من القرآن ظاهره الوعيد لا مرية فيه، ولا لبس، وقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن مدة من الزمان حالاً بعد حال، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره، وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن، فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلَّنا ذلك على أنه في نفسه معجز، وأنهم عرفوا حاله فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال ما ذكرناه وكل ذلك يدل على انهم كانوا عالمين بصدقه إلا أنهم كانوا يوهمون على ضعفائهم بمثل هذا القول، وإن كانوا فيه مكابرين. والمعنى: «أفَتَأْتُونَ» تحضرون «السِّحْرَ وَأَنْتُم» تعلمون أنه سحر.
450
قوله :﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ ذكر الله -تعالى- ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأنَّ الله١ -يجدد لهم الذكر كل وقت، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم٢ الموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا استسخاراً٣.
قوله :«مُحْدِثٍ » العامة على جر «مُحْدِثٍ » نعتاً ل «ذِكْرٍ » على اللفظ٤.
وقوله :«مِنْ رَبِّهِمْ » فيه أوجه :
أجودها : انْ يتعلق ب «يَأتِيهِمْ »، وتكون «مِنْ » لابتداء الغاية مجازاً٥.
والثاني : أنْ يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في «مُحْدِثٍ »٦.
الثالث : أنْ يكونَ حالاً من نفس «ذِكْرٍ »، وإنْ كان نكرة، لأنه قد تخصّص بالوصف ب «مُحْدَثٍ »، وهو نظير : ما جاءني رجلٌ قائماً منطلقٌ، ففصل بالحال بين الصفة والموصوف. وأيضاً فإنّ الكلام نفي وهو مسوغ لمجيء الحال من النكرة٧.
الرابع : أن يكون نعتاً ل «ذِكْرٍ »٨ فيجوز في محله وجهان : الجر باعتبار اللفظ والرفع باعتبار المحل، لأنه مرفوع المحل٩ إذ «مَن »١٠ مزيده فيه، وسيأتي. وفي جعله نعتاً ل «ذِكْرٍ » إشكال من حيث إنه تقدم غير الصريح١١، على الصريح١٢ وتقدم تحريره في المائدة١٣.
الخامس : أن يتعلق بمحذوف على سبيل البيان. وقرأ ابن عبلة «محدثٌ » رفعاً نعتاً١٤ ل «ذِكرٍ » على المحل١٥، لأن «مِنْ » مزيدة فيه لاستكمال الشرطين١٦.
وقال أبو البقاء : ولو رفع على موضع «من ذكر » جاز١٧. كأنه لم يطلع عليه قراءة ١٨وزيد بن عليّ «مُحْدَثاً » نصباً على الحال من «ذِكْرٍ »١٩، وسوغ ذلك وصفه ب «مِنْ رَبِّهِمْ » إن جعلناه صفة٢٠ أو٢١ واعتماده على النفي٢٢.
ويجوز أن يكون من الضمير المستتر في " من ربهم " إن جعلناه صفة٢٣.
قوله :«إلاَّ اسْتَمَعُوهُ » هذه الجملة حال من مفعول «يأتيهم » وهو استثناء مفرغ، و «قد » معه مضمرة٢٤ عند قوم٢٥.
«وهم يلعبون » حال من فاعل «اسْتَمَعُوهُ »٢٦ أي استمعوه لاعبين.

فصل٢٧


قال مقاتل : معنى «مُحْدَثٍ » يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل : الذكر المحدث ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن، وأضافه إلى الرب، لأنه أمره بقوله إِلاَّ «اسْتَمَعُوهُ » لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون.

فصل


استدلت المعتزلة٢٨ بهذه الآية على حدوث القرآن، فقالوا : القرآن ذكر، والذكر محدث، فالقرآن محدث، وبيان أن القرآن٢٩ ذكر قوله تعالى في صفة القرآن :﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾٣٠ ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾٣١ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾٣٢ ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾٣٣ و ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ﴾٣٤. وبيان أن٣٥ الذكر محدث قوله :﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ وقوله :﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن٣٦ ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ ﴾٣٧ فالجواب٣٨ من وجهين :
الأول : أن قوله تعالى :﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ وقوله ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ﴾ إشارة إلى المركب٣٩ من الحروف والأصوات، وذلك مما٤٠ لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدر كلام الله تعالى بمعنى آخر.
الثاني : أن قوله :﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً، كما أن قول القائل : لاَ يَدْخل هذه البلدة رجلٌ فاضلٌ إلا يبغضونه٤١ فإنه لا يدل على٤٢ أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن من الرجال من هو فاضل، وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث، فيصير نظم الكلام : القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث، وهذا لا ينتج شيئاً، فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع٤٣.
١ في ب: وذلك أنه..
٢ في ب: سماعهم. وهو تحريف..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٠..
٤ لأن "مجرور لفظا مرفوع محلا، لأنه فاعل "يأتيهم" و"من" زائدة. انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٧، التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٥ انظر التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٦ انظر التبيان ٢/٩١١..
٧ الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، لأنه محكوم عليه بالحال، وحق المحكوم عليه أن يكون معرفة، ويقع نكرة بمسوغ، كأن يتقدم عليه الحال نحو في الدار جالسا رجل وقول الشاعر:
لـمية مــوحشا طلل *** يـلوح كأنه خِلل
أو يكون مخصوصا، إما بوصف كقول الشاعر:
نجيت يا رب نوحا واستجبت له *** في فلك ماخر في اليم مشحونا
أو بإضافة نحو قوله تعالى: ﴿في أربعة أيام سواء﴾ [فصلت: ١٠] أو بمعمول غير مضاف إليه نحو: عجبت من ضرب أخوك شديدا. أو مسبوقا بنفي نحو قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤٠]. وهو ما أشار إليه ابن عادل. أو نهي، كقول الشاعر:
لا يركنن أحد إلى الإحجام *** يوم الوغى متخوّفا لحمام
أو استفهام كقول الشاعر:
يا صاح هل حُمّ عيش باقيا فترى *** لنفسك العذر في إبعادها الأملا
وفي ذلك يقول ابن مالك:
ولم ينكر غالبا ذو الحـــال إن *** لم يتأخر، أو يخصص، أو يـبن
من بعد نفي أو مضاهيه كــلا *** يبغ امرؤ على امرىء مستسهلا
انظر شرح التصريح ١/٣٧٥-٣٧٨..

٨ انظر التبيان ٢/٩١١..
٩ إذ هو فاعل "يأتيهم"..
١٠ في ب: وفيه. وفي الأصل: إذ هي..
١١ وذلك أنه إذا وصف بمفرد، وظرف أو مجرور، وجملة فالأولى والغالب ترتيبها هكذا كقوله تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾ [غافر: ٢٨]. وعلة ذلك أن الأصل الوصف بالاسم فالقياس تقديمه وقدم الظرف ونحوه على الجملة لأنه من قبيل المفرد، وأوجبه ابن عصفور اختيارا وقال: لا يخالف في ذلك إلا في ضرورة أو ندور. ورد بقوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك﴾ [ص: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤].
انظر المقرب ٢٤٧-٢٤٨. الهمع ٢/١٢٠..

١٢ (على الصريح) سقط من الأصل..
١٣ عند الحديث عن قوله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذله على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤]. انظر اللباب ٣/٢٧٥-٢٧٦..
١٤ نعتا: سقط من ب..
١٥ البحر المحيط ٦/٢٩٦..
١٦ وهما أن تكون في غير الموجب، وأن يكون مجرورا نكرة، وهذا عند غير الأخفش والكوفيين. انظر شرح الكافية ٢/٣٢٢-٣٢٣..
١٧ التبيان ٢/٩١١..
١٨ أي كأنه لم يطلع على قراءة الرفع، وهي قراءة ابن أبي عبلة كما تقدم..
١٩ البيان ٢/١٥٧، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٢٠ انظر الوجه الرابع من أوجه إعراب "من ربهم"..
٢١ في ب: و..
٢٢ انظر مسوغات مجيء صاحب الحال نكرة في الصفحة السابقة..
٢٣ فيكون "من ربهم" متعلقا بمحذوف..
٢٤ في ب: وقد مضمرة معه..
٢٥ نص السيوطي أن المتأخرين كابن عصفور والأبدي والجزولي جزموا بأن الماضي التالي إلا أو المتلو بأو، إذا وقع حالا وإن كان مثبتا وفيه الضمير وجبت (قد) أيضا لتقربه من الحال، وإن لم تكن ظاهرة قدرت انظر الهمع ٢/٢٤٧..
٢٦ انظر البيان ٢/١٥٧، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٢٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٧٢-٤٧٣..
٢٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٤٠-١٤١..
٢٩ في ب: بيان القرآن..
٣٠ [يوسف: ١٠٤]، [ص: ٨٧]، [التكوير: ٢٧]..
٣١ [الزخرف: ٤٤]..
٣٢ [الحجر: ٩]..
٣٣ [يس: ٦٩]..
٣٤ [الأنبياء: ٥٠]..
٣٥ أن: سقط من ب..
٣٦ من: سقط من ب..
٣٧ [الشعراء: ٥]..
٣٨ في ب: والجواب..
٣٩ كذا في الفخر الرازي، وفي الأصل: المتركب، وفي ب: التركب..
٤٠ مما: سقط من ب..
٤١ في ب: يبغضوه..
٤٢ في الأصل: في..
٤٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٤٠-١٤١..
قوله :«لاهيةً » يجوز١ أن تكون حالاً من فاعل «اسْتَمَعُوهُ » عند من يجيز٢ تعدد الحال٣، فيكون الحالان مترادفين٤.
وأن يكون حالاً من فاعل «يلعبون » فيكون الحالان متداخلين٥ وعبر الزمخشري عن ذلك فقال :﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ حالان مترادفان أو متداخلتان٦ وإذا جعلناهما حالين مترادفين ففيه تقديم الحال غير الصريحة على الصريحة٧ وفيه من البحث ما في باب النعت٨.
( و «قلوبهم » مرفوع ب «لاَهِيَةً » )٩ ١٠.
وقال البغوي :«لاَهِيَة » نعت تقدم١١ الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، فإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان فصل ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى ﴿ خاشِعاً أَبْصَارُهُمْ ﴾١٢ ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا ﴾١٣ و ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾، وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله :﴿ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾١٤ ١٥ والعامة على «لاَهِيَة »، وابن أبي عبلة على الرفع١٦ على أنها خبر ثان لقوله «وهُمْ » عند من يُجوِّز ذلك، أو خبر مبتدأ محذوف عند من لا يجوّزه١٧.
قوله :﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ يجوز في محل «الذين » ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل من ( واو ) «أسَرُّوا »١٨ تنبيهاً على اتصافهم بالظلم الفاحش وعزاه ابن عطية لسيبويه١٩، وغيره للمبرد٢٠.
الثاني : أنه فاعل، والواو علامة جمع دلت على جمع الفاعل٢١ كما تدل التاء على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون : قاما أخواك٢٢ وأنشدوا :
٣٧٠٤- يَلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخ خِيلِ أَهْلِي وَكُلُّهُمُ أَلُوَمُ٢٣
وإليه ذهب الأخفش٢٤ وأبو عبيدة٢٥، وضعف بعضهم هذه اللغة وبعضهم حسنها فنسبها٢٦ لأَزْدِ شَنُوءَة٢٧.
وتقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى :﴿ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ﴾٢٨.
الثالث : أن يكون «الذين » مبتدأ «وأسَرُّوا » جملة خبرية قدمت على المبتدأ ويعزى للكسائي٢٩.
الرابع : أن يكون «الذين »٣٠ مرفوعاً بفعل مقدر فقيل تقديره : يقول الذين٣١، واختاره النحاس، قال : والقول كثيراً ما يضمر، ويدل عليه قوله بعد ذلك :﴿ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾٣٢. وقيل : تقديره : أسرها الذين ظلموا٣٣.
الخامس : أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره : هم الذين ظلموا٣٤.
السادس : أنه مبتدأ وخبره الجملة من قوله :﴿ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ ﴾ ( ولا بد من إضمار القول على هذا القول تقديره : الذين ظلموا يقولون هل هذا إلا بشر )٣٥ والقول يضمر كثيراً٣٦. والنصب من وجهين :
أحدهما : الذم٣٧.
والثاني : إضمار «أعني »٣٨.
والجرّ من وجهين أيضاً :
أحدهما : النعت٣٩.
والثاني : البدل من «للناس »٤٠، ويعزى هذا للفراء٤١، وفيه بعد٤٢.
قوله :«هَلْ هذَا » إلى قوله :«تُبْصِرونَ » يجوز في هاتين الجملتين الاستفهاميتين أن تكونا في محل نصب بدلاً من «النَّجْوَى » وأن تكونا٤٣في محل نصب بإضمار القول. قالهما الزمخشري٤٤.
وأن تكونا في محل نصب على أنهما محكيتان ب «النَّجْوَى »، لأَنها٤٥ في معنى القول٤٦ «وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ » جملة حالية من فاعل «تَأْتُونَ ».

فصل٤٧


اعلم أن الله -تعالى- ذم الكفار بهذا الكلام، وزجر غيرهم عن مثله، لأنهم إذا استمعوا وهم يلعبون لم يحصلوا إلى على مجرد الاستماع الذي قد تشارك٤٨ فيه البهيمة الإنسان، ثم أكد ذمهم بقوله :«لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ » واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾٤٩ تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة والسخرية والاستهزاء مُعَلَّل باللهو الذي معناه الذهول، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق٥٠.
وقوله :«وَأسَرُّوا النَّجْوَى » فيه سؤال، وهو أن النجوى اسم من التناجي، وهو لا يكون إلا خفية، فما معنى قوله :«وَأَسَرُّوا » ؟
فالجواب : أنهم بالغوا في إخفائها، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم٥١.
فإن قيل : لِمَ قال :﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ ؟
فالجواب : أن إبدال «الَّذِينَ ظَلَمُوا » من «أسَرُّوا » إشعار بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء٥٢ على لغة من قال : أكلوني البراغيث٥٣ وقوله :﴿ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ قال الزمخشري : هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من «النَّجْوَى » أي : وَأسروا هذا الحديث٥٤، وهو قولهم :﴿ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾. ويحتمل أن يكون التقدير : وَأَسروا النجوى وقالوا هذا الكلام٥٥ وإِنما أسروا هذا الحديث لوجهين :
أحدهما : إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم٥٦ أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني٥٧ : يجوز أن يسروا نجواهم بذاك، ثم يقولوا٥٨ لرسول الله والمؤمنين : إن كان ما٥٩ تدعونه حقاً ( فَأخْبِرُونا بما أسررناه )٦٠ ٦١.
واعلم أنهم طعنوا في نبوته٦٢ -عليه السلام٦٣- بأمرين :
أحدهما : أنه بشر مثلهم.
والثاني : أن الذي أتى به سحر.
وكلا٦٤ الطعنين فاسد، أما الأول، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور، إذ لو أرسل الملك إليهم لما علم كونه نبياً بصورته، وإنما كان يعلم بالعلم، فإذا أظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى٦٥ أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً، لأن المرء إلى القبول من أشكاله٦٦ أقرب، وهو به أقيس. وأما الثاني وهو أن ما أتى به الرسول من القرآن ظاهره الوعيد لا مرية فيه، ولا لبس، وقد كان عليه السلام٦٧ يتحداهم بالقرآن مدة من الزمان حالاً بعد حال، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره، وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن، فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها، لأن الفعل عند توفر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلَّنا ذلك على أنه في نفسه معجز، وأنهم عرفوا حاله٦٨ فكيف يجوز أن يقال : إنه سحر والحال ما ذكرناه وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه إلا أنهم كانوا يموهمون على ضعفائهم بمثل هذا القول، وإن كانوا فيه مكابرين٦٩. والمعنى :«أفَتَأْتُونَ » تحضرون «السِّحْرَ وَأَنْتُم » تعلمون أنه سحر٧٠ ٧١.
١ في ب: لا يجوز. وهو تحريف..
٢ في ب: يخبر. وهو تحريف..
٣ يجوز تعدد الحال لمفرد وغيره، لشبهها بالخبر والنعت، فالأول كقول الشاعر:
علي إذا ما جئت ليلى بخفية زيارة بيت الله رجلان حافيا
والثاني إن اتحد لفظ ومعناه مثنى أو جمع نحو قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾. وقوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات﴾ [النحل: ١٢]. وإن اختلف فرق بغير عطف كلقيته مصعدا منحدرا، ويقدر الأول للثاني وبالعكس وقد تأتي على الترتيب إن أمن اللبس كقول الشاعر:
خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحّل
ومنع الفارسي وجماعة تعدد الحال لمفرد قائلين: بأن صاحب الحال إذا كان واحدا فلا يقتضي العامل إلا حالا واحدة، فقدروا قوله: "حافيا" صفة أو حالا من ضمير "رجلان". وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم تفضيل متوسطا بين الحالين نحو هذا بسرا أطيب منه رطبا. وإذا ما نظرنا إلى كثرة أمثلة التعدد لمفرد ولغيره يمكننا ترجيح الرأي القائل بالجواز.
انظر شرح التصريح ١/٣٨٥-٣٨٧..

٤ الحال المترادفة هي الحال المتعددة، وهي التي تتعدد لواحد.
(المغني ٢/٥٦٤). فالحالان قوله: "وهم يلعبون. لاهية" صاحبهما فاعل "استمعوه" وعاملهما الفعل..

٥ الحال المتداخلة هي التي تكون من ضمير الحال الأول (المغني ٢/٥٦٤). فالحالان قوله "وهم يعلبون. لاهية) فـ"هم يلعبون" حال من فاعل استمعوه "ولاهية" حال من فاعل "يلعبون". انظر البيان ٢/١٥٧. التبيان ٣/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٦..
٦ الكشاف ٣/٢-٣..
٧ أي تقديم الحال الجملة وهي قوله: "وهم يلعبون" على الحال المفردة وهي "لاهية"..
٨ تقدم قريبا..
٩ لأن اسم الفاعل إذا وقع حالا ارتفع الاسم به ارتفاع الفاعل بفعله. انظر البيان ٢/١٥٧-١٥٨..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ في الأصل: تقديم..
١٢ من قوله تعالى: ﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ [القمر: ٧] "خاشعا" قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي السبعة (٦١٨)..
١٣ [الإنسان: ١٤]..
١٤ [النساء: ٧٥]..
١٥ البغوي ٥/٤٧٤..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٦..
١٧ كابن عصفور فإنه قال: (ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف إلا بشرط أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد، نحو قولهم: هذا حلو حامض أي: مز) المقرب ٩٢-٩٣.
وانظر شرح التصريح ١/١٨٢..

١٨ مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، الكشاف ٣/٣، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١..
١٩ قال سيبويه: (وأما قوله جل ثناؤه: "وأسروا النجوى الذين ظلموا" فإنما يجيء على البدل) الكتاب ٢/٤١. وانظر تفسير ابن عطية ١٠/١٢٣..
٢٠ كأبي حيان: انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٢١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، الكشاف ٣/٣، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١..
٢٢ حكى هذه اللغة سيبويه فإنه قال: (واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذه بالتاء التي يظهرونها في قالت فلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامة كما جعلوا للمؤنث وهي قليلة) الكتاب ٢/٤٠..
٢٣ البيت من بحر المتقارب قاله أمية بن أبي الصلت. وقد تقدم..
٢٤ قال الأخفش: ("وأسروا النجوى" كـأنه قال: وأسروا ثم فسره بعد ذلك فقال هم "الذين ظلموا" أو جاء على لغة الذين يقولون "ضربوني قومك" معاني القرآن ٢/٦٣٢..
٢٥ قال أبو عبيدة: (وقال آخرون: بل قد تفعل العرب هذا فيظهرون عدد القوم في فعلهم إذا بدءوا بالفعل قال أبو عمرو الهذلي: أكلوني البراغيث بلفظ الجميع في الفعل وقد أظهر الفاعلين بعد الفعل ومجازه مجاز ما يبدأ بالمفعول قبل الفاعل، لأن النجوى المفعولة جاءت قبل الذين أسروها، والعرب قد تفعل ذلك). مجاز القرآن ٢/٣٤..
٢٦ في ب: ونسبها..
٢٧ وعزيت أيضا لطيء. انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧، شرح التصريح ١/٢٥٧..
٢٨ [المائدة: ٧١]. انظر اللباب ٣/٣٠٠-٣٠١..
٢٩ انظر الكشاف ٣/٣، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٠ الذين: سقط من ب..
٣١ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٢، القرطبي ١١/٢٦٩، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٢ إعراب القرآن ٣/٦٤..
٣٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٤ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٦ انظر البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١..
٣٧ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٨ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٤، مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٣٩ "للناس" مشكل إعراب القرآن ٢/٨١، البيان ٢/١٥٨، التبيان ٢/٩١١ البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٠ انظر البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤١ قال الفراء: (و"الذين" تابعة "للناس" مخفوضة، كأنك قلت: اقترب للناس الذين هذه حالهم) معاني القرآن ٢/١٩٨..
٤٢ لأنه يفيد قصر اقتراب الحساب للظالمين مع أن اقتراب الحساب للناس جميعا ولذلك قال أبو حيان: (وهو أبعد الأقوال) البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٣ في ب: أن تكون. وهو تحريف..
٤٤ الكشاف ٣/٣..
٤٥ في ب: لأنهما. وهو تحريف..
٤٦ فهما في موضع نصب على المفعول بـ"النّجوى" والاستفهام في الجملة الأولى معناه التعجب، وفي الجملة الثانية معناه التوبيخ انظر: البحر المحيط ٦/٢٩٧..
٤٧ هذا الفصل نقله ابن عادل من الفخر الرازي ٢٢/١٤١. بتصرف يسير..
٤٨ في ب: شارك. وهو تحريف..
٤٩ من قوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم﴾ [محمد: ٣٦]..
٥٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٥١ في ب: والثاني..
٥٢ أو: سقط من ب..
٥٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٥٤ الكشاف ٣/٣..
٥٥ أي أنه في محل نصب على إضمار القول. انظر الكشاف ٣/٣..
٥٦ هدم: تكملة من الفخر الرازي..
٥٧ في ب: والثاني..
٥٨ في النسختين: ثم يقولون. والصواب ما أثبته لأنه معطوف على (يسروا)..
٥٩ في ب: مما. وهو تحريف..
٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦١ ما بين القوسين في الأصل: فإنا أسررناه. وفي ب: فأما أسررناه والتصويب من الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٤١..
٦٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٤ في ب: وكل. وهو تحريف..
٦٥ في ب: أولى..
٦٦ في ب: إمكانه. وهو تحريف..
٦٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦٨ في ب: حال. وهو تحريف..
٦٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣١-١٤٢..
٧٠ انظر البغوي ٥/٤٧٥..
٧١ ما بين القوسين في الأصل: أنه ليس بسحر. وفي ب: أنه ليس سحر والتصويب من البغوي..
قوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول﴾. قرأ الأخوان وحفص «قَالَ» على لفظ الخبر والضمير للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
والباقون: «قُلْ» على الأمر له.
قوله: «فِي السَّمَاءِ» فيه أوجه:
أحدها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من القول.
والثاني: أنه حال من فاعل «يَعْلَمُ» وضعفه أبو البقاء، وينبغي أن يمتنع.
450
والثالث: أنه متعلق ب «يَعْلَمُ»، وهو قريب مما قبله. وحذف متعلق «السَّمْيِعُ العَلِيمُ» للعلم به. والمعنى: لا يخفى عليه شيء «وهو السميع» لأقوالهم «العليم» بأفعالهم. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: يعلم السر لقوله «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» قلت: القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر، كما أن قوله: «يَعْلَمُ السَّرَّ» آكد من أن يقول: يعلم سرهم.
فإن قلت: لم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: ٦] ؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع ولكن يجيء بالتوكيد تارة وبالآكد أخرى. ثم الفرق أنه قدم هنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه قال: إن ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصفه ب ﴿عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] وإنما قدم «السميع» على «العليم» لأنه لا بد من سماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه. قوله: «أَضْغَاثُ أًحْلاَم» خبر مبتدأ محذوف، أي هو أضغاث والجملة نصب بالقول. واعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر﴾ ثم قال ﴿بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فحكى عنهم هذه الأقوال الخمسة، وترتيب كلامهم أن كونه بشراً مانع من كونه رسولاً لله. سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك سحراً، وإن لم يساعد عليه فإن ادّعينا كونه في نهاية الركاكة، قلنا: إنه أضغاث أحرم. وإن ادّعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة، قلنا: إنه افتراه، وإن ادّعينا أنه كلام فصيح، قلنا: إنه من جنس فصاحة سار الشعر. وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزاً. ولما فرغوا من تقدير هذه الاحتمالات قالوا: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ
451
أُرْسِلَ الأولون} والمراد أنهم طلبوا منه حالة لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات.
وقال المفسرون: إن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله: فقال بعضهم «أضغاث أحرم» أي: أباطيلها وأهاويلها رآها في النوم.
وقال بعضهم: «بَلْ افْتَرَاهُ» أي: اختلقه. وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وما جاءكم به شعر «فَلْيَأْتِنَا» محمد «بِآيَةٍ» إن كان صادقاً ﴿كَمَآ أُرْسِلَ الأولون﴾ من الرسل بالآيات؟
قوله: «كَمَا أُرْسِلَ» يجوز في هذه الكاف وجهان:
أحدهما: أن يكون في محل نعتاً ل «آية»، أي: بآية مثل آية إرسال الأولين (ما) مصدرية.
الثاني: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي إتياناً مثل إرسال الأولين. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي: قبل مشركي مكة «مِنْ قَرْيَةٍ» أتتهم الآيات «أَهْلَكْنَاهَا» أي: أهلكناهم بالتكذيب «أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِن جاءتهم آية». والمعنى: أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثاً.
قال الحسن: إنما لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه، فلا بدّ من أن ينزل به عذاب الاستئصال، وقد مضى حكمه في أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم. وتقدم الكلام في إعراب نظير قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله: «نُوحِي إِلَيْهَم». قرأ حفص «» نوحي «بنون العظمة بنياً للفاعل، أي نوحي نحن والباقون بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول، وقد تقدم في يوسف. وهذه
452
الجملة في محل نصب نعتاً ل» رِجَالاً «و» إِلَيْهِمْ «في القراءة الأولى منصوب المحل، والمفعول محذوف، أي: نوحي إليهم القرآن أو الذكر. ومرفوع المحلّ في القراؤة الثانية لقيامه مقام الفاعل.
453
قوله :﴿ أَضْغَاثُ أًحْلاَم ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هو أضغاث١ والجملة نصب بالقول. واعلم أنه تعالى٢ عاد إلى حكاية قولهم :﴿ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر ﴾ ثم قال ﴿ بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ فحكى عنهم هذه الأقوال٣ الخمسة، وترتيب كلامهم أن كونه بشراً مانع من كونه رسولاً لله. سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور٤ البشر، قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك سحراً، وإن لم يساعد عليه فإن ادّعينا كونه في نهاية الركاكة، قلنا : إنه أضغاث أحلام. وإن ادّعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة، قلنا : إنه افتراه، وإن ادّعينا أنه كلام فصيح، قلنا : إنه من جنس فصاحة سائر الشعر. وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزاً٥. ولما فرغوا من تقدير٦ هذه الاحتمالات قالوا :﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون ﴾ والمراد أنهم طلبوا منه حالة٧ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات.
وقال المفسرون٨ : إن المشركين اقتسموا القول فيه٩ وفيما يقوله : فقال بعضهم «أضغاث أحلام » أي : أباطيلها وأهاويلها رآها في النوم.
وقال بعضهم :«بَلْ افْتَرَاهُ » أي : اختلقه. وقال بعضهم : بل محمد شاعر، وما جاءكم به شعر «فَلْيَأْتِنَا » محمد «بِآيَةٍ » إن كان١٠ صادقاً ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون ﴾ من الرسل بالآيات١١.
قوله :«كَمَا أُرْسِلَ » يجوز في هذه الكاف وجهان :
أحدهما : أن يكون في محل نعتاً ل «آية »، أي : بآية مثل آية١٢ إرسال الأولين١٣ ( ما ) مصدرية١٤.
الثاني١٥ : أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي إتياناً مثل إرسال الأولين.
١ وقدره أبو البقاء: هذا أضغاث. التبيان ٢/٩١٢..
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٤٣..
٣ في النسختين: الأحوال. والتصويب من الفخر الرازي..
٤ في ب: مقدار. وهو تحريف..
٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٤٣..
٦ تقدير: سقط من ب..
٧ في ب: حا. وهو تحريف..
٨ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٧٥..
٩ فيه: سقط من ب..
١٠ في ب: ظن. وهو تحريف..
١١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٧٥..
١٢ آية: سقط من ب..
١٣ في ب: فأجابهم الله تعالى فـ (ما) مصدرية. انظر البحر المحيط ٦/٢٩٨..
١٤ في ب: والثاني..
١٥ انظر التبيان ٢/٩١٢، البحر المحيط ٦/٢٩٧..
فأجابهم الله تعالى بقوله :﴿ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ ﴾ أي : قبل مشركي مكة «مِنْ قَرْيَةٍ » أتتهم الآيات «أَهْلَكْنَاهَا » أي : أهلكناهم بالتكذيب «أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِن جاءتهم آية »١. والمعنى : أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثاً٢.
قال الحسن : إنما لم يجابوا لأن حكم الله تعالى٣ أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه، فلا بدّ من أن ينزل به عذاب الاستئصال، وقد مضى حكمه في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم٤. وتقدم الكلام في إعراب نظير٥ قوله :﴿ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾٦.
قوله :«نُوحِي إِلَيْهَم ». قرأ حفص «نوحي » بنون العظمة مبنياً للفاعل، أي نوحي نحن والباقون بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول٧، وقد تقدم في يوسف٨. وهذه الجملة في محل نصب نعتاً ل «رِجَالاً و «إِلَيْهِمْ » في القراءة الأولى منصوب المحل، والمفعول محذوف، أي : نوحي إليهم القرآن أو الذكر. ومرفوع المحلّ في القراءة الثانية لقيامه مقام الفاعل٩.
١ انظر البغوي ٥/٤٧٥-٤٧٦..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٣..
٣ في ب: لأن علم الله مع. وهو تحريف..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٣..
٥ في ب: نظيره. وهو تحريف..
٦ وهو قوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون﴾ [الأعراف: ٩٧]. انظر اللباب ٤/٧٥..
٧ السبعة ٤٢٨، الحجة لابن خالويه ٢٤٨، الكشف ٢/١٤-١٥ النشر ٢/٢٩٦، الإتحاف (٣٠٦)..
٨ عند قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وذكر هناك: قرأ العامة: "يوحي" بالياء من تحت مبنيا للمفعول، وقرأ حفص "نوحي" بالنون وكسر الحاء مبنيا للفاعل، وكذلك قرأ ما في النحل وأول الأنبياء. انظر اللباب ٥/٧٧..
٩ انظر التبيان ٢/٩١٢..
اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ بقوله:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ فبين أن هذه عادة الله في الرسل من قبل محمد - عليه السلام - ولم يمنع ذلك من كونهم رسلاً، وإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم.
«فاسئلوا أَهْلَ الذكر» يعني علماء أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً، ولم يكونوا ملائكة، وإنام أحلهم على أولئك، لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة الرسول، وأمر المشركين بمُساءلة أهل الكتاب، لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أقرب منهم إلى تصديق من آمن قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾ [آل عمران: ١٨٦] فإن قيل: إذا لم يوثق باليهود والنصارى فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل؟
فالجواب: إذا تواتر خبرهم وبلغ حدّ الضرورة جاز ذلك، لأنَّا نعلم بخير الكفار إذا تواتر كما نعلم بخبر المؤمنين. وقال ابن زيد: أراد بأهل الذمر المؤمنين، وهو بعيد، لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول.
فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للقاضي أن يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر، فبعيد، لأن هذه الآية خطاب مشافهة، وهي
453
واردة في هذه الواقعة المخصوصة، ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين.
قوله: ﴿إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ جواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه، أي: «فَاسْأَلُوُهَم»، ومفعولا العلم يجوز أن يراد، أي: لا تعلمون أن ذلك كذلك ويجوز أن لا يراد، أي: إن كنتم من غير ذوي العلم.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً﴾ أي ما جعلنا الرسل جسداً، ولم يقل: أجساداً، لأنه اسم جنس. ﴿لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ هذا رد لقولهم: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ [الفرقان: ٧] والمعنى: لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام ﴿وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ﴾ في الدنيا: قوله: ﴿لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ في هذه الجملة وجهان:
أظهرهما: أنها في محل نصب نعتاً ل «جسداً» و «جسداً» مفرد يراد به الجمع، وهو على حذف مضاف أي: ذوي أجساد غير آكلين الطعام، و «جعل» يجوز أن تكون بمعنى (صير) فتتعدى لاثنين ثانيهما «جسداً» ويجوز أن تكون بمعنى (خلق) و (أنشأ) فتتعدى لواحد فيكون «جسداً» حالاً بتأويله بمشتق، أي: متغذين، لأن الجسد لا بد له من الغذاء.
وقال أبو البقاء: و «لا يأكلون» حال أخرى، بعد «جسداً» إذا قلنا إن (جعل تتعدى لواحد).
وفيه نظر. بل هو صفة ل «جسداً» بالاعتبارين، لا يليق المعنى إلا به.
قوله: «صَدَقْنَاهُمْ الوَعدَ» صدق يتعدى لاثنين إلى ثانيهما بحرف الجر. وقد يحذف تقول: صَدَقْتُكَ الحديث، وفي الحديث نحو أمر واستغفر وقد تقدم في «
454
آل عمران». قال الزمخشري: هو مثل قوله: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ [الأعراف: ١٥٥] والأصل في الوعد، ومن قومه. والمعنى «صدقناهم الوعد» الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: أنجينا المؤمنين الذين صدقوا الرسل «وَأَهْلَكْنَا المُسْرَفِين» أي: المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه.
قوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً﴾ يا معشر قريش «فِيِهِ ذِكْرِكُمْ» أي شرفكم، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وإنَّهُ شَرَفٌ لمن آمن به. وقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: «فِيهِ ذِكْرُكُمْ» أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمور دينكم «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» وهذا كالحث على التدبر للقول لأنهم كانوا عقلاء، لأن التدبير من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل.
455
قوله :﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً ﴾ أي ما جعلنا الرسل جسداً، ولم يقل : أجساداً، لأنه اسم جنس١. ﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾ هذا رد لقولهم :﴿ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾٢ والمعنى : لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام ﴿ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ في الدنيا : قوله :﴿ لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام ﴾٣ في هذه الجملة وجهان :
أظهرهما : أنها في محل نصب نعتاً ل «جسداً »٤ و «جسداً » مفرد يراد به الجمع، وهو على حذف مضاف أي : ذوي أجساد غير آكلين الطعام، و «جعل » يجوز أن تكون بمعنى ( صير ) فتتعدى لاثنين ثانيهما «جسداً » ويجوز أن تكون بمعنى ( خلق ) و ( أنشأ ) فتتعدى لواحد فيكون «جسداً » حالاً بتأويله بمشتق، أي : متغذين، لأن الجسد لا بد له من الغذاء٥.
وقال أبو البقاء : و٦ «لا يأكلون » حال أخرى، بعد «جسداً » إذا قلنا إن ( جعل تتعدى لواحد )٧.
وفيه نظر. بل هو صفة ل «جسداً » بالاعتبارين، لا يليق المعنى إلا به.
١ انظر التبيان ٢/٩١٢..
٢ من قوله تعالى: ﴿وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا﴾ [الفرقان: ٧]..
٣ انظر الكشاف ٣/٤، التبيان ٢/٩١٢..
٤ انظر التبيان ٢/٩١٢..
٥ انظر المرجع السابق..
٦ في النسختين: أن، وما أثبته من التبيان..
٧ قال أبو البقاء: (و"جعلناهم" يجوز أن يكون متعديا إلى اثنين، وأن يعدى إلى واحد فيكون "جسدا" حالا، و"لا يأكلون" حالا أخرى) التبيان ٢/٩١٢..
قوله :«صَدَقْنَاهُمْ الوَعدَ » صدق يتعدى لاثنين إلى١ ثانيهما بحرف الجر. وقد يحذف تقول : صَدَقْتُكَ الحديث، وفي الحديث نحو أمر٢ واستغفر٣ وقد تقدم في «آل عمران »٤. قال الزمخشري : هو مثل قوله٥ :﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾٦ والأصل في الوعد، ومن قومه٧. والمعنى٨ «صدقناهم٩ الوعد » الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ ﴾ أي : أنجينا المؤمنين الذين صدقوا الرسل «وَأَهْلَكْنَا المُسْرَفِين » أي : المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه.
١ في الأصل: أي. وهو تحريف..
٢ في ب: أقر. وهو تحريف..
٣ أي: أن (صدق) من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين ثانيهما بحرف جر يجوز حذفه، ومن هذه الأفعال: شكر، تقول: شكرت زيدا معروفه، وشكرت لزيد معروفه وكال، تقول: كلت زيدا الطعام. ووزن، تقول: وزنته زيتا، ووزنت له زيتا. وأمر، تقول: أمرته الخير، وأمرته بالخير، قال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أُمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب
واستغفر، تقول: استغفرت الله ذنبي، واستغفرته من ذنبي. واختار، تقول: اخترت الرجال عمرا، واخترت من الرجال عمرا، قال الله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه، وهذا النوع من الأفعال لا يضبط إلا بالسماع. انظر كشف المشكل في النحو ١/٤٠٤-٤٠٦..

٤ عند قوله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وذكر هناك: وصدق يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه، والآخر بالحرف، وقد يحذف كهذه الآية، والتقدير صدقكم في وعده، كقولهم: صدقته في الحديث. انظر اللباب ٢/٣٦٩..
٥ قوله: سقط من الأصل..
٦ [الأعراف: ١٥٥]..
٧ الكشاف ٣/٤..
٨ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٧٧..
٩ في ب: صدقناهم..
قوله :﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً ﴾ يا معشر قريش «فِيِهِ ذِكْرِكُمْ » أي شرفكم، كما قال :﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾١ وإنَّهُ شَرَفٌ٢ لمن آمن به. وقال مجاهد : فيه حديثكم. وقال الحسن :«فِيهِ ذِكْرُكُمْ » أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمور دينكم٣ «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ » وهذا كالحث٤ على التدبر للقول لأنهم كانوا عقلاء، لأن التدبر٥ من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل٦.
١ [الزخرف: ٤٤]..
٢ في ب: وهو أشرف. وهو تحريف..
٣ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٧٧..
٤ في الأصل: كالبعث..
٥ في النسختين: الخوف.
.

٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٥..
قوله: «وَكَمْ قَصَمْنَا» «كَمْ» في محل نصب مفعولاً مقدماً ب «قَصَمْنَا» و «مِنْ قَرْيَةٍ» تمييز، والظاهر أن «كَمْ» هنا خبرية، لأنها تفيد التكثير. والقصم: القطع وهو الكسر الذي يبين تلازم الأجزاء بخلاف الفصم.
455
قوله: «كَانَتْ ظَالِمَةٌ» في محل جر صفة ل «قَرْيَةٍ»، ولا بد من مضاف محذوف قبل «قَرْيَةٍ» أي: وكم قصمنا من أهل قرية بدليل عود الضمير في قوله: «فَلَمَّا أَحَسُّوا» ولا يجوز أن يعود على قوله «قوماً» لأنه لم يذكر لهم ما يقتضي ذلك.

فصل


لما حكى عنهم تلك الاعتراضات الساقطة، لكونها في مقابلة ما ثبت إعجازه، وهو القرآن ظهر لكل عاقل أن اعتراضهم كان لأجل حب الرياسة والدنيا.
والمراد بقوله: «قصمنا» أهلكنا. قال ابن عباس: المراد منه القتل بالسيوف، والمراد بالقرية: حضور وسحول باليمن ينسب إليهما الثياب، وفي الحديث: «كفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ثوبين سحولين»، وروي «حضورين» بعث الله إليهما نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم.
وروي «أنه لما أخذتهم السيوف ناداه مناد من السماء يا لثارات الأنبياء» فندموا واعترفوا بالخطأ، و ﴿قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
وقال الحسن: المراد عذب الاستئصال. وهذا أقرب، أن إضافة ذلك إلى الله أقرب من إضافته إلى القائل، ثم بتقدير أن يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على الحصر في القريتين اللتين ذكرهما ابن عباس.
وقوله: «كَانَتْ ظَالِمَةٌ» أي كافرة، يعني أهلها «وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا» أي: أحدثنا بعد علاك أهلها «قَوْمَاً آخَرِينَ». ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾ أي: عذابنا بحاسة البصر ﴿إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي: يسرعون هاربين.
والركض ضرب الدابة بالرجل، يقال: ركض الدابة يركضها ركضاً، ومنه قوله تعالى: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ». فيجوز أن يركبوا دوابّهم فيركضوها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين.
456
قوله: «إِذَا هًمْ» :«إذَا» هذه فجائية، وتقدم الخلاف فيها.
و «هُمْ» مبتدأ، و «يَرْكُضُونَ» خبره. وتقدم أول الكتاب أن أمثال هذه الآية دالة على أن «لمَّا» ليست ظرفية بل حرف وجوب لوجوب، لأن الظرف لا بد له من عامل، ولا عامل هنا، لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجَأة المدلول عليه ب «إِذَا».
والضمير في «مِنْهَا» يعود على «قَرْيَةٍ»، ويجوز أن يعود على «بَْسَنَا» لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملاً على المعنى. و «مِنْ» على الأول لابتداء الغاية، وللتعليل على الثاني.
قوله: «لا تَرْكُضُوا» أي: قيل لهم: لا تركضوا، أي لا تهربوا. قال الزمخشري: القول محذوف، فإن قلت: من القائل؟ قلت: يحتمل أن يكون بعض الملائكة، أو من ثم من المؤمنين، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو بقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم.
457
وقوله: ﴿وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ﴾ من العيش الرافه والحال الناعمة. والإتراف انتظار النعمة، وهي الترفه. وقوله: «لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونََ» تهكم بهم وتوبيخ.
قال ابن عباس: تسألون عن قتل نبيكم. وقال غيره: هذا التهكم يحتمل وجوهاً:
الأول: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
الثاني: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقولوا لكم: بم تأمرون، وماذا ترسمون كعادة المخدومين.
الثالث: تسألكم الناس ما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات.
قوله: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ اسم «زالت» «تلك» و «دعواهم» الخبر هذا هو الصواب. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء: يجوز العكس، وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ لكون كل منهما اسماً أو خبراً، وجب جعل المتقدم اسماً والمتأخر خبراً، وهو من باب ضرب موسى عيسى وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف فليلتفت إليه. و «تلك» إشارة إلى الجملة المقولة. قال
458
الزمخشري: «تلك» إشارة إلى «يَا وَيْلَنَا» لإنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة، قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠].
وسميت دعوى، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا: «يا ويلنا». قال المفسرون: لم يزالون يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. «حتى جعلناهم حصيدا» الحصيد: الزرع المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، شبههم في استئصالهم به، كما تقول: جعلناهم رماداً أي: مثل الرماد قوله: «حَصِيداً» مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير. فإن قيل: كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ فالجواب أن «حصيداً» و «خامدين» يجوز أن يكون من باب حلو حامض، كأنه قيل: جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعاً. ويجوز أن يكون «خامدين» حالاً من الضمير في «جَعَلْنَاهُمْ»، أو من الضمير المستكن في «حَصِيداً» فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في باب ما تعدد فيه الخبر نحو: «زيد كاتب شاعر». وجوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكون صفة ل «حصيدا»، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع. وقال أبو البقاء: والتقدير: مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع «مثل» المقدر انتهى.
وإذا كان بمعنى محصودين فلا حاجة، والمعنى: أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار.
459
﴿ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ ﴾ أي : عذابنا بحاسة البصر ﴿ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾ أي : يسرعون هاربين.
والركض ضرب الدابة بالرجل، يقال : ركض١ الدابة يركضها ركضاً٢، ومنه قوله تعالى :«ارْكُضْ بِرِجْلِكَ »٣. فيجوز أن يركبوا دوابّهم فيركضوها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم٤ بالراكبين الراكضين٥.
قوله :«إِذَا هًمْ » :«إذَا » هذه فجائية، وتقدم الخلاف فيها٦.
و «هُمْ » مبتدأ، و «يَرْكُضُونَ » خبره٧. وتقدم أول الكتاب٨ أن أمثال هذه الآية دالة على أن «لمَّا »٩ ليست ظرفية١٠ بل حرف وجوب لوجوب١١، لأن الظرف لا بد له من عامل، ولا عامل هنا، لأن ما بعد «إذا » لا يعمل فيما قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجَأة المدلول عليه ب «إِذَا »١٢.
والضمير في «مِنْهَا » يعود على «قَرْيَةٍ »، ويجوز أن يعود على «بَْسَنَا » لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملاً على المعنى١٣. و «مِنْ » على الأول١٤ لابتداء الغاية، وللتعليل على الثاني١٥.
قوله :
١ في الأًصل: راكض. وهو تحريف..
٢ اللسان (ركض)..
٣ من قوله تعالى: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [ص: ٤٢]..
٤ على أرجلهم: سقط من ب..
٥ وحذف المشبه. انظر الكشاف ٣/٥، والفخر الرازي ٢٢/١٤٦..
٦ عند قوله تعالى: ﴿فإذا هم مبلسون﴾ [الأنعام: ٤٤]، وذكر هناك: إذا هي الفجائية، وفيها ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه أنها ظرف مكان، ومذهب جماعة منهم الرياشي أنها ظرف زمان، ومذهب الكوفيين أنها حرف، فعلى تقدير كونها ظرفا زمانا أو مكانا فالناصب لها خبر المبتدأ، أي: ألبسوا في مكان إقامتهم أو زمانها. انظر اللباب ٣/٤١٧٤..
٧ انظر التبيان ٢/٩١٣..
٨ عند قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ [البقرة: ٨٩] انظر اللباب ١/١٢٠..
٩ في ب: على أنها..
١٠ قال بظرفيتها ابن السراج وتبعه الفارسي وابن جني وجماعة، فهي عندهم ظرف بمعنى (حين)، وقال ابن مالك "إذ" وهو حسن، لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة، والعامل فيها على الظرفية جوابها. انظر المغني ١/٣٨٠، الهمع ١/٢١٥..
١١ وهو رأي الجمهور، لأنها عندما تدخل على الماضي تقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو لما جاءني أكرمته. ويكون جوابهما فعلا ماضيا اتفاقا نحو قوله تعالى: ﴿فلما نجاكم إلى البر أعرضتم﴾ [الإسراء: ٦٧] وجملة اسمية مقرونة بـ "إذا" الفجائية نحو قوله تعالى: ﴿فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [العنكبوت: ٦٥]. أو بالفاء عند ابن مالك نحو قوله تعالى: ﴿فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد﴾ [لقمان: ٣٢]، وقيل: إن الجواب محذوف، أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. وفعلا مضارعا عند ابن عصفور نحو قوله تعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الرّوع وجاءته البشرى يجادلنا﴾ [هود: ٧٤]، وهو مؤول بجادلنا وقيل إن الجواب (جاءته البشرى) على زيادة الواو، أو محذوف، أي: أقبل يجادلنا، انظر المغني ١/٢٨٠-٢٨١..
١٢ هذا الجواب يدل على أن ابن عادل أخذ برأي ابن السراج ومن تبعه في أن (لمّا) ظرفية..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٠..
١٤ وهو عود الضمير على "قرية"..
١٥ وهو عود الضمير على "بأسنا"..
«لا تَرْكُضُوا » أي : قيل لهم : لا تركضوا، أي لا تهربوا. قال الزمخشري : القول محذوف، فإن قلت : من القائل ؟ قلت : يحتمل أن يكون بعض الملائكة، أو من١ ثم من المؤمنين، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، أو بقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفهم في دينهم٢. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم٣.
وقوله :﴿ وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ ﴾ من العيش الرافه والحال الناعمة. والإتراف انتظار النعمة، وهي الترفه. وقوله :«لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونََ » تهكم بهم وتوبيخ٤.
قال ابن عباس : تسألون عن قتل نبيكم٥. وقال غيره : هذا التهكم يحتمل وجوهاً :
الأول : ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
الثاني : ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقولوا لكم : بم تأمرون، وماذا ترسمون كعادة المخدومين.
الثالث : تسألكم الناس ما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات٦.
١ في النسختين: ومن. والتصويب من الكشاف..
٢ دينهم: سقط من الأصل..
٣ الكشاف ٣/٥..
٤ أي أن الأمر خرج من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي وهو التهكم والتوبيخ..
٥ انظر البغوي ٥/٤٧٧..
٦ انظر الكشاف ٣/٥، الفخر الرازي ٢٢/١٤٦..
قوله١ :﴿ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ﴾ اسم «زالت » «تلك » و «دعواهم » الخبر هذا هو الصواب٢. وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء : يجوز العكس٣، وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ لكون كل منهما اسماً أو خبراً، وجب جعل المتقدم اسماً والمتأخر خبراً، وهو من باب ضرب موسى عيسى٤ وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف٥ فليلتفت إليه. و «تلك » إشارة إلى الجملة المقولة٦. قال الزمخشري :«تلك » إشارة إلى «يَا وَيْلَنَا » لأنها دعوى، كأنه قيل : فما زالت تلك الدعوى دعواهم، والدعوى بمعنى الدعوة، قال تعالى :﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾٧ ٨. وسميت دعوى، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا :«يا ويلنا ». قال المفسرون : لم يزالون يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله :﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾٩ ١٠. «حتى جعلناهم حصيدا » الحصيد : الزرع المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، شبههم في استئصالهم به، كما تقول : جعلناهم رماداً أي : مثل الرماد١١ قوله :«حَصِيداً » مفعول ثان، لأن الجعل هنا تصيير١٢. فإن قيل : كيف ينصب «جعل » ثلاثة مفاعيل ؟ فالجواب أن «حصيداً » و «خامدين » يجوز أن يكون من باب حلو حامض١٣، كأنه قيل : جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعاً١٤. ويجوز أن يكون «خامدين » حالاً من الضمير في «جَعَلْنَاهُمْ »١٥، أو من الضمير المستكن في «حَصِيداً » فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون في باب ما تعدد فيه الخبر نحو :«زيد كاتب شاعر »١٦. وجوَّز أبو البقاء فيه أيضاً أن يكون صفة ل «حصيدا »، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع١٧. وقال أبو البقاء : والتقدير : مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع «مثل » المقدر١٨ انتهى.
وإذا كان بمعنى محصودين١٩ فلا حاجة، والمعنى : أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار٢٠.
١ قوله: سقط من الأصل..
٢ لخفاء الإعراب، لأن إعراب مقدر فيهما، ولا قرينة الاسم من الخبر..
٣ وهو كون "تلك" خبر "زالت" و"دعواهم" اسمها. وانظر الكشاف ٣/٥، التبيان ٢/٩١٣. وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء قاله الزجاج قبلهم حيث قال: (يجوز أن تكون "تلك" في موضع رفع اسم "زالت" و "دعواهم" في موضع نصب خبر "زالت" وجائز أن يكون "دعواهم" الاسم في موضع رفع، و"تلك" في موضع نصب على الخبر للاختلاف بين النحويين في ذلك) معاني وإعرابه ٣/٣٨٦..
٤ أي أن اسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول، فكما لا يجوز في باب تقديم المفعول على الفاعل عند خوف اللبس. لا يجوز ذلك في باب كان، فإذا قلت: كان موسى أخي لم يجز في موسى إلا أن يكون اسم كان وأخي الخبر، كقولك ضرب موسى عيسى، فموسى الفاعل وعيسى المفعول، هذا ما ذهب إليه المتأخرون ولم ينازع في ذلك منهم إلا ابن الحاج فأجاز أن يكون المتقدم هو المفعول والمتأخر هو الفاعل وإن ألبس. فعلى هذا يتعين أن تكون "تلك" اسم "زالت" و"دعواهم" الخبر. البحر المحيط ٦/٣٠١، شرح الأشموني ٢/٥٦..
٥ عند قوله تعالى: ﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا﴾ [الأعراف: ٥]. وذكر هنا ما ملخصه أنهم جوزوا في "دعواهم" وجهين: أحدهما: أن يكون اسما لـ (كان)، و"إلا أن قالوا" خبرها، والثاني: أن يكون "دعواهم" خبرا مقدما، و"إلا أن قالوا" اسما مؤخر، قال ذلك الفراء والزجاج ومكي والزمخشري، ولكن ذلك يشكل من قاعدة ذكرها النحاة، وهو أن الاسم والخبر في هذا الباب متى خفي في إعرابهما وجب تقديم الاسم وتأخير الخبر نحو كان موسى صاحبي، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل، فمتى خفي الإعراب التزم كل في مرتبته. انظر اللباب ٤/٧..
٦ [الأعراف: ١٤] وهي قوله تعالى: ﴿يا ولينا إنا كنا ظالمين﴾..
٧ [يونس: ١٠]..
٨ الكشاف ٣/٥، أي أن الدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء، حكى ذلك سيبويه في باب ما جاء من المصادر وفيه ألف التأنيث حيث قال: (وأما الدعوى فهو ما ادعيت، وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ وقال بشير بن النكث: ولت ودعواها كثير صحبه. فدخلت الألف كدخول الهاء في المصادر) الكتاب ٤/٤٠-٤١..
٩ [غافر: ٨٥]..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٦..
١١ انظر الكشاف ٣/٥/ الفخر الرازي ٢٢/١٤٧..
١٢ انظر التبيان ٢/٩١٣..
١٣ أي أنهما في معنى المفعول الواحد..
١٤ انظر الكشاف ٣/٥، التبيان ٢/٩١٣..
١٥ قاله الحوفي. البحر المحيط ٦/٣٠١..
١٦ أي أن الضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ، والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليهما "جعل" نصبهم جميعا على المفعولية..
١٧ وفعيل بمعنى مفعول يستوي في الوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث تشبيها له بالمصدر على حد قوله تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم: ٤]. انظر التبيان ٢/٩١٣.
شرح الأشموني ١/١٩٢..

١٨ التبيان ٢/٩١٣..
١٩ في ب: المحصودين..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٧..
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض﴾ الآية. اعلم أنه لما بين إهلاك القرية لأجل تكذيبهم أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً منه، ومجازاة على ما فعلوا فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾ أي: وما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب والغرائب كما سوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للعب واللهو، وإنما سويناهم لفوائد دينية ودنيوية. أما الدينية فليتفكر المكلفون فيها على ما قال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩١]. وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى، وهو كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: ٢٧] وقوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ [الدخان: ٣٩]. وقيل: وجه النظم أن الغر منه تقرير نبوة محمد - عليه السلام - والرد على منكريه، لأنه أظهر المعجز عليه، فإن كان محمد كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه، وإن كان صادقاً فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن و «لاعبين» حال من فاعل «خلقنا».

فصل


قال القاضي عبد الجبار: دلَّت هذه الآية على أن اللعب ليس من قبله تعالى، إذ لو كان كذلك لكان لاعباً، فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل اللعب، فنفي الاسم الموضوع لفعل يقتضي نفي الفعل. والجواب يبطل ذلك بمسألة الداعي، وقد تقدم. قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾.
قال ابن عباس: في رواية عطاء: اللهو: المرأة، وهو قول الحسن وقتادة وقال في رواية الكلبي: اللهو: الولد بلغة اليمن، وهو قول السدي. وهو في المرأة أظهر، لأن الوطأ يسمى لهواً في اللغة، والمرأة محل الوطأ.
460
«لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ» أي: من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان ذلك جائزاً في صفته لم يتخذه بحدث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلع عليه. وتأويل الآية: أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا، وقال: «لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ»، لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.
قوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ في «إِنْ» هذه وجهان:
أحدهما: أنها نافية، أي: ما كنا فاعلين، قاله قتادة ومقاتل وابن جريج.
والثاني: أنها شرطية، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب «لو» عليه والتقدير: إن كنا فاعلين اتخذناه ولكنا لم نفعله، لأنه لا يليق بالربوبية. قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾. «بَل» حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق.
والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و «نقذف» نرمي ونسلط قال تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً﴾ [الصافات: ٨، ٩] أي يرمون بالشهب. «بالحق» بالإيمان، «على الباطل» على الكفر وقيل: الحق قول الله: إنه لا ولد له، والبطل قولهم: اتخذ الله ولداً. قوله: «فَيَدْمَغُه» العامة على رفع الغين نسقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبها قال الزمخشري: وهو في ضعف قوله:
461
وقرئ شاذاً «فيدمغه» بضم الميم، وهي محتملة لأن يكون في المضارع لأن يكون لغتان في المضارع لغتان يَفْعَل ويَفْعُل، وأن يكون الأصل والضمة للإتباع في حرف الحلق.
و «يدمَغُه» أي يصيب دماغه من قولهم: دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه كقولهم: رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. واستعار القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه: أهلكه وأذهبه ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ذاهب، ﴿وَلَكُمُ الويل﴾ يعني من كذب الرسول ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل.
قوله: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ فيه أوجه:
أحدهما: أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي: استقر لكم الويل من أجل ما تصفون. و «مِنْ» تعليلية. وهذا وجه وجيه.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف.
والثالث: أنه حال من الويل، أي: الويل واقعاً مما تصفون، كذا قدره أبو البقاء و «مَا» في «ممَّا تَصِفُونَ» يجوز أن تكون مصدرية فلا عائد عند الجمهور، وأن
462
تكون بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، ولا بد من العائد عند الجميع، حذف لاستكماله الشروط. والمعنى: ممّا تصفون الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون.
463
قوله :﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً ﴾.
قال ابن عباس١ : في رواية عطاء : اللهو : المرأة، وهو قول الحسن وقتادة وقال في رواية الكلبي : اللهو : الولد بلغة اليمن، وهو قول السدي. وهو في المرأة أظهر، لأن الوطأ يسمى لهواً٢ في اللغة، والمرأة محل الوطأ.
«لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ » أي : من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل : معناه لو كان ذلك جائزاً في صفته لم يتخذه بحدث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلع عليه. وتأويل الآية : أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا، وقال :«لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ »، لأنكم تعلمون٣ أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره٤.
قوله :﴿ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ في «إِنْ » هذه وجهان :
أحدهما : أنها نافية، أي : ما كنا فاعلين، قاله قتادة ومقاتل وابن جريج٥.
والثاني : أنها شرطية، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب «لو »٦ عليه والتقدير : إن كنا فاعلين اتخذناه ولكنا لم نفعله، لأنه لا يليق بالربوبية٧.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٧٨-٤٧٩..
٢ في ب: لهو..
٣ في ب: لا تعلمون..
٤ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٧٨- ٤٧٩..
٥ وهو قول المفسرين لأن "إن" التي في معنى النفي يكثر مجيء "إلا" بعدها. انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٠٠، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٧ التبيان ٢/٩١٣، والقرطبي ١١/٢٧٦، البحر المحيط ٦/٣٠٢..
٦ وهو قوله: "لاتخذناه من لدنا"..
٧ وهو قول النحويين، واستظهره أبو حيان. انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٠٠، معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٧. التبيان ٢/٩١٣.
القرطبي ١١/٢٧٦، البحر المحيط ٦/٣٠٢..

قوله :﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل ﴾. «بَل » حرف إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه لذاته كأنه قال : سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب بل من موجب حكمتنا أن نغلب١ اللعب بالجد وندحض الباطل بالحق٢.
والمعنى دع الذي قالوا فإنه كذب وباطل. و «نقذف » نرمي ونسلط قال تعالى :﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً ﴾٣ أي يرمون بالشهب. «بالحق » بالإيمان، «على الباطل » على الكفر وقيل : الحق قول الله : إنه لا ولد له، والباطل قولهم : اتخذ الله ولداً. قوله :«فَيَدْمَغُه » العامة على رفع الغين نسقاً على ما قبله. وقرأ عيسى بن عمر بنصبها٤ قال الزمخشري٥ : وهو في ضعف قوله :
٣٧٠٥ - سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم وأَلْحَقُ بالحجاز فَأَسْتَرِيحَا
٣٧٠٥- سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيم وأَلْحَقُ بالحجاز فَأَسْتَرِيحَا٦
وقرئ شاذاً «فيدمغه » بضم الميم٧، وهي محتملة لأن يكون في المضارع لأن يكون لغتان في المضارع لغتان يَفْعَل ويَفْعُل، وأن يكون الأصل والضمة للإتباع في حرف الحلق٨.
و «يدمَغُه » أي يصيب دماغه من قولهم : دمغت الرجل، أي ضربته في دماغه كقولهم : رأسه وكبده ورجله، إذا أصاب منه٩ هذه الأعضاء. وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ١٠. واستعار القذف والدمغ تصويراً لإبطاله به، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلاً قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه : أهلكه وأذهبه١١ ﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ ذاهب، ﴿ وَلَكُمُ الويل ﴾ يعني من كذب الرسول ونسب القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام، وغير ذلك من الأباطيل.
قوله :﴿ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ فيه أوجه :
أحدهما : أنه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي : استقر لكم الويل من أجل ما تصفون. و «مِنْ » تعليلية. وهذا وجه وجيه.
والثاني : أنه متعلق بمحذوف.
والثالث : أنه حال من الويل، أي : الويل واقعاً مما تصفون، كذا قدره أبو البقاء١٢ و «مَا » في «ممَّا تَصِفُونَ » يجوز أن تكون مصدرية١٣ فلا عائد عند الجمهور١٤، وأن تكون بمعنى الذي١٥، أو نكرة موصوفة١٦، ولا بد من العائد عند الجميع١٧، حذف لاستكماله الشروط١٨. والمعنى : ممّا تصفون الله بما لا يليق به من الصاحبة١٩ والولد٢٠. وقال مجاهد : مما تكذبون٢١.
١ في ب: تقلب..
٢ انظر الكشاف ٣/٦، الفخر الرازي ٢٢/١٤٧-١٤٨..
٣ من قوله تعالى: ﴿لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات: ٨، ٩]..
٤ في ب: ينصبهما. وهو تحريف. وقد وجه أبو البقاء قراءة النصب بأن الحمل فيه على المعنى أي بالحق فالدفع. انظر المختصر (٩١)، والتبيان ٢/٩١٣، والبحر المحيط ٦/٣٠٢..
٥ الكشاف ٣/٦..
٦ البيت من بحر الوافر للمغيرة بن حبناء، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. والشاهد فيه قوله :(فأستريحا) حيث نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية مع أنها ليست مسبوقة بطلب أو نفي وهذا ضرورة. وقيل: إن الفعل مؤكد بنون التوكيد الخفيفة على حد قوله تعالى: ﴿لنسفعا﴾ [العلق: ١٥] وعلى هذا فالفعل مبني لا معرب. وقد تقدم..
٧ انظر الكشاف ٣/٦، البحر المحيط ٦/٣٠٢..
٨ مضارع (فعل) بفتح العين يجيء على ثلاثة أوجه: أحدها(يفعل) بكسر العين نحو ضرب يضرب. والثاني (يفعل) بضم العين نحو نصر ينصر.
وهل القياس الكسر أو الضم؟ فيه خلاف فعند أبي زيد هما سواء وكثرة أحدهما ترجع إلى الاستعمال، وقال بعضهم: القياس الكسر، لأنه أكثر، وأيضا هو أخف من الضم. والثالث (يفعل) بفتح العين، ولا يكون إلا وموضع عينه أو لامه حرف من أحرف الحلق نحو ذهب يذهب، ومدح يمدح وذلك لأن أحرف الحلق سافلة في الحلق يتعسر النطق بها فأرادوا أن يكون قبلها إن كانت لاما أو بعدها إن كانت عينا الفتحة التي هي جزء الألف التي هي أخف الحروف، فتعدل خفتها ثقلها فيسهل النطق بأحرف الحلق الصعبة وهذا غير لازم، بدليل ما جاء منه على الأصل نحو برأ يبرؤ وهنأ يهنئ. فعلى هذا يكون مضارع دفع يدفع بفتح الميم، لأن لام الفعل حرف حلقي، وهذا هو الأصل في مضارعه. وتكون قراءة "فيدفعه" بضم الميم محتملة لعدم لزوم الفتح في الحلقي وأن يكون ضم الميم إتباعا لضم حرف الحلق وهو لام الفعل انظر نزهة الطرف في علم الصرف ٩٨- ١٠٠، وشرح الشافية ١/١١٧-١١٩..

٩ منه: مكرر في الأصل..
١٠ انظر القرطبي ١١/٢٧٧..
١١ انظر الكشاف ٣/٦، الفخر الرازي ٢٢/١٤٨..
١٢ قال أبو البقاء ("مما تصفون" حال، أي: ولكم الويل واقعا) التبيان ٢/٩١٤..
١٣ انظر التبيان ٢/٩١٤..
١٤ وذلك على قولهم بأن (ما) المصدرية حرف، خلافا للمبرد والمازني والسهيلي وابن السراج والأخفش في قولهم إنها اسم مفتقرة إلى ضمير، وأنك إذا قلت: (يعجبني ما قمت) فتقديره يعجبني القيام الذي قمته. انظر الهمع ١/٨١..
١٥ انظر التبيان ٢/٩١٤..
١٦ ما بين القوسين سقط من ب..
١٧ لأن الموصول الاسمي والنكرة الموصوفة لا بد لهما من عائد يعود عليهما انظر شرح الأشموني ١/١٤٦..
١٨ لأن شروط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة أل، وأن يكون الفعل تاما. وهو هنا متصل فعل تام انظر شرح التصريح ١/١٤٤-١٤٥..
١٩ في ب: المصاحبة. وهو تحريف..
٢٠ انظر البغوي ٥/٤٧٩..
٢١ لأن شروط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة أل، وأن يكون الفعل تاما. وهو هنا متصل فعل تام انظر شرح التصريح ١/١٤٤-١٤٥..
قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية. لما نفى اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة، (ونفي الحاجة) لا يصح إلا بالقدرة التامة عقب تلك الآية بقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. وقيل: لما حكى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد، بين ههنا أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك بجميع المخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع كونهم في نهاية الضعف أولى أن يطيعوه.
قوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوف على «مَنْ» الأولى أخبر تعالى عن من في السموات والأرض وعن من عنده بأن الكل له في ملكه.
وعلى هذا فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه، لأن قوله: ﴿مَن فِي السماوات﴾ شمل «مَنْ عِنْدَهُ» وقد مرَّ نظيره في قوله: «وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ» وقوله: «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» على هذا فيه أوجه:
أحدها: أنه حال من «مَنْ» الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء حال
463
إما من «مَنْ» الأولى على قول من رفع بالظرف.
يعني: أنه إذا جعلنا «مَنْ» في قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ مرفوعاً بالفاعلية والرافع الظرف وذلك على رأي الأخفش جاز أن يكون «لا يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من «مَنْ» الأولى، وإما من «من» «يَسْتَكْبِرُون» حالاً وكأنه يرى أن الحال لا يجيء من المبتدأ، وهو رأي لبعضهم. ويجوز أن يكون «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من الضمير المستكن في (عنده) الواقع صلة وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في «له» الواقع خبراً.
والوجه الثاني من وجهي «مَنْ» أن تكون مبتدأ و «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» خبره، وهذه جملة معطوفة على جملة قبلها، وهل الجملة من قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ استئنافية أو معادلة لجملة قوله: «وَلَكُمُ الويل» أي لكم الويل ولله جميع العالم علويه وسفليه والأول أظهر ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يكلون ولا يتعبون، يقال: استحسر البعير أي: كلَّ وتَعِب قال علقمة بن عبدة:
٣٧٠٦ - بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
ويقال: حَسِرُ البعر وحسرته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً، وأحسرته أيضاً، فيكون فعل وأفعل بمعنى في أحد وجهي فعل.
464
قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فبما يفعلون.
وهو سؤال حسن وجواب مطابق. قوله: «يُسَبِّحُون» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من الفاعل في الجملة قبله. و «لاَ يَفْتَرُون» يجوز في الاستئناف، والحال من فاعل «يُسَبِّحُون».

فصل


دلَّت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في البقرة. والمراد بقوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» هم الملائكة بالإجماع وصفهم الله تعالى بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ وهذا لا يليق بالبشر، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة. روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ ثم قال: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ [فاطر: ١] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح، وأيضاً قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملاائكة﴾ [البقرة: ١٦١] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار وقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.
فإن قيل: هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبح الله
465
وببعضها يلعنون أعداء الله. أو يقال: معنى قوله: «لاَ يَفْتَرُونَ» أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها.
قوله تعالى: «أمِ اتَّخَذُوا» هذه «أَمْ» المنقطعة، فتقدر ب (بل) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار. و «اتخذ» يجوز أن يكون بمعنى (صنع) فيتعلق «مِنْ» به وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى (صَيَّر) التي في قوله ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]، فقال: وفيه معنى الاصطفاء والاختيار. و «مِنَ الأرْضِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل «ألِهَة» أي من جنس الأرض.
قوله: «هُمْ يَنْشِزُون» بضم حرف المضارعة من أنشر. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر لا يكون لزماً ومتعدياً. قوله: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً﴾ استفهام
466
بمعنى الجحد أي لم يتخذوا من الأرض يعني: الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون:
﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟ فالجواب: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة.
وقوله: «مِنَ الأرْضِ» كقولك: فلان من مكة أو من المدينة. وقوله: «هم» يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل: أن اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم.
467
روى عبد الله بن الحارث بن نوفل٢ قال : قلت لكعب : أرأيت قول الله تعالى :﴿ يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ثم قال :﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ﴾٣ أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح، وأيضاً قال :﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة ﴾٤ فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار وقال : التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال٥.
فإن قيل : هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام ؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب : أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها٦ يسبح الله وببعضها٧ يلعنون أعداء الله. أو يقال : معنى قوله :«لاَ يَفْتَرُونَ » أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في٨ أوقاته اللائقة به كما يقال : إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها٩.
٢ هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو محمد المدني. روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرسلا وعن عمر وعثمان وعلي وعن أبيه، وغيرهم، وروى عنه أبناؤه عبد الله وإسحاق وعبد الملك بن عمير، وغيرهم، مات سنة (٩٩ هـ). تهذيب التهذيب ٥/١٨٠-١٨١..
٣ من قوله تعالى: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ الله على كل شيء قدير﴾ [فاطر: ١]..
٤ من قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة: ١٦١]..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٩..
٦ في ب: بعضها..
٧ في النسختين: وبعضها..
٨ في ب: و..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٤٩..
قوله تعالى :«أمِ اتَّخَذُوا » هذه «أَمْ » المنقطعة، فتقدر ب ( بل ) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار١. و «اتخذ » يجوز أن يكون بمعنى ( صنع ) فيتعلق «مِنْ » به٢ وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى ( صَيَّر ) التي في قوله ﴿ واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾٣، فقال : وفيه معنى الاصطفاء والاختيار٤. و «مِنَ الأرْضِ » يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل «آلهة » أي من جنس الأرض٥.
قوله :«هُمْ يُنْشِرون » جملة في محل نصب صفة ل " آلهة ". وقرأ العامة " يُنشرون " بضم حرف المضارعة من أنشر٦. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين٧ يقال : أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر لا يكون لزماً ومتعدياً٨. قوله٩ :﴿ أَمِ اتخذوا آلِهَةً ﴾ استفهام بمعنى الجحد أي١٠ لم يتخذوا من الأرض يعني : الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل : كيف أنكر١١ عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون :﴿ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾١٢ فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة ؟ فالجواب : أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى : إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة١٣.
وقوله :«مِنَ الأرْضِ » كقولك : فلان من مكة أو من المدينة١٤. وقوله :«هم » يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل : أن اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم١٥.
١ (أم) المنقطعة هي المسبوقة بالخبر المحض نحو قوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العاملين أم يقولون افتراه﴾ [السجدة: ٢، ٣]. أو المسبوقة بهمزة لغير الاستفهام نحو قوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها﴾ [الأعراف: ١٩٥]، إذ الهمزة في ذلك للإنكار. أو المسبوقة باستفهام بغير الهمزة نحو قوله: ﴿هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء﴾ [الرعد: ١٦] ومعنى "أم" المنقطعة الذي لا يفارقها الإضراب ثم تارة تكون له مجردا نحو قوله تعالى: ﴿هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء﴾ [الرعد: ١٦]. وتارة تتضمن مع ذلك استفهاما إنكاريا. نحو قوله تعالى: ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ [الطور: ٣٩] وذلك كالآية التي تتعرض لها فإن "أم" فيها للإضراب الذي يتضمن استفهاما إنكاريا. والإضراب هنا للانتقال من غرض إلى غرض فالكلام من أول السورة إلى ههنا كان في النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفي الأضداد والأنداد وتارة تتضمن مع ذلك استفهاما طلبيا نحو قولهم: إنها الإبل أم شاء، التقدير: بل هي شاء. انظر المغني ١/٤٤- ٤٥..
٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٣ [النساء: ١٢٥]..
٤ البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٥ انظر التبيان ٢/٩١٤، البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٦ والمعنى: أم اتخذوا آلهة يحيون الموتى. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٨. القرطبي ١١/٢٧٨. والبحر المحيط ٦/٣٠٤..
٧ مضارع نشر، وأنشر ونشر لغتان، والمعنى على هذه القراءة: أم اتخذوا آلهة لا يموتون يحيون أبدا. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٨، البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٨ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٩ في ب: فصل..
١٠ أي: سقط من ب..
١١ في الأصل: أنكرا. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨]..
١٣ انظر الكشاف في ٣/٧، والفخر الرازي ٢٢/١٥٠..
١٤ أي: أن من للتبيين..
١٥ انظر الكشاف في ٣/٧، الفخر الرازي ٢٢/١٥٠..
قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ وإلا هنا صفة للنكرة قبلها بمعنى «غير»، والإعراب فيها متعذر فجعل على ما بعدها. وللوصف بها شروط منها: تنكير الموصوف، أو قربه من النكرة بأن يكون معرفاً ب (أل) الجنسية.
ومنها أن يكون جمعاً صريحاً كالآية أو ما في قوة الجمع كقوله:
467
ف (إلا الصارم) صفة ل «غيري»، لأنه في معنى الجمع. ومنها: أن لا يحذف موصوفها عكس (غير)، وأنشد سيبويه على ذلك قوله:
٣٧٠٧ - لَوْ كَانَ غَيْرِي سُلَيْمَى الدَّهْر غَيَّرَهُ وَقْعُ الحَوَادِثِ إِلا الصَّارِمُ الذَّكَرُ
٣٧٠٨ - وَكلُّ أَخٍ مَفارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ
أي: وكل أخ لك غير الفرقدين مفارقه أخوه.
وقد وقع الوصف ب «إلا» كما وقع الاستثناء ب «غير»، والأصل في «إلا» الاستثناء وفي «غير» الصفة. ومن مُلَح الكلام الزمخشري: والعم أن (إلا) و (غير) يتقارضان. ولا يجوز أن يرتفع الجلالة على البدل. قلت لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن الكلام معها موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله تعالى
468
﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك﴾ [هود: ٨١] وذلك لأن أعم العام يصح نفيه، ولا يصح إيجابه.
فجعل المانع صناعياً مستنداً إلى ما ذكر من عدم صحّة إيجاب أعم العام. وأحسن من هذا ما ذكره أبو البقاء من جهة المعنى قال: ولا يجوز أن يكون بدلاً، لأن المعنى يصير إلى قولك: لَوْ كَانَ فِيهِمَا الله لفسدتا ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلا زيد على البدل لكان المعنى: جاءني زيد وحده.
ثم ذكر الوجه الذي رد به الزمخشري فقال: وقيل يمتنع البدل، لأن قبلها إيجاباً. ومنع أبو البقاء النصب على الاستثناء لوجهين:
أحدهما: أنه فاسد في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلا زيداً لقتلهم، كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم، ولو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة، وفي ذلك إثبات إله مع الله. وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مذل ذلك، لأن المعنى لو كان فيهما غير الله لفسدتا.
والوجه الاثني: أن «آلهة» هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين، إذ لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء. وهذا الوجه
469
الذي معناه، أعني الزمخشري وأبا البقاء، قد أجاز المبرد وغيره أما المبرد فإنه قال: جاز البدل، لأن ما بعد «لو» غير موجب في المعنى والبدل في غير الموجب أحسن من الوصف.
وفي هذا نظر من جهة ما ذكره أبو البقاء من فساد المعنى:
وقال ابن الضائع تابعاً للمبرد: لا يصح المعنى عندي إلا أن تكون «إلا» في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التي جاء بها توطئة. وقال الشلوبين في مسألة سيبويه: «لو كان معنا رَجُلٌ إلاَّ زَيْدٌ لَغُلِبْنَا» إن المعنى: لَوْ كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مكان زيد لغلبنا، ف «إلا) بمعنى (غير) التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوح من أبي علي إلى البدل. وما ذكره ابن الضائع من المعنى المتقدم مسوغ للبدل، وهو جواب عنا أفسد به أبو البقاء وجه البدل إذ معناه واضح، ولكنه قريب من تفسير المعنى لا من تفسير الإعراب.

فصل


المعنى لو كان يتولاهما، ويدبر أمرهما شيء غير الواحد الذي فطرهما لفسدتا ولا يجوز أن تكون»
إلا «بمعنى الاستثناء، لأنها لو كانت استثناء لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله لفسدتا، وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة معهم الله أن لا يحصل الفساد، وذلك باطل، لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء كان الله معهم، أو لم
470
يكن الله معهم فالفساد لازم. ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت ما ذكرنا. وهو أن المعنى: لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لفسدتا، أي لخربتا، وهلك من فيهما بوجود التمانع من الآلهة، لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام. ويدل العقل على ذلك من وجوه:
الأول: أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم وإذا انفرد الثاني صح منه تسكينه، فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كان عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك والآخر التسكين فإما أن يحصل المرادان، وهو محال، وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال، لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً، وأيضاً المانع من تحصيل مراد كل واحد منهما مراد الآخر، والمعلول لا يحصل إلا مع علته، فلو امتنع المرادان لحصلا، وذلك محال وإما أن يمتنع أحدهما دون الثاني، وذلك أيضاً محال، لأن الممنوع يكون عاجزاً، والعاجز لا يكون إلهاً، ولأنه لما كان كل واحد منهما مستقلاً بالإيجاد لم يكن عجز أحدهما أولى من عجز الآخر، فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب هذه الأقسام الفاسدة فكان القول به باطلاً.
الوجه الثاني: أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع الممكنات، فلو فرضنا الإلهين لكان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات، فإذا أراد كل واحد منهما تحريك جسم فتلك الحركة إما أن تقع بهما معاً ولا تقع بواحد منهما أو تقع بواحد منهما أو تقع بأحدهما دون الثاني، والأول محال، لأن الأثر مع المؤثر المستقل واجب الحصول، ووجوب حصوله به يمنع من استناده إلى الاثني، فلو اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما، فيكون محتاجاً إليهما، وغنيَّا عنهما وهو محال، وإما أن لا يقع بواحد منهما ألبتة، فهذا يقتضي كونهما عاجزين، وأيضاً فامتناع وقوه بهذا إنما يكون لأجل وقوعه بذاك وبالضد، فلو امتنع وقوعه بهما معاً وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل، لأن وقوعه بهما لوقع بهما معاً وهو محال، وإما أن يقع بأحدهما دون الثاني فهو باطل، لأن وقوعه بهذا يلزم فيه رجحان أحد الإلهين على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
الوجه الثالث: لو قدرنا إلهين فإما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه بهما وهو محال، وإن اختلفا فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما، أو يقع أحدهما دون الآخر والكل محال، فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات.
وذكروا وجوهاً أخر عقلية وفي هذا كفاية.
471
ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يصفه به المشركون من الشرك والولد.
فإن قيل: أي فائدة لقوله تعالى: ﴿رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
فالجواب: أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكاً في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين.
قوله: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ اعلم أن أهل السنة استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور:
أحدها: أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن الاستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها: أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى فيفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها: أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها: أنه إن فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكناً منه.
فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً. وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى محال.
وخامسها: لو كان فعلاً معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وان يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء.
472
وسادسها: أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له: لم فعلت ذلك؟
وسابعها: أن من قال لغيره: لم فعلت ذلك؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب؟ فذلك على الله محال، وإن هذه باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضاً محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله: لم فعلت؟ وإنّ كل شيء صنعه لا علة لصنعه. وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه يجوز أن يقال: الله عالم بقبح القبيح، وعلام بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله: لم فعلت هذا؟ ثم قال تعالى: «وهُمْ يُسْأَلُونَ» وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه:
أحدها: قالوا: التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتنع الترجيح يكون تكليفاً بالمحال. والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف ما لا يطاق.
وثانيها: قالوا: كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكوت التكليف به تكليفاً لا يطاق.
وثالثها: قالوا: سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً للعقاب لم يكن نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرر عائد إليه. وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم.
والجواب من وجهين:
الأول: أن غرضكم من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض.
473
والثاني: أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف كلها تكليف (بما لا يطاق) فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله تعالى: لِمَ كلفت عبادك، إلا أنَّا قد بيَّنا أنه سبحانه ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾، فظهر بهذا أن قوله: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ أصل لقوله: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن. فإن قيل: ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ متأكد بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وبقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] إلا أَنَّهُ يناقضه قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩].
فالجواب: أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعاً للتناقض.

فصل


قالت المعتزلة: (فيه وجوه:
أحدها) : أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما من حقه الحمد.
وثانيها: أنه يجب أن يسأل عن المأمور به إذ لا فاعل سواء.
وثالثها: أنه لا يجوز أن يسألوا عن علمهم إذ لا عمل لهم.
ورابعها: أن علمهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم.
وخامسها: أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل﴾ [النساء: ١٦٥].
وهذا يقضي أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على ان حجة العبد متوجهة على الله تعالى.
والجواب هو المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب عِلِّيَّة أفعال الله تعالى.
474

فصل


في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل من أثبت الله تعالى شريكاً ليس عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا: رأينا في العالم خيراً وشراً، ولذة وألماً، وحياة وموتاً، وصحة وسقماً، وغنى وفقراً، وفاعل خير وفاعل شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشرّيراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً (للخير والآخر للشر)، فرجع حاصل هذه القسمة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً فلم خصَّ هذا بالحياة والصحة والغنى، وخصَّ هذا بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ استعظام لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ. ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إما من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد أولاً، وقرر الأصل، الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم. قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ﴾ العامة على إضافة «ذِكْرُ» إلى «مَنْ» أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى «بِسُؤَالِ نَعْجَتِك». وقرئ «ذِكْرٌ» بالتنوين فيهما و «مَنْ» مفتوحة الميم. نوّن المصدر ونصب به المفعول (كقوله تعالى) ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وقرأ يحيى بن يعمر «ذِكْرٌ» بتنوينهما و «مِنْ» بكسر الميم، وفيه تأويلان:
475
أحدهما: أن ثم موصوفاً محذوفاً قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير: هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي.
والثاني: أن «مَعِيَ» بمعنى عندي. ودخول «من» على «مع» في الجملة نادر، لأنها ظرف لا يتصرف.
وقد ضعف أبو حاتم هذه القراءة، ولم ير لدخول «من» على «مع» وجهاً.
ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو (قبل وبعد) فكما تدخل (من) على أخواته كذلك تدخل عليه. وقرأ طلحة: «ذِكْرٌ مَعِي وذِكْرٌ قَبْلِي» بتنوينهما دون (من) فيهما. وقرأ طائفة «ذِكْرُ مَنْ» بالإضافة ل «من» كالعامة ﴿وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ بتنوينه وكسر ميم «من» ووجهها واضح مما تقدم.

فصل


قال ابن عباس «هذا ذكر من معي» أي: هو الكتاب المنزل على من معي، «وهذا ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي» أي: الكتاب الذي نزل على من تقدمني من الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل
476
ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا أنا كما قال بعد هذا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾. وهذا اختيار القفال والزجاجا.
وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي: معناه: القرآن ذكر من معي فيه خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وقال القفال: المعنى: قل لهم: هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على أحوال لمن معي من المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد.
ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق﴾ لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن استماع الحق.
العامة على نصب «الحَقَّ» وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه مفعول به بالفعل قبله.
والثاني: أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على التوكيد لمضمون الجملة لسابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع وحميد برفع «الحَقُّ» وفيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر لمبتدأ مضمر.
قال لزمخشري «وقرئ» الحَقُّ «بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل.
477
قوله :﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ اعلم أن أهل السنة١ استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور :
أحدها : أنه لو كان كل شيء معللاً بعلة كانت تلك العلة٢ معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنياً عن العلة، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى، وصفاته مبرأة من الافتقار إلى المبدع المخصص، فكذا فاعليته يجب أن يجب أن تكون مقدسة عن٣ الاستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها : أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة ممكنة، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلاً، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلاً لله تعالى فيفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها : أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت٤ إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها : أنه إن فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون متمكناً من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، أو لا يكون متمكناً منه. فإن كان متمكناً منه كان توسط تلك الواسطة عبثاً. وإن لم يكن متمكناً منه كان عاجزاً، والعجز على الله تعالى محال، وأما العجز علينا فغير ممتنع، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى٥ محال.
وخامسها : لو كان فعلاً معللاً بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائداً إلى الله تعالى أو إلى العباد، والأول محال، لأنه منزه عن النفع والضر، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وان يكون عائداً إلى العباد، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء٦ من غير واسطة، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئاً لأجل شيء.
وسادسها : أن الموجودات ملكه، ومن تصرف في ملك نفسه لا يقال له : لم فعلت ذلك ؟
وسابعها : أن من قال لغيره : لم فعلت ذلك ؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يكون للسائل على المسؤول حكم على فعله، وذلك في حق الله تعالى محال، فإنه لو فعل أي فعل شاء فالعبد كيف يمنعه عن ذلك بأن يهدده بالعقاب ؟ فذلك على الله محال، وإن هذه باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والاتصاف بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة فذلك أيضاً محال، لأنه مستحق للمدح والاتصاف بصفات الحكمة والجلال. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز أن يقال لله في أفعاله : لم فعلت ؟ وإنّ كل شيء صنعه لا علة لصنعه٧. وأما المعتزلة فإنهم٨ سلموا أنه يجوز أن يقال : الله عالم بقبح القبيح، وعالم بكونه غنياً عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح، وإذا عرفنا ذلك عرفنا أن كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله٩ : لم فعلت هذا١٠ ؟ ثم قال تعالى :«وهُمْ يُسْأَلُونَ » وهذا يدل على كون المكلفين مسؤولين عن أفعالهم. واعلم أن منكري التكليف احتجوا على قولهم بوجوه١١ :
أحدها : قالوا : التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء داعيته إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحدهما على الآخر، والأول محال، لأن حال الاستواء يمنع الترجيح، وحال امتناع الترجيح يكون تكليفاً بالمحال. والثاني محال، لأن حال الرجحان يكون الراجح واجب الوقوع، وإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف ما لا يطاق.
وثانيها١٢ : قالوا : كل ما علم الله وقوعه فهو واجب، فيكون التكليف به عبثاً، وكل ما علم الله عدمه كان ممتنع الوقوع، فيكون التكليف به تكليفاً لا يطاق.
وثالثها : قالوا : سؤال العبد إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة١٣ فإن عادت إلى العبد فهو محال، لأن سؤاله لما كان سبباً للعقاب١٤ لم يكن نفعاً عائداً إلى العبد بل ضرر عائد إليه. وإن لم يكن في سؤاله فائدة كان عبثاً، وهو غير جائز على الحكيم، بل كان إضراراً وهو غير جائز على الرحيم.
والجواب من وجهين :
الأول : أن غرضكم١٥ من إيراد هذه الشبه النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم كلفتمونا بنفي التكليف، وهذا متناقض.
والثاني : أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد، وهو أن التكاليف١٦ كلها تكليف ( بما لا يطاق )١٧ فلا يجوز من الحكيم أن يوجهها على العباد، فيرجح حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال لله١٨ تعالى : لِمَ كلفت عبادك، إلا أنَّا قد بيَّنا أنه سبحانه ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾، فظهر بهذا أن قوله :﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ أصل لقوله :﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ فتأمل هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن. فإن قيل :﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ متأكد بقوله :﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾١٩ وبقوله :﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾٢٠ إلا أَنَّهُ يناقضه قوله :﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾٢١.
فالجواب : أن يوم القيامة طويل وفيه مقامات، فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام دفعاً للتناقض٢٢.

فصل٢٣


قالت المعتزلة :( فيه وجوه :
أحدها )٢٤ : أنه تعالى لو كان هو الخالق للحسن٢٥ والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل، بل كان يذم بما من حقه الذم، كما يحمد بما٢٦ من حقه الحمد.
وثانيها : أنه يجب أن يسأل٢٧ عن المأمور به إذ لا فاعل٢٨ سواء.
وثالثها : أنه لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا عمل لهم.
ورابعها : أن علمهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنه من حيث إنه خلقه وأوجده فيهم.
وخامسها : أنه تعالى صرح في كثير من المواضع أنه يقبل حجة العباد لقوله :﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾٢٩.
وهذا يقضي أن لهم عليه حجة قبل بعثة الرسل، وقال :﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾٣٠ ونظائر هذه الآيات كثيرة، وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى.
والجواب هو٣١ المعارضة بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه المتقدمة التي بينا فيها أنه يستحيل طلب عِلِّيَّة أفعال الله تعالى.

فصل٣٢


في تعلق هذه الآية بما قبلها، وهو أن كل٣٣ من أثبت الله تعالى٣٤ شريكاً ليس عمدته إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى، وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى، قالوا : رأينا في العالم خيراً وشراً، ولذة وألماً، وحياة وموتاً، وصحة وسقماً، وغنى وفقراً، وفاعل خير وفاعل شر، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيراً وشرّيراً معاً، فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلاً ( للخير والآخر للشر )٣٥، فرجع حاصل هذه القسمة إلى أن مدبر العالم لو كان واحداً فلم خصَّ هذا بالحياة والصحة والغنى، وخصَّ هذا بالموت والألم والفقر. فيرجع حاصلة إلى طلب اللمية. لا جرم أنه تعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك، لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يبتدأ بذكر الدليل المثبت للمطلوب، ثم يذكر بعده الجواب عن شبهة الخصم.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥-١٥٦..
٢ في الأصل: الصلة. وهو تحريف..
٣ في ب: إلى..
٤ في ب: افتقر..
٥ تعالى: سقط من ب..
٦ ابتداء: سقط من ب..
٧ في الأصل: صنعه. وهو تحريف..
٨ في ب: فإن..
٩ في ب: له..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥-١٥٦..
١١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٦-١٥٧..
١٢ في ب: وثانيهما. وهو تحريف..
١٣ في ب: الفائدة. وهو تحريف..
١٤ في ب: للعذاب..
١٥ في النسختين: أن عرضه. والتصويب من الفخر الرازي..
١٦ في ب: التكليف. وهو تحريف..
١٧ ما بين القوسين سقط من ب..
١٨ في ب: الله..
١٩ [الحجر: ٩٢]..
٢٠ [الصافات: ٢٤]..
٢١ [الرحمان: ٣٩]..
٢٢ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٦-١٥٧..
٢٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٧-١٥٨..
٢٤ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٢٥ في ب: المحسن. وهو تحريف..
٢٦ بما: سقط من الأصل..
٢٧ في الأصل: أنه لا يجب أن يسأل..
٢٨ في ب: فاعلي. وهو تحريف..
٢٩ [النساء: ١٦٥]..
٣٠ [طه: ١٣٤]..
٣١ في ب: هي. وهو تحريف..
٣٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٥٥..
٣٣ كل: سقط من ب..
٣٤ تعالى: سقط من الأصل..
٣٥ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله تعالى :﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ استعظام لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ١. ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ إما من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد أولاً، وقرر الأصل، الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم. قوله :﴿ هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ ﴾ العامة على إضافة «ذِكْرُ » إلى «مَنْ » أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى «بِسُؤَالِ نَعْجَتِك »٢. وقرئ «ذِكْرٌ » بالتنوين فيهما و «مَنْ » مفتوحة الميم٣. نوّن المصدر ونصب به المفعول ( كقوله تعالى )٤ ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ﴾٥. وقرأ يحيى بن يعمر «ذِكْرٌ » بتنوينهما٦ و «مِنْ » بكسر الميم٧، وفيه تأويلان :
أحدهما : أن ثم موصوفاً محذوفاً قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير : هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي٨.
والثاني : أن «مَعِيَ » بمعنى عندي٩. ودخول «من » على «مع » في الجملة نادر، لأنها ظرف لا يتصرف١٠.
وقد ضعف أبو حاتم١١ هذه القراءة، ولم ير لدخول «من » على «مع » وجهاً١٢.
ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو ( قبل وبعد ) فكما تدخل ( من ) على أخواته كذلك تدخل عليه١٣. وقرأ طلحة :«ذِكْرٌ مَعِي وذِكْرٌ قَبْلِي » بتنوينهما دون ( من ) فيهما١٤. وقرأ طائفة «ذِكْرُ مَنْ » بالإضافة ل «من » كالعامة ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ﴾ بتنوينه وكسر ميم١٥ «من »١٦ ووجهها١٧ واضح مما تقدم١٨.

فصل


قال ابن عباس «هذا ذكر من معي » أي : هو الكتاب المنزل على من معي، «وهذا ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي »١٩ أي : الكتاب الذي نزل على من تقدمني من الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا أنا٢٠ كما قال بعد هذا :﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن٢١ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله٢٢ إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ﴾٢٣. وهذا اختيار القفال والزجاج٢٤.
وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي : معناه : القرآن ذكر من معي فيه خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة٢٥. وقال القفال : المعنى : قل لهم : هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على أحوال لمن معي من المخالفين والموافقين، وعلى بيان أحوال من قبلي من المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد٢٦. ثم قال :﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق ﴾ لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن استماع الحق٢٧.
العامة على نصب «الحَقَّ » وفيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعول به بالفعل قبله٢٨.
والثاني : أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري : ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على التوكيد لمضمون الجملة لسابقة كما تقول : هذا عبد الله الحق لا الباطل٢٩ فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع وحميد برفع «الحَقُّ »٣٠ وفيه وجهان :
أحدهما : أنه خبر لمبتدأ مضمر٣١.
والثاني : أنه خبر لمبتدأ مضمر٣٢.
قال الزمخشري «وقرئ » الحَقُّ «بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل٣٣.
١ "أم" هنا مثل "أم" في قوله تعالى: ﴿أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون﴾ [الأنبياء: ٢١] وقد تقدم الكلام فيها. فإن "أم" هنا المنقطعة ومعناه الإضراب الذي يتضمن استفهاما إنكاريا.
والإضراب هنا للانتقال من غرض إلى غرض، فإنه لما ذكر دليل التوحيد أولا، وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم..

٢ من قوله تعالى: ﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ [من سورة ص: ٤٢] فهو مصدر مضاف إلى المفعول به. البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ [البلد: ١٤، ١٥] هذا على مذهب البصريين في إعمال المصدر المنون، وأنكره الكوفيون، وقالوا: إن وقع بعده مرفوع أو منصوب فبإضمار فعل يفسره المصدر. انظر إعراب ثلاثين سورة من القرآن. (٩١)، البحر المحيط ٦/٣٠٦، الهمع ٢/٩٣..
٦ في الأصل: بتنوينها. وهو تحريف..
٧ المختصر: (٩١)، المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٨ انظرالتبيان ٢/٩١٥..
٩ انظر المحتسب ٢/٦١/ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٠ من الظروف التي لا تتصرف (مع)، وهي اسم لمكان الاجتماع أو وقته تقول: زيد مع عمرو، وجئت مع العصر، وهي اسم معرب ملازم للإضافة لا ينفك عنها إلا مستعملا حالا بمعنى جميع كقول الشاعر:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
ويدل على اسميتها تنوينها في قولك: معا، ودخول (من) عليها، حكى سيبويه: ذهب من معه، وقراءة يحيى بن يعمر لهذه الآية. والمشهور فيها فتح العين، وهو فتح إعراب، وربيعة وغنم تسكين عينها إذا وليها متحرك نحو زيد مع عمرو، وكقول جرير:
وريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما
وزعم سيبويه أن تسكين العين ضرورة. واسميتها حين السكون باقية خلافا لمن زعم حرفيتها حين ذلك، وادعى النحاس الإجماع عليه، وهو غير صحيح. ونقل فيها فتح عينها وكسرها إذا وليها ساكن نحو مع القوم. انظر الكتاب ٣/٢٨٦-٢٨٧، شرح الأشموني ٢/٢٦٤-٢٦٥. الهمع ١/٢١٧-٢١٨..

١١ هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السجستاني، كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وروى عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وغيرهم، وعنه ابن زيد دريد وغيره، صنف إعراب القرآن، لحن العامة. القراءات، الوحوش وغير ذلك مات سنة ٢٥٥ هـ بغية الوعاة ١/٦٠٦-٧٠٧..
١٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٣ هذا التوجيه لأبي حيان، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٤ المختصر (٩١)، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٥ ميم: سقط من ب..
١٦ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٧ في ب: ثم من وجهها. وهو تحريف..
١٨ من توجيه قراءة يحيى بن يعمر..
١٩ في ب: قبل وهو تحريف..
٢٠ قال تعالى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]..
٢١ من: سقط من ب..
٢٢ أنه لا إله: سقط من ب..
٢٣ [الأنبياء: ٢٥]..
٢٤ انظر معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٨٩، الفخر الرازي ٢٢/١٥٨..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٥٨..
٢٦ المرجع السابق..
٢٧ المرجع السابق..
٢٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٣، البيان ٢/١٦٠، التبيان ٢/٩١٥، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٢٩ الكشاف ٣/٨..
٣٠ المختصر (٩١). والمحتسب: ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣١ قاله صاحب اللوامح. انظر البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣٢ والتقدير: هو الحق أو هذا الحق.
انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٣، المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..

٣٣ الكشاف ٣/٨..
قوله تعالى :﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ﴾ الآية. اعلم أن هذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم » نُوحِي «بالنون وكسر الحاء على التعظيم لقوله :«أَرْسَلْنَا » وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول١.
١ السبعة (٤٢٨)، الكشف ٢/١٤-١٥، الإتحاف ٣٠٩..
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ الآية. اعلم أن هذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم» نُوحِي «بالنون وكسر الحاء على التعظيم لقوله» «أَرْسَلْنَا» وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول.
قوله
: ﴿وَقَالُواْ
اتخذ
الرحمن
وَلَداً﴾
الآية.
لما بيَّن بالدلائل القاهرة كونه منزهاً عن الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد.
قال المفسرون: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: إنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. ثم إنه تعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله: «سبحانه»، لأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد، فلو كان لله ما يشبهه من بعض الوجوه فلا بد وأن يخالفه من وجه آخر، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله تعالى، وكل مركب ممكن، فاتخذاه للولد يدل على كونه ممكناً غير واجب، وذلك يخرجه عن حد الإلهية ويدخله في حد العبودية، فلذلك نزه نفسه. قوله: «بَلْ عِبَادٌ» «عِبَاد» خبر مبتدأ مضمر، أي هم عباد، و «مُكْرَمُونَ» في قراءة العامة مخفف، وقراءة عكرمة مشدد و «لا يَسْبِقُونَهُ» جملة في محل رفع صفة ل «عباد» والعامة على كسر الباء في «يَسْبِقُونَهُ» وقرئ بضمها وخرجت على أنه مضارع سَبَقَهُ، أي: غلبه في السبق، يقال: سابقه فَسَبَقَه يَسْبُقُه أي: غلبه في السبق، ومضارع فعل في المغالبة مضموم العين مطلقاً إلا في يائيّ العين أو لامه والمراد لا يسبقونه بقوله، فعوض الألف واللام عن
478
الضمير عند الكوفيين، والضمير محذوف عند البصريين أي: بالقول منه.

فصل


لما نزه تعالى نفسه أخبر عنهم بأنهم عباد، والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على سائر العباد لا يسبق قولهم قوله، وإن كان قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره لا يعلمون عملاً ما لم يؤمروا به ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكما لالعبودية. قال ابن عباس: يعلم ما قدموا وأخروا من أعمالهم. وقال مقاتل: بعلم ما كان قبل ان يخلقهم، وما يكون بعد خلقهم.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآخرة، «وَمَا خَلْفَهُمْ» الدنيا. وقيل بالعكس ثم قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ أي لمن هو عند الله مرضي. قاله مجاهد، وقال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله. ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى مفعوله. «مُشْفقُونَ» خائفون لا يأمنون من مكره، ونظيره قوله تعالى ﴿لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾ [النبأ: ٣٨].
«وروي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» أنه رأى جبريل -
479
عليه السلام - ليلة المعراج ساقطاً كالحلس من خشية الله «.
قوله: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ﴾.
قال قتادة: عنى إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إلهٌ من دون الله.
والآية لا تدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه، وهذا قريب من قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] قوله:»
فذلك نجزيه «يجوز في» ذلك «وجهان:
أحدهما: أنه مرفوع بالابتداء، وهذا وجه حسن.
والثاني: أنه منصوب بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، والمسألة من باب الاشتغال، وفي هذا الوجه إضمار عامل مع الاستغناء عنه، فهو مرجوح.
والفاء وما في حيزها في موضع جزم جواباً للشرط.
و»
كذلك «نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر أي جزاء مثل ذلك الجزاء، أو نجزي الجزاء حال كونه مثل ذلك.
وقرأ العامة»
نَجْزِيه «بفتح النون، وأبو عبد الرحمن المقرئ بضمها، ووجهها أنه من أجزأ بالهمز من أجزائي كذا، أي: كفاني، ثم خففت الهمزة فانقلبت إلى الياء.
480

فصل


احتجت المعتزلة بقوله: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، لأنه لا يقال في أهل الكبائر: إن الله يرتضيهم.
والجواب: قول ابن عباس والضحاك: أن معنى ﴿إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ أي لمن قال: لا إله إلا اله. وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وهو أن من قال لا إله إلا اله فقد ارتضاه الله في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله في ذلك (فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله) وإذا ثبت الله سبحانه قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس.

فصل


دلَّت الآية على أن الملائكة مكلفون لقوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾، وعلى أن الملائكة معصومون. قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾ قال القاضي عبد الجبار: هذا يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم، كما توعد الملائكة به، وذلك يوجب القطع بأنه تعالى لا يغفر الكبائر في الآخرة. وأجيب بأن أقصى ما فيه أن هذا العموم مشعر بالوعيد، وهو معارض بعمومات الوعد.
والمراد ب» الظَّالِمينَ «الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
481
و «لا يَسْبِقُونَهُ » جملة في محل رفع صفة ل «عباد »١ والعامة على كسر الباء في «يَسْبِقُونَهُ » وقرئ بضمها٢ وخرجت على أنه مضارع سَبَقَهُ، أي : غلبه في السبق، يقال : سابقه فَسَبَقَه يَسْبُقُه أي : غلبه في السبق، ومضارع فعل في المغالبة مضموم العين مطلقاً إلا في يائيّ٣ العين أو لامه٤ والمراد لا يسبقونه بقوله، فعوض الألف واللام عن الضمير٥ عند الكوفيين٦، والضمير محذوف عند البصريين أي : بالقول منه٧.

فصل


لما نزه تعالى نفسه أخبر عنهم بأنهم عباد، والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على٨ سائر العباد لا يسبق قولهم قوله، وإن٩ كان قولهم تابع لقوله فعملهم أيضاً مبني على أمره١٠ لا يعملون عملاً ما لم يؤمروا به١١
١ انظر التبيان ٢/٩١٦..
٢ انظر المختصر (٩١)، الكشاف ٣/٩، البحر المحيط ٦/٣٠٧..
٣ في الأصل: ثاني. وهو تحريف..
٤ وذلك أن مضارع (فعل) بفتح العين في باب المغالبة يكون على (يفعل) بضم العين، ومعنى المغالبة أن تشارك غيرك في معنى فيظهر واحد منكما على الآخر ويستبد بالمعنى دونه، فينسبه إلى نفسه بصيعة ثلاثي مفتوح العين نحو كارمني فكرمته أكرمه. فإذا أردت الدلالة على أن اثنين تفاخرا في أمر، فغلب أحدهما الآخر فإنك تحول الفعل إلى باب نصر ينصر، سواء كان هذا الفعل من هذا الباب أصلا كناصرته فنصرته فأنا أنصره، أم كان من غيره نحو ضاربني فضربته فأن أضربه وكارمني فكرمته فأن أكرمه.
إلا أن يكون المثال الواوي، كوعد، والأجوف والناقص اليائين كباع ورمى، فمضارعها بكسر العين.
انظر شرح الشافية ١/٧٠-٧١..

٥ في النسختين: عن الضمة. والصواب ما أثبته..
٦ وكذا قال الزمخشري: (والمراد بقولهم فأنيب اللام مناب الإضافة) الكشاف ٣/٩ وانظر البحر المحيط ٦/٣٠٧..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٧..
٨ في ب: عن..
٩ في ب: وإذا..
١٠ في النسختين: عمله. والتصويب من الفخر الرازي..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٥٩..
ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال :﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية١. قال ابن عباس٢ : يعلم ما قدموا وأخروا من أعمالهم. وقال مقاتل : بعلم ما كان قبل أن يخلقهم، وما يكون بعد خلقهم.
وقيل :﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآخرة، «وَمَا خَلْفَهُمْ » الدنيا. وقيل بالعكس٣ ثم قال :﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ أي لمن هو عند الله مرضي. قاله مجاهد٤، وقال ابن عباس : لمن قال لا إله إلا الله٥. ﴿ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ ﴾ أي : من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى مفعوله. «مُشْفقُونَ » خائفون لا يأمنون من مكره، ونظيره قوله تعالى ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾٦.
وروي٧ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه رأى جبريل - عليه السلام- ليلة المعراج ساقطاً كالحلس٨ من خشية الله »٩.
١ المرجع السابق..
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٤ انظر البغوي ٥/٤٨٢..
٥ المرجع السابق..
٦ من قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا﴾ [النبأ: ٣٨]..
٧ في الأصل: روى..
٨ في الأصل: كالجالس. وفي ب: جالسا كالساقط..
٩ انظر الفائق ١/٣٠٥، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١١٠) ويشبه به الذي لا يبرح منزله فيقال: هو حلس بيته..
قوله :﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ ﴾. قال قتادة : عنى إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إلهٌ من دون الله١.
والآية لا تدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه، وهذا قريب٢ من قوله :﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾٣ قوله :«فذلك نجزيه » يجوز في «ذلك » وجهان :
أحدهما : أنه مرفوع بالابتداء٤، وهذا وجه حسن.
والثاني : أنه منصوب بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر٥، والمسألة من باب الاشتغال، وفي هذا الوجه إضمار عامل مع الاستغناء عنه، فهو مرجوح٦.
والفاء وما في حيزها في موضع جزم جواباً للشرط٧.
و «كذلك » نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر أي جزاء مثل ذلك الجزاء، أو نجزي٨ الجزاء حال كونه مثل ذلك٩.
وقرأ العامة «نَجْزِيه » بفتح النون، وأبو عبد الرحمن المقرئ١٠ بضمها١١، ووجهها أنه من أجزأ بالهمز من أجزائي١٢ كذا، أي : كفاني، ثم خففت الهمزة فانقلبت إلى الياء١٣.

فصل١٤


احتجت المعتزلة بقوله :﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر، لأنه لا يقال في أهل الكبائر : إن الله يرتضيهم.
والجواب : قول ابن عباس والضحاك : أن معنى ﴿ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ أي لمن قال : لا إله إلا اله. وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وهو أن من قال لا إله إلا اله فقد ارتضاه الله في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله في ذلك ( فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله )١٥ لأن المركب متى صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت الله سبحانه قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس.

فصل١٦


دلَّت الآية على أن الملائكة مكلفون لقوله :﴿ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾، وعلى١٧ أن الملائكة معصومون. قوله :﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين ﴾ قال القاضي عبد الجبار : هذا يدل على أن كل ظالم يجزيه الله جهنم، كما توعد الملائكة به، وذلك يوجب القطع بأنه تعالى لا يغفر الكبائر في الآخرة. وأجيب بأن أقصى١٨ ما فيه أن هذا العموم مشعر بالوعيد، وهو معارض بعمومات الوعد.
والمراد ب «الظَّالِمينَ » الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
١ انظر البغوي ٥/٤٨٢..
٢ في الأصل: أقرب..
٣ من قوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] وانظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٤ والجملة بعده خبر التبيان ٢/٩١٦..
٥ انظر التبيان ٢/٩١٦..
٦ وأيضا فالجملة خرجت من الاسمية إلى الفعلية، ولا يوجد سبب لاقتران جواب الشرط بالفاء..
٧ وهو قوله: "ومن يقل منهم..." وانظر التبيان ٢/٩١٦..
٨ في ب: ونجزي..
٩ وجوز أبو البقاء في "كذلك" أن يكون في موضع نصب بـ "نجزي" أي جزاء مثل ذلك التبيان ٢/٩١٦. ولو نظرنا إلى تقدير أبي البقاء لوجدناه يقصد أنه نعت لمصدر محذوف..
١٠ هو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمان القرشي المقرئ البصري ثم الكوفي إمام كبير في الحديث، ومشهور في القراءات، روى الحروف عن نافع، روى عنه ابنه محمد شيخ أبي بكر الأصبهاني، مات سنة ٣٢٢ هـ طبقات القراء ١/٤٦٣-٤٦٤..
١١ المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٧..
١٢ في ب: أجزأ في. وهو تحريف..
١٣ وقد وجه ابن جني هذه القراءة بأنه يقال: أجزأني الشيء أي كفاني، فكأنه في الأصل نجزئ به جهنم، أي نكفيها به، ثم حذف حرف الجر فصار نجزئه جهنم، أي نطعمه جهنم، كما حذف حرف الجر في قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي من قومه، ثم أبدلت الهمزة من "نجزئه" ياء على حد أخطيت وإبدال الهمزة هنا ياء لغير علة إلا طلبا للتخفيف. انظر المحتسب ٢/٦٢، وسر صناعة الإعراب ٢/٧٣٩، وانظر أيضا البحر المحيط ٦/٣٠٧..
١٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠-١٦١..
١٧ في ب: على..
١٨ في ب: أقضى..
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع، وعلى كونه منزهاً عن الشريك، وعلى التوحيد، فتكون
481
كالتوكيد لما تقدم، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود إلهين يقتضي وقوع الفساد. وفيه رَدٌّ على عبدة الأوثان من حيث أن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات العظيمة، كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع؟ فهذا وجه النظم. قرأ ابن كثير «أَلَمْ يَرَ» من غير واو، والباقون بالواو. ونظير حذف الواو وإثباتها هنا ما تقدم في البقرة وآل عمران في قوله: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقد تقدم حكمه، وإدخال الواو يدل على العطف على آخر تقدمه. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية، وأن تكون بصرية. ف «أَنَّ» وخبرها سادة مسد مفعولين عند الجمهور على الأول، ومسد واحد والثاني محذوف عند الأخفش. وسادة مسد واحد قط على الثاني. فإن قيل: إن كان المراد بالرؤية البصرية فمشكل، لأن القوم ما رأوهم كذلك ألبتة، ولقوله تعالى: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾ [الكهف: ٥١]. وإن كان المراد بالرؤية العلم فمشكل، لأن الأجسام قابلة للفتق والرتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولاً وبالفتق ثانياً لا
482
سبيل إليه إلا بالسمع والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال.
فالجواب: المراد من الرؤية العلم، وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه:
أحدها: أنا نثبت نبوة محمد - عليه السلام - بسائر المعجزات، قم نستدل بقوله، ثم نجعله دليلاً على حصول النظام في العالم، وانتفاء الفساد عنه، وذلك يؤكد الدلالة المذكورة في التوحيد.
وثانيها: أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق والفتق، والعقل يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.
وثالثها: أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إيها بعين إلهية، فصارت ماء، ثم خلق السموات والأرض منها، وفتق بينهما، وكان بين اليهود وعبدة الأوثان نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فاحتج الله عليهم بهذه الحجة على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك.
قوله: «كَانَتَا» الضمير يعود على «السَّمواتِ والأَرضَ» بلفظ التثنية والمتقدم جمع وفي ذلك أوجه:
أحدها: ما ذكره الزمخشري فقال: وإنما قال «كَانَتَا» دون كُنَّ، لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرضين، ومنه قولهم: لقاحان سوداوان، أي: جماعتان، فعل في المضمر ما فعل في المظهر.
الثاني: قال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين.
الثالث: قال الحوفي: «كَانَتَا رَتْقَاً»، و «السَّمواتِ» جمع، لأنه أراد الصنفين. قال الأسود بن يعفر:
483
٣٧٠٩ - إِنَّ المَنِيَّةَ وَالخَوْفَ كِلاَهُمَا يُوفِي المخَارِمَ يَرْقُبَان سَوَادِي
لأنه أراد الوعين. وتبعه ابن عطية في هذا فقال: وقال: «كَانَتَا» من حيث هما نوعان ونحوه قول عمرو بن شُيَيْم:
٣٧١٠ - أَلَمْ يَحْزُنْكَ أن حِبَالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَاً
قال الأخفش: «السَّموات» نوع، والأرض نوع، ومثله: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١]. ومن ذلك: أصلحنا بين القومين، ومرت بنا غنمان أسودان، لأن هذا القطيع غنم، و «رَتْقَاً» خبر، ولم يثن لأنه في الأصل مصدر، ثم لك أن تجعله قائماً مقام المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق أو تجعله على حذف مضاف أي: ذواتي رتق. وهذه قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى «رَتَقاً» بفتح التاء وفيه وجهان:
484
أحدهما: أنه مصدر أيضاً، ففيه الوجاهن المتقدمان في الساكن التاء.
والثاني: أنه فعل بمعنى مفعول كالقَبض والنَّفَض بمعنى المقبوض والمنقوض، وعلى هذا فكان ينبغي أن يطابق مخبره في التثنية. وأجاب الزمخشري عن ذلك فقال: هو تقدير موصوف، أي: كانتا شيئاً رتقاً.
وقال المفضل: لم يقل: كانتا رتقين كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾ [الأنبياء: ٨] وحدّ «جسداً» كذلك ما نحن فيه كل واحد رتق.
ورجح بعضهم المصدرية بعدم المطابقة في التثنية، وقد عرف جوابه وله أن يقول: الأصل عدم حذف الموصوف، فلا يصار إليه دون ضرورة والرتق: الانضمام، ارتتق حلفه أي: انضم، وامرأة رتقاء أي: منسدة الفرج فلم يمكن جماعها من ذلك. والفتق: فصل ذلك المرتتق. وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق.

فصل


قال ابن عبَّاس في رواية عكرمة والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: كانتا شيءاً واحداً ملتزمين ففصل الله بينهما، ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، لأنه تعالى لما فصل بينهما جعل الأرض حيث هي، وأصعد الأجزاء السماوية. قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريحاً توسطتهما ففتقتهما. وقال مجاهد والسدي: كانت السموات مرتتقة طبقة واحدة
485
ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين. وقال ابن عباس في رواية عطاء وأكثر المفسرين: إن السموات كانت رتقاً مستوية صلبة لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، ونظيره قوله تعالى: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: ١١، ١٢] ورجحوا ذلك الوجه بقوله بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، وهو ما ذكرنا فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة، وهي سماء الدنيا.
فالجواب: إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وبُرْمَة أَعْشَار. وعلى هذا التأويل فتحمل الرؤية على الإبصار. وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله: ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾، وكقوله: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذي فطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.
وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات وأعيان متباينة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها من بعض، وينفصل بعضها عن بعض.
فبهذا الطريق يحسن جعل الرتق مجازاً عن العدم، والفتق عن الوجود.
وقيل: إن الليل سابق النهار لقوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] فكانت السموات والأرض مظلمة أولاً ففتقها الله بإظهار النهار المبصر. واعلم أن دلالة هذه
486
الوجوه على إثبات الصانع ووحدانيته ظاهرة لأن أحداً لا يقدر على مثل ذلك. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يجوز في «جَعَلَ» هذه أن يكون بمعنى «خَلَقَ» فيتعدى لواحد، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ و «من الماء» متعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه من «كُلَّ شَيْءٍ» لأنه في الأصل يجوز أن يكون وصفاً له فلما قدم عليه نصب على الحال. ومعنى خلقه من الماء: أحد شيئين: إما شدة احتياج كل حيوان للماء فلا يعيش بدونه، وإما لأنه مخلوق من النطفة التي تسمى ماء. ويجوز أن يكون (جَعَلَ) بمعنى (صَيَّرَ) فيتعدى رثنين ثانيهما الجار بمعنى أنا صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه. والعامة على خفض «حَيٍّ» صفة لشيء. وقرأ حميد بنصبه على أنه مفعول ثان ل «جعلنا» والظرف لغو، ويبعد على هذه القراءة أن يكون «جَعَلَ» بمعنى (خلق)، وأن ينتصب «حياً» على الحال.
قال الزمخشري: و «مِنْ» في هذا نحو «مِنْ» في قوله عليه السلام «ما أنا مِنْ دَدٍ وَلاَ الدَّدُ مِنَّي»
فإن قيل: كيف قال: خلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: ٢٧]، وقال عليه السلام: «إن الله تعالى خلق الملائكة من النور»، وقال في عيسى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِيِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وقال في حق آدم: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فالجواب: اللفظ وإن كان عاماً
487
إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الجليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك.

فصل


قال بعض المفسرين: المراد بقوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الحيوان فقط. وقال آخرون: بل يدخل فيه النبات، لأنه من الماء صار نامياً، وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمقصود، لأن المعنى كأنه قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً. فإن قيل: النبات لا يسمى حياً. فالجواب: لا نسلم، ويدل عليه قوله تعالى ﴿كَيْفَ يُحْيِيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ [الروم: ٥٠]. ثم قال ﴿أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ والمعنى أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعملوا بها ويتركوا طريقة الشرك.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ﴾ الرواسي الجبال، والراسي: هو الداخل في الأرض. قوله: «أنْ تَمِيدَ» مفعول من أجله، أي: أن لا تميد، فحذفت «لا» لفهم المعنى كما زيدت في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩]، أو كراهة أن تميد وقدره أبو البقاء فقال: مخافة أن تميد وفيه نظر، لأنا إن جعلنا المخافة مسندة إلى المخاطبين اختل شرط من شروط النصب في المفعول وهو اتحاد الفاعل. وإن جعلناها مسندة لفاعل الجعل استحال ذلك، لأنه تعالى لا يسند إليه الخوف. وقد يقال يختار أن يسند المخافة إلى المخاطبين، وقولكم يختل شرط من شروط النصب جوابه: أنه ليس بمنصوب بل مجرور بحرف الجر المقدر، وحذف حرف الجر مطرد مع أنَّ وأَنْ بشرطه.
488

فصل


قال ابن عباس: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها السفينة فأرساها الله بالجبال الثقال. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾ وجهان:
أحدهما: أنه (مفعول به) و «سُبُلاً» بدل منه.
والثاني: أنه منصوب على الحال من «سُبُلاً»، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب كقوله:
٣٧١١ - لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠].
وقال الزمخشري: فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كقوله تعالى: ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ٢٠]، قلت: لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله:
٣٧١٢ - لعزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ قَدِيمُ...
489
فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قُلْتُ: أحدهما: إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني: أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة. قال أبو حيان: يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه، وإن كان الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال: مررت بوحشيّ القاتل حمزة، وحالة المرور لم يمن قائماً به قتل حمزة. والفَجُّ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ، والجمع الفِجَاج. والضمير في «فيها» يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله
﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ [نوح: ١٩، ٢٠]. وأن يعود على الرواسي، يعني أنه جعل في الجبال طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً. وقوله ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي لكي يهتدوا إذ الشك لا يجوز على الله. والمعنى: ليهتدوا إلى البلاد. وقيل: ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم.
وقيل: الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملاً في مفهوميه معاً. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ سميت سقفاً، لأنها كالسقف للبيت، ومعنى «محفوظاً» أي: محفوظاً من الوقوع كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض﴾ [الحج: ٦٥]. وقيل: محفوظاً من الشياطين.
قوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾ جملة استئنافية، ويضعف جعلها حالاً مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد «عَنْ آيَتِهَا» بلفظ الإفراد.
دعا الخلق آية وهي مشتملة على آيات، أو أطلق الواحد وأراد به الجنس
490
والمعنى: أن الكفار معرضون عما خلق في السماء من الشمس والقمر والاستيضاء بنوريهما، والنجوم والاهتداء بها، وحياة الأرض بأمطارها، وعن كونها آية بينة على وجود الصانع ووحدانيته لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: كل منهما من الشمس والقمر أو منها أي من اليل والنهار والشمس والقمر. و «يَسْبَحُون» يجوز أن يكون خبر «كُلٌّ» على المعنى، و «في فَلَكٍ» متعلق به. ويجوز أن يكون حالاً والخبر «في فَلَكٍ». وكون المضاف إليه يجوز أن يقدر بالأربعة الأشياء المذكورة ذكره أبو البقاء ولم يذكر غيره، إلا أن المضاف إليه (الشَّمْس والقَمَر) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون (اللَّيلِ والنَّهَارِ)، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل: إنما جمع، لأن ثم معطوفاً محذوفاً تقديره: والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة يعود هذا الضمير إليها.
وقال الزمخشري: الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع مل يوم وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار. انتهى. والذي حسن ذلك كوته رأس آية. وقال أبو البقاء: و «يسبحون» على هذا الوجه حال، والخبر «في فَلَكٍ». وقيل: التقدير: وكلها، والخبر «يَسْبَحُونَ» وأتى بضمير الجمع على معنى «كل».
وفي هذا الكلام نظر من حيث أنه لما جوز أن يكون المضاف إليه شيئين جعل الخبر الجار و «يَسْبَحُونَ» حالاً فراراً من عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، فوقع في تخالف الحال وصاحبها.
وأما الثاني فلأنه لمَّا أسند إليها السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمعها جمع
491
العقلاء كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] و ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
قال الزمخشري: والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه أي: كلهم. ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وهذه الجملة يجوز أن يكون محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر». فإن قلنا: إن السباحة تنسب إلى الليل والنهار كما نقل عن أبي البقاء في أحد الوجهين يكون حالاً من الجميع، وإن كان لا يصح نسبتها إليهما كانت حالاً من «الشمس والقمر» وتأويل الجمع قد تقدم. قال أبو حيان: أو محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر» لأن الليل والنهار لا يصفان بأنهما يجريان في فَلَكٍ فهو كقولك: رأيت هنداً وزيداً (متبرجة). انتهى. وسبقه إلى هذا الزمخشري، يعني أنه قد دل على أن الحال من بعض ما تقدم كما في المثال المذكور، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: لكل واحد من القمرين فَلَكٌ على حدة فكيف قال: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قُلْت: هذا كقولهم: كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي: كل واحد منهم. والسباحة العوم في الماء، وثد يعبر عن مطلق الذهاب وقد تقدم اشتقاقه في «سُبْحَانَكَ».
ومعنى «يُسَبِّحُونَ» يسيرون بسرعة كالسابح في الماء.
492

فصل


اعلم أن للكواكب حركتين الأولى: مجمع عليها وهي حركتها من المشرق إلى المغرب. والحركة الثانية: قالت الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إن للكواكب حركة أخرى من المشرق إلى المغرب، قالوا: وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا بأنا وجدنا الكواكب السيارة كل ما كان منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة منه تقدمه نحو المشرق. وهذا في القمر ظاهر جداً، فإنه يظهر بعد الاجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس، ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقه على ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه، ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي، وينكشف ذلك الكوكب بطرفه الغربي. فعلمنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق. وأجيبوا: بأن ذلك محال، لأن الشمس مثلاً إذا كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، وهي متحركة بسبب الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة، وذلك محال، لأن التحرك إلى جهة يقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها، فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين، وهو محال.
قالوا: ما ذكرتموه ينتقض بما إذا دارت الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها متحركة على خلاف ذلك الجانب. وللكلام في هذه المسألة مكان غير هذا.

فصل


والفَلَكُ مدار النجوم، والفَلَكُ في كلام العرب كل مستدير وجمعه أَفْلاَك، ومنه فلك المغزل. قال الضحاك: الفلك ليس بجسم، وإنما هو مدار هذه النجوم. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء. وقال بعضهم: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقيل: ماء مجموع تجري فيه الكواكب. واحتجوا
493
بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. وأجيبوا بالمنع، فإنه يقال في الفرس الذي يمدّ يديه في الجري «سابح.
وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل.
وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول. واختلف الناس في حركات الكواكب، فقال بعضهم: الفلك ساكن والكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة في الماء، وقال آخرون: الفلك متحرك، والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته، أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة.
وقيل: الفلك متحرك والكواكب مغزورة فيه. أما الأول فقالت فذلك أيضاً يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق، وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم، لأن الكوكب يتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق. فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون الكوكب مغزوراً في الفلك، والفلك يتحرك، فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على أن امتناع الخرق على الأفلاك باطلن بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة، والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي دل عليه لفظ القرآن أن الأفلاك ثابتة والكواكب جارية كما تسبح السمكة في الماء.

فصل


احتج ابن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله»
يَسْبَحُونَ «قال: والجمع
494
بالواو والنون لا يكون للعقلاء، وبقوله تعالى: ﴿والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
والجواب إنما أتى بضمير العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
495
قوله :﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ ﴾ الرواسي الجبال، والراسي : هو الداخل في الأرض١. قوله :«أنْ تَمِيدَ » مفعول من أجله، أي : أن لا تميد٢، فحذفت «لا » لفهم المعنى كما زيدت في ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾٣، أو كراهة أن تميد٤ وقدره أبو البقاء فقال : مخافة أن تميد٥ وفيه نظر، لأنا إن جعلنا المخافة مسندة إلى٦ المخاطبين اختل شرط من شروط النصب في المفعول وهو اتحاد الفاعل٧. وإن جعلناها مسندة لفاعل الجعل استحال ذلك، لأنه تعالى لا يسند إليه الخوف. وقد يقال يختار أن يسند المخافة إلى المخاطبين، وقولكم يختل شرط من شروط النصب جوابه : أنه ليس بمنصوب بل مجرور بحرف الجر٨ المقدر٩، وحذف حرف الجر مطرد مع أنَّ وأَنْ بشرطه١٠.

فصل


قال ابن عباس : إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها السفينة فأرساها١١ الله بالجبال الثقال١٢. قوله :﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً ﴾ في " فجاجا " وجهان :
أحدهما : أنه ( مفعول به )١٣ و «سُبُلاً » بدل منه١٤.
والثاني : أنه منصوب على الحال من «سُبُلاً »١٥، لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب كقوله :
٣٧١١- لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ*** يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ١٦
ويدل على ذلك مجيئه صفة في قوله تعالى ﴿ لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا س ُبُلاً فِجَاجاً ﴾
وقال الزمخشري : فإن قلت : في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كقوله تعالى :﴿ لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾١٧، قلت : لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالاً كقوله :
٣٧١٢- لعزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ قَدِيمُ١٨ ***. . .
فإن قلت : ما الفرق بينهما من جهة المعنى ؟ قُلْتُ : أحدهما : إعلام بأنه جعل فيها طرقاً واسعة، والثاني : أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة١٩. قال أبو حيان : يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفاً به حالة الإخبار عنه، وإن كان٢٠ الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه، ألا ترى أنه يقال : مررت بوحشيّ القاتل حمزة، وحالة٢١ المرور لم يمن قائماً به قتل حمزة٢٢. والفَجُّ الطَّرِيقُ الوَاسِعُ، والجمع الفِجَاج٢٣. والضمير في «فيها » يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله ﴿ والله٢٤ جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ﴾٢٥ ٢٦. وأن يعود على الرواسي٢٧، يعني أنه جعل في الجبال طرقاً واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال : كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجاً وجعل فيها طرقاً٢٨. وقوله ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ أي لكي يهتدوا٢٩ إذ الشك لا يجوز على الله٣٠. والمعنى٣١ : ليهتدوا إلى البلاد. وقيل : ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم.
وقيل : الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملاً في مفهوميه٣٢ معاً٣٣.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
٢ قاله الكوفيون. الكشاف ٣/١٠، القرطبي ١١/٢٨٥..
٣ "الكتاب": سقط من ب. [الحديد: ٢٩]..
٤ قاله البصريون. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩٠، القرطبي ١١/٢٨٥..
٥ التبيان ٢/٩١٧..
٦ إلى: سقط من ب..
٧ لأن من شروط النصب في المفعول له اتحاده بالمعلل به فاعلا بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحد. انظر شرح التصريح ١/٣٣٥..
٨ في النسختين: العلة..
٩ كما قدره الكوفيون: لئلا. الكشاف ٣/١٠..
١٠ شرط حذف الجار مع (أنّ، وأنْ) أمن اللبس، نحو قوله تعالى: ﴿أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم﴾ [الأعراف: ٦٣، ٦٩]. وقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] أي: من أن جاءكم، وبأنه فإن خيف اللبس امتنع الحذف كما في رغبت في أن تفعل أو عن أن تفعل، لإشكال المراد بعد الحذف. واطرد حذف حرف الجر مع (أنّ) و(أنْ) لطولهما بالصلة انظر المغني ٢/٦٤٠، الأشموني ٢/٩١-٩٢..
١١ في ب: وأرساها..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
١٣ ما بين القوسين سقط من ب..
١٤ انظر التبيان ٢/٩١٧..
١٥ المرجع السابق..
١٦ البيت من مجزوه الوافر لكثير، وهو في ديوانه ٢/٢١٠ والكتاب ٢/١٢٣، ومجالس العلماء ١٣١، ١٣٢، والخصائص ٢/٤٩٢. ابن يعيش ٢/٥٠ المغني ١/٨٥، وشذور الذهب ٢٤، ٢٥٣، المقاصد النحوية ٣/١٦٣ شرح التصريح ١/٣٧٥ وشرح شواهد المغني ١/٣٤٩، شرح الأشموني ٢/١٧٤ والخزانة ٣/١١٢.
ميّة: اسم امرأة. الموحش: المنزل الذي صار قفرا لا أنيس به. الطلل: ما شخص من آثار الديار. خلل: جمع خلّة: وهي بطائن يغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره. والشاهد فيه نصب (موحشا) على الحال، وكان أصله صفة لـ (طلل) فقدمت على الموصوف فصارت حالا، وذلك لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها صارت حالا..

١٧ ؟؟؟؟؟.
١٨ صدر بيت من بحر الوافر قاله كثير، وعجزه: عفاه كل أسحم مستديم. وهو في ديوانه ٢/٢١٠، ابن يعيش ٢/٦٢-٦٤ وشرح التصريح ١/٣٧٥، الخزانة ٣/٢٠٩ عفاه: درسه وغيره. الأسحم: الأسود، والمراد هنا السحاب لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه. المستديم: صفة (كل) وهو السحاب الممطر مطر الديمة. والديمة: مطرة أقلها ثلث النهار أو ثلث الليل. والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق..
١٩ الكشاف ٣/١٠..
٢٠ كان: سقط من ب..
٢١ في ب: وبحالة..
٢٢ البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٣ وفي اللسان (فجج): الفج: الطريق الواسع بين جبلين، وجمعه فجاج..
٢٤ في الأصل: "الله"..
٢٥ [نوح: ١٩، ٢٠]..
٢٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥، البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٩..
٢٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٤..
٢٩ في النسختين: لكي يهتدون..
٣٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
٣١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
٣٢ في الأصل: مفهومين..
٣٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
قوله :﴿ وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً ﴾ سميت سقفاً، لأنها كالسقف للبيت، ومعنى «محفوظاً » أي : محفوظاً من الوقوع كقوله :﴿ وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض ﴾١. وقيل : محفوظاً من الشياطين٢.
قوله :﴿ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا ﴾٣ جملة استئنافية، ويضعف جعلها٤ حالاً مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد «عَنْ آيَتِهَا » بلفظ الإفراد٥.
دعا الخلق آية وهي مشتملة على آيات، أو٦ أطلق الواحد وأراد به الجنس٧ والمعنى : أن الكفار معرضون عما خلق في السماء من الشمس والقمر والاستيضاء٨ بنوريهما، والنجوم والاهتداء بها، وحياة الأرض بأمطارها، وعن كونها آية بينة على وجود الصانع ووحدانيته لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها٩.
١ "على الأرض": سقط من الأصل. [الحج: ٦٥]..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
٣ في بـ: آياتنا. وهو تحريف..
٤ في ب: حملها. وهو تحريف..
٥ المختصر: (٩١)، البحر المحيط ٦/٣١٠..
٦ في ب: و. وهو تحريف..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٣١٠..
٨ في الأصل: ويستضاء..
٩ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٥..
قوله :﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ أي : كل منهما من الشمس والقمر أو منها أي من الليل والنهار والشمس والقمر. و «يَسْبَحُون » يجوز أن يكون خبر «كُلٌّ » على المعنى، و «في فَلَكٍ »١ متعلق به. ويجوز أن يكون حالاً والخبر «في فَلَكٍ ». وكون المضاف إليه يجوز أن يقدر بالأربعة الأشياء المذكورة ذكره أبو البقاء ولم يذكر غيره٢، إلا أن المضاف إليه ( الشَّمْس٣ والقَمَر ) وهو الظاهر، لأن السباحة من صفتهما دون ( اللَّيلِ والنَّهَارِ )، وعلى هذا فيتعذر عن الإتيان بضمير الجمع، وعن كونه جمع من يعقل، أما الأول فقيل : إنما جمع، لأن ثم معطوفاً محذوفاً تقديره : والنجوم كما دلت عليه آيات أخر، فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة يعود هذا الضمير إليها٤.
وقال الزمخشري : الضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع مل يوم وليلة جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار٥. انتهى. والذي حسن ذلك كوته رأس آية٦. وقال أبو البقاء : و «يَسْبَحون » خبر " كلٌّ " على المعنى، لأن كل واحد إذا سبح فكلها تسبح. وقيل٧ : التقدير : وكلها، والخبر «يَسْبَحُونَ » وأتى بضمير الجمع على معنى «كل »٨.
وفي هذا الكلام نظر من حيث أنه لما جوز أن يكون المضاف إليه شيئين جعل الخبر الجار و «يَسْبَحُونَ » حالاً فراراً من عدم مطابقة الخبر للمبتدأ، فوقع في تخالف الحال٩ وصاحبها.
وأما الثاني فلأنه لمَّا أسند إليها السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمعها جمع العقلاء كقوله١٠ :﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾١١ و ﴿ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾١٢.
قال الزمخشري : والتنوين في «كل » عوض عن المضاف إليه أي : كلهم١٣. ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وهذه الجملة يجوز أن تكون لا محل لها من الإعراب لاستئنافها١٤ ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر »١٥. فإن قلنا : إن السباحة تنسب إلى الليل والنهار كما نقل عن أبي البقاء في أحد الوجهين١٦ يكون حالاً من الجميع، وإن كان لا يصح نسبتها إليهما١٧ كانت حالاً من «الشمس والقمر » وتأويل الجمع قد تقدم١٨. قال أبو حيان : أو١٩ محلها النصب على الحال من «الشمس والقمر » لأن الليل والنهار لا يتصفان بأنهما يجريان في فَلَكٍ فهو كقولك : رأيت هنداً وزيداً ( متبرجة٢٠ )٢١. انتهى. وسبقه إلى هذا الزمخشري، يعني أنه قد دل على أن الحال من بعض ما تقدم كما في المثال المذكور، قال الزمخشري : فإن قُلْتَ : لكل واحد من القمرين فَلَكٌ٢٢ على حدة فكيف قال :﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾. قُلْت : هذا كقولهم : كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي : كل واحد منهم٢٣. والسباحة العوم في الماء، وقد يعبر عن مطلق الذهاب وقد تقدم اشتقاقه في «سُبْحَانَكَ »٢٤.
ومعنى «يُسَبِّحُونَ » يسيرون بسرعة كالسابح في الماء.

فصل


اعلم أن للكواكب٢٥ حركتين الأولى : مجمع عليها٢٦ وهي حركتها من المشرق إلى المغرب. والحركة الثانية : قالت الفلاسفة وأصحاب٢٧ الهيئة : إن للكواكب حركة أخرى من المشرق إلى المغرب، قالوا : وهي ظاهرة في السبعة السيارة خفية في الثابتة، واستدلوا بأنا وجدنا الكواكب السيارة كل ما كان منها أسرع حركة إذا قارن٢٨ ما هو أبطأ حركة منه تقدمه نحو المشرق. وهذا٢٩ في القمر ظاهر جداً، فإنه يظهر بعد الاجتماع بيوم أو يومين من ناحية المغرب على بعد من الشمس، ثم يزداد كل ليلة بعداً منها إلى أن يقابلها وكل كوكب كان شرقياً منه على طريقه على ممر البروج يزداد كل ليلة قرباً منه، ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي، وينكشف ذلك الكوكب بطرفه الغربي. فعلمنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق. وأجيبوا : بأن ذلك محال، لأن الشمس مثلاً إذا كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة، وهي متحركة بسبب الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب لزم كون الجرم الواحد متحركاً حركتين٣٠ إلى جهتين مختلفتين دفعة واحدة، وذلك محال، لأن التحرك إلى جهة يقتضي حصول المتحرك في الجهة المنتقل إليها، فلو تحرك٣١ الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في مكانين، وهو محال.
قالوا : ما ذكرتموه ينتقض بما إذا دارت الرحى٣٢ إلى جانب والنملة التي تكون عليها متحركة على خلاف ذلك الجانب٣٣. وللكلام في هذه المسألة مكان غير هذا.

فصل


والفَلَكُ مدار النجوم، والفَلَكُ في كلام العرب كل مستدير وجمعه أَفْلاَك، ومنه فلك المغزل٣٤. قال الضحاك : الفلك ليس بجسم، وإنما هو مدار هذه النجوم٣٥. وقال الكلبي : الفلك استدارة السماء٣٦. وقال بعضهم : الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه٣٧. وقيل : ماء مجموع تجري فيه الكواكب٣٨. واحتجوا بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. وأجيبوا بالمنع، فإنه يقال في الفرس الذي يمدّ٣٩ يديه في الجري : سابح٤٠.
وقال الحسن : الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل٤١.
وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة : الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق٤٢ والالتئام والنمو والذبول٤٣. واختلف الناس٤٤ في حركات الكواكب، فقال بعضهم : الفلك ساكن والكواكب تتحرك فيه كحركة السمكة٤٥ في الماء، وقال آخرون : الفلك متحرك، والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته، أو موافقاً لجهته إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة.
وقيل : الفلك متحرك والكواكب مغروزة فيه. أما الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل، لأنه٤٦ يوجب خرق الفلك وهو محال.
وأما الثاني فحركة الكواكب إن كانت مخالفة لحركة الفلك فذلك أيضاً يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق، وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم، لأن الكوكب يتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق. فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك، والفلك يتحرك، فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على أن امتناع الخرق على الأفلاك باطل، بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة، والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي دل عليه لفظ القرآن أن الأفلاك ثابتة و٤٧ الكواكب جارية كما تسبح السمكة في الماء٤٨.

فصل٤٩


احتج ابن سينا٥٠ على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله «يَسْبَحُونَ »قال : والجمع بالواو والنون لا يكون للعقلاء، وبقوله تعالى :﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾٥١.
والجواب إنما أتى بضمير العقلاء للوصف بفعلهم٥٢ وهو السباحة.
١ انظر التبيان ٢/٩١٧..
٢ قال أبو البقاء: (قوله تعالى: "كل" أي واحد منهما أو منها، ويعود إلى الليل والنهار والشمس والقمر) التبيان ٢/٩١٧..
٣ في ب: والشمس..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣١٠..
٥ الكشاف ٣/١٠..
٦ قال الكسائي: (إنما قال: "يسبحون" لأنه رأس آية كما قال الله تعالى: ﴿نحن جميع منتصر﴾ [القمر: ٤٤] ولم يقل منتصرون) إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٠، القرطبي ١١/٢٨٦..
٧ في الأصل: قيل..
٨ التبيان ٢/٩١٧..
٩ الحال: سقط من ب..
١٠ في ب: لقوله تعالى..
١١ من قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]..
١٢ من قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]. أي أنه لما أخبر عنهما بفعل من يعقل فأجراه مجرى من يعقل، فجمع بالواو والنون، وانظر الكتاب ٢/٤٧، معاني القرآن للفراء ٢/٢٠١، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩١، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٤، البيان ٢/٨٤، البيان ٢/١٦٠ التبيان ٢/٩١٢..
١٣ الكشاف ٣/١٠..
١٤ انظر الكشاف ٣/١٠، البحر المحيط ٦/٣١٠..
١٥ المرجعان السابقان..
١٦ انظر التبيان ٢/٩١٧..
١٧ في ب: إليها. وهو تحريف..
١٨ في نص الزمخشري السابق فإنه قال: (الضمير للشمس والقمر والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة... )..
١٩ في ب: و..
٢٠ البحر المحيط ٦/٣١٠..
٢١ ما بين القوسين في ب: مسرخة. وهو تحريف..
٢٢ في الأصل: فلكم. وهو تحريف..
٢٣ الكشاف ٣/١٠-١١..
٢٤ من قوله تعالى: ﴿قالوا سبحناك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣٢]. وقوله: "سبحناك" ورد في القرآن تسع مرات أولها [البقرة] وآخرها [سبـأ: ٤١] انظر اللباب ١/١١٠..
٢٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٦. بتصرف يسير..
٢٦ عليها: سقط من ب..
٢٧ في الأصل: أصحاب..
٢٨ في الأصل: فارق. وسقط من ب..
٢٩ في الأصل: هذا..
٣٠ في ب: حركة. وهو تحريف..
٣١ في ب: تحركت. وهو تحريف..
٣٢ الرحى: الحجر العظيم، وهي التي يطحن بها. وتكتب بالألف وبالياء، لأنه يقال: رحوت بالرحا ورحيت بها. اللسان (رحا)..
٣٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٦ بتصرف يسير..
٣٤ انظر البغوي ٥/٤٨٥..
٣٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٧..
٣٦ انظر البغوي ٥/٤٨٥..
٣٧ فيه: سقط من ب. وانظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٧..
٣٨ قاله الكلبي. انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٧..
٣٩ في ب: يمدين..
٤٠ في الأصل: سابحا. انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٧..
٤١ انظر البغوي ٥/٤٨٥..
٤٢ في ب: الخرق..
٤٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٧..
٤٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٧-١٦٨..
٤٥ في ب: السما. وهو تحريف..
٤٦ في الأصل: كأنه. وهو تحريف..
٤٧ في ب: في. وهو تحريف..
٤٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٧-١٦٨..
٤٩ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٨..
٥٠ هو الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس صاحب التصانيف في الطب، والمنطق، والطبيعيات، والإلهيات مات سنة ٤٢٨ هـ. الأعلام ٢/٢٦١-٢٦٢، وفيات الأعيان ٢/١٥٧-١٦٢..
٥١ [يوسف: ٤]..
٥٢ في الأصل: بفعل. وهو تحريف..
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ الآية. لما استدل بالأشياء المذكورة، وهي من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما يدل على أن هذه الدنيا أمرها كذلك يبقى ولا يدوم، وإنما خلقها سبحانه وتعالى للابتلاء والامتحان، وليتوصل بها إلى دار الخلود فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾.
قال مقاتل: إن ناساً كانوا يقولون: إن محمداً لا يكون فنزلت هذه الآية.
وقيل: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون به في قولهم: نتربص بمحمد ريب المنون، فنفى الله عنه الشماتة بهذه الآية فقال: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً لا أنت ولا هم، وفي هذا المعنى قول القائل:
٣٧١٣ - فَقُلْ للشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا سيلقى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا
وقيل: يحتمل أنه لما أظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء، وجاز أن يقدم مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه، فنبه الله تعالى على أنه حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت.
495
قوله: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ﴾ تقدم نظيره في آل عمران عند قوله: ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه، وهو أنه إذا اجتمع شرط واستفهام أجيب الشرط، فتكون الآية قد دخلت فيها همزة الاستفهام على جملة الشرط، وليست مصبًّا للاستفهام، وزعم يونس أن الاستفهام منصب على الجملة المقترنة بالفاء، وأن الشرط معترض بين الاستفهام وبينها، وجوابه محذوف. وليس بشيء إذ لو كان كما قال لكان التركيب: أفإن مت هم الخالدون بغير فاء. وكان ابن عطية ينحى منحى يونس فإنه قال: وألف استفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط.
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ هذا العموم مخصوص فإن له تعالى نفساً لقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] مع الموت لا يجوز عليه.
قال ابن الخطيب: وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول والنفوس الفلكية لا تموت. واعلم أن الذوق ها هنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إذ ذاك خاص، فيجوز جعله مجازاً عن اصل الإدراك.
وأما الموت فالمراد منه هنا مقدماته من الآلام العظيمة، لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتاً، والميت لا يدرك شيئاً والإضافة
496
في ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ في تقدير الانفصال، لأنه لما يستقبل، كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ [المائدة: ١] و ﴿هَدْياً بَالِغَ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥].
قوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير﴾ «نَبْلُوكُمْ» نختبركم «بالشَّر والخَيْرِ» بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر.
وقيل: بما تحبون وما تكرهون لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم. وإنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما يكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار. قوله: «فِتْنَةً» في نصبه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مفعول من أجله.
الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي فاتنين.
الثالث: أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة، فكأنه قيل: نفتنكم فتنة. ثم قال: «وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» أي: إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته بيّن بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد. وقرأ العامة «ترجعون» بتاء الخطاب مبنياً للمفعول. وغيرهم بياء الغيبة على الالتفات.
497
قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾ المعنى: ما يتخذونك إلا هزواً، وهذا رجوع إلى تهجين كفرهم. قال السدي ومقاتل: «نزلت في أبي جهل قرية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وكان أبو سفيان مع أبي جهل، لأبي سفيان: هذا نبيّ عبد مناف، فقال أبو سفيان: وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهما فقال لأبي جهل» ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة «فنزلت هذه الآية. فوله:» إنْ يَتَّخِذونَك «» إنْ «هنا نافية، وهي وما في حيزها جواب الشرط بإذا. و» إذا «مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب (إن) النافية أو ب (ما) النافية وجب الإتيان بالفاء تقول: إن أتيتني فإن أهنتك، أو فما أهنتك، وتقول: إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥] و» اتخذ «هنا متعد لاثنين و» هُزُواً «هو الثاني إما على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول.
وفي جواب»
إذَا «قولان:
أحدهما: أنه»
إِنْ «النافية وقد تقدم.
والثاني: أنه محذوف، وهو القول الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في قوله ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ إذ التقدير: وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقدر.
قوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ﴾ »
هُمْ «الأولى مبتدأ مخبر عنه ب» كَافِرُونَ «، و» بِذِكْرِ «متعلق بالخبر، والتقدير: وهم كافرون بذكر، و» هُمْ «الثانية تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول.
وفي هذه الجملة قولان:
أحدهما: أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر، أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالة.
498
والثاني: أنها حال من فاعل «يتخذونك»، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله.

فصل


والمعنى: أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون، ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون. ويحتمل أن يراد «بذكر الرحمن» القرآن. ومعنى إعادة «وهم» أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في إعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
499
قوله١ :﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ﴾ هذا العموم٢ مخصوص فإن له تعالى نفساً لقوله تعالى :﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾٣ مع الموت لا يجوز عليه.
قال ابن الخطيب : وكذا الجمادات لها نفوس، وهي لا تموت٤، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول والنفوس الفلكية لا تموت. واعلم أن الذوق ها هنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إذ ذاك خاص، فيجوز جعله مجازاً عن أصل الإدراك٥.
وأما الموت فالمراد منه هنا مقدماته من الآلام العظيمة، لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه، وحال وجوده يصير الشخص ميتاً، والميت لا يدرك شيئاً والإضافة في ﴿ ذَآئِقَةُ الموت ﴾ في تقدير الانفصال، لأنه لما يستقبل٦، كقوله٧ :﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد ﴾٨ و ﴿ هَدْياً بَالِغَ الكعبة ﴾٩.
قوله :﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير ﴾ «نَبْلُوكُمْ » نختبركم «بالشَّر والخَيْرِ » بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر. وقيل : بما تحبون وما تكرهون١٠ لكي يشكر على المنح ويصبر على المحن، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم. وإنما سمي ذلك ابتلاء١١ وهو عالم بما يكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار١٢. قوله :«فِتْنَةً » في نصبه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مفعول من أجله١٣.
الثاني : أنه مصدر في موضع الحال، أي فاتنين١٤.
الثالث : أنه مصدر من معنى العامل لا من لفظه، لأن الابتلاء فتنة، فكأنه قيل : نفتنكم فتنة١٥. ثم قال :«وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ » أي : إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته بيّن بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد١٦. وقرأ العامة «ترجعون » بتاء الخطاب مبنياً للمفعول١٧. وغيرهم بياء الغيبة على الالتفات١٨.
١ في ب: قوله تعالى..
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٩..
٣ [المائدة: ١١٦]..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩..
٦ وتسمى هذه الإضافة بالإضافة اللفظية، وبالإضافة غير المحضة، وهي أن يكون المضاف وصفا يشبه الفعل المضارع وهو كل اسم فاعل أو مفعول بمعنى الحال أو الاستقبال أو صفة مشبهة ولا تكون إلا بمعنى الحال. فمثال اسم الفاعل هذا ضارب زيد الآن أو غدا. واسم المفعول هذا مضروب الأب. والصفة المشبهة هذا حسن الوجه. وهذه الإضافة لا تفيد تخصيصا ولا تعريفا، والدليل على ذلك وصف النكرة في قوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] وإنما تفيد التخفيف وهو حذف التنوين ونون الجمع والتثنية من المضاف ورفع القبح في نحو مررت بالرجل الحسن الوجه ففي رفع الوجه على الفاعلية قبح خلو الصفة عن ضمير يعود على الموصوف وفي نصبه على التشبيه بالمفعول به قبح إجراء الفعل القاصر مجرى وصف الفعل المتعدي، وفي الجر تخلص منهما. انظر شرح التصريح ٢/٢٧-٢٩..
٧ في ب: لقوله..
٨ من قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلّي الصيد وأنتم حرم إنّ الله يحكم ما يريد﴾ [المائدة: ١] فـ "محلي" اسم فاعل مضاف إلى مفعوله..
٩ [المائدة: ٩٥]. فـ "بالغ الكعبة" نعت لـ "هديا" و "هديا" نكرة وهذا دليل على أن الإضافة غير المحضة لا تفيد تخصيصا ولا تعريفا..
١٠ انظر البغوي ٥/٤٨٦..
١١ في الأصل: ابتداء وهو تحريف..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٦٩-١٧٠..
١٣ انظر التبيان ٢/٩١٨، والبحر المحيط ٦/٣١١..
١٤ المرجعان السابقان..
١٥ انظر الكشاف ٣/١١، التبيان ٢/٩١٨، والبحر المحيط ٦/٣١١..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٠..
١٧ في السبعة قال ابن مجاهد: (روى عباس عن أبي عمرو: "ترجعون" بالياء مضمومة وقرأ ابن عامر وحده "ترجعون" بنصب التاء، والباقون "إلينا ترجعون" بضم التاء ) ٤٢٩..
١٨ قال أبو حيان: (وقرأت فرقة بضم الياء للغيبة مبنيا للمفعول على سبيل الالتفات) البحر المحيط ٦/٣١١..
قوله :﴿ وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً ﴾ المعنى : ما يتخذونك إلا هزواً، وهذا رجوع إلى١ تهجين كفرهم. قال السدي ومقاتل :«نزلت في أبي جهل قرية النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو سفيان مع أبي جهل، فقال أبو جهل٢ لأبي سفيان : هذا نبيّ عبد مناف، فقال أبو سفيان : وما تنكر٣ أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع٤ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولهما فقال لأبي جهل «ما أراك٥ تنتهي حتى ينزل بك٦ ما نزل بعمك٧ الوليد بن المغيرة، وأما أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلته رحمة » فنزلت هذه الآية٨. قوله :«إنْ يَتَّخِذونَك » إنْ «هنا نافية، وهي وما في حيزها جواب الشرط بإذا٩. و«إذا » مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإن أدوات الشرط متى أجيبت ب ( إن ) النافية أو ب ( ما ) النافية وجب الإتيان بالفاء تقول : إن أتيتني فإن أهنتك، أو فما أهنتك، وتقول : إذا أتيتني ما أهنتك بغير فاء يدل له قوله تعالى :﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾١٠ و «اتخذ » هنا متعد لاثنين و «هُزُواً » هو الثاني إما على حذف مضاف، وإما على الوصف بالمصدر مبالغة، وإما على وقوعه موقع اسم المفعول١١.
وفي جواب «إذَا » قولان :
أحدهما : أنه «إِنْ » النافية وقد تقدم.
والثاني : أنه محذوف، وهو القول الذي قد حكي به الجملة الاستفهامية في قوله ﴿ أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ﴾ إذ التقدير : وإذا رآك الذين كفروا يقولون أهذا الذي، وتكون الجملة المنفية معترضة بين الشرط وبين جوابه المقدر١٢.
قوله :﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كَافِرُونَ ﴾ «هُمْ »١٣ الأولى مبتدأ مخبر عنه ب «كَافِرُونَ »، و «بِذِكْرِ » متعلق بالخبر، والتقدير : وهم كافرون بذكر، و «هُمْ » الثانية١٤ تأكيد١٥ للأول تأكيداً لفظياً، فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول.
وفي هذه الجملة قولان :
أحدهما : أنها في محل نصب على الحال من فاعل القول المقدر، أي١٦ : يقولون ذلك وهم على هذه الحالة١٧.
والثاني : أنها حال من فاعل «يتخذونك »، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال : والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزواً وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله١٨.

فصل١٩


والمعنى : أنهم يعيبون عليه كونه يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء مع أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم الخالق المحيي المميت كافرون، ولا فعل أقبح من ذلك فيكون الهزؤ واللعن والذم عليهم من حيث لا يشعرون٢٠. ويحتمل أن يراد «بذكر الرحمن » القرآن. ومعنى إعادة «وهم » أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل، والثانية إبانة لاختصاصهم به، وأيضاً فإن في إعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
١ في الأصل: لا. وهو تحريف..
٢ في ب: أبي جهل. وهو تحريف..
٣ في ب: نكر..
٤ في ب: وسمع..
٥ في ب: ما أدراك..
٦ في الأصل: بعمك. وهو تحريف..
٧ في ب: ما نزل بك بعمك..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٠، والبحر المحيط ٦/٣١١..
٩ انظر البحر المحيط ٦/٣١١..
١٠ [الجاثية: ٢٥]..
١١ انظر التبيان ٢/٩١٨، البحر المحيط ٦/٣١٢..
١٢ انظر البحر المحيط ٦/٣١٢..
١٣ هم: سقط من ب..
١٤ في ب: الثاني..
١٥ في ب: تأكيدا..
١٦ في الأصل: و..
١٧ واستظهره أبو حيان. البحر المحيط ٦/٣١٢..
١٨ الكشاف ٣/١١..
١٩ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٠..
٢٠ في ب زيادة بعد لا يشعرون: يقال: فلان يذكر فلانا، أي يعينه، وفلان يذكر الله أي يعظمه..
قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية. في المراد بالإنسان قولان:
أحدهما: أنه النوع، وذلك أنهم كانوا يستعجلون العذاب ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾. (والمعنى أن ينبته من العجلة وعليها طبع كما قال: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١]. فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ ؟
فالجواب أنه تعالى نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة مرغوب فيها.
القول الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث.
499
وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك: المراد آدم عليه السلام. وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم قال: خلق آدم بعد كل شيء من آخر نهار يوم الجمعة، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فوقع فقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ والقول الأول أولى، لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع. قوله: «من عجل» فيه قولان:
أحدهما: أنه من باب القلب، والأصل: خُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ لشدة صدوره منه وملازمته له وإلى هذا ذهب أبو عمرو، ويؤيده قراءة عبد الله: «وَخُلِقَ العَجَلُ مِنَ الإنْسَانِ». والقلب موجود في كلامهم قال الشاعر:
٣٧١٤ - حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخذُهُ... يريد: حسرت السربال عن كفي.
ومثله في الكلام: إذا طلعت الشِّعرى استوى العود على الحِرْبَاء وقالوا: عرضت الناقة على الحوض، وتقدم منه أمثلة إلا أن بعضهم يخصه بالضرورة وتقدم فيه ثلاثة مذاهب.
والثاني: أنه لا قلب فيه، وفيه ثلاث تأويلات أحسنها أن ذلك على المبالغة
500
جعل ذات الإنسان كأنها خلقت من نفس العجلة دلالة على شدة اتصاف الإنسان بها، وأنها مادته التي أخذ منها كما قيل للرجل الذي هو حاد: نار تشعل العرب قد تسمى المرء بما يكثر منه، فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم، وما هو إلا إقبال وإدبار، قال الشاعر:
٣٧١٥ - تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حتى إذَا ادَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ
ويتأكد هذا بقوله: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١].
قال المبرد: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي من شأنه العجلة كقوله ﴿خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] أي: ضُعَفَاء. ومثله في المبالغة من جانب النفي قوله عليه السلام: «لست من الدَّدِ وَلاَ الدِّدُ مِنِّي»، والدُّدُ: اللعب، وفيه لغات: دَدٌ محذوف اللام ودَدَا مقصوراً كعصا، ودَدَنٌ بالنون. وألفه في إحدى لغاته مجهولة الأصل لا يدري أهي عن ياء أو واو. وقيل: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ أي بسرعة، وتعجيل من غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم أنشأناه خلقاً آخر.
وقال أبو عبيدة: العَجَل الطين بلغة حمير قال شاعرهم:
٣٧١٦ - والنَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مَنْبِتُهُ والنَّخْلُ يَنْبِتُ بَيْنَ المَاءِ وَالعَجَلِ
قال الزمخشري بعد إنشاده عجز هذا البيت: والله أعلم بصحته.
قال شهاب الدين: وهو معذور. وهذا الجار يحتمل تعلقه ب «خُلِقَ» على
501
المجاز أو الحقيقة المتقدمتين. وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال كأنه قال: خلق الإنسان عجلاً. قاله أبو البقاء. وقرأ العامة «خُلِقَ» مبينياً للمفعول «الإنسان» مرفوعاً لقيامه مقام الفاعل. وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم «خَلَقَ» مبنياً للفاعل «الإنسان» نصباً مفعولاً به. فإن قيل: القوم استعجلوا الوعيد على وجه التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة.
فالجواب: أن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت، وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين حقيقة.
قوله: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي﴾ مواعيدي؛ قيل: هي الهلاك المعجل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه سيأتي لا محالة في وقته، فلا تطلبوا العذاب قبل وقته، فأراهم يوم بدر. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. وقيل: الآيات: أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: الآيات آثار القرون الماضية بالشام واليمن. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل الاستهزاء، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: ٥٣] فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم.
قوله: «مَتَى هَذَا» «مَتَى» خبر مقدم، فهي في محل رفع. وزعم بعض الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر ل «هَذَا» التقدير: متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه والأول أشهر.
قوله: «لو يعلم» جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد فقدره الزمخشري: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه
502
عندهم وقدره ابن عطية: لما استعجلوا. وقدره الحوفي: لسارعوا. وقدره غيره: لعلموا صحة البعث. وقال البغوي: لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا بقولهم ﴿متى هذا الوعد﴾.
و «حين» مفعول به لعلموا، وليس منصوباً على الظرف، أي: لو يعلمون وقت عدم كف النار. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون «يعلم» متروكاً بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و «حين» منصوب بمضمر أي حين ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل. وعلى هذا ف «حين» منصوب على الظرف، لأنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا.
وقال أبو حيان: والظاهر أن مفعول «يَعْلَمُ) محذوف لدلالة ما قبله، أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و» حِينَ «منصوب بالمفعول الذي هوة مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني، والمعنى: لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن وجوههم.

فصل


ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وجهين: الأول: أنه بيَّن ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم»
مَتَى هَذَا الوَعْدُ «وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدّام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم كقوله: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا﴾ [غافر: ٢٩]. وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعاً.
قال بعضهم: ﴿وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ﴾ السياط. قوله»
بَغْتَةٌ «نصب على الحال، أي: مباغتة. والضمير في» تأتيهم «يعود على النار، وقيل: على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعة التي تضطرهم فيها إلى العذاب. وقيل: على الوعد،
503
لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري. وفيه تكلّف. وقرأ الأعمش:» بَلْ يَاْتِيهِمْ «بياء الغيبة» بَغْتَةٌ «بفتح الغين» فَيَبْهَتَهُمْ «بالياء أيضاً. فأما الياء فأعاج الضمير على الحين أو على الوعد، وقيل: على» النَّار «وإنام ذكر ضميرها، لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ» النَّارِ «فأنث في قوله:» رَدَّهَا «. وقوله» بَلْ تِأْتِيهِمْ «إضراب انتقال.
وقال ابن عطية:»
بَلْ «استدراك مُقَدَّرٌ قبله نفيٌّ تقديره: إنَّ الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير: لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات تأتي بغتة، وليس ذلك مراداً قطعاً. وإن أراد أن يكون التقدير: بل تأتيهم الساعة أو النار، فليس مطابقاًُ لقاعدة الإضراب.

فصل


لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ وهم غير محتسبين ولا مستعدين»
فَتَبْهَتهُمْ «أي: تدعهم حيارى واقفين ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] في ردها، ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنام لم يعلم المكلفين وقت الموت (والقيامة لما) فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي.
ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول - عليه السلام - فقال: ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: عقوبة استهزائهم. و»
حَاقَ «وحَقّ بمعنى كزَالَ وزَلَّ، والمعنى: فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.
504
قوله :﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هذا هو الاستعجال المذموم على سبيل الاستهزاء، وهو كقوله :﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب ﴾١ فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم٢.
قوله :«مَتَى هَذَا » «مَتَى » خبر مقدم، فهي في محل رفع٣. وزعم بعض الكوفيين أنها في محل نصب على الظرف، والعامل فيها فعل مقدر ل «هَذَا » التقدير : متى يجيء هذا الوعد، أو متى يأتي ونحوه٤ والأول أشهر.
١ [العنكبوت: ٥٣]..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٢..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٣١٣..
٤ "متى" عند الكوفيين في موضع نصب وكذا الجواب في المعرفة إذا قيل: متى الميعاد؟ قيل: يوم الخميس، فإن كان نكرة رفعت فقلت: ميعادك يوم أو يومان والعرب تقول: إنما البرد شهران، وإنما الصيف شهران، ولو جاء نصبا لكان صوابا، وإنما اختاروا الرفع في النكرة لأنك أبهمت الشهرين فصار جميعا كأنهما وقتا الصيف، واختاروا في المعرفة لأنها حين معلوم مسند إلى الذي بعده فحسنت الصفة، كما أنك تقول: عبد الله دون من الرجال، وعبد الله دونك، بالنصب في المعرفة. انظر معاني القرآن للفراء ٢/٢٠٣-٢٠٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣/٧٠-٧١ والبحر المحيط ٦/٣١٣..
قوله :«لو يعلم » جوابها مقدر، لأنه أبلغ في الوعيد١ فقدره الزمخشري : لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم هو الذي هونه عندهم٢ وقدره ابن عطية : لما استعجلوا٣. وقدره الحوفي : لسارعوا٤. وقدره غيره : لعلموا صحة البعث٥. وقال البغوي : لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا بقولهم ﴿ متى هذا الوعد ﴾٦.
و «حين » مفعول به لعلموا، و٧ ليس منصوباً على الظرف، أي : لو يعلمون وقت عدم كف النار٨. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون «يعلم » متروكاً بلا تعدية بمعنى : لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و «حين » منصوب بمضمر أي حين ﴿ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار ﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل٩. وعلى هذا ف «حين » منصوب على الظرف، لأنه جعل مفعول العلم أنهم كانوا.
وقال أبو حيان : والظاهر أن مفعول ( يَعْلَمُ ) محذوف لدلالة ما قبله، أي : لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعد الذي سألوا عنه واستبطأوه، و » حِينَ «منصوب بالمفعول الذي هوة مجيء، ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني١٠، والمعنى : لو يعلمون مباشرة النار حيت لا يكفونها عن وجوههم١١.

فصل١٢


ثم إنه تعالى ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهين : الأول : أنه بيَّن ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ أي : لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم «مَتَى هَذَا الوَعْدُ » وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدّام ومن خلف، فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم كقوله :﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا ﴾١٣. وإنما خص الوجوه والظهور، لأن مس العذاب لها أعظم موقعاً.
قال بعضهم :﴿ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ ﴾ السياط. قوله «بَغْتَةٌ » نصب على الحال، أي : مباغتة١٤. والضمير في «تأتيهم » يعود على النار١٥، وقيل : على الحين، لأنه في معنى الساعة. وقيل : على الساعة التي تضطرهم فيها إلى العذاب١٦. وقيل : على الوعد، لأنه في معنى النار التي وعدوها قاله الزمخشري١٧. وفيه تكلّف١٨. وقرأ الأعمش :«بَلْ يَأتِيهِمْ » بياء الغيبة «بَغْتَةٌ » بفتح الغين «فَيَبْهَتَهُمْ » بالياء أيضاً١٩. فأما الياء فأعاد الضمير على الحين أو على الوعد٢٠، وقيل : على «النَّار » وإنما ذكر ضميرها، لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ «النَّارِ » «فأنث في قوله :«رَدَّهَا٢١ ».
١ انظر البحر المحيط ٦/٣١٣..
٢ الكشاف ٣/١٢..
٣ تفسير ابن عطية ١٠/١٥٣..
٤ البحر المحيط ٦/٣١٣..
٥ المرجع السابق..
٦ البغوي ٥/٤٨٨..
٧ في الأصل: أو. وهو تحريف..
٨ انظر الكشاف ٣/١٢..
٩ الكشاف ٣/١٢..
١٠ على مذهب البصريين..
١١ البحر المحيط ٦/٣١٣..
١٢ فصل: سقط من ب. وهذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٢-١٧٣..
١٣ [غافر: ٢٩]..
١٤ أي على التأويل بالمشتق لأن (بغتة) مصدر، وذلك على مذهب البصريين..
١٥ واستظهره أبو حيان. البحر المحيط ٦/٣١٤..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٣١٤..
١٧ انظر الكشاف ٣/١٢..
١٨ من جهة تأويل "الوعد" بمعنى النار، فعوده إلى "النار" من غير تأويل أولى..
١٩ المختصر: (٩١)، والكشاف ٣/١٢، والبحر المحيط ٦/٣١٤..
٢٠ في الأصل: الوقت، وهو تحريف. وانظر الكشاف ٣/١٢..
٢١ قاله أبو الفضل الرازي. انظر البحر المحيط ٦/٣١٤..
وقوله «بَلْ تِأْتِيهِمْ » إضراب انتقال١.
وقال ابن عطية :«بَلْ » استدراك مُقَدَّرٌ قبله نفيٌّ تقديره : إنَّ الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم٢. وفيه نظر، لأنه يصير التقدير : لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة، فيكون الظاهر أن الآيات تأتي بغتة، وليس ذلك مراداً قطعاً. وإن أراد أن يكون التقدير : بل تأتيهم الساعة أو النار، فليس مطابقاًُ لقاعدة الإضراب.

فصل٣


لما بين شدة هذا العقاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً ﴾ وهم غير محتسبين ولا مستعدين «فَتَبْهَتهُمْ » أي : تدعهم حيارى واقفين ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ في ردها، ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ أي لا يمهلون لتوبة أو معذرة. وإنما لم يعلم المكلفين وقت الموت ( والقيامة لما )٤ فيه من المصلحة، لأن المرء مع كتمان ذلك أشد٥ حذراً وأقرب إلى التلافي.
١ وذلك أن الله حكى عنهم أنهم يستعجلون العذاب الموعود بقوله: ﴿ويقولون متى هذا الوعد﴾ وبين أن سبب ذلك الاستعجال هو عدم علمهم بهول وقت وقوعه وما فيه من العذاب الشديد، ثم أضرب وانتقل من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود فقال: ﴿بل تأتيهم بغتة﴾..
٢ تفسير ابن عطية ١٠/١٥٣..
٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٣..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ في ب: أشدا. وهو تحريف..
ثم ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب الرسول - عليه السلام٦- فقال: ﴿ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي : عقوبة استهزائهم. و «حَاقَ » وحَقّ بمعنى١ كزَالَ٢ وزَلَّ٣، والمعنى : فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.
١ وذلك أن حاق بهم العذاب أي أحاط ونزل كأنه وجب عليهم. وحق الأمر يحق ويحق حقا وحقوقا: صار حقا وثبت (اللسان: حيق-حقق)..
٢ في النسختين: زال. وما أثبته هو الصواب..
٣ وذلك أن زال الشيء عن مكانه يزول زوالا وأزاله غيره وزوله فانزال. وزل السهم عن الدرع والإنسان عن الصخرة يَزِل ويَزَلّ زلا وزليلا ومزلة: زلق. (اللسان: زول- زلل)..
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم﴾ الآية لما بين أن الكفار في الآخرة ﴿لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلاكة، فقال لرسوله: طقُلْ «لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه ﴿مَن يَكْلَؤُكُم بالليل والنهار﴾ وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه: من ينصرك مني؟ وهل لك مخلص؟
والكلاءة: الحفظ، أي يحفظكم بالليل والنهار ﴿مِنَ الرحمن﴾ إن نزل بكم عذابه. يقال: كَلأَهُ الله يَكْلَؤُهُ كِلاَءَةٌ بالكسر كذا ضبطه الجوهري فهو كالئ ومكلوء.
قال ابن هرمة:
٣٧١٧ - إنَّ سُلَيْمَى وَاللهُ يَكْلَؤُهَا ضَنَّتْ بِشَيءٍ مَا كَانَ يَزْرَؤُهَا
واكْتَلأْتُ منه: احترست، ومنه سُمِّيَ النبات كلأ، لأنَّ به تقوم بنية البهائم وتحرس. ويقال: بلغ الله بك أكلأ العمر. والمُكَلأُ موضع يحفظ فيه السفن. وفي الحديث:»
نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بَالكَالِئ «أي: بيع الدين بالدين كأنَّ كُلاًّ من رب الدينين بكلأ الآخر أي: يراقبه.
505
(وقال ابن عباس: المعنى: مَنْ يمنعكم من عذاب الرحمن.
وقرأ الزهري وابن القعقاع» يَكْلُوكُمْ «بضمة خفية دون همز.
وحكى الكسائي والفراء»
يَكْلَوْكُمْ «بفتح اللام وسكون الواو.
قال شهاب الدين: ولم أعرفها قراءة. وهو قريب من لغة من يخفف أكلت الكلأ على الكلو وقفاً إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف).
قوله:»
مِنَ الرَّحمنِ «متعلق ب» يَكْلَؤُكُمْ «على حذف مضاف أي من أمر الرحمن أو بأسه كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله﴾ [الرعد: ١١].» وبِالَّيْلِ «بمعنى في الليل، وإنما ذكر الليل والنهار، لأن كل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى: من بحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معاشكم.
وخص ها هنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل أنت لكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك كما في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ [الانفطار: ٦]. فخص اسم الكريم تلقيناً. قوله:»
بَلْ هُمْ «إضراب عما تضمنه الكلام الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالئ ولا مانع غير الرحمن. والمراد ب» ذِكْرِ رَبِّهِمْ «القرآن ومواعظ الله» مُعْرِضُونَ «لا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تحفظهم ولا تنعم عليهم.
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ »
أَمْ «منقطعة، أي بل ألهم؟ فالميم صلة والمعنى: ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها.
وقوله:»
من دُونِنَا «فيه وجهان:
506
أحدهما: أنه متعلق ب» تَمْنَعُهُمْ «قبل، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى هذا ذهب الحوفي.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل «آلهة»
، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً.
ثم وصف الآلهة بالضعف فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا مستأنف لا محل له، ويجوز أن يكون صفة ل «آلهة»، وفيه بعد من حيث المعنى.
قال ابن الخطيب: «لا يسطيعون» خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حمية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها.
قوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. قال ابن عباس: يجاورون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد: يُنْصَرُونَ. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء﴾ الكفار «وَآبَاءَهُمْ» في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة. ﴿حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾ أي امتد بهم الزمان فاغتروا. ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾ أم نحن وهو استفهام تقريع.
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: «نَنْقُصُهَا» بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى: المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة: تخريب القرى وموت أهلها.
507
وقيل: موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال: ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾. قال القفال: نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء.
508
قوله :﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ «أَمْ » منقطعة١، أي بل ألهم٢ ؟ فالميم صلة والمعنى : ألهم آلهة تمنعهم، وقد تقدم ما فيها٣.
وقوله :«من دُونِنَا » فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق ب «تَمْنَعُهُمْ » قبل، والمعنى : ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز، وإلى٤ هذا ذهب الحوفي٥.
والثاني : أنه متعلق بمحذوف، لأنه صفة ل «آلهة »، أي آلهة من دوننا تمنعهم، ولذلك قال ابن عباس إن في الكلام تقديماً وتأخيراً٦.
ثم وصف الآلهة بالضعف فقال :﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ وهذا مستأنف لا محل له٧، ويجوز أن يكون صفة ل «آلهة »، وفيه بعد من حيث المعنى.
قال ابن الخطيب :«لا يسطيعون » خبر مبتدأ محذوف، أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات٨، وحماية النفس أولى من حماية الغير، فإذا لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها٩.
قوله :﴿ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾. قال ابن عباس١٠ : يجاورون، تقول العرب : أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير عنه. وقال مجاهد : يُنْصَرُونَ. وقال قتادة : لا يصحبون من الله بخير.
١ وهي للإضراب المتضمن معه استفهاما إنكاريا..
٢ في ب: بل لهم. وهو تحريف..
٣ في هذه السورة..
٤ في ب: وا إلى. وهو تحريف..
٥ البحر المحيط ٦/٣١٤..
٦ تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم انظر البحر المحيط ٦/٣١٤..
٧ انظر التبيان: ٢/٩١٨، البحر المحيط ٦/٣١٤..
٨ في ب: عن الآيات. وهو تحريف..
٩ الفخر الرازي ٢٢/١٧٤..
١٠ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٨٩..
﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء ﴾ الكفار «وَآبَاءَهُمْ » في الدنيا، أي أمهلناهم. وقيل : أعطيناهم النعمة. ﴿ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر ﴾ أي امتد بهم الزمان فاغتروا١. ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ ﴾ أي٢ : أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في أنا ننقص الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد من المشركين ونفتح البلاد والقرى من حول مكة، ونزيدها في ملك محمد، أما٣ كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم ٤-. ﴿ أَفَهُمُ الغالبون ﴾ أم نحن وهو استفهام تقريع٥.
قال ابن عباس٦ ومقاتل والكلبي :«نَنْقُصُهَا » بفتح البلدان. وروي عن ابن عباس رواية أخرى : المراد نقصان أهلها. وقال عكرمة : تخريب القرى وموت أهلها.
وقيل : موت العلماء، وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يعدل٧ عنها وإلا فالأظهر هاهنا ما يتعلق بالغلبة، ولذلك قال :﴿ أَفَهُمُ الغالبون ﴾. قال القفال : نزلت هذه الآية في كفار مكة، فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء٨.
١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٨٩..
٢ أي: سقط من ب..
٣ في الأصل: أفلا..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٤-١٧٥..
٥ أي: أن الهمزة خرجت عن الاستفهام الحقيقي إلى استفهام مقصود به التقرير والتقريع، ومعناه: حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته أو نفيه ويجب أن يليها الشيء الذي تقرره به. انظر المغني ١/١٨..
٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٥..
٧ في ب: بعد. وهو تحريف..
٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٥..
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ أي: أخوفكم بالقرآن وقوله: «وَلا يَسْمَعُ» قرأ ابن عامر هنا «وَلاَ تُسْمِعُ» بضم التاء للخطاب وكسر الميم، «الصُّمَّ الدُّعَاءَ» منصوبين. وقرأ ابن كثير في النمل والروم. وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغيبة بفتح ياء الغيبة والميم «الصُّمُّ» بالرفع «الدُّعَاءَ» بالنصب في جميع القرآن.
وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلا أنه بياء الغيبة. وروى عنه ابن خالويه «وَلاَ يُسْمَعُ» بياء الغيبة مبنياً للمفعول «الصُّمُّ» رفعاً «الدُّعَاءَ» نصباً.
وروي عن أبي عمرو بن العلاء «وَلاَ يُسْمِعُ» بضم الياء من تحت وكسر الميم «الصُّمَّ» نصباً «الدُّعَاءُ» رفعاً.
فأما قراءة ابن عامر وابن كثير فالفاعل فيها ضمير المخاطب، وهو الرسول - عليه السلام -. فانتصب «الصُّمَّ» و «الدُّعَاءَ» على المفعولين، وأولهما هو الفاعل المعنوي.
508
وأما قراءة الجماعة فالفعل مسند للصّمّ فانتصب «الدُّعَاءَ» مفعولاً به. وأما قراءة الحسن الأولى فأسند الفعل فيها إلى ضمير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهي كقراءة ابن عامر في المعنى. وأما قراءته الثانية فأسند الفعل فيها إلى «الصُّمم» قائماً مقام الفاعل، فانتصب الثاني وهو «الدُّعَاءَ» وأما قراءة أي عمرو فإنه أسند الفعل فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع وحذف المفعول الثاني للعلم به، والتقدير: ولا يسمع الدعاء الصم شيئاً البتة ولما وصل أبو البقاء إلى هنا قال: «وَلاَ يَسْمَعُ» فيه قراءات وجوهها ظاهرة ولم يذكرها. و «إذَا» في ناصبه وجهان:
أحدهما: أنه «يَسْمَعُ».
والثاني: أنه «لدّعاء» فأعمل المصدر المعرف ب (أل) وإذا أعملوه في المفعول الصريح ففي الظرف أولى.
قال الزمخشري: فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشّر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل: ﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ ؟ قلت: اللاّم في «الصُّم» عائدة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس، والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدهم أسماعهم إذا انذروا، أي أنتم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ عن الإنذارات والآيات. ثم بيَّن تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا المراد بقوله: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ وأصل النفح من الريح: اللين. قال الزمخشري: في المس والنفحة ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلّة والنزار يقال: نفحته الدابة: رمحته رمحاً يسيراً.
والنفح: الخطرة. قال ابن عباس: «
509
نَفْخَةٌ» طرف. وقيل: قليل: وقال ابن جريج: نصيب من قولهم: نفح فلان لفلان من ماله أي: أعطاه حظاً منه، قال:
٣٧١٨ - إِذَا رَيْدَةٌ مِنْ مَا نَفَحَتْ لَهُ أَتَاهُ برَيَّاهَا خَليلٌ يُوَاصِلُهْ
وقيل: ضربة، من قولهم: نفحت الدابة برجلها، أي: ضربت.
و «مِنْ عَذَابِ» صفة ل «نَفْحَةٌ».
ثم بيّن تعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلاّ عدلاً فيهم بقولهم: ﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك.
قوله: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ قال الزجاج: ذوات القسط، ووَضْعُها إحضارها. (وإنما جمع «المَوَازِينَ» لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات). وفي نصب «القِسْطَ» وجهان:
أحدهما: أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ؟ وعنه جوابان:
أحدهما: أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد مطلقاً.
واثاني: أنه على حذف مضاف.
الوجه الثاني: أنه مقعول من أجله أي: لأجل القسط، إلا أن في هذا نظراً، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً ب (أل) يقل تجرّده من حرف العلة تقول: جئت للإكرام، ويقل: جئت الإكرام، كقوله:
510
٣٧١٩ - لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ
وقرئ: القِصْطَ بالصاد، لأجل الطاء. وقد تقدّم.
قوله: «لِيَوْمِ القِيَامَة» في هذه اللام أوجه:
أحدها: قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
٣٧٢٠ - تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ
والثاني: أنها بمعنى (في) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين ومنه عندهم: «لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا» وكقول مسكين الدارمي:
٣٧٢١ - أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ
وكقول الآخر:
511
٣٧٢٢ - وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً مقيمين مفقود لوقت وفاقد
والثالث: أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي: لحساب يوم القيامة و «شَيْئاً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي: شيئاً من الظلم.

فصل


في وضع الموازين قولان:
أحدهما: قال مجاهد: هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويورى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن: القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي: ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير عن ابن عباس.
والثاني: أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، «روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام - يروى» أنَّ داود - عليه السلام - سأل ربه أنْ يُرِيَهُ الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عد ملأتها بتمرة «.
وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان:
أحدهما: أن توزن صحائف الأعمال.
والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل: أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى - عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا قائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين.
والجواب: قال ابن الخطيب: أما على قولنا ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وأيضاً ففيه
512
ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقة أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في ذلك.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ﴾ قرأ نافع هنا وفي لقمان برفع «مِثْقَال» على أن «كَانَ» تامة، أي: وإنْ وجد مثقال. والباقون بالنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي: وإنْ كان العمل. و «مِنْ خَرْدَلٍ» صفة ل «حَبَّةٍ». وقرأ العامة «أَتَيْنَا» من الإتيان بقصر الهمزة، وفيه أوجه:
أصحها: أنَّه (فَاعَلْنَا) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى: جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء.
الثاني: أنَّها (مفاعلة) من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري.
513
الثالث: أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية: ولو كان آتينا: أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومة والمكسورة يعني: أنه كان من حق هذا القارئ أن يقرأ «وَأَتَيْنا» مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارئ الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة.
قال أبو البقاء: ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم.
وقرأ حُمَيْدُ «أثَبْنَا» من الثواب، والضمير في «بِهَا» عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث، فهو كقوله:
٣٧٢٣ - كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ في اكتسابه التأنيث بالإضافة.

فصل


زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان.
وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. فإن قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: «حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ» ؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله. ثم قال: ﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
قال السّديّ: مُحْصِينَ. والحَسبُ: معناه العد. قال ابن عباس: عالمين
514
حافظين، لأنَّ من حسب شيئاً علمه وحفظه.
والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه.
515
ثم بيَّن تعالى أن حالهم سيتغير٢٥ إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما٢٦ أنذروا به، فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا المراد بقوله :﴿ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا ويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ وأصل النفح من الريح : اللين١. قال الزمخشري : في المس والنفحة ثلاث مبالغات، لفظ المس، وما في النفح من معنى القلّة والنزار يقال : نفحته الدابة : رمحته رمحاً يسيراً٢.
والنفح٣ : الخطرة. قال ابن عباس٤ :«نَفْخَةٌ » طرف. وقيل : قليل : وقال ابن جريج : نصيب من قولهم : نفح فلان لفلان من ماله أي : أعطاه حظاً منه٥، قال :
٣٧١٨- إِذَا رَيْدَةٌ مِنْ مَا نَفَحَتْ لَهُ٦ أَتَاهُ برَيَّاهَا خَليلٌ يُوَاصِلُهْ٧
وقيل : ضربة، من قولهم : نفحت٨ الدابة برجلها، أي : ضربت٩.
و «مِنْ عَذَابِ » صفة ل «نَفْحَةٌ »١٠.
ثم بيّن تعالى أن جميع ما ينزل١١ بهم في الآخرة لا يكون إلاّ عدلاً فيهم بقولهم :﴿ لَيَقُولُنَّ يا ويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ أي : مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا بالشرك١٢.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٦..
٢ الكشاف ٣/١٣. وفيه: يقال: نفحته الدابة وهو رمح يسير، ونفحه بعطية: رضخه..
٣ في ب: النفخ. وهو تصحيف..
٤ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٩٠..
٥ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٩..
٦ في ب: إذا أريد به من حيث ما نفحت له. وهو تحريف..
٧ البيت من بحر الطويل قاله أبو حية النمري، شاعر مجيد أدرك الدولة الأموية والعباسية. وهو في اللسان (ريد) والمغني ١/١٣٢، المقاصد النحوية ٣/٣٨٦، الهمع ١/٢١٢، شرح شواهد المغني ١/٣٩٠، الخزانة ٦/٥٥٤، الدرر ١/١٨٠ الرَّيدة: ريح لينة الهبوب. نفحت بمعنى: أعطت. وهو موطن الشاهد هنا. ريا: الرائحة..
٨ في ب: نفخت. وهو تصحيف..
٩ انظر البغوي ٥/٤٩٠..
١٠ انظر التبيان ٢/٩١٩. وجوز أبو البقاء أن يكون "من عذاب" في موضع نصب بـ"مستهم"..
١١ في النسختين: ما نزل. وما أثبته من الفخر الرازي ٢٢/١٧٦..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٦..
قوله :﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط ﴾ قال الزجاج : ذوات القسط١، ووَضْعُها إحضارها. ( وإنما جمع «المَوَازِينَ » لكثرة من توزن أعمالهم، وهو جمع تفخيم. ويجوز أن يرجع إلى الموزونات٢ )٣. وفي نصب «القِسْطَ » وجهان :
أحدهما : أنه نعت للموازين، وعلى هذا فلم أُفردَ ؟ وعنه جوابان :
أحدهما : أنه في الأصل مصدر، والمصدر يوحّد٤ مطلقاً.
والثاني : أنه على حذف مضاف٥.
الوجه الثاني : أنه مفعول من أجله أي : لأجل القسط٦، إلا أن في هذا نظراً٧، من حيث إن المفعول له إذا كان معرّفاً ب ( أل ) يقل تجرّده من حرف العلة٨ تقول : جئت للإكرام، ويقل : جئت الإكرام، كقوله :
٣٧١٩- لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ *** وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ٩
وقرئ : القِصْطَ بالصاد١٠، لأجل الطاء١١. وقد تقدّم.
قوله :«لِيَوْمِ القِيَامَة » في هذه اللام أوجه :
أحدها : قال الزمخشري : مثلها في قولك : جئت لخمس خلون من الشهر١٢ ومنه بيت النابغة :
٣٧٢٠- تَوَهَّمْتُ١٣ آيَاتٍ فَعَرَفْتُهَا *** لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامِ سَابِعُ١٤ ١٥
والثاني : أنها بمعنى ( في ) وإليه ذهب بن قتيبة وابن مالك وهو رأي الكوفيين١٦ ومنه عندهم :«لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا »١٧ وكقول١٨ مسكين الدارمي :
٣٧٢١- أُوْلَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوا لسبيلِهِمْ *** كَمَا قَدْ مَضَى مِنْ قَبْل عَادٌ وَتُبَّعُ١٩
وكقول الآخر :
٣٧٢٢- وَكُلَّ أب وابن وإن عمرا معاً *** مقيمين مفقود لوقت وفاقد٢٠
والثالث : أنها على بابها من التعليل ولكن على حذف مضاف أي : لحساب يوم القيامة و «شَيْئاً » يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون مصدراً، لأي : شيئاً من الظلم٢١.

فصل٢٢


في وضع الموازين٢٣ قولان :
أحدهما : قال مجاهد : هذا مثل، والمراد بالموازين العدل، ويروى مثله عن قتادة والضحاك، والمراد بالوزن : القسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه أي : ذهبت سيئاته وحسناته حكاه ابن جرير٢٤ عن ابن عباس.
والثاني : أنَّ الموازين توضع حقيقة ويوزن بها الأعمال، روي عن الحسن أنه ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل - عليه السلام٢٥ - يروى «أنَّ داود - عليه السلام-٢٦ سأل ربه أنْ يُرِيَهُ الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب فغشي عليه، ثم أفاق، فقال : إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال : يا داود إنّي إذا٢٧ رضيت عن عد ملأتها بتمرة »٢٨.
وعلى هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان :
أحدهما : أن توزن صحائف الأعمال.
والثاني : أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود٢٩ مظلمة فإن قيل : أهل القيامة إمّا أن يكونوا عالمين بكونه - تعالى- عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا كان مجرد حكمه٣٠ كافياً في معرفة أنَّ الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا فائدة في وضع الميزان. وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف، لاحتمال أنه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو٣١ أخف ظلماً، فلا فائدة في وضع الميزان على كلا التقديرين.
والجواب : قال ابن الخطيب : أما على قولنا ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾٣٢ وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من٣٣ العدو في مجمع الخلائق، فيكون لأحد القبيلين٣٤ في ذلك أعظم السرور والأخرى أعظم الغم، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. وإذا ثبت ذلك فالدليل على وجود الموازين الحقيقة أن حمل لفظ الميزان على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة٣٥ في ذلك٣٦.
قوله :﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ ﴾ قرأ نافع هنا٣٧ وفي لقمان٣٨ برفع «مِثْقَال »٣٩ على أن «كَانَ » تامة، أي : وإنْ وجد مثقال٤٠. والباقون بالنصب٤١ على أنها ناقصة واسمها مضمر، أي : وإنْ كان العمل٤٢. و «مِنْ خَرْدَلٍ » صفة ل «حَبَّةٍ »٤٣. وقرأ العامة «أَتَيْنَا » من الإتيان بقصر الهمزة أي جئنا بها٤٤.
وفي حرف٤٥ أبي " جئنا " ٤٦، وكذا قرأ ابن مسعود، وهو تفسير معنى لا تلاوة.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد وابن أبي إسحاق والعلاء بن سيابة٤٧، وجعفر بن محمد " آتينا " بمد الهمزة٤٨، وفيه أوجه :
أصحها : أنَّه ( فَاعَلْنَا ) من المواتاة وهي المجازاة والمكافأة، والمعنى : جازينا بها، ولذلك تعدى بالباء٤٩.
الثاني : أنَّها ( مفاعلة )٥٠ من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، قاله الزمخشري٥١.
الثالث : أنه أفعل من الإيتاء، كذا توهم وهو غلط. قال ابن عطية : ولو كان آتينا : أعطينا لما تَعَدَّتْ بحرف جر، وَيُوهِنُ هذه لقراءة أنَّ إبدال٥٢ الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومة والمكسورة٥٣ يعني : أنه كان من حق هذا القارئ أن يقرأ «وَأَتَيْنا » مثل وأعطينا، لأنها من المواتاة على الصحيح، فأبدل هذا القارئ الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة٥٤.
قال أبو البقاء : ويُقْرَأُ بالمد بمعنى جَازَيْنَا بها، فهو يَقْرُبُ من معنى أعطينا، لأنَّ الجزاء إعطاء، وليس منقولاً من أتينا، لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم٥٥.
وقرأ حُمَيْدُ «أثَبْنَا » من الثواب٥٦، والضمير في «بِهَا »٥٧ عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث٥٨، فهو كقوله :
٣٧٢٣- كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ٥٩ ***. . .
في اكتسابه التأنيث بالإضافة.

فصل


زعم الجبائي أنَّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءاً من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر، فيبقى الأكثر كما كان٦٠.
وهذه الآية تبطل قوله، لأن الله تعالى تمدح بأنَّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة٦١. فإن قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال :«حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ » ؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنَّ شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله٦٢. ثم قال :﴿ وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾.
قال السّديّ : مُحْصِينَ٦٣. والحَسبُ : معناه العد. قال ابن عباس : عالمين حافظين، لأنَّ من حسب٦٤ شيئاً علمه وحفظه٦٥.
والغرض منه التحذير فإنَّ المحاسب إذا كان عالماً بحيث لا يمكن أن يفوته شيء، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه٦٦.
١ معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٩٤..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧..
٣ ما بين القوسين سقط من الأصل..
٤ في ب: يوجب. وهو تحريف..
٥ والتقدير: ذوات القسط. انظر الكشاف ٣/١٣، التبيان ٢/٩١٩، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٦ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٧ في ب: نظر..
٨ أي حرف الجر، وهو اللام..
٩ رجز مجهول القائل. الهيجاء: الحرب. الزّمر جمع زمرة وهي الجماعة.
والشاهد فيه قوله: "الجبن" حيث وقع مفعولا له وهو مقرون بـ (أل) وجاء منصوبا على قلة، والأكثر فيه أن يكون مجرورا، لأن المفعول له إذا كان معروفا بـ (أل) يقل تجرده من حرف الجر. وقد تقدم..

١٠ البحر المحيط ٦/٣١٦..
١١ وذلك إذا كان بعد السين غين أو خاء أو قاف أو طاء جاز قلبها صادا على لغة بني العنبر. قالوا في: أسبغ: أصبغ، وسخّر: صخر، وسقت: صقت، وسراط: صراط. انظر الكتاب ٤/٤٧٩-٤٨١، الأصول ٣/٤٣١، سر صناعة الإعراب ١/٢١١-٢١٢..
١٢ أي: أن اللام بمعنى (عند)..
١٣ في الكشاف: ترسمت..
١٤ البيت من بحر الطويل قاله النابغة الذبياني، وهو في ديوانه (٣٠)، والكتاب ٢/٨٦، والمقتضب ٤/٣٢٢. والمقرب ٢٧١، البحر المحيط ٦/٣١٦، والمقاصد النحوية ٤/٤٨٢. وشرح شواهد الكشاف ٧٣. توهمها: لم يعرفها إلا توهما لخفاء معالمها وانطماسها. الآيات: علامات الدار التي تعرف بها. لستة أعوام: يريد بعد ستة أعوام، والشاهد فيه مجيء اللام في قوله (لستة أعوام) بمعنى عند..
١٥ الكشاف ٣/١٣..
١٦ انظر التبيان ٢/٩١٩، البحر المحيط ٦/٣١٦..
١٧ من قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٧]..
١٨ في ب: ولقول. وهو تحريف..
١٩ البيت من بحر الطويل قاله مسكين الدارمي وهو في الديوان (٥٠) برواية:
أولئك قوم قد مضوا لسبيلهم *** كما مات لقمان بن عاد وتبع
والبحر المحيط ٦/٣١٦، والخزانة ٤/١٠١. تبع: واحد التبابعة، وهم ملوك اليمن، سموا بذلك، لأنه يتبع بعضهم بعضا كلما هلك واحد قام مقامه آخر تابعا له على مثل سيرته. والشاهد فيه مجيء اللام بمعنى (في) والتقدير: قد مضوا في سبيلهم..

٢٠ البيت من بحر الطويل وهو في البحر المحيط ٦/٣١٦، والشاهد فيه كالشاهد في البيت السابق، وهو مجيء اللام بمعنى (في)..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٢٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٧٦-١٧٧..
٢٣ في ب: الميزان..
٢٤ جامع البيان ١٧/٢٥..
٢٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٦ في الأصل: حكم. وهو تحريف..
٢٧ في ب: أنا. وهو تحريف..
٢٨ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٢٩ الأصل: بيض. وهو تحريف..
٣٠ في الأصل: حكم. وهو تحريف..
٣١ في ب: و. وهو تحريف..
٣٢ من قوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]..
٣٣ في ب: إلى..
٣٤ في ب: القبيلتين..
٣٥ الصحيحة: سقط من ب..
٣٦ الفخر الرازي ٢٢/١٧٦-١٧٧..
٣٧ في الأًصل: وهنا. وهو تحريف..
٣٨ في قوله تعالى: ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ [لقمان: ١٦]..
٣٩ السبعة: (٤٢٩، ٥١٣)، الكشف ٢/١١١، ١٨٨، والنشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١٠)..
٤٠ فتكتفي بالفاعل ولا تحتاج إلى المنصوب. انظر الكشف ٢/١١١، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٤، البيان ٢/١٦١، التبيان ٢/٩١٩ والكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤١ السبعة (٤٢٩، ٥١٣) والكشف ٢/١١١، ١٨٨، النشر ٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
٤٢ انظر الكشف ٢/١١١، ومشكل إعراب القرآن ٢/٨٤، البيان ٢/١٦١، التبيان ٢/٩١٩ والبحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٣ انظر التبيان ٢/٩١٩، وجوز أبو البقاء أيضا أن يكون (من خردل) صفه لـ مثقال)..
٤٤ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٥ حرف: سقط من ب..
٤٦ المختصر (٩٢)، الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٧ لم أقف له على ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع..
٤٨ الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٤٩ انظر البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٠ في النسختين: فاعلة. وهو تحريف..
٥١ الكشاف ٣/١٣..
٥٢ في الأصل: بدل وهو تحريف..
٥٣ تفسير ابن عطية ١٠/١٥٩..
٥٤ أصل أحد وأناة: وحد وأناة، فإبدال الواو هنا همزة سماعيّ..
٥٥ التبيان ٢/٩١٩..
٥٦ المختصر (٩٢)، الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٧ في ب: باها. وهو تحريف..
٥٨ انظر الكشاف ٣/١٣، البحر المحيط ٦/٣١٦..
٥٩ عجز بيت من الطويل قاله الأعشى وصدره:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته
وسبق تخريجه..

٦٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧..
٦١ المرجع السابق..
٦٢ المرجع السابق..
٦٣ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٦٤ في الأصل: لأن من حفظ حسب..
٦٥ انظر البغوي ٥/٤٩١..
٦٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٧-١٧٨..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ الآية. لما أمر رسوله أن يقول ﴿إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾ [الأنبياء: ٤٥] أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ يعني: الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة، وكان «ضِيَاءٌ» لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة الشرائع، وكان «ذكرى» أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم.
وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل. وهو مروي عن ابن عباس، ولأنه أدخل الواو في قوله «وَضِيَاءٌ» أي: آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة، لأنَّ العطف يقتضي المغايرة. وقيل: المراد بالفرقان: البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك: الفرقان هو فلق البحر.
وقال محمد بن كعب: الفرقان الخروج عن الشبهات. ومن قال المراد بالفرقان: التوراة قال: الواو في قوله: «وَضِيَاءٌ» تكون من عطف الصفات، والمراد به شيء واحد، أي: آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء ف «ضِيَاءٌ» حال على هذا. وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله «هُدىً للمتّقين».
قوله: «الذين يَخْشَوْنَ» في محله ثلاثة أوجه: (البحر على النعت أو البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع). وفي معنى «الغَيْب» وجوه:
515
الأول: «يَخْشَوْنَ» أي: يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه.
وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها.
وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس ﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ثم قال: ولما أنزلت عليه القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ يعني: القرآن «ذِكْرٌ» لمن تذكر به «مُبَارَكٌ» يتبرك به، ويطلب منه الخير، «أَفَأنْتُمْ» يا أهل مكة «لَهُ مُنْكِرُونَ» جاحدون، استفهام إنكار وتوبيخ، والمعنى: لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه.
516
قوله :«الذين يَخْشَوْنَ » في محله ثلاثة أوجه :( البحر على النعت أو البدل أو البيان، والنصب والرفع على القطع )١. وفي معنى «الغَيْب » وجوه :
الأول :«يَخْشَوْنَ » أي : يخافون ربهم ولم يروه فيأتمرون بأوامره، وينتهون عن نواهيه.
وثانيها : يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها.
وثالثها : يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس٢ ﴿ وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ ﴾ خائفون.
١ انظر الكشاف ٣/١٣، التبيان ٢/٩١٩..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٧٩. وفي ب: الساعة. وهو تحريف..
ثم قال : ولما أنزلت عليه الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله :
﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ يعني : القرآن «ذِكْرٌ » لمن تذكر به «مُبَارَكٌ » يتبرك به، ويطلب منه الخير، «أَفَأنْتُمْ » يا أهل مكة «لَهُ مُنْكِرُونَ » جاحدون، استفهام إنكار وتوبيخ١، والمعنى : لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه.
١ انظر البحر المحيط ٦/٣١٧..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآية. «رُشْدَهُ» مفعول ثان.
وقرأ العامة «رُشْدَهُ» بضم الراء وسكون الشين، وعيسى الثقفي بفتحها. والرُّشْدُ والرَّشَدُ كالعُدْم والعَدَم، وقد تقدم الكلام عليهما. والمراد بالرُّشْدُ: النبوة لقوله ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، لأنه تعالى إنَّمَا يخص بالنوبة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحثها ويجتنب ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول.
وقيلب: الرُّشْد: الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] وقيل: يدخل تحت الرشد النبوة والاهتداء.
516
قوله: «مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل موسى وهارون، قاله ابن عباس، وهاذ أحسن ما قدر به المضاف إليه وقيل: من قبل بلوغه أو نبوته حين كان في السرب فظهرت له الكواكب، فاستدل بها، وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته - عليه السلام - قبل البلوغ. قاله مقاتل.
وروى الضحاك عن ابن عباس معنى «مِنْ قَبْلُ» أي: حين كان في صلب آدم لما أخذ الله ميثاق النبيين.
والضمير في «بِهِ» يعود على «إبْرَاهِيمَ». وقيل: على «رُشْدَهُ».
والمعنى: أنه تعالى علم منه أشياء بديعة وأسراراً عجيبة حتى أهّله لأن يكون خليلاً له، وهذا كقولك في رجل كبير: أنا عالم بفلان، فإنَّ هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت حال كماله.

فصل


دَلَّت الآية على أنَّ الإيمان مخلوق لله تعالى، لأنَّهُ لو كان الرشد هو التوفيق والبيان، وقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم.
وأجاب الكعبي: بأنَّ هذا يقال فيمن قَبِلَ لا فيمن ردَّ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره، وردَّه الآخر أو أخذه ثم ضيعه، يقال: أغنى فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال فيمن ضيع. وهذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرّشد وذلك باطل، لأنَّ المسمى إذا كان متركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدر الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى الفاعل، فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ صريح في أنَّ ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل قوله.
قوله: «إذْ قَالَ» يجوز أن يكون منصوباً ب «آتَيْنَا» أو ب، «رُشْدَهُ» أو ب «عَالِمِينَ» أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يكون بدلاً من موضع «
517
قَبْلُ».
أي: أنه يحب محله فيصح المعنى إذْ يصير التقدير: ولقد آتيناه رشداً إذْ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقدير.
قوله: ﴿مَا هذه التماثيل﴾ أي: الصور، يعني: الأصنام. والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله. وأصله من مثَّلْتُ الشيء بالشيء: إذا شبهته به، فاسم ذلك المُمَثَّل تِمْثَال. والتَّمَاثِيلُ: جمع تِمْثَال، وهو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو خشب، أو حديد؛ يشبه بخلق الآدمي وغيره من الحيوانات، فال امرؤ القيس:
٣٧٢٤ - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
قوله: «لَهَا» قيل: اللام للعلة، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى (على)، أي: عاكفون عليها. وقيل: ضمّن «عَاكِفُونَ» معنى عابدين فلذلك أتى باللام وقال أبو البقاء: وقيل: أفادت معنى الاختصاص.
وقال الزمخشري: لم ينو للعاكفين مفعولاً، وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله: فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فإن قلت: هلاَّ قيل: عليها عاكفون كقوله: ﴿يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قلت: لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي «على».
قال شهاب الدين: الأولى أن تكون اللام للتعليل وصلة «عَاكِفُونَ» محذوفة أي: عاكفون عليها، أي: لأجلها لا لشيء آخر.
قوله: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ «عَابِدِينَ» مفعول ثان ل «وَجَدْنَا» و «لَهَا» لا تعلق له، لأنَّ اللام زائدة في المفعول به لتقدمه.
518

فصل


اعلم أنَّ القوم لم يجدوا في جوابه إلاَّ طريقة التقليد فأجابوه بأنَّ آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ فبين أنَّ الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به. قوله: «أَنْتُمْ» تأكيد للضمير المتصل.
قال الزمخشري: و «أَنْتُمْ» من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩]. قال أبو حيان: وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنَّ الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل، وتنظير ذلك ب ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] مخالف لمذهبه في ﴿اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] لأنه يزعم أَنَّ «وَزَوْجَكَ» ليس معطوفاً على الضمير المستكن في «اسْكُنْ» بل مرفوع بفعل مضمر أي: وليسكن، فهو عنده من قبيل عطف الجمل، وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه.
519
قال شهاب الدين: لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك عند من يعتقد ذلك وإن لم يعتقد (هو).
و «فِي ضَلاَلٍ» يجوز أن يكون خبراً إن كانت (كَانَ) ناقصة، أو متعلقاً ب «كُنْتُمْ» إن كانت تامة.
قوله
: ﴿أَجِئْتَنَا
بالحق
أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾
لما حقق عليه السلام ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه منكراً عليهم من كثرتهم ﴿قالوا أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك، وقالوا: أجاد أنت فيما تقول أم لاعب، فأجابهم بقوله - عليه السلام - ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ الآية. قوله «بالحَقِّ» متعلق ب «جئت»، وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً. و «أَمْ أَنْتَ» «أَمْ» متصلة وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير: أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعلك كقوله:
٣٧٢٥ - ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ
وقوله:
520
يريد: أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ ب (بل) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله: «الذي فَطَرَهُنَّ» يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في «فَطَرَهُنَّ» للسموات والأرض. قال أبو حيان: ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة. قال شهاب الدين: إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلاَّ أنْ نقول: إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهمن فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه. وقيل: على التماثيل.
قال الزمخشري: وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم.
وقال ابن عطية: «فَطَرَهُنَّ» عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره: «فَطَرَهُنَّ» أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وقوله - عليه السلام - «أطَتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ» قال شهاب الدين: كأنَّ ابن عطية وذا القائل توهما أنَّ (هُنَّ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
قوله: «عَلَى ذَلِكُمْ» متعلق بمحذوف أو ب «الشَّاهشدِينَ» اتساعاً، أو على
521
البيان، وقد تقدم نظيره نحو ﴿لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١].

فصل


اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً.
أمَّا القول فهو قوله: ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض﴾ وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ [مريم: ٤٢]، ثم قال: ﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ أي: على أنه لا إله إلا الذي يستحق العبادة إلا هو. وقيل: ﴿مِّنَ الشاهدين﴾ على أنه خالق السموات والأرض.
وقيل: إنِّي قادر علىإثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل: المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه: أشهد أنه كريم أو ذميم.
522
قوله :﴿ إذْ قَالَ ﴾ يجوز أن يكون منصوباً ب «آتَيْنَا » أو ب «رُشْدَهُ » أو ب «عَالِمِينَ » أو بمضمر أي : اذكر وقت قوله١. وجَوَّز أبو البقاء فيه أن يكون بدلاً من موضع «قَبْلُ »٢. أي : أنه يحب محله فيصح المعنى إذْ يصير التقدير : ولقد آتيناه رشداً إذْ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقدير.
قوله :﴿ مَا هذه التماثيل ﴾ أي : الصور، يعني : الأصنام. والتمثال : اسم للشيء المصنوع٣ مشبهاً بخلق من خلق الله. وأصله من مثَّلْتُ الشيء بالشيء : إذا شبهته به، فاسم ذلك المُمَثَّل تِمْثَال٤. والتَّمَاثِيلُ : جمع تِمْثَال، وهو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو خشب، أو حديد ؛ يشبه بخلق الآدمي وغيره من الحيوانات، فال امرؤ القيس :
٣٧٢٦ - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْبُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ
٣٧٢٤- فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ٥
قوله :﴿ لَهَا ﴾ قيل : اللام للعلة، أي : عاكفون لأجلها٦. وقيل : بمعنى ( على )، أي : عاكفون عليها٧. وقيل : ضمّن «عَاكِفُونَ » معنى٨عابدين فلذلك أتى باللام٩ وقال أبو البقاء : وقيل : أفادت معنى الاختصاص١٠.
وقال الزمخشري : لم ينو للعاكفين مفعولاً، وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله : فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فإن قلت : هلاَّ قيل : عليها عاكفون كقوله :﴿ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾١١ قلت : لو قصد التعدية لعداه بصلته١٢ التي هي١٣ «على »١٤.
قال شهاب الدين : الأولى أن تكون اللام للتعليل وصلة «عَاكِفُونَ » محذوفة أي : عاكفون عليها، أي١٥ : لأجلها لا لشيء آخر١٦.
١ انظر الكشاف ٣/١٤، التبيان ٢/٩٢٠، البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٢ قال أبو البقاء: (لا يجوز أن يكون بدلا من موضع "من قبل") التبيان ٢/٩٢٠.
.

٣ في النسختين: الموضوع. والصواب ما أثبته..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٠، القرطبي ١١/٢٩٦..
٥ البيت من بحر الطويل قاله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ٢٩، المقرب ٢١٩، والبحر المحيط ٦/٣١٨، المغني ١/١٣٥، ٢/٥٨٧، شرح التصريح ٢/١٨، الهمع ٢/٢٦ شرح شواهد المغني ١/٣٤١، ٣٩٣، الدرر ٢/١٨..
٦ انظر التبيان ٢/٩٢٠. البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٧ المرجعان السابقان..
٨ في ب: بمعنى. وهو تحريف..
٩ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٠..
١٠ التبيان ٢/٩٢٠.
.

١١ [الأعراف: ١٣٨]..
١٢ في النسختين: بصلة. والصواب ما أثبته..
١٣ هي: تكملة من الكشاف..
١٤ الكشاف ٣/١٤..
١٥ أي: سقط من الأصل..
١٦ الدر المصون ٥/٥١..
قوله :
﴿ قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ «عَابِدِينَ » مفعول ثان ل «وَجَدْنَا » و «لَهَا » لا تعلق له، لأنَّ اللام زائدة في المفعول به١ لتقدمه٢.
١ في ب: المعلول. وهو تحريف..
٢ وهذه اللام تسمى لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخيره أو بكونه فرعا في العمل، وقد اجتمع التأخير والفرعية هنا. المغني ١/٢١٧..

فصل


اعلم أنَّ القوم لم يجدوا في جوابه إلاَّ طريقة التقليد فأجابوه بأنَّ آباءهم سلكوا هذا الطريق، فاقتدوا بهم، فلا جرم أجابهم إبراهيم -عليه السلام-٣ بقوله٤ :﴿ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ فبين أنَّ الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به١. قوله :«أَنْتُمْ » تأكيد للضمير المتصل.
قال الزمخشري : و «أَنْتُمْ » من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال٢ به، لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع، ونحوه ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة ﴾٣. قال أبو حيان : وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال٤ به، لأنَّ الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل، ولا فصل٥، وتنظير٦ ذلك ب ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة ﴾ مخالف لمذهبه في ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ ﴾ لأنه يزعم أَنَّ «وَزَوْجَكَ » ليس معطوفاً على الضمير المستكن في «اسْكُنْ » بل مرفوع بفعل مضمر أي : وليسكن، فهو عنده من قبيل عطف الجمل٧، وقوله٨ هذا٩ مخالف لمذهب١٠ سيبويه١١.
قال شهاب الدين : لا يلزم من ذلك أنه خالف مذهبه إذ يجوز أن ينظر بذلك عند من يعتقد ذلك١٢ وإن لم يعتقد ( هو١٣ )١٤.
و «فِي ضَلاَلٍ » يجوز أن يكون خبراً إن كانت ( كَانَ ) ناقصة، أو متعلقاً ب «كُنْتُمْ » إن كانت تامة.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٠..
٢ في ب: الإضلال. وهو تحريف..
٣ [البقرة: ٣٥]، [الأعراف: ١٩]. الكشاف ٣/١٤..
٤ في ب: الإخلاط. وهو تحريف..
٥ سبق أن بينت عند قوله تعالى: ﴿فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى﴾ [طه: ٥٨] أنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد تأكيده بالضمير المنفصل أو فصل يقوم مقام التأكيد. وهو مذهب البصريين. أما الكوفيون فيجوزون العطف على هذا الضمير بلا فصل اختيارا حكي: مررت برجل سواء والعدم، وفي الصحيح "كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر". وهذا الحديث يحتمل أن يكون مرويّا بالمعنى. انظر الهمع ٢/١٣٨-١٣٩..
٦ في ب: وينظر. وهو تحريف..
٧ وكلام الزمخشري عند هذه الآية مخالف لما حكاه أبو حيان عنه قال: ("وأنت" تأكيد للمستكن في "أسكن" ليصح العطف عليه) الكشاف ١/٦٣ فيفهم من كلامه أنه من عطف المفردات لا من عطف الجمل..
٨ في ب: وقويله. وهو تحريف..
٩ في النسختين: هنا..
١٠ في ب: لمذهبه. وهو تحريف..
١١ البحر المحيط ٦/٣٢٠. ذلك أن مذهب سيبويه في مسألة العطف على الضمير المرفوع المتصل كمذهب البصريين في ذلك حيث قال سيبويه في كتابه: (وأما ما يقبح أن يشركه المظهر فهو المضمر في الفعل المرفوع، وذلك قولك: فعلت وعبد الله وأفعل وعبد الله) ثم ذكر تعليل الخليل لقبحه، ثم قال: (فإن نعته حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيد، وقال الله عز وجل ﴿اذهب أنت وربك﴾ [المائدة: ٢٤] و ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] [الأعراف: ١٩] وذلك أنك لما وصفته حسن الكلام حيث طوله وأكده) الكتاب ٢/٣٧٨..
١٢ ذلك: سقط من الأصل..
١٣ الدر المصون ٥/٥١..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
قوله :﴿ أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين ﴾ لما حقق عليه السلام١ ذلك عليهم، ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه منكراً عليهم من كثرتهم ﴿ قالوا أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين ﴾ فأوهموه بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك، وقالوا : أجاد أنت فيما تقول أم لاعب،
١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
فأجابهم بقوله -عليه السلام-١
﴿ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ الآية٢. قوله «بالحَقِّ » متعلق ب «جئت »، وليس المراد به٣ حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً٤. و «أَمْ أَنْتَ » «أَمْ » متصلة٥ وإن كان بعدها جملة، لأنها في حكم المفرد إذ التقدير : أي الأمرين واقع مجيئك بالحق أم لعلك كقوله :
٣٧٢٥- ما أُبَالِي أَنَبَّ بِالحَزْنِ تَيْسٌ أَمْ لَحَانِي٦ بِظَهْرٍ غَيْبٍ لَئِيمُ٧
وقوله٨ :
٣٧٢٦- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإِنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ٩
يريد : أي الأمرين واقع، ولو كانت منقطعة لَقُدِّرَتْ ب ( بل ) والهمزة وليس ذلك مراداً. قوله :«الذي فَطَرَهُنَّ » يجوز أن يكون مرفوع الموضع أو منصوبه على القطع. والضمير المنصوب في «فَطَرَهُنَّ » للسموات والأرض١٠. قال أبو حيان : ولما لم تكن السموت والأرض تبلغ في العدد الكثير منه جاء الضمير ضمير القلة١١. قال شهاب الدين : إن عنى لم تبلغ كل واحد من السموات والأرض فمسلم ولكنه غير مراد، بل المراد المجموع، وإن عنى لم تبلغ المجموع منهما فغير مسلم، لأنه يبلغ أربع عشرة، وهو فوق حد جمع الكثرة، اللهم إلاَّ أنْ نقول١٢ : إنَّ الأرض شخص واحد وليست بسبع كالسماء على ما رآه بعضهم، فيصح له ذلك، ولكنه غير معول عليه١٣. وقيل : على التماثيل١٤.
قال الزمخشري : وكونه للتماثيل أثبت لتضليلهم وأدخل في الاحتجاج عليهم١٥.
وقال ابن عطية :«فَطَرَهُنَّ » عبارة عنها كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بوصف من يعقل. وقال غيره :«فَطَرَهُنَّ » أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنهما من قبيل مَنْ يعقل١٦، فإنَّ الله تعالى أخبر بقوله :﴿ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾١٧ وقوله -عليه السلام-١٨ «أطّتِ السماءُ وحقَّ لها أن تَئِطّ١٩ »٢٠ قال شهاب الدين : كأنَّ ابن عطية وذا القائل توهما أنَّ ( هُنَّ ) من الضمائر المختصة بالمؤنثات العاقلات، وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين العاقلات وغيرها قال تعالى :﴿ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾٢١ ثم قال تعالى :﴿ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ٢٢ ٢٣.
قوله :﴿ عَلَى ذَلِكُمْ ﴾ متعلق بمحذوف٢٤ أو ب «الشَّاهدِينَ » اتساعاً٢٥، أو على البيان٢٦، وقد تقدم نظيره نحو ﴿ لَكُمَا لَمِنَ٢٧ الناصحين٢٨.

فصل٢٩


اعلم أنَّ القوم لمَّا أوهموه أنه كالمازح في ما خاطبهم به أمر أصنامهم أظهر ذلك بالقول أولاً ثم بالفعل ثانياً. أمَّا القول فهو قوله :﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض ﴾ وهذا يدل على أنَّ الخالق الذي خلقها لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن القادر على ذلك هو الذي يقدر على الضرر والنفع، وهذه الطريقة هي نظير قوله :﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ٣٠ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾٣١، ثم قال :﴿ وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين ﴾ أي : على أنه لا إله إلا الذي يستحق العبادة إلا هو. وقيل :﴿ مِّنَ الشاهدين ﴾ على أنه خالق السموات والأرض.
وقيل : إنِّي قادر على إثبات ما ذكرته بالحجة، وإني لست مثلكم أقول٣٢ ما لا أقدر على إثباته بالحجة، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم. وقيل : المراد منه المبالغة في التأكيد والتحقيق، كقول الرجل إذا بالغ في مدح آخر أو ذمه : أشهد أنه كريم أو ذميم.
١ في ب: فأجابهم عليه الصلاة والسلام بقوله..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨١..
٣ في ب: أنه. وهو تحريف..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٥ أم المتصلة هي التي يتقدم عليها همزة التسوية نحو ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾ [المنافقون: ٦] أو يتقدم عليها همزة يطلب بها وبـ (أم) التعيين نحو أزيد في الدار أو عمرو؟ انظر المغني ١/٤١..
٦ في النسختين: حقاني. وهو تحريف..
٧ البيت من بحر الخفيف قاله حسان بن ثابت، وهو في شرح الديوان (٤٣٤) والكتاب ٣/١٨١ والمقتضب ٣/٢٩٨، أمالي ابن الشجري ٢/٣٣٤، المقاصد النحوية ٤/١٣٥، الخزانة ١١/١٥٥..
٨ وقوله: سقط من ب..
٩ البيت من بحر الطويل نسبه سيبويه إلى الأسود بن يعفر ونسبه المبرد في الكامل إلى اللعين المنقري، وهو في الكتاب ٣/١٧٥، المقتضب ٣/٢٩٤، الكامل ٢/٧٩٣ ٣/١٠٩٥، المحتسب ١/٥٠، المغني ١/٤٢، المقاصد النحوية ٤/١٣٨، شرح التصريح ٢/١٤٣، الهمع ٢/١٣٢، شرح شواهد المغني ١/١٣٨، الأشموني ٣/١٠١، ١٠٤، الخزانة ١١/١٢٨، الدرر ٢/١٧٥. شعيث: حي من تميم، ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء، وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم: حي من قيس.
والشاهد فيه وقوع (أم) المتصلة بين جملتين اسميتين.
واستشهد به سيبويه على حذف همزة الاستفهام ضرورة لدلالة (أم) عليها..

١٠ انظر الكشاف ٣/١٤، البحر المحيط ٦/٣٢١..
١١ البحر المحيط ٦/٣٢١..
١٢ في ب: يقال..
١٣ الدر المصون ٥/٥٢..
١٤ انظر الكشاف ٣/١٤، البحر المحيط ٦/٣٢١..
١٥ الكشاف ٣/١٤..
١٦ تفسير ابن عطية ١٠/١٦١..
١٧ من قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]..
١٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٩ أخرجه الترمذي (زهد) ٤/٥٥٦، ابن ماجه (زهد) ٢/١٤٠٢ أحمد ٥/١٧٣، وانظر النهاية في غريب الحديث ١/٥٤، الفائق ١/٤٩. الأطيط: الحنين والصوت أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت..
٢٠ انظر البحر المحيط ٦/٣٢١..
٢١ من قوله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦]..
٢٢ أخرجه الترمذي (زهد) ٤/٥٥٦، ابن ماجه (زهد) ٢/١٤٠٢ أحمد ٥/١٧٣، وانظر النهاية في غريب الحديث ١/٥٤، الفائق ١/٤٩. الأطيط: الحنين والصوت أي: أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت..
٢٣ الدر المصون ٥/٥٢..
٢٤ انظر البيان ٢/١٦٢، والتبيان ٢/٩٢٠، البحر المحيط ٦/٣٢٠..
٢٥ أي: لاتساعهم في الظرف والمجرور. البحر المحيط ٦/٣٢١..
٢٦ انظر البحر المحيط: ٦/٣٢١..
٢٧ في ب: من. وهو تحريف..
٢٨ من قوله تعالى: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]..
٢٩ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨١-١٨٢..
٣٠ في الأصل: وما لا. وهو تحريف..
٣١ [مريم: ٤٢]..
٣٢ في ب: أقوى. وهو تحريف..
وأما الفعل فقوله: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ لأمكرن بها. قرأ العامة «تَاللهِ» بالتاء المثناة فوق. وقرأ معاذ بن جبل، وأحمد بن حنبل بالباء الموحدة. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ «ما الفرق بين التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه. أما قوله: إنَّ الباء في الأصل فيدل على ذلك تصرفها
522
في الباب بخلاف الواو والتاء، وإن كان السُّهيلي قد ردَّ كون الواو بدلاً منها.
وقال أبو حيان: النظر يقتضي أن كلاً منهما أصل. وأما قوله: التعجب فنصوص النحويين أنه يجوز فيها التعجب وعدمه، وإنما يلزم ذلك مع اللام كقوله:
٣٧٢٧ - للهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيانُ والآسُ
و» بَعْدُ «منصوب ب» لأكِيدَنَّ «، و» مُدْبِرِينَ «حال مؤكدة، لأن» تُوَلُّوا «يفهم معناها. وقرأ العامة» تُوَلُّوا «بضم التاء مضارع (وَلَّى) مشدداً.
وقرأ عيسى بن عمر»
تَوَلَّوا «بفتحهما مضارع (تَوَلَّى)، والأصل: تتولوا فحذف
523
إحدى التاءين إمَّا الأولى على رأي هشام، وإمَّا الثانية على رأي البصريين وينصرها قراءة الجميع ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، ولم يقرأ أحد» تُوَلُّوا «وهي قياس قراءة الناس هنا، وعلى كلتا القراءتين فلام الكلمة محذوفة، وهو الياء، لأنه من» وَلَّى «، ومتعلق هذا الفعل محذوف تقديره: تولوا إلى عيدكم ونحوه. فإن قيل: الكيد ضرر الغير بحيث لا يشعر به ولا يتأتى ذلك في الأصنام فكيف قال: ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ؟
فالجواب: توسعاً لما كان عندهم أنَّ الضرر يجوز عليها، وقيل: المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أنزل بهم الغم.
قوله:»
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً «. قرأ العامة» جُذَاذاً «بضم الجيم، والكسائي بكسرها وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها. قال قطرب: هي لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث والظاهر أنَّ المضموم اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى الشيء المحطم والمفتت. وقال اليزيدي: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم نحو زجاج في زجاجة، والمكسور جمع جَذِيذ نحو كِرَام في كَرِيم. وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي: مَجْذُوذِينَ. ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي: ذوات جذاذ.
524
وقيل: المضموم جمع جُذَاذَة بالضم، والمكسور جمع جِذَاذَة بالكسر، والمفتوح مصدر وقرأ ابن وثاب» جُذُذاً «بضمتين دون ألف بين الذالين، وهو جمع جَذِيذ كقَلِيب وقُلُبٍ. وقرئ بضم الجيم وفتح الذال، وفيها وجهان:
أحدهما: أن يكون أصلها ضمتين، وإنما خففت بإبدال الضمة فتحة نحو سُرَر وذُلَل في جمع سرير وذليل، وهي لغة لبني كلب.
والثاني: أنه جمع جذَّة نحو قبب في قبة ودرر في درة.
والجذ القطع والتكسير، وعليه قوله:
٣٧٢٨ - بَنُو المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دَابِرَهُمْ أَمْسَوا رَمَاداً فَلاَ أصْلٌ وَلاَ طَرَفُ
وتقدم هذا مستوفى في هود. فإن قيل: لِمَ قال «جَعَلَهُمْ»
وهذا جمع لا يليق إلا بالعقلاء؟
فالجواب عَامَلَ الأصنام مُعَاملة العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك.
قوله: «إلاَّ كَبِيراً» استثناء من المنصوب في «فَجَعَلَهُمْ» أي: لم يكسره بل تركه
525
و «لَهُمْ» صفة له، وهذا الضمير يجوز أن يعود على الأصنام، وتأويل عود ضمير العقلاء عليها تقدم. ويجوز أن يعود على عابديها. والضمير في «إلَيْهِ
يجوز أن يعود إلى»
إبراهيم «، أي: يرجعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحق، أو غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما شاهدوه من إنكاره لدينهم، وسب آلهتهم، فيبكتهم بما أهانهم به من قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
ويجوز أن يعود إلى الكبير، وفيه وجهان:
أحدهما: لعلهم يرجعون إليه كما يرجعون إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك؟ وهذا قول الكلبي. وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم.
والثاني: أنه - عليه السلام - قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه (استهزاء بهم).

فصل


قال السّدّيّ: كان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إنِّي سَقِيم أشتكي رِجْلي، ، فلمَّا مَضَوْا وبقي ضعفاء الناس، نادى وقال: ﴿تالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى عيدكم. فسمعوها منه. واحتج هذا القائل بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.
وقال الكلبيّ: كان إبراهيم - عليه السلام - من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلاَّ مريضاً، فلما هَمَّ إبراهيم بكسر الأصنام، نظر قبل يوم العيد إلى السماء، وقال لأصحابه: أراني أشتكي غداً، وهو قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]. وأصبح في الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم ليعيدهم
526
ولم يتخلف أحد غيره، فقال: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمع رجل منهم هذا القول، فحفظه عيله، ثم أخبر به غيره، وانتشر ذلك في جماعة، فلذلك قال تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾، ثم إن إبراهيم - عليه السلام - دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنماً مصطفة، وعند الباب صنم عظيم من ذهب مستقبل الباب وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفاس في يده حتى لم يبق إلاَّ الكبير علق الفأس في عنقه.
فإن قيل: أولئك الأقوام إمَّا أنْ يكونوا عقلاء أو لم يكونوا عقلاء، فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أنَّ تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها؟ أقصى ما في الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب وكسرها لا يقدح في تعظيمها من هذا الوجه.
وإن لم يكونوا عقلاء لم يحسن مناظرتهم ولا بعثة الرسل إليهم.
فالجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانول عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل للكواكب، وأنها طلمسات موضوعة، بحيث إنَّ كل من عبدها انتفع، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم إنَّ إبراهيم - عليه السلام - كسرها ولم ينله منها ضرر ألبتة، فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم. قوله ﴿مَن فَعَلَ هذا﴾ يجوز في «مَنْ» أن تكون استفهامية وهو الظاهر، فعلى هذا تكون الجملة من قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾ استئنافاً لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون موصولة بمعنى (الَّذِي)، وعلى هذا فالجملة من «إنَّهُ» في محل رفع خبراً للموصول، والتقدير: الذي فعل في الظلمة إما لجرأته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها، وتمادياً في الاستهانة بها.
قوله: «يَذْكُرُهُمْ». في هذه الجملة أوجه:
أحدها: أن «سمع» هنا يتعدى لاثنين، لأنها متعلقة بعين، فيكون «فَتًى» مفعولاً أولاً و «يَذْكُرُهُمْ» هذه الجملة في محل نصب مفعول ثانياً، ألا ترى أنك لو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسَكَّتَ لم يكن كلاماً بخلاف: سمعت قراءته وحديثه.
527
والثاني: أنها في محل نصب أيضاً صفة ل «إبراهيم».
قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما حكم الفعلين بعد «سَمِعْنَا»، وما الفرق بينهما؟ قلت: هما صفنان ل «فَتًى» إلاَّ أنَّ الأول وهو «يَذْكُرُهُمْ» لا بدَّ منه ل «سَمِع» لأنك لا تقول: سَمِعْتُ زَيْداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمعن وأما الثاني فليس كذلك. وهذا الذي قاله لا يتعين لما عرفت أن سمع إن تعلقت بما سمع نحو سمعت مقالة بكر فلا خلاف أنها تتعدى لواحد. وإن تعلقت بما لا يسمع فلا يكتفى به أيضاً بلا خلاف بل لا بدّ من ذكر شيء يسمع، فلو قلت: سَمِعْتُ زَيْداً، وسكت، أم سَمِعْتُ زَيْداً يركب، لم يجز، فإن قلت: سمعته يقرأ صح، وجرى في ذلك خرف بين النحاة فأبو علي يجعلها متعدية لاثنين، ولا يتمشى عليه قول الزمخشري. وغيره يجعلها متعدية لواحد، ويجعل الجملة بعد المعرفة حالاً وبعد النكرة صفة، وهذا أراد الزمخشري.
قوله: «إِبْرَاهِيمُ». في رفع «إِبْرَاهِيمُ» أوجه:
أحدها: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي: يقال له هذا اللفظ، وكذلك قال أبو البقاء: فالمراد الاسم لا المسمى.
وفي هذه المسألة خلاف بين النحويين أعني تسلط القول على المفرد الذي يؤدي معنى جملة ولا هو مقتطع من جملة، ولا هو مصدر ل «قال»، ولا هو صفة لمصدره نحو: قلت زَيْداً، أي: قلت هذا اللفظ، فأجازه جماعة كالزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك، ومنعه آخرون. وممن اختار
528
رفع «إِبْرَاهِيمُ» على ما ذكرت الزمخشري وابن عطية. أمَّا إذا كان المفرد مؤدياً معنى جملة كقولهم: قلت خطبة وشعراً وقصيدة أو اقتطع من جملة كقوله:
٣٧٢٩ - إذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ طَعْمُ مُدَامةٍ مُعَتَّقَةٍ مِمَّا يَجِيءُ بِهِ التُّجُرْ
أو كان مصدراً نحو قُلْتُ قَوْلاً، أو صفة له نحو: قُلْتُ حقاً أو باطِلاً، فإنه يتسلط عليه كذا قالوا. وفي قولهم: المفرد المقتطع من الجملة نظر، لأنَّ هذا لم يتسلط عيله القول إنما تسلط على الجملة المشتملة عليه.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، يقال له: هذا إبراهيم، أو هو إبراهيم.
الثالث: أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له إبراهيم فاعل ذلك.
الرابع: أنه منادى وحرف النداء محذوف أي: يا إبراهيم.
وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة محكية ب «يُقَالُ» وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ] [٥٨ رفعاً ونصباً وفي الأعراف عند
529
قوله ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف: ١٦٤] رفعاً ونصباً. والجملة من «» يُقَالُ لَهُ «يحتمل أن تكون مفعولاً آخر نحو ظننت زيداً كاتباً شاعراً. وأن تكون على رأي الزمخشري ومن تابعه وأن تكون حالاً من» فَتًى «وجاز ذلك لتخصصها بالوصف.

فصل

530
قوله :«فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ». قرأ العامة «جُذَاذاً »١ بضم الجيم، والكسائي بكسرها٢ وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها٣. قال قطرب : هي لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث٤ والظاهر أنَّ المضموم اسم للشيء المكسر كالحطام والرفات والفتات بمعنى٥ الشيء المحطم والمفتت٦. وقال اليزيدي : المضموم جمع جُذَاذَة بالضم نحو زجاج في زجاجة٧، والمكسور جمع جَذِيذ نحو كِرَام في كَرِيم٨. وقال بعضهم : المفتوح مصدر بمعنى المفعول أي : مَجْذُوذِينَ. ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي : ذوات جذاذ٩.
وقيل : المضموم جمع جُذَاذَة بالضم، والمكسور جمع جِذَاذَة بالكسر، والمفتوح مصدر١٠ وقرأ ابن وثاب «جُذُذاً »١١ بضمتين دون ألف بين الذالين١٢، وهو جمع جَذِيذ١٣ كقَلِيب وقُلُبٍ١٤. وقرئ بضم الجيم وفتح الذال١٥، وفيها وجهان :
أحدهما : أن يكون أصلها ضمتين، وإنما خففت بإبدال الضمة فتحة نحو سُرَر وذُلَل في جمع سرير وذليل، وهي لغة لبني كلب١٦.
والثاني : أنه جمع جذَّة١٧ نحو قبب في قبة ودرر١٨ في درة١٩.
والجذ القطع والتكسير، وعليه قوله٢٠ :
٣٧٢٨- بَنُو٢١ المُهَلَّبِ جَذَّ اللهُ دَابِرَهُمْ أَمْسَوا رَمَاداً فَلاَ أصْلٌ وَلاَ طَرَفُ٢٢
وتقدم هذا مستوفى في هود٢٣. فإن قيل : لِمَ قال «جَعَلَهُمْ » وهذا جمع لا يليق إلا بالعقلاء ؟
فالجواب عَامَلَ الأصنام مُعَاملة العقلاء حيث اعتقدوا فيها ذلك٢٤.
قوله :﴿ إلاَّ كَبِيراً ﴾ استثناء من المنصوب في «فَجَعَلَهُمْ » أي : لم يكسره بل تركه٢٥ و «لَهُمْ » صفة له، وهذا الضمير يجوز أن يعود على الأصنام، وتأويل عود ضمير العقلاء عليها تقدم. ويجوز أن يعود على عابديها٢٦. والضمير في «إلَيْهِ يجوز أن يعود إلى «إبراهيم »، أي : يرجعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحق، أو غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما شاهدوه من إنكاره لدينهم، وسب آلهتهم، فيبكتهم بما أهانهم٢٧ به من قوله :﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ ﴾٢٨.
ويجوز أن يعود إلى الكبير٢٩، وفيه وجهان :
أحدهما : لعلهم يرجعون إليه كما يرجعون إلى العالم في حل٣٠ المشكلات، فيقولون : ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً والفأس على عاتقك ؟ وهذا قول الكلبي. وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم، فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم.
والثاني : أنه -عليه السلام-٣١ قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه ( استهزاء٣٢ بهم )٣٣.

فصل٣٤


قال السّدّيّ : كان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم : لو خرجت معنا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : إنِّي سَقِيم أشتكي رِجْلي٣٥، فلمَّا مَضَوْا وبقي ضعفاء الناس، نادى وقال :﴿ تالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ ﴾ أي : إلى عيدكم. فسمعوها منه. واحتج هذا القائل بقوله تعالى :﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾٣٦.
وقال الكلبيّ : كان إبراهيم -عليه السلام-٣٧ من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلاَّ مريضاً، فلما هَمَّ إبراهيم بكسر الأصنام، نظر قبل يوم العيد إلى السماء، وقال لأصحابه : أراني أشتكي غداً، وهو قوله :﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾٣٨. وأصبح في الغد معصوباً رأسه، فخرج القوم ليعيدهم ولم يتخلف أحد غيره، فقال :﴿ وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ فسمع رجل منهم هذا القول، فحفظه عليه، ثم أخبر به غيره، وانتشر ذلك في جماعة، فلذلك قال تعالى :﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾، ثم إن إبراهيم -عليه السلام-٣٩ دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنماً مصطفة٤٠، وعند الباب صنم عظيم من ذهب مستقبل الباب وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلاَّ الكبير علق الفأس في عنقه.
فإن قيل : أولئك الأقوام إمَّا أنْ يكونوا عقلاء أو لم يكونوا عقلاء، فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أنَّ تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب وكسرها لا يقدح في تعظيمها من هذا الوجه.
وإن لم يكونوا عقلاء لم يحسن مناظرتهم ولا بعثة الرسل إليهم.
فالجواب : أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل للكواكب، وأنها طلمسات موضوعة، بحيث إنَّ كل من عبدها٤١ انتفع، وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد، ثم إنَّ إبراهيم -عليه السلام-٤٢ كسرها ولم ينله منها ضرر ألبتة، فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم٤٣.
١ جذاذا: سقط من ب..
٢ السبعة: (٤٢٩) الكشف ٢/١١٢، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
٣ المختصر (٩٢) المحتسب ٢/٦٤. البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٤ المحتسب ٢/٦٤، حيث قال ابن جني: (وكذلك روينا عن قطرب: جذّ الشيء يجذّه جذّا وجُذاذا وجِذاذا وجَذاذا) وانظر أيضا البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٥ في ب: وبمعنى..
٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٧ البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٨ وذلك أن (فعال) من أمثلة جمع الكثرة، ومما يطرد فيه كل ما كان على وزن فعيل أو فعيلة وصفا للفاعل صحيح اللام نحو كريم وكريمة، وظريف وظريفة تقول في جمعها: كرام وظراف. انظر البحر المحيط ٦/٣٢٢، وشرح الأشموني ٤/١٣٥..
٩ انظر التبيان ٢/٩٢٠..
١٠ المرجع السابق..
١١ في ب: جذاذ. وهو تحريف..
١٢ المختصر (٩٢). البحرالمحيط ٦/٣٢٢..
١٣ في ب: لجذيذ..
١٤ وذلك أن (فعل) من أمثلة جمع الكثرة، وهو يطرد في كل اسم رباعي ثالثه مدة صحيح اللام، نحو قضيب وقضب، وسرير وسرر، وعمود وعمد، وزبور وزبر، وكتاب وكتب، وإذا كانت المدة ألفا اشترط في المفرد ألا يكون مضعفا فلا يجمع نحو مداد ولا سنان ولا هلال على فعل. ويطرد أيضا في كل وصف على فعول – بفتح الفاء وضم العين – بمعنى فاعل، نحو صبور، وغفور وشكور، تقول في جمعها: صبر وغفر وشكر.
انظر شرح الأشموني ٤/١٢٩-١٣٠..

١٥ التبيان ٢/٩٢٠، البحر المحيط ٦/٣٢٢..
١٦ انظر التبيان ٢/٢١، البحر المحيط ٦/٣٢٢..
١٧ في ب: جذذة..
١٨ في الأًصل: درر. وهو تحريف..
١٩ وذلك أن (فعل) من أمثلة جموع الكثرة، ومما يطرد فيه ما كان على فعلة – بضم الفاء وسكون العين – اسما نحو غرفة وغرف وحجة وحجج. انظر البحر المحيط ٦/٣٢٢، وشرح الأشموني ٤/١٣٠..
٢٠ في ب: قول. وهو تحريف..
٢١ بنوا، وفي ب: بنى..
٢٢ البيت من بحر البسيط قاله جرير، وهو ديوانه ١/١٧٦، وفيه: "آل" مكان "بنو" ومجاز القرآن ٢/٥٠، الكامل ٢/١٠٤٠، البحر المحيط ٦/٣١٨. والشاهد فيه أنّ الجذّ معناه القطع والتكسير..
٢٣ عند قوله: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨] وذكر هناك "غير مجذوذ" في المختار : جذّه كسره وقطعه وبابه ردّ والجذاذ بضم الجيم وكسرها ما تكسر منه والضم أفصح، و"عطاء غير مجذوذ" أي غير مقطوع، والجذاذات القراضات. انظر اللباب ٤/٣٧٤..
٢٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٢..
٢٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٢..
٢٧ في الأصل: أهابهم. وفي ب: أعابه. والصواب ما أثبته..
٢٨ [الأنبياء: ٦٣]. وانظر الكشاف ٣/١٤، والفخر الرازي ٢٢/١٨٣..
٢٩ قال ابن عطية: (ويحتمل أن يعود الضمير إلى الكبير المتروك، ولكن يضعف ذلك دخول الترجي في الكلام) تفسير ابن عطية ١٠/١٦٢. وهذا قول الكلبي، الكشاف ٣/١٤..
٣٠ في ب: محل. وهو تحريف..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ انظر الكشاف ٣/١٤..
٣٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٢..
٣٥ في ب: رجل..
٣٦ "يقال له إبراهيم": سقط من ب. [الأنبياء: ٦٠]..
٣٧ عليه السلام: سقط من ب..
٣٨ [الصافات: ٨٨، ٨٩]..
٣٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٠ في الأصل: مصففة. وهو تحريف..
٤١ عبدها: سقط من ب..
٤٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٣..
قوله :﴿ مَن فَعَلَ هذا ﴾ يجوز في «مَنْ »١ أن تكون استفهامية وهو الظاهر، فعلى هذا تكون الجملة من قوله :﴿ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين ﴾ استئنافاً لا محل لها من الإعراب٢. ويجوز أن تكون موصولة بمعنى ( الَّذِي )، وعلى هذا فالجملة من «إنَّهُ » في محل رفع خبراً للموصول، والتقدير : الذي فعل هذا بآلهتنا إنه٣. ومعنى الآية : من فعل هذا الكسر والحطم٤ الشديد معدود في الظلمة إما لجرأته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها، وتمادياً في الاستهانة بها٥.
١ في ب: يجوز من في من. وهو تحريف..
٢ انظر التبيان ٢/٩٢١، القرطبي ١١/٢٩٨، البحر المحيط ٦/٣٢٣..
٣ انظر التبيان ٢/٩٢١، والقرطبي ١١/٢٩٨ وكون (من) استفهامية هو الأولى لقوله: "سمعنا فتى يذكرهم" وهذا هو جواب "من فعل هذا؟"..
٤ في ب: الخطم. وهو تصحيف..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٣..
قوله :﴿ يَذْكُرُهُمْ ﴾. في هذه الجملة أوجه :
أحدها : أن «سمع » هنا يتعدى لاثنين، لأنها متعلقة بعين، فيكون «فَتًى » مفعولاً أولاً و «يَذْكُرُهُمْ » هذه الجملة في محل نصب مفعول ثانياً، ألا ترى أنك لو قلت : سَمِعْتُ زَيْداً، وسَكتّ لم يكن كلاماً بخلاف : سمعت قراءته وحديثه١.
والثاني : أنها في محل نصب أيضاً صفة ل «إبراهيم ».
قال الزمخشري : فإن قُلْتَ : ما حكم الفعلين بعد «سَمِعْنَا »، وما الفرق بينهما ؟ قلت : هما صفنان ل «فَتًى » إلاَّ أنَّ الأول وهو «يَذْكُرُهُمْ » لا بدَّ منه٢ ل «سَمِع »٣ لأنك لا تقول : سَمِعْتُ زَيْداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع، وأما الثاني فليس كذلك٤. وهذا الذي قاله٥ لا يتعين لما عرفت أن٦ سمع إن تعلقت بما سمع٧ نحو سمعت مقالة بكر فلا خلاف أنها تتعدى لواحد. وإن تعلقت بما لا يسمع فلا يكتفى به أيضاً بلا خلاف بل لا بدّ من ذكر شيء يسمع، فلو قلت : سَمِعْتُ زَيْداً، وسكت، أم سَمِعْتُ زَيْداً يركب، لم يجز، فإن قلت : سمعته يقرأ صح، وجرى في ذلك خرف بين النحاة فأبو علي يجعلها متعدية لاثنين، ولا يتمشى عليه قول الزمخشري. وغيره يجعلها متعدية لواحد، ويجعل الجملة بعد المعرفة حالاً وبعد النكرة صفة، وهذا أراد الزمخشري٨.
قوله :﴿ إِبْرَاهِيمُ ﴾. في رفع «إِبْرَاهِيمُ » أوجه :
أحدها : أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي : يقال له هذا اللفظ، وكذلك قال أبو البقاء : فالمراد الاسم لا المسمى٩. وفي هذه المسألة خلاف بين النحويين أعني تسلط القول على المفرد الذي يؤدي معنى جملة ولا هو مقتطع من جملة، ولا هو مصدر ل «قال »، ولا هو صفة لمصدره نحو : قلت زَيْداً، أي : قلت هذا اللفظ، فأجازه جماعة كالزجاجي١٠ والزمخشري وابن خروف١١ وابن مالك، ومنعه آخرون١٢. وممن اختار رفع «إِبْرَاهِيمُ » على ما ذكرت١٣ الزمخشري وابن عطية١٤. أمَّا إذا كان المفرد مؤدياً معنى جملة كقولهم : قلت خطبة وشعراً وقصيدة أو اقتطع من جملة كقوله :
٣٧٢٩- إذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ طَعْمُ مُدَامةٍ مُعَتَّقَةٍ مِمَّا يَجِيءُ بِهِ التُّجُرْ١٥
أو كان مصدراً نحو قُلْتُ قَوْلاً، أو صفة له نحو : قُلْتُ حقاً أو باطِلاً، فإنه يتسلط عليه كذا قالوا١٦. وفي قولهم : المفرد المقتطع من الجملة نظر، لأنَّ هذا لم يتسلط عليه القول إنما تسلط١٧ على الجملة المشتملة عليه.
الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر، يقال له : هذا إبراهيم، أو هو إبراهيم١٨.
الثالث : أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي : يقال له إبراهيم فاعل ذلك١٩.
الرابع : أنه منادى وحرف٢٠ النداء محذوف أي : يا إبراهيم٢١.
وعلى الأوجه الثلاثة فهو مقتطع من جملة، وتلك الجملة محكية ب «يُقَالُ » وتقدم تحقيق٢٢ هذا في البقرة عند قوله ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾٢٣ رفعاً ونصباً، وفي الأعراف عند قوله ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً ﴾٢٤ رفعاً ونصباً. والجملة من «يُقَالُ لَهُ »٢٥ يحتمل أن تكون مفعولاً آخر نحو ظننت زيداً كاتباً شاعراً. وأن تكون على رأي الزمخشري٢٦ ومن تابعه وأن تكون حالاً من «فَتًى » وجاز ذلك لتخصصها بالوصف٢٧.
١ انظر التبيان ٢/٩٢١..
٢ في ب: فيه. وهو تحريف..
٣ في الأصل: يسمع. وهو تحريف..
٤ الكشاف ٣/١٥..
٥ وهو قوله: (هما صفتان)..
٦ في ب: أنه. وهو تحريف..
٧ في الأصل: بما لا يسمع وهو تحريف..
٨ وذلك لأن (سمع) إما أن تدخل على مسموع أو غيره: فإن دخلت على مسموع فلا خلاف أنها تتعدى إلى واحد نحو سمعت كلام زيد ومقالة خالد. وإن دخلت على غير مسموع فاختلف فيها، فقيل: إنها تتعدى إلى اثنين وهو مذهب الفارسي، ويكون الثاني مما يدل على صوت، فلا يقال: سمعت زيدا يركب. ومذهب غيره أن (سمع) يتعدى إلى واحد، والفعل بعده إن كان معرفة في موضع الحال منها أو نكرة في موضع الصفة فعلى مذهب غير الفارسي يتمشى قول الزمخشري أنه صفة لـ "فتى" وعلى مذهب الفارسي فلا يكون إلا في موضع المفعول الثاني لـ "سمع". انظر البحر المحيط ٦/٣٢٤..
٩ التبيان ٢/٩٢١، وانظر أيضا الكشاف ٣/١٥..
١٠ هو عبد الرحمن بن إسحاق أبو القاسم الزجاجي، أصله من صيمر، نزل بغداد ولزم الزجاج حتى برع في النحو، ومن مصنفاته الجمل في النحو، والإيضاح، الكافي كلاهما في النحو، شرح كتاب الألف واللام للمازني وغيرها مات سنة ٣٤٠ هـ. بغية الوعاة ٢/٧٧..
١١ تقدم..
١٢ أي أن تسلط القول على المفرد الذي لا يؤدي معنى جملة، ولا هو مقتطع من جملة، ولا هو مصدر لقال، ولا هو صفة لمصدره مسألة اختلف فيها النحويون، فذهب الزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك إلى جواز نصبه بالقول. نحو قلت زيدا. وذهب جماعة منهم ابن عصفور إلى أنه لا ينصب بالقول بل يحكى، وهو الصحيح إذ لا يحفظ من لسانهم: قال فلان زيدا، ولا قال ضرب، ولا قال ليت، وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل. انظر شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ٢/٤٦٢، المقرب (٣٢٤) شرح الكافية الشافية ٢/٥٦٧، البحر المحيط ٦/٣٢٤. الهمع ٢/١٥٧..
١٣ في ب: ما ذكر. أي: أنه مرفوع على ما لم يسم فاعله، أي: يقال له هذا اللفظ..
١٤ الكشاف ٣/١٥، تفسير ابن عطية ١٠/١٦٤..
١٥ البيت من بحر الطويل قاله امرؤ القيس، وهو في ديوانه (١١٠)، المقرب (٣٢٤) شرح جمل الزجاجي ٢/٤٦٣، اللسان (تجر) البحر المحيط ٦/٣٢٤، الهمع ٢/١٥٧، الدرر ١/١٣٨. المدامة: الخمر القديمة، والمعتقة كذلك. التُّجر: جمع تجار وهو جمع تاجر، أي: جمع الجمع، وقيل: التّجر جمع تاجر كشارف وشرف، وهم التجار بالخمر المعتقة. والشاهد فيه أن قوله (طعم مدامة) مقتطع من جملة أي: طعمه طعم مدامة فليس فيه إلا الحكاية..
١٦ انظر شرح جمل الزجاجي ٢/٤٦٢-٤٦٣، المقرب(٣٢٤)، شرح الكافية الشافية ٢/٥٦٧، البحر المحيط ٦/٣٢٤، الهمع ٢/١٥٧..
١٧ في ب: سلط..
١٨ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩٦، الكشاف ٣/١٥، البيان ٢/١٦٣، التبيان ٢/٩٢١، البحر المحيط ٦/٣٢٤..
١٩ انظر التبيان ٢/٩٢١..
٢٠ في الأصل: وحذف. وهو تحريف..
٢١ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٩٦، الكشاف ٣/١٥، البيان ٢/١٦٣، التبيان ٢/٩٢١، البحر المحيط ٦/٣٢٤..
٢٢ في ب: تقرير..
٢٣ من قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين﴾ [البقرة: ٥٨]. وذكر هناك: قرئ بالرفع والنصب، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أمرك طاعة، قال الزمخشري: والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة.... انظر اللباب ١/١٥٦..
٢٤ من قوله تعالى: ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وذكر هناك: قرأ العامة "معذرة" رفعا على خبر ابتداء مضمر أي: موعظتنا معذرة، وقرأ حفص عن عصام، وزيد بن علي، وعيسى بن عمر، وطلحة بن مصرف "معذرة" نصبا، وفيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها منصوبة على المفعول من أجله، أي: وعظناهم من أجل المعذرة، قال سيبويه: ولو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا انتصب. الثاني: أنها منصوبة على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره: نعتذر معذرة.
الثالث: أن ينتصب انتصاب المفعول به، لأن المعذرة تتضمن كلاما، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول نصب نصب المفعول به كقلت خطبة وسيبويه يختار الرفع قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ولكنهم قيل لهم لم متعظون فقالوا: موعظتنا معذرة. انظر اللباب ٤/١١٤..

٢٥ في الأصل: لهم. وهو تحريف..
٢٦ الكشاف ٣/١٥، والتبيان ٢/٩٢١..
٢٧ أي: أنّ الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة و "فتى" نكرة، وجاز مجيء الحال من النكرة هنا لتخصصها بالوصف وهو قوله "يذكرهم" عند من أعربها صفة لـ "فتى" وهما الزمخشري وأبو البقاء وانظر التبيان ٢/٩٢١..
لما سمع بعض القوم قول إبراهيم - عليه السلام - ﴿تالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ وسمعوا سبّه لآلهتهم غلب على ظنهم أنه الفاعل لذلك، فلذلك قالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يعيبهم ويسبهم ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، فهو الذي يظن أنه الذي صنع هذا.
فبلغ ذلك نمروذ الجبار، وأشراف قومه، فقالوا فيما بينهم ﴿فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس﴾ قال نمروذ، أي: جيئوا به ظاهراً، أي بمرأى من الناس ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه أنه الذي فعله. قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينةٍ. وقال محمد بن إسحاق: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يحضرون عقابه فينزجروا عن الإقدام على مثله. وقال
530
الكلبي ومقاتل: المراد مجموع الأمرين أي: يشهدون عليه عقابه.
قوله: ﴿على أَعْيُنِ﴾ في محل نصب على الحال من الهاء في «بِهِ» أي: ائتوا به ظاهراً مكشوفاً بمرأى منهم ومنظر. قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ «ما معنى الاستعلاء في:» عَلَى «؟ قُلْتُ: هو وارد على طريق المثل، أي يثبت إتيانه على الأعين، ويتمكن ثبات الراكب على المركوب، وتمكنه منه.
قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾. في»
ءَأَنْتَ «وجهان:
أحدهما: أنه فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، والتقدير: أفعلت هذا بآلهتنا فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير.
والثاني: أنه مبتدأ والخبر بعد الجملة.
والفرق بين الوجهين من حيث اللفظ واضح، فإنَّ الجملة من قوله»
فَعَلْتَ «الملفوظ بها على الأول لا محل لها، لأنها مفسرة ومحلها الرفع على الثاني، ومن حيث المعنى أنّ الاستفهام إذا دخل على الفعل أشعر بأنَّ الشك إنما تعلق به (هل وقع أم لا؟ من غير شك في فاعله. وإذا دخل على الاسم وقع الشك فيه) هل هو الفاعل أم غيره؟ والفعل غير مشكوك في وقوعه، بل هو واقع فقط.
فإذا قلت: أَقَامَ زَيْدٌ؟ كان شكك في قيامه. وإذا قلت: أَزَيْدٌ قَامَ؟ وجعلته مبتدأ كان شكك في صدور الفعل منه أم من عمرو.
والوجه الأولى هو المختار عند النحاة، لأنَّ الفعل تقدم ما يطلبه، وهو أداة الاستفهام.
قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ هذا الإضراب عن جملة محذوفة تقديره: لم أفعله إنما الفاعل حقيقة الله تعالى، وإسناد الفعل إلى»
كَبِيرُهُمْ «من أبلغ التعاريض.
قوله:» هَذَا «فيه ستة أوجه:
531
أحدها: أن يكونَ نعتاً ل» كَبِيرُهُمْ «.
الثاني: أن يكون بدلاً من»
كَبِيرُهُمْ «.
الثالث: أن يكون خبراً ل»
كَبِيرُهُمْ «على أنَّ الكلام يتم عند قوله» بَلْ فَعَلَهُ «وفاعل الفعل محذوف. كذا نقله أبو البقاء، وقال: وهذا بعيد، لأنَّ حذف الفاعل لا يسوغ. قال شهاب الدين: وهذا القول يعزى للكسائي، وحينئذ لا يحسن الرد عيله بحذف الفاعل فإنه يجيز ذلك، ويلزمه، ويجعل التقدير: بل فعله من فعله ويجوز أن يكون أراد بالحذف الإضمار، لأنه لمّا لم يذكر الفاعل لفظاً سمى ذلك حذفاً.
الرابع: أن يكونَ الفاعل ضمير «فَتًى»
.
الخامس: أني كون الفاعل ضمير «إبْرَاهِيم».
وهذان الوجهان يؤيدان أنَّ المراد بحذف الفاعل إنَّمَا هو الإضمار.
السادس: أن «فَعَلَهُ» ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلت على «عَلَّ» التي أصلها «لَعَلَّ» حرف ترج وحذف اللام الأولى ثابت، فصار اللفظ «فَعَلَّهُ» أي: فَلعلّه، ثم حذف اللام الأولى وخففت الثانية. وهذا يعزى للفراء وهو مرغوب عنه. وقد استدل على مذهبه بقراءة ابن السميفع «فَعَلَّهُ» بتشديد اللام، وهي قراءة شاذة لا يرجع بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حملهم على هذا خفاء وجه صدور هذا الكلام من النبي - عليه السلام -.
532

فصل


اعلم أن القوم لمّا قالوا له ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾ طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، فقلب الأمر عليهم وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾، وكان قد علق الفأس في رقبته، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة الأوثان، وقال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ واعلم أنّ للناس هاهنا قولان:
الأول: قول كافة المحققين، وهو أنّ قول إبراهيم - عليه السلام - ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ من قبيل التعريض، وهو من وجوه:
أحدها: أنًّ قصد إبراهيم - عليه السلام - تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضيّ، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم، وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، ولا يقدر هو إلا على خرمشة فاسدة: أأنت كتبت هذا، فقلت له: بل كتبته أنت، وكأن قصدك بهذا تقريره لك كع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر.
وثانيها: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحال عليه.
وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ حق من يُعْبَد، ويُدْعَى إلهاً أن يقدر على هذا أو أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري.
ورابعها: ما تقدم عن الكسائي أنه اكن يقف عند قوله «كَبِيرُهُمْ» ثم يبتدئ فيقول: ﴿هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾. والمعنى: بل فعله كبيرهم، وعنى نفسه، لأنّ الإنسان أكبر من كل صنم، وأنه كناية عن غير مذكور، أي: فعله من فعله و «كَبِيرهُمْ» ابتداء كلام.
وخامسها: قال الطِّيبي معناه على التقديم والتأخير، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا
533
ينطقون فاسألوهم، فجعل النطق شرطاً للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.
وسادسها: قراءة ابن السميفع المتقدمة.
والقول الثاني: قال البغوي: والأصح أن إبراهيم - عليه السلام - أراد بذلك الفعل إقامة الحجة عليهم فذلك قوله: ﴿هذا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، لما «روي أبو هريرة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله، قوله:» إنِّي سَقِيمٌ «، وقوله:» بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا «، وقوله لسارة:» هذه أختي «وفي حديث الشفاعة قول إبراهيم - عليه السلام -» إنِّي كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ «والقائلون بهذا القول قدروه من جهة العقل وقالوا: الكذب ليس قبيحاً لذاته فإنَّ النبي إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان فجاء الظالم وسأل عنه، فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك، فأي بُعْد في ان يأذن الله في ذلك لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما أذن ليوسف - عليه السلام - حين أمر مناديه لإخوته: ﴿أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] ولم يكونوا سرقوا.
قال ابن الخطيب: وهذا القول مرغوب عنه أما الخبر فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه فلنجر هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتطرق المهمة إلى كلها، ثم لو صح ذلك الخب فهو محمول على المعاريض على ما قاله عليه السلام»
إنَّ في المَعَارِيضِ لمندوحةً عن الكَذِبِ «.
534
فأمّا قوله:» إني سَقِيمٌ «فلعله سقيم القلب كما يجيء في موضعه.
وأمّا قوله:»
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ «فقد ظهر الجواب عنه. وأما قوله لسارة: هذه أختي، أي: في الدين. وأما قصة يوسف - عليه السلام - فتقدم الكلام عليها.
قوله: ﴿إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ جوابه محذوف لدلالة ما قبله، ومن جوَّز التقديم جعل»
فَاسْألُوهُمْ «هو الجواب.
قوله: ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ فيه وجوه:
الأول: أنَّ إبْراهيم - عليه السلام - لما نبههم على قبح طريقتهم بما أورده عليهم علموا أنَّ عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ذلك.
الثاني: قال مقاتل: ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ﴾ فلاموها وقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.
الثالث: أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتموه ختى إنه يستهزئ بكم في الجواب.
قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ قرأ العامة:»
نُكِسُوا «مبنياً للمفعول مخفف الكاف أي: نكسهم الله أو خجلهم.
و «عَلَى رُؤُوسِهِم»
حال، أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل. والنَّكْسُ والتَّنْكِيسُ: القلب، يقال:
535
نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَّسَهُ مخففاً ومشدداً. اي: طأطأه حتى صار أعلاه أسفله.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود وابن مقسم: «نُكِّسُوا» بالتشديد وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير.
وقرأ رضوان بن عبد المعبود: «نَكَسُوا» مخففاً مبنياً للفاعل، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم.

فصل


قال المفسرون: أجرى اله الحق على ألسنتهم في القول الأول ثم أدركتهم الشقاوة فهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ﴾ أي: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم. وقيل: قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة لإبراهيم - عليه السلام - حين جادلهم - فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم.
قوله: ﴿مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ هذه الجملة جاب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع «نُكِسُوا» أي: نكسوا قائلين: والله لقد علمت.
قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ يجوز أن تكون «مَا» حجازية فيكون «هَؤُلاَءِ» و «يَنْطِقُونَ» في محل نصب خبرها.
أو تميمية فلا عمل لها. والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن كانت «عَلِمْت» على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية.
قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ إن عبدتموه، ﴿وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾
536
إن تركتم عبادته. «أفٍّ لَكُمْ» أي: نتناً وقذراً لكم ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ تقدم الكلام على «أُفٍّ» في سورة سبحان. قال الزمخشري: «أُفٍّ» صوت إذا صوت به دل على أنّ صاحبه متضجر، وأن إبراهيم - عليه السلام - أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد وضوح الحق وانقطاع عذرهم وزهوق الباطل فتأفف.
واللام في «لَكُم» وفي «لِمَا» لام التبيين، أي: لتأفيف لَكُمْ لا لغيركم، وهي نظير قوله: «هَيْتَ لَكَ». ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» أي: أليس لكم عقل تعقلون هذا وتعرفونه؟
537
قوله :
﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ ﴾. في «ءَأَنْتَ » وجهان :
أحدهما : أنه فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده، والتقدير : أفعلت هذا بآلهتنا فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير.
والثاني : أنه مبتدأ والخبر بعد الجملة١.
والفرق بين الوجهين من حيث اللفظ واضح، فإنَّ الجملة من قوله «فَعَلْتَ » الملفوظ بها على الأول لا محل لها، لأنها مفسرة ومحلها الرفع على الثاني، ومن حيث المعنى أنّ الاستفهام إذا دخل على الفعل أشعر بأنَّ الشك إنما تعلق به ( هل وقع أم لا ؟ من غير شك في فاعله. وإذا دخل على الاسم وقع الشك فيه٢ ) هل هو الفاعل أم غيره ؟ والفعل غير مشكوك في وقوعه، بل هو واقع فقط.
فإذا قلت : أَقَامَ زَيْدٌ ؟ كان شكك في قيامه. وإذا قلت : أَزَيْدٌ قَامَ ؟ وجعلته مبتدأ كان شكك في صدور الفعل منه أم من عمرو.
والوجه الأولى هو المختار عند النحاة، لأنَّ الفعل تقدم ما يطلبه، وهو أداة الاستفهام٣.
١ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٤..
٢ ما بين القوسين سقط من ب..
٣ لأن همزة الاستفهام يغلب دخولها على الأفعال. انظر البحر المحيط ٦٣/٣٢٤..
قوله :
﴿ بَلْ فَعَلَهُ ﴾ هذا الإضراب عن جملة محذوفة تقديره : لم أفعله إنما الفاعل حقيقة الله تعالى، وإسناد الفعل إلى «كَبِيرُهُمْ » من أبلغ التعاريض١.
قوله٢ :﴿ هَذَا ﴾ فيه ستة أوجه :
أحدها : أن يكونَ نعتاً ل «كَبِيرُهُمْ ».
الثاني : أن يكون بدلاً من «كَبِيرُهُمْ ».
الثالث : أن يكون خبراً ل«كَبِيرُهُمْ » على أنَّ الكلام يتم عند قوله ﴿ بَلْ فَعَلَهُ ﴾ وفاعل الفعل محذوف. كذا نقله أبو البقاء، وقال : وهذا بعيد، لأنَّ حذف الفاعل لا يسوغ٣. قال شهاب الدين : وهذا القول يعزى للكسائي٤، وحينئذ لا يحسن الرد عليه بحذف الفاعل فإنه يجيز ذلك، ويلزمه، ويجعل التقدير : بل فعله من فعله ويجوز أن يكون أراد بالحذف الإضمار، لأنه لمّا لم يذكر الفاعل لفظاً سمى ذلك حذفاً٥.
الرابع : أن يكونَ الفاعل ضمير «فَتًى »٦.
الخامس : أني كون الفاعل ضمير «إبْرَاهِيم »٧.
وهذان الوجهان يؤيدان أنَّ المراد بحذف الفاعل إنَّمَا هو الإضمار.
السادس : أن «فَعَلَهُ » ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلت على «عَلَّ »٨ التي أصلها «لَعَلَّ » حرف ترج وحذف اللام الأولى ثابت٩، فصار اللفظ «فَعَلَّهُ » أي : فَلعلّه، ثم حذف اللام الأولى وخففت الثانية. وهذا يعزى للفراء١٠ وهو مرغوب عنه. وقد استدل على مذهبه بقراءة ابن السميفع «فَعَلَّهُ » بتشديد اللام١١، وهي قراءة شاذة لا يرجع بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حملهم على هذا خفاء وجه صدور هذا الكلام من النبي -عليه السلام١٢.

فصل١٣


اعلم أن القوم لمّا قالوا له ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا يا إبراهيم ﴾ طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، فقلب الأمر عليهم وقال :﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ﴾، وكان قد علق الفأس في رقبته١٤، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم وإظهار جهلهم في عبادة الأوثان، وقال :﴿ فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ واعلم أنّ للناس هاهنا قولان :
الأول : قول كافة المحققين، وهو أنّ قول إبراهيم -عليه السلام١٥- ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ﴾ من قبيل التعريض، وهو من وجوه :
أحدها : أنًّ قصد إبراهيم -عليه السلام- تقرير الفعل لنفسه على أسلوب تعريضيّ١٦، وليس قصده نسبة الفعل إلى الصنم، وهذا كما لو قال صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط، ولا يقدر هو إلا على خرمشة١٧ فاسدة : أأنت كتبت هذا، فقلت له : بل كتبته أنت، وكأن قصدك بهذا تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء وإثبات للقادر.
وثانيها : أنَّ إبراهيم -عليه السلام-١٨ غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة، وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته لها وحطمه لها١٩، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه.
وثالثها : أن يكون حكاية لما يلزم عن مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ حق من يُعْبَد، ويُدْعَى إلهاً أن يقدر على هذا أو أشد منه ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري٢٠.
ورابعها : ما تقدم عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله «كَبِيرُهُمْ » ثم يبتدئ فيقول :﴿ هذا فَاسْأَلُوهُمْ ﴾. والمعنى : بل فعله كبيرهم، وعنى نفسه، لأنّ الإنسان أكبر من كل صنم، وأنه كناية عن غير مذكور، أي : فعله من فعله و «كَبِيرهُمْ » ابتداء كلام.
وخامسها : قال الطِّيبي٢١ معناه على التقديم والتأخير، أي بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسألوهم، فجعل النطق شرطاً للفعل إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك.
وسادسها : قراءة ابن السميفع المتقدمة٢٢.
والقول الثاني : قال البغوي : والأصح أن إبراهيم -عليه السلام٢٣- أراد بذلك الفعل إقامة الحجة عليهم فذلك قوله :﴿ هذا فَاسْأَلُوهُمْ إنْ كانوا ينطقون ﴾ حتى يخبروا من فعل ذلك بهم، لما روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ٢٤ إلا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله، قوله٢٥ :«إنِّي سَقِيمٌ »٢٦، وقوله :﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾، وقوله لسارة :«هذه أختي »٢٧ وفي حديث الشفاعة قول إبراهيم -عليه السلام-٢٨ «إنِّي كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذِبَاتٍ »٢٩ والقائلون بهذا القول قدروه من جهة العقل وقالوا : الكذب ليس قبيحاً لذاته فإنَّ النبي إذا هرب٣٠ من ظالم واختفى في دار إنسان فجاء الظالم وسأل عنه، فإنه يجب الكذب فيه، وإذا كان كذلك، فأي بُعْد في أن يأذن الله في ذلك٣١ لمصلحة لا يعلمها إلا هو كما أذن ليوسف -عليه السلام٣٢- حين أمر مناديه لإخوته :﴿ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾٣٣ ولم يكونوا سرقوا٣٤.
قال ابن الخطيب : وهذا القول مرغوب عنه أما الخبر فلأن يضاف الكذب إلى رواته٣٥ أولى من أن يضاف إلى الأنبياء، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه فلنجر هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتطرق التهمة٣٦ إلى كلها، ثم لو صح ذلك الخبر فهو محمول على المعاريض على ما قاله عليه السلام٣٧«إنَّ في المَعَارِيضِ لمندوحةً عن الكَذِبِ »٣٨.
فأمّا قوله :«إني سَقِيمٌ » فلعله سقيم القلب كما يجيء في موضعه٣٩.
وأمّا قوله :﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ﴾ فقد ظهر الجواب عنه٤٠. وأما قوله لسارة : هذه أختي، أي٤١ : في الدين٤٢. وأما قصة يوسف -عليه السلام٤٣- فتقدم الكلام عليها٤٤.
قوله :﴿ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ جوابه محذوف لدلالة ما قبله، ومن جوَّز التقديم جعل ﴿ فَاسْألُوهُمْ ﴾ هو الجواب٤٥.
١ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٤. التعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وحسبك بالتسليم مني تقاضيا. وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل الغرض ويسمى التلويح، لأنه يلوح منه ما يريده. الكشاف ١/١٤٣..
٢ في الأصل: فصل. وهو تحريف..
٣ التبيان ٢/٩٢١..
٤ قد ذكرت في سورة [طه: ١٢٨] عند بيان الأوجه في فاعل "يهد" من قوله تعالى :﴿أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون﴾ رأي الكسائي وما استدل به، وما يستثنى من عدم جواز حذف الفاعل..
٥ الدر المصون ٥/٥٣..
٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٥..
٧ المرجع السابق..
٨ في ب: على..
٩ وذلك أن (لعل) فيها لغات وهي "لعل" بسيطة ولامها أصل، وقيل: مركبة من "عل" واللام زائدة، وقيل من لام الابتداء، و"عل" بحذف اللام، ولعنّ بإبدال اللام نونا، و(عنّ) بحذف اللام من هذه، و"رعن" بإبدال اللام راء، و"رغنّ" ولغنّ بالغين المعجمة فيهما بدلا من المهملة و (رعلّ) بالمهملة، و(لوان). ونقل البعض زيادة (عل وأل) بفتح اللام في هذين، فإن أراد فتح اللام مشددة لزمه التكرار لتقدم علّ المشددة اللام، وإن أراد فتحها مخففة، فلعل لا يجوز تخفيفها على اختلاف لغاتها، وقال الفارسي: تخفف وتعمل في ضمير الشأن محذوفا.
انظر الهمع ١/١٣٤، وشرح الأشموني وحاشية الصبان ١/٢٧١-٢٩٤..

١٠ قال الفراء: (قال بعض الناس: (بل فعلَّه كبيرهم) مشددة يريد: فلعله كبيرهم) معاني القرآن ٢/٢٠٦-٢٠٧..
١١ المختصر (٩٢)، والقرطبي ١١/٣٠٠، البحر المحيط ٦/٣٢٥..
١٢ في ب: عليه الصلاة والسلام. وانظر البحر المحيط ٦/٣٢٥..
١٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ببعض من التصرف ٢٢/١٨٥..
١٤ في ب: زقبته. وهو تصحيف..
١٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٧ الخرمشة: إفساد الكتاب والعمل، اللسان (خرمش)..
١٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٩ في الأصل: وحكمه لهما. وهو تحريف..
٢٠ انظر الكشاف ٣/١٥..
٢١ في الأصل: القسي، وفي ب: الليث. والصواب ما أثبته. وهو الحسن بن محمد بن عبد الله الطيبي – بكسر الطاء – الإمام المشهور العلامة في المعقول والعربية والمعاني والبيان. صنف شرح الكشاف، التفسير، التبيان في المعاني والبيان، شرحه، شرح المشكاة. مات سنة ٥٤٠ هـ. بغية الوعاة ١/٥٢٢-٥٢٣..
٢٢ تقدم قريبا..
٢٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٤ في ب: إبراهيم عليه الصلاة والسلام..
٢٥ في ب: وقوله..
٢٦ [الصافات: ٨٩]..
٢٧ أخرجه مسلم (فضائل) ٤/١٨٤٠، والترمذي (تفسير) ٥/٣٢١، وأحمد ٢/٤٠٣..
٢٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٩ أخرجه البخاري (نكاح) ٣/٢٤٠، الترمذي (قيامة) ٤/٦٢٣، (تفسير) ٥/٣٠٨، أحمد ١/٢٨١/ ٢٩٥..
٣٠ في النسختين: "هزم"..
٣١ في ب: في ذلك لتوبيخهم والاحتجاج عليهم..
٣٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٣ من قوله تعالى: ﴿فلما جهّزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذّن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون﴾ [يوسف: ٧٠]..
٣٤ البغوي ٥/٤٩٥-٤٩٦..
٣٥ في الأصل: روايه..
٣٦ في ب: الفهم. وهو تحريف..
٣٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٨ المعاريض: جمع معراض. من التعريض وهو خلاف التصريح من القول، يقال: عرفت ذاك في معراض كلامه. انظر النهاية في غريب الحديث ٣/٢١٢، الفالق ٢/٤١٩..
٣٩ [الصافات: ٨٩]..
٤٠ قريبا..
٤١ أي: سقط من ب..
٤٢ الفخر الرازي ٢٢/١٨٥-١٨٦..
٤٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٤ في سورة يوسف. انظر اللباب ٥/٥٥..
٤٥ وذلك أنه يجوز حذف ما علم من جواب شرطه ماض نحو ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم﴾ [الأنعام: ٣٥]، والتقدير فافعل، ويجب حذف الجواب إن كان الدال عليه ما تقدم مما هو جواب في المعنى، ولا يصح جعله جوابا صناعة إما لكونه جملة اسمية مجردة من الفاء نحو أنت ظالم إن فعلت. وإما لكونه جملة منفية بلم مقرونة بالفاء نحو قوله: فلم ارقه أن ينج منها. وإما لكونه مضارعا مرفوعا لزوما نحو أقوم إن قمت. والجواب في ذلك كله محذوف لدلاله المتقدم عليه. وليس المتقدم بجواب عند جمهور البصريين، لأن أداة الشرط لها صدر الكلام فلا يتقدم عليها الجواب وذهب الكوفيون والمبرد وأبو زيد إلى أنه لا حذف والمتقدم هو الجواب. والصحيح مذهب البصريين.
كذلك يحذف جواب الشرط إن كان الدال عليه ما تأخر من جواب قسم سابق عليه نحو قوله تعالى: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ [الإسراء: ٨٨]، فجملة "لا يأتون" جواب القسم السابق على الشرط، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
انظر شرح التصريح ٢/٢٥٢- ٢٥٣ شرح الأشموني ٤/١٥، ٢٥..

قوله :﴿ فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون ﴾ فيه وجوه :
الأول : أنَّ إبْراهيم -عليه السلام١- لما نبههم على قبح طريقتهم بما أورده عليهم علموا أنَّ عبادة الأصنام باطلة، وأنهم على غرور وجهل في ذلك.
الثاني : قال مقاتل :﴿ فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ ﴾ فلاموها وقالوا :﴿ إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون ﴾ لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير.
الثالث : أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتموه حتى إنه يستهزئ بكم في الجواب٢.
١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٦..
قوله :﴿ ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ ﴾ قرأ العامة :«نُكِسُوا » مبنياً للمفعول مخفف الكاف أي : نكسهم الله١ أو خجلهم. و ﴿ عَلَى رُؤُوسِهِم ﴾ حال، أي : كائنين على رؤوسهم٢. ويجوز أن يتعلق بنفس الفعل٣. والنَّكْسُ والتَّنْكِيسُ : القلب، يقال : نَكَسَ رَأْسَهُ ونَكَّسَهُ مخففاً ومشدداً. أي : طأطأه حتى صار أعلاه أسفله٤.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود٥ وابن مقسم :«نُكِّسُوا » بالتشديد٦ وقد تقدم أنه لغة في المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا لتكثير.
وقرأ رضوان بن عبد المعبود٧ :«نَكَسُوا » مخففاً مبنياً للفاعل٨، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره : نكسوا أنفسهم على رؤوسهم.

فصل


قال المفسرون : أجرى اله الحق على ألسنتهم في القول الأول٩ ثم أدركتهم الشقاوة فهو معنى قوله :﴿ ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ ﴾ أي : ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم١٠. وقيل : قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخزالاً مما بهتهم إبراهيم، فلما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة لإبراهيم -عليه السلام-١١ حين جادلهم- فقالوا :﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ ﴾ فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم١٢.
قوله :﴿ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ ﴾ هذه الجملة جاب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مضمر، وذلك القول المضمر حال من مرفوع «نُكِسُوا » أي : نكسوا قائلين : والله لقد علمت١٣.
١ لفظ الجلالة سقط من الأصل..
٢ انظر التبيان ٢/٩٢٢..
٣ المرجع السابق..
٤ وفي اللسان (نكس): النّكس: قلب الشيء على رأسه، نكسه ينكسه نكسا فانتكس، ونكس رأسه: أماله، ونكّسته تنكيسا، وفي التنزيل: ﴿ناكسوا رؤوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢]. والناكس: المطأطئ رأسه، ونكس رأسه إذا طأطأه من ذل. وقيل: النكس في الأشياء معنى يرجع إلى قلب الشيء ورده وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره..
٥ تقدم..
٦ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٢٥-٣٢٦..
٧ لم أقف له على ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع..
٨ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٢٥-٣٢٦..
٩ وهو قوله تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ [الآية: ٦٤] من السورة نفسها..
١٠ انظر البغوي ٥/٤٩٦..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٨٦..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٥..
قوله :﴿ ما هؤلاء ينطقون ﴾ يجوز أن تكون «مَا » حجازية١ فيكون «هَؤُلاَءِ » و «يَنْطِقُونَ » في محل نصب خبرها.
أو تميمية فلا عمل لها. والجملة المنفية بأسرها سادة مسد المفعولين إن كانت «عَلِمْت » على بابها، ومسد واحد إن كانت عرفانية٢.
قوله :﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ﴾ إن عبدتموه، ﴿ وَلاَ يَضُرُّكُمْ ﴾ إن تركتم عبادته.
١ فتعمل عمل (ليس)..
٢ وذلك أنّ الفعل "علم" علق عن العمل في اللفظ لوقوعه قبل شيء له صدر الكلام وهو "ما" النافية.
انظر شرح الأشموني ٢/٢٩..

﴿ أفٍّ لَكُمْ ﴾ أي : نتناً وقذراً لكم ﴿ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ تقدم الكلام على «أُفٍّ » في سورة سبحان١. قال الزمخشري :«أُفٍّ » صوت إذا صوت به دل على أنّ صاحبه متضجر، وأن إبراهيم -عليه السلام-٢ أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد وضوح الحق وانقطاع عذرهم وزهوق الباطل فتأفف٣.
واللام في «لَكُم » وفي «لِمَا » لام التبيين، أي : التأفيف لَكُمْ لا لغيركم، وهي نظير قوله :﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾٤. ثم قال :﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أي : أليس لكم عقل تعقلون هذا وتعرفونه ؟
١ عند قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣]. وذكر ابن عادل هناك أن فيها أربعين لغة قال: وقد قرئ من هذه اللغات بسبع ثلاث في المتواتر وأربع في الشواذ فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين، والباقون بالكسر دون تنوين، ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء، وقرأ نافع في رواية "إف" بالرفع، وأبو السمال بالضم من غير تنوين، وزيد بن علي بالنصب والتنوين، وابن عباس "أف" بالسكون. انظر اللباب ٥/٢٢٦ والسبعة (٣٧٩، ٤٢٩-٤٣٠)، الكشف ٢/٥٤٤ البحر المحيط ٦/٢٣..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ الكشاف ٣/١٦..
٤ [يوسف: ٢٣]. فيمن قرأ بهاء مفتوحة وياء ساكنة وتاء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، فـ "هيت" اسم فعل فإن كان مسماه فعل ماض أي تهيأت، فاللام متعلقة به كما تتعلق بمسماه لو صرح به. أما إن كان مسماه فعل أمر بمعنى أقبل أو تعال، فاللام للتبيين أي إرادتي لك أو أقول لك وأما من قرأ "هئتُ" مثل جئت فهو فعل بمعنى تهيأت، واللام متعلقة به وأما من قرأ كذلك ولكن جعل التاء ضمير المخاطب فاللام للتبيين مثلها مع اسم الفعل. المغني ١/٢٢٢..
فلما ألزمهم الحجة وعجزوا الحجة عن الجواب ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ﴾ ليس في القرآن من القائل ذلك، والمشهور انه نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن مكوش بن حام بن نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: إنما أشار بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد من فارس.
ورى ابن جريج عن وهب عن شعيب قال: إن الذي قال حرقوه اسمه هرين فخسف الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
537

فصل


قال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا له بنياناً كالحظيرة، وذلك قوله: ﴿قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم﴾ [الصافات: ٩٧]. ثم جمعوا له الحطب الكثير، حتى إنَّ الرجل أو المرأة لو مرضت قالت: إن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم. وقيل: بنوا آتوناً بقرية يقال لها كوثى.
ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوماً، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتساباً في دينها، فلما اشتعلت النار، واشتدت حتى إن كانت الطير لتمر به وهي في أقصى الجو فيحترق من شدة وهجها. روي أنَّهم لم يعلموا كيف يلقوه فيها؟ فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه. وقيل: صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له: هيزن، وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ثم عمدوا إلى إبراهيم - عليه السلام - فوضعوه فيه مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة صيحة واحدة: أي ربنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: «إن استغاث به وأما وَليُّهُ فهلوا بيني وبينه، فإنه خليل ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري».
فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار. وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء.
فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل.
قال ابن عباس: ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] قالها إبراهيم حين القي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] فحين ألقي في النار قال: «لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك
538
لك». ثم رموه في المنجنيق إلى النار، فأتاه جبريل، فقال: يا إبراهيم الك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك قال: حسبه من سؤالي علمه بحالي.
فقال الله تعالى: ﴿يانار كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا على إِبْرَاهِيمَ﴾. قال كعب الأحبار جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ النار. «وروت أم شريك أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمر بقتل الوزغ وقال:» كان ينفخ علىإبراهيم «وقال السُّدِّيّ: القائل ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا﴾ هو جبريل. وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، قال: ولم يبق يومئذ نار إلا طفئت، ولو لم يقل» عَلَى إِبْرَاهِيم «بقيت ذات برد أبداً. قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، ولم تحرق النار منه لا وثاقه. وقال المنهال بن عمرو: أخبرت أنّ إبراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار كان فيها إما أربعين يوماً أو خمسين يوماً، وقال: ما كنت أطيب عيشاً مني إذا كنت فيها. قال ابن يسار: وبعث الله عَزَّ وَجَلَّ ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه، وأتى جبريل بقميص من حرير الجنة وَطِنْفسَة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال: يا إبراهيم إنَّ ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي.
ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟
539
قال: نعم، قم فاخرج، فقام يمشي حتى خرج منها.
قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني، فقال له نمروذ: إني مقرِّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، وإنِّي ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال إبراهيم - عليه السلام - لا يقبل الله نمنك ما دمت على دينك هذا، قال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له فذبحها ثم كف عن إبراهيم.
روي أن إبراهيم - عليه السلام - ألقي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وإنما اختاروا المعاقبة بالنار، لأنها أقوى العقوبات. وقيل: روي أن هاران أبا لوط قال لهم: إن النار لا تحرقه، لأنه سحر العقوبات. وقيل: روي أن هاران أبا لوط قال لهم: إن النار لا نحرقه، لأنه سحر النار، وبكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته، ففعلوا، فطارت شرارة في لحية أبي لوط فأحرقته.
قوله:» بَرْداً «أي: ذات برد. والظاهر في» سَلاَماً «أنه نسق على» بَرْداً «فيكن خبراً عن» كوني «. وجوَّز بعضهم أن ينتصب على المصدر المقصود به التحية في العرف وقد رُدَّ هذا بأنه لو قصد ذلك لكان الرفع فيه أولى، نحو قول إبراهيم:» سَلاَمٌ «، وهذا غير لازم، لأنه لا يجوز أن يأتي القرآن على الفصيح والأفصح، ويدل على ذلك أنه جاء مقصوداً، والمقصود به التحية نحو قول الملائكة:» قَالُوا سَلاَماً «.
وقوله «عَلَى إبْرَاهِيمَ»
متعلق بنفس إن قصد به النحية. ويجوز أن يكون صفة فيتعلق بمحذوف، وعلى هذا فيحتمل أن يكون قد حذف صفة الأول لدلالة صفة الثاني عليه تقديره: كوني برداً عيله وسلاماً عليه.

فصل


قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قولنا «قُلْنَا يَا نَارُ» المعنى: أنه سبحانه وتعالى
540
جعل النار برداً وسلاماً لا أنَّ هناك كلاماً كقوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] أي: يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه.
والأكثرون على انه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء قولان:
أحدهما: قال السُّديِّ: القائل هو جبريل.
والثاني: قول الأكثرين إنَّ القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق بالظاهر. وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة.
فالجواب: لِمَ لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.

فصل


اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل: إن الله تعالى أزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء قدير.
وقيل: إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وقيل: إنه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه.
قال المحققون: والأول أولى، لأنَّ ظاهر قوله: ﴿يانار كُونِي بَرْداً﴾ أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تاثرها. فإن قيل: الناؤ إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار باردة، فإذن يجب أن يقال: المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجاء مسمى النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب: أن المجاز الذي ذكرناهخ يبقى معه حصول البرد وفي الذيب ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى.

فصل


معنى كون النار سلاماً على إبراهيم: أنَّ البرد إذا أفرط أهلك كالحر فلا بُدّ من الاعتدال، وهو من وجوه:
541
الأول: أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر.
والثاني: أنَّ بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد.
والثالث: أنه تعالى جعل في جسمه مزيدَ حرٍّ فانتفع بذلك البرد وَالتَذَّ بهِ.

فصل


روي أنّ كلّ النيران في ذلك الوقت زالت وصارت برداً، ويؤيد ذلك أنَّ النار اسم للماهية، فر بُدّ وأنْ يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية وقيل: بل اختصت بتلك النار، لأنّ الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق.
فإن قيل: أفيجو ما روي من أنه لو لم يقل «وَسَلاَماً» لأتى الرد عليه. قال ابن الخطيب: ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله: «سَلاَماً».
قوله: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً﴾ أي: أرَادُوا ان يكيدوه ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾.
قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم.
وقيل: فجعلناهم مغلوبين غالبوه فلقنه الله الحجة وقيل: أرسل الله على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته.
قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجَّى لوطاً وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل: أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء.
وقال تعالى: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] قال أُبي بن كعب: سماها مباركة، لأنّ ما من ماء عذب وإلا وينبع أصله منتحت الصخرة التي ببيت المقدس وروى قتادة أنّ عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها
542
مهاجر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده.
«وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول:» إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم «قوله:» وَلُوطاً «يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعول قبله.
والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً معه. والأول أولى.
وقوله:»
إِلَى الأَرْضِ «يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلق ب،»
نَجَّيْنَاهُ «علىأن يتضمن معنى أخرجناه بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته.
والثاني: أنه لا تضمين فيه وأنَّ حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في»
نَجَّيْنَاهُ «أي: نجيناه منتهياً إلى الأرض كذا قدره أبو حيان وفيه نظر من حيث إنه قدر كوناً مقيداً وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيره ذلك.

فصل


اعلم أنَّ لوطاً آمن بإبراهيم كما قال تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عن إبراهيم فخرج من كوشى من أرض حدود بابل بالعراق مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حَرَّان فمكث بها
543
ما شاء الله، ثم ارتحل منها ونزل أرض السبع من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، ونزل لزط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبياً، فلذلك قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
544

فصل١


قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ ﴾ المعنى : أنه سبحانه وتعالى جعل النار برداً وسلاماً لا أنَّ هناك كلاماً٢ كقوله :﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾٣ أي : يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه.
والأكثرون على انه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء قولان :
أحدهما : قال السُّديِّ : القائل هو جبريل.
والثاني : قول الأكثرين إنَّ القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق بالظاهر. وقوله : النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة.
فالجواب : لِمَ لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.

فصل٤


اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل : إن الله تعالى أزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء قدير.
وقيل : إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة٥ المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وقيل : إنه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه.
قال المحققون : والأول أولى، لأنَّ ظاهر قوله :﴿ يا نار كُونِي بَرْداً ﴾ أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها. فإن قيل : النار إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار باردة، فإذن يجب أن يقال : المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجاء مسمى النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب : أن المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي الذي ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى٦.

فصل٧


معنى كون النار سلاماً على إبراهيم : أنَّ البرد إذا أفرط٨ أهلك كالحر فلا بُدّ من الاعتدال، وهو من وجوه :
الأول : أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر.
والثاني : أنَّ بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد.
والثالث : أنه تعالى جعل في جسمه مزيدَ حرٍّ فانتفع بذلك البرد وَالتَذَّ بهِ٩.

فصل١٠


روي أنّ كلّ النيران في ذلك الوقت زالت وصارت برداً، ويؤيد ذلك أنَّ النار اسم للماهية، فر بُدّ وأنْ يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية وقيل : بل اختصت بتلك النار، لأنّ الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق.
فإن قيل : أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل «وَسَلاَماً » لأتى البرد عليه. قال ابن الخطيب : ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى١١ فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال : كان البرد يعظم لولا قوله :«سَلاَماً »١٢.
١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٨-١٨٩..
٢ في النسختين كلام. والصواب ما أثبته..
٣ من قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]..
٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٥ في ب: الحديد..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٨ في الأصل: فرط..
٩ في الأصل: وانتفع به..
١٠ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
١١ تعالى: سقط من الأصل..
١٢ الفخر الرازي: ٢٢/١٨٩..
قوله :
﴿ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً ﴾ أي : أرَادُوا أن يكيدوه ﴿ فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين ﴾١.
قيل : معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم٢.
وقيل : فجعلناهم مغلوبين غالبوه فلقنه الله الحجة وقيل : أرسل الله على نمروذ وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته٣.
١ في الأصل: الأسفلين. وهو سهو من الناسخ أو لعله سبق ذهنه إلى قوله تعالى: ﴿فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين﴾ [الصافات: ٩٨]..
٢ انظر البغوي ٥/٥٠٠..
٣ المرجع السابق..
قوله تعالى :﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ﴾ لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجَّى لوطاً وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل : أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء١.
وقال تعالى :﴿ إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾٢ قال أُبي بن كعب : سماها مباركة، لأنّ ما من ماء عذب وإلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس٣ وروى قتادة أنّ عمر بن الخطاب قال لكعب : ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده٤.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :«إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم » ٥ قوله :﴿ وَلُوطاً ﴾ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعول قبله٦.
والثاني : أَنْ يكونَ مفعولاً معه. والأول أولى.
وقوله :﴿ إِلَى الأَرْضِ ﴾ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب «نَجَّيْنَاهُ » على أن يتضمن معنى أخرجناه بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته٧.
والثاني : أنه لا تضمين٨ فيه وأنَّ حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في «نَجَّيْنَاهُ » أي : نجيناه منتهياً إلى الأرض كذا قدره أبو حيان٩ وفيه نظر من حيث إنه قدر كوناً مقيداً وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيره١٠ ذلك.

فصل


اعلم أنَّ لوطاً١١ آمن بإبراهيم كما قال تعالى ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾١٢ وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له١٣ ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عن إبراهيم فخرج من كوشى١٤ من أرض حدود بابل بالعراق مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حَرَّان١٥ فمكث بها ما شاء الله، ثم ارتحل منها ونزل أرض١٦ السبع١٧ من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى١٨ الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبياً، فلذلك قوله :﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ﴾١٩.
١ المرجع السابق..
٢ [الإسراء: ١]..
٣ انظر البغوي ٥/٥٠٠..
٤ المرجع السابق..
٥ أخرجه أحمد في مسنده ٢/٨٤، ١٩٩، وانظر النهاية في غريب الحديث ٥/٢٤٤ المهاجر: بفتح الجيم موضع المهاجرة، ويريد به الشام، لأن إبراهيم-عليه السلام- لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به..
٦ انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٤..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٨-٣٢٩..
٨ في ب: لا يتضمن. وهو تحريف..
٩ البحر المحيط ٦/٣٢٩..
١٠ في ب: وغير..
١١ في ب: لوط. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم﴾ [العنكبوت: ٢٦]..
١٣ له: سقط من الأصل..
١٤ كوثى: في ثلاثة مواضع: بسواد العراق في أرض بابل، وبمكة، وهو منزل بني عبد الدار خاصة، ثم غلب على الجميع. معجم البلدان ٤/٤٨٧-٤٨٨.
.

١٥ حرّان: مدينة قديمة في تركيا ما بين النهرين موطن إبراهيم الخليل بعد هجرته. المنجد في الأعلام (٢١٤)..
١٦ في ب: بأرض..
١٧ السبع: سقط من ب..
١٨ في ب: يريد..
١٩ انظر البغوي ٥/٥٠١..
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾. قال مجاهد وعطاء: النافلة العطية وكذل النفل، ويسمى الرجل الكثير العطاء نوفلاً.
وقيل: الزيادة. وقيل: ولد الوالد.
فعلى الأول ينتصب انتصاب المصدر من معنى العامل وهو «وَهَبْنَا» لا من لفظه لأنّ الهبة والعطاء متقاربان فهي كالعاقبة والعافية. وعلى الآخرين ينتصب على الحال، والمراد بها يعقوب. والنافلة مختصة بيعقوب على كل تقدير، لأنّ إسحاق ولده لصلبه، وهذا قول ابن عباس وأُبيّ بن كعب وابن زيد وقتادة.
قوله: «وَكُلاًّ» مفعول أول ل «جَعَلْنَا» و «صَالِحِينَ» هو الثاني توسط العامل بينهما، والأصل: وجعلنا أي: صيرنا كلاًّ من إبراهيم ومن ذكر معه صالحين. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ كما تقدم إلا أنه لم يتوسط العامل.
وقوله: «يَهْدُونَ» صفة ل «أئمةً» و «بأَمْرِنَا» متعلق ب «يَهْدُونَ» وقد تقدم التصريف المتعلق بلفظ «أَئِمَّة» وقراءة القراء فيها.

فصل


المعنى: «وَكُلاً» من إبراهيم وإسحاق ويعقوب «جَعَلْنَا صَالِحِينَ».
544
قال الضحاك: أي: مرسلين، وقال آخرون: عاملين بطاعة الله. «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً» يقتدى بهم في الخبر «يَهْدُونَ» يدعون الناس إلى ديننا ﴿بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾ أي: العمل بالشرائع. وقال أبو مسلم: المراد النبوة. «وَإِقَام الصَّلاَةِ» أي: وإقامة الصلاة، يعني المحافظة؟ ﴿وَإِيتَآءَ الزكاة وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾ موحدين. دلَّت هذه الآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ يدل على أنّ الصلاح من قبله.
وأجاب الجبائي: بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم «صَالِحِيْنَ» ويكونهم «أَئِمَّةٌ» وبكونهم «عَابِدَيْنَ»، ولما مدحهم بذلك، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من التأويل وهو من وجهين:
الأول: أنْ يكونَ المراد أنه تعالى أتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به.
والثاني: أنَّ المراد تسميتهم بذلك كما يقال: زيد فسق فلاناً وكفره، إذا وصفه بذلك وكان مصدقاً عند الناس، وكما يقال في الحاكم زكى فلاناً، وعدله، وجرحه، إذا حكم بذلك. والجواب: المعارضة بمسألة العلم والداعي، وأما الحمل على اللطف فباطل، لأنَّ فعل الإلطاف عام في المكلفين، فلا بُدَّ في هذا التخصيص من مزيد فائدة، ولأنّ قوله: جعلته صالحاً كقولك: جعلته متحركاً، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر. وأما الحمل على التسمية فمحال، لأنّ ذلك إنما يصار إليه إلا عند الضرورة في بعض المواضع، ولا ضرورة ههنا إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم وحينئذ نرجع إلى مسألتي الداعي والعلم.
قوله: «فِعْلَ الخَيْرَاتِ» قال الزمخشري: أصله انْ تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، (ثم فعل الخيرات) وكذلك ﴿إِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾.
قال أبو حيَّان: كأنَّ الزمخشري لما رأى أنَّ فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم، بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون بنى الفعل للمفعول حتى لا يكون المصدر مضافاً من حيث المعنى إلى ضمير الموحى إليهم، فلا يكون فعلهم الخيرات وإقامتهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل
545
مع المصدر محذوف. ويجوز أنْ يكونَ من حيث المعنى مضافاً إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم، والتقدير: فعل المكلفين الخيرات. ويجوز أن يكون مضافاً إلى ضمير الموحى إليهم أي: أن يفعلوا الخيرات ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وإذا كانوا هم قد أوحى إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك، ولا يلزم اختصاصهم به. ثم اعتقاد بناء المصدر للمفعول مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش، والصحيح منعه، فليس ما اختاره الزمخشري بمختار. قال شهاب الدين: الذي يظهر أنّ الزمخشري لم يقدر هذا التقدير الذي ذكره الشيخ حتى يلزمه ما قاله بل إنما قدّر ذلك، لأن نفس الفعل الذي هو معنى صادر من فاعله لا يوحى إنما يوحى ألفاط تدل عليه فكأنه قيل: وأوحينا هذا اللفظ وهو أن نفعل الخيرات، ثم صاغ ذلك الحرف المصدري مع ما بعده منوناً ناصباً لما بعده، ثم جعله مصدراً مضافاً لمفعوله.
وقال ابن عطية: والإقام مصدر وفي هذا نظر انتهى، يعني ابن عطية بالنظر أن مصدر (أفعل) على (الإفعال)، فإنْ كان صحيح العين جاء تاماً كالإكرام، وإنْ كان معتلها حذف منه إحدى الألفين، وعوض منه تاء التأنيث فيقال: إقامة، إذا اعتلت عينه،
546
وحسن ذلك أنه قابل: «وَإِيتَاءَ الزَّكاة» وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله ﴿وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة﴾. وقال الزجاج: حذف التاء من إقامة، لأنَّ الإضافة عوض عنها. وهذا قول الفراء زعم أنَّ التاء تحذف للإضافة كالتنوين.
547
وقوله :﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ﴾ كما تقدم١ إلا أنه لم يتوسط العامل.
وقوله :﴿ يَهْدُونَ ﴾ صفة ل «أئمةً » و «بأَمْرِنَا » متعلق ب «يَهْدُونَ » وقد تقدم التصريف المتعلق بلفظ «أَئِمَّة » وقراءة القراء فيها٢.

فصل


المعنى :«وَكُلاً » من إبراهيم وإسحاق ويعقوب «جَعَلْنَا صَالِحِينَ ».
قال الضحاك : أي : مرسلين٣، وقال آخرون : عاملين٤ بطاعة الله٥. ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يقتدى بهم في الخير «يَهْدُونَ » يدعون الناس إلى ديننا ﴿ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات ﴾ أي : العمل بالشرائع. وقال أبو مسلم : المراد النبوة٦. ﴿ وَإِقَام الصَّلاَةِ ﴾ أي : وإقامة الصلاة، يعني المحافظة. ﴿ وَإِيتَآءَ الزكاة وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ ﴾ موحدين. دلَّت٧ هذه الآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لأنَّ قوله تعالى :﴿ وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ ﴾ يدل على أنّ الصلاح من قبله.
وأجاب الجبائي : بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم «صَالِحِيْنَ » وبكونهم «أَئِمَّةٌ » وبكونهم «عَابِدَيْنَ »، ولما مدحهم بذلك، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من التأويل وهو من وجهين :
الأول : أنْ يكونَ المراد أنه تعالى أتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به.
والثاني : أنَّ المراد تسميتهم بذلك كما يقال : زيد فسق فلاناً وكفره، إذا وصفه بذلك وكان مصدقاً عند الناس، وكما يقال في الحاكم زكى فلاناً، وعدله، وجرحه، إذا حكم بذلك. والجواب : المعارضة بمسألة العلم والداعي٨، وأما الحمل على اللطف فباطل، لأنَّ فعل الإلطاف عام في المكلفين، فلا بُدَّ في هذا التخصيص من مزيد فائدة، ولأنّ قوله : جعلته صالحاً كقولك : جعلته متحركاً، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر. وأما الحمل على التسمية فمحال، لأنّ ذلك إنما يصار إليه إلا عند الضرورة في بعض المواضع، ولا ضرورة ههنا إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم وحينئذ نرجع إلى مسألتي الداعي والعلم٩.
قوله :﴿ فِعْلَ الخَيْرَاتِ ﴾ قال الزمخشري : أصله أنْ تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ( ثم فعل الخيرات ) ١٠ وكذلك ﴿ إِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة ﴾١١.
قال أبو حيَّان : كأنَّ الزمخشري لما رأى أنَّ فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم، بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون بنى الفعل للمفعول حتى لا يكون المصدر مضافاً من حيث المعنى إلى ضمير الموحى إليهم، فلا يكون فعلهم الخيرات وإقامتهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل مع المصدر محذوف١٢. ويجوز أنْ يكونَ من حيث المعنى مضافاً إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم، والتقدير : فعل المكلفين١٣ الخيرات. ويجوز أن يكون مضافاً إلى ضمير الموحى إليهم أي : أن يفعلوا الخيرات ويقيموا الصلاة ويؤتوا١٤ الزكاة، وإذا كانوا هم١٥ قد أوحى إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك، ولا يلزم اختصاصهم به. ثم اعتقاد بناء المصدر للمفعول مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش، والصحيح منعه١٦، فليس ما اختاره الزمخشري بمختار١٧. قال شهاب الدين : الذي يظهر أنّ الزمخشري لم يقدر هذا التقدير الذي ذكره الشيخ حتى يلزمه ما قاله بل إنما قدّر ذلك، لأن نفس الفعل الذي هو معنى صادر من فاعله لا يوحى إنما يوحى ألفاط تدل عليه فكأنه قيل : وأوحينا هذا اللفظ وهو أن نفعل الخيرات، ثم صاغ ذلك الحرف المصدري مع ما بعده منوناً ناصباً لما بعده، ثم جعله مصدراً مضافاً لمفعوله١٨.
وقال ابن عطية : والإقام مصدر وفي هذا نظر١٩ انتهى، يعني ابن عطية بالنظر أن مصدر ( أفعل ) على ( الإفعال )، فإنْ كان صحيح العين جاء٢٠ تاماً كالإكرام، وإنْ كان معتلها حذف منه إحدى الألفين، وعوض منه تاء التأنيث٢١ فيقال : إقامة، فلما٢٢ نقل كذلك جاء فيه النظر المذكور.
قال أبو حيان : وأي نظر في هذا، وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى الإقامة٢٣ وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء، وهو المقيس في مصدر ( أفعل ) إذا اعتلت عينه، وحسن ذلك أنه قابل :﴿ وَإِيتَاءَ الزَّكاة ﴾ وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله ﴿ وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَآءَ الزكاة ﴾. وقال الزجاج : حذف التاء من إقامة، لأنَّ الإضافة عوض عنها٢٤. وهذا قول الفراء زعم أنَّ التاء تحذف للإضافة كالتنوين٢٥ ٢٦.
وقد تقدم بسط القول في ذلك عند قراءة من قرأ في براءة " عُدّة ولكن كَرِه " ٢٧.
١ من أن "هم" مفعول أول لـ "جعلنا" و "أئمة" مفعول ثان..
٢ عند قوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ [التوبة: ١٢]..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩١..
٤ في الأصل: عامرين. وهو تحريف، وفي ب: عاملون..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩١..
٦ المرجع السابق..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩١..
٨ والداعي: سقط من ب..
٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٩١..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ الكشاف ٣/١٦-١٧..
١٢ ذلك أن الفاعل يحذف مع المصدر المنون، وأوجبه الفراء فقال: لا يجوز ذكر الفاعل مع المصدر المنون البتة لأنه لم يسمع. الهمع ٢/٩٤..
١٣ في ب: المكلف..
١٤ في ب: ويؤتون. وهو تحريف..
١٥ هم: سقط من ب..
١٦ وذلك أن في رفع المصدر النائب عن الفاعل خلافا، ومذهب البصريين جوازه وقال الأخفش لا يجوز ذلك بل يتعين النصب أو الرفع على الفاعلية، واختاره الشلوبين، ووجه المنع في ذلك ما فيه من الإلباس؛ لأنك إذا قلت مثلا: عجبت من ضرب عمرو. تبادر إلى الذهن المبني للفاعل. وقال أبو حيان يجوز إذا كان فعله ملازما للبناء للمجهول كَزكُمِ َلعدم الإلباس حينئذ فيجوز أعجبني زكام زيد. وزاد الدماميني عن ابن خروف وهو الجواز إذا لم يقع لبس نحو أعجبني قراءة في الحمام القرآن، وأكل الخبر وشرب الماء. انظر الهمع ٢/٩٤، شرح الأشموني وحاشية الصبان ٢/٢٨٣..
١٧ البحر المحيط ٦/٣٢٩..
١٨ الدر المصون: ٥/٥٤..
١٩ تفسير ابن عطية ١٠/١٧٣..
٢٠ جاء: سقط من ب..
٢١ اختلف في المحذوف أهو ألف المصدر أم الألف المبدلة من العين؟ فالخليل وسيبويه يذهبان إلى أن المحذوف الألف المبدلة من العين وهو القياس. انظر شرح المفصل ٦/٥٨..
٢٢ في ب: فلما لم..
٢٣ قال سيبويه: هذا باب ما لحقته هاء التأنيث عوضا لما ذهب، وذلك قولك: أقمته إقامة، واستعنته استعانة، وأريته إراءة، وإن شئت لم تعوض وتركت الحروف على الأصل، قال الله عز وجل: ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ [النور: ٣٧] الكتاب ٤/٨٣..
٢٤ قال الزجاج: (إقام مفرد (بدون تاء) قليل في اللغة، تقول: أقمت إقامة، فـأما إقام الصلاة فجائز، لأن الإضافة عوض من الهاء) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٩٨..
٢٥ قال الفراء: (فإن المصدر من ذوات الثلاثة إذا قلت: أفعلت كقيلك أقمت وأجرت وأجبت يقال فيه كله: إقامة وإجارة وإجابة لا يسقط منه الهاء. وإنما أدخلت لأن الحرف قد سقطت منه العين، كان ينبغي أن يقال: أقمته إقواما وإجوابا فلما سكنت الواو وبعدها ألف الإفعال فسكنتا سقطت الأولى منهما، فجعلوا فيه الهاء كأنها تكثير للحرف، ومثله مما أسقط منه بعضه فجعلت فيه الهاء قولهم: وعدته عدة ووجدت في المال جدة، وزنة ودية، ما أشبه ذلك، لما أسقطت الواو من أوله كثِّر من آخره بالهاء، وإنما استجيز سقوط الهاء من قوله: "وإقام الصلاة" لإضافتهم إياه، وقالوا: الخافض وما خفض بمنزلة الحرف الواحد) معاني القرآن ٢/٢٥٤..
٢٦ البحر المحيط ٦/٣٢٩..
٢٧ من قوله تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: ٤٦]. قرأ معاوية بن أبي سفيان "لأعدوا له عدده" هاء كناية وزر بن حبيش "لأعدوا له عدة" بكسر العين كناية أيضا. وعنه أيضا "عدة" انظر المختصر (٥٣) وانظر اللباب ٤/٢١٧-٢١٨..
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ الآية.
في الواو في قوله: «وَلُوطاً» قولان:
أحدهما: قال الزجاج: إنَّه عطف على قوله «وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ».
والثاني: قال أبو مسلم: إنه عطف على قوله ﴿آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] ولا بُدَّ من ضمير في قوله: «وَلُوطاً» كأنه قال: وآتينا لوطاً، فهو منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر بعده تقديره: وآتينا لوطاً آتيناه، فهي من الاشتغال والنصب في مثله هو الراجح، ولذلك لم يقرأ به لعطف جملته على جملة فعلية وهو أحد المرجحات.
547
وقيل: إنَّ «لُوطاً» منصوب ب (اذكر) لوطاً.
«آتَيْنَاهُ حُكْماً» أي: الحكمة، أو الفصل بين الخصوم بالحق، وقيل: النبوة «وَعِلْماً» قيل: أدخل التنوين على الحكم والعلم دلالة على علو شأن ذلك الحكم وذلك العلم.
قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القرية﴾ أي: من أهل، يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ وكذلك أسند عمل الخبائث إليها، والمراد أهلها يريد سدوساً.
والخبائث صفة لموصوف محذوف أي: يعمل الأعمال لخبائث، كانوا يأتون الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أُخَر كانوا يعلمون من المنكرات ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ قال مقاتل: الرحمة النبوة وقال ابن عباس والضحاك: إنَّها الثواب. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾.
548
﴿ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ ﴾ قال مقاتل : الرحمة النبوة١ وقال ابن عباس والضحاك : إنَّها الثواب٢. ﴿ إِنَّهُ مِنَ الصالحين ﴾.
١ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩٢..
٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩٢..
قوله تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ الآية. في نصب «نوحاً» وجهان:
أحدهما: أنه منصوب عطفاً على «لوطاً» فيكون مشتركاً معه في عامله الذي هو «آتَيْنَاهُ» المفسر ب «آتَيْنَاهُ» الظاهر، وكذلك ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ والتقدير: وَنُوحاً آتيناه حُكْماً وداود وسليمان آتيناهما حكماً، وعلى هذا ف «إذْ» بدل من «نُوحاً» ومن «داود وسليمان» بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه.
548
الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر)، أي: اذكر نوحاً وداود وسليمان أي: اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون «إذْ» منصوبة بنفس المضاف المقدر، أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت.
وقوله: «مَنْ قَبْلُ» أي: من قبل هؤلاء المذكورين.

فصل


المراد من هذا النداء: دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل على لك قوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر﴾ [القمر: ١٠]، وقوله: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦] ويؤكده قوله تعالى ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ «فَنَجَّيْنَاهُ»، يدل على ذلك أنَّ نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أنَّ ذلك النداء كان بأمر الله، لأنَّه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب إليه، فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون: لم يكن مأذوناً له في ذلك. قال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله كحسرة آدم ونوح - عليهما السلام - فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ المراد بالأهل هنا اهل دينه قال ابن عباس: المراد ﴿مِنَ الكرب العظيم﴾ من الغرق وتكذيبه قومه وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عُمراً وأشدَّهُمْ بلاءً، والكرب أشد الغم.
قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يُضمن «نَصَرْنَاهُ» معنى منعناه وعصمناه، ومثله ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩] فلما تضمن معناه تعدى تعديته.
549
والثاني أن (نصر) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري هو نصر الذي نطاوعه انتصر، وسمعت هذيلاً يدعو على سارق اللهم انصرهم منه أي: اجعلهم منتصرين منه. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن معنى قوله: منتصرين منه أي: ممتنعين أو معصومين منه.
الثالث: أن «مِنْ» بمعنى «عَلَى» أي: على القوم، (وقرأ أبي «ونَصَرْنَاهُ عَلَى القَوْمِ» ). قال المبرد: ونصرناه من مكروه القوم.
قال تعالى: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله﴾ [غافر: ٢٩]. والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه بسوء ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ﴾ لتكذيبهم له وردهم عليه ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فخلصه منهم بذلك.
550
قوله :﴿ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم ﴾ فيه أوجه :
أحدها : أن يُضمن «نَصَرْنَاهُ » معنى منعناه وعصمناه، ومثله ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله ﴾١ فلما تضمن معناه تعدى تعديته٢.
والثاني أن ( نصر ) مطاوعه ( انتصر ) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري هو نصر الذي نطاوعه انتصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق اللهم انصرهم منه أي : اجعلهم منتصرين منه٣. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن معنى قوله : منتصرين منه أي : ممتنعين أو معصومين منه.
الثالث : أن «مِنْ » بمعنى «عَلَى » أي : على القوم٤، ( وقرأ أبي «ونَصَرْنَاهُ عَلَى القَوْمِ » )٥ ٦. قال المبرد : ونصرناه من مكروه القوم٧.
قال تعالى :﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله ﴾٨. والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه بسوء ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ ﴾ لتكذيبهم٩ له وردهم عليه ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ فخلصه منهم بذلك.
١ [غافر: ٢٩]..
٢ انظر التبيان ٢/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٣ الكشاف ٣/١٧..
٤ انظر التبيان ٢/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩٤..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٩٤..
٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٤-١٩٥..
٩ في ب: كتكذيبهم. وهو تحريف..
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية. تقدم الكلام على الإعراب.
واعلم أَنَّ المقصود ذكر نعم الله على داود وسليمان، فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما ثم ذكر ما يخصّ كل واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهي قصة الحكومة، وهو أن الله زينهما بالعلم والفهم في قوله: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قال أكثر المفسرين: المراد بالحرث الزرع. وقال ابن مسعود وابن عباس: كان الحرث كرماً قد تدلت عناقيده. ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم﴾ أي رعته ليلاً فأفسدته؛
550
والنَّقْشُ: الرعي بالليل. قاله ابن السكيت، وهو قول جمهور المفسرين. والنَّفْشُ: الانتشار، ومنه ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ونفشت الماشية أي: رعت ليلاً بغير راع، عكس الهَمَل وهو رعيها نهاراً بلا راع. وعن الحسن: أنَّ النفش هو الرعي بلا راع كان أو نهاراً.
قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ في الضمير المضاف إليه «حُكْم» أوجه:
أحدها: أنه ضمير جمع يراد به المثنى، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازاً، أو لن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل علىأنَّ المراد التثنية قراءة ابن عباس «لِحُكْمِهما» بصيغة التثنية.
الثاني: أنَّ المصدر مضاف للحاكمين والمحكوم عليه، فهؤلاء جماعة.
وهذا يلزم منه إضافة المصدر لفاعله ومفعوله دفعو واحدة، وهو إنما يضاف لأحدهما فقط. وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله.
الثالث: أنَّ هذا مصدر لا يراد به الدلالة على علاج، بل جيء به للدلالة على أنَّ هذا الحدث وقع وصدر كقولهم: له ذكاء الحكماء، وفهم فهم الأذكياء فلا ينحل بحرف مصدري وفعل، وإذا كان كذلك فهو مضاف في المعنى للحاكم والمحكوم له والمحكوم عيله، ويندفع المحذوران المذكوران.
قوله: «فَفَهَّمْنَاهَا». قرأ العامة «فَفَهَّمْنَاهَا» بالتضعيف الذي للتعدية، والضمير للمسألة أو للفتيا.
وقرأ عكرمة: «فَأَفْهَمْنَاهَا» بالهمزة عداه بالهمزة كما عدّاه العامة بالتضعيف.
551

فصل


قال أكثر المفسرين: دخل رجلان على داود - عليه السلام - أحدهما: صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدته، فلا يبق منه شيئاً، فقال داود: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا. وروي أنه قال: غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود، فدعاه، فقال: كيف تقضي، وروي أنه قال له: بحق النبوة والأبوة إلاّ أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت.
وقال ابن مسعود ومقاتل: إن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان، وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود، فقضى له بالغنم، لأن لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت وذكر باقي القصة. قال ابن عباس: حكم سليمان ذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة وأما حكم الإسلام: أنّ ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها، لأنَّ في عرف الناس أنَّ أصحاب الزروع يحفظونها بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح.
«روى ابن محيصة أنّ ناقة لِلْبَرَاء بن عازِب حائطاً فَأَفْسَدَتْ، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» أَنَّ على أَهْل الحَوَائِط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضَامِنٌ على أهْلِهَا «.
552
وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما اتلفت الماشية ليلاً كان أو نهاراً.

فصل


قال أبو بكر الأصم: إنهما لم يختلفا في الحكم ألبتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم على لسان سليمان. والصواب أنهما اختلفا، ويدل على إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ والفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا الفهم، وذلك الحكم السابق إن اتفقا فيه لم يبق لقوله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ فائدة. وإن اختلفا فيه فهو المطلوب.

فصل


احتج الجبائي على أنّ الاجتهاد غير جائز من الأنبياء بوجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] وقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣].
الثاني: أنّ الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على اليقين، فلا يجوز المصير إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز الاجتهاد.
الثالث: لو جاز له الاجتهاد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، فلما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دلّ على أنّ الاجتهاد غير جائز عليه.
الرابع: أنّ الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، وفقد النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد.
الخامس: لو جاز الاجتهاد من الرسول أيضاً من جبريل، وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله أم من اجتهاد جبريل؟
وأجيب عن الأول: أنّ الآية واردة في إبدال آية بآية، لأنه عقيب قوله: ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ولا مدخل للاجتهاد في ذلك.
553
وأما قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: ٣] فمن جوَّز له بالاجتهاد يقول إنّ الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة، وإن لم يكن ذلك على التفصيل، وأيضاً فالآية واردة في الأداء عن الله لا في حكمه الذي يكون بالعقل.
وعن الثاني: أنَّ الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بمثل ذلك الحكم، فههنا الحكم مقطوع به، والظن غير واقع فيه بل في طريقه.
وعن الثالث: لعله - عليه السلام - كان ممنوعاً عن الاجتهاد في بعض الأنواع، أو كان مأذوناً له مطلقاً، لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد فتوقف.
وعن الرابع: لِمَ لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد.
وعن الخامس: أن هذا الاحتمال مدفوع بإجماع الأمة على خلافه. ثم الذي يدل على جواز الاجتهاد لهم وجوه:
الأول: أنه - عليه السلام - إذا غلب على ظنه أنَّ الحكم في الأصل معلّل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بُدَّ وأن يغلب على ظنه أنَّ حكم الله في هذه الصورة مثل ما في الأصل كقوله - عليه السلام -.
«أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ».
الثاني: قوله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا» أمر الكل بالاعتبار، فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل، وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل: إنما يلزم لو لم يكن درجته أعلى من الاعتبار، وليي الأمر كذلك لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد (قصاراه الظن.
فالجواب: لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يكن من أجل
554
الاجتهاد) لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه تعرف ذلك الحكم من الاجتهاد، وأيضاً فقد تقدم أن الله لما أمره بالاجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع.
الرابع: قوله - عليه السلام - «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الاجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك.
الخامس: قوله تعالى: ﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فذاك الإذْنُ إن كان بإذن الله - تعالى - استحال له «لِمَ أَذِنْتَ» وإن كان بهوى النفس فهو جائز. وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.

فصل


قال الجبائي: لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء ففي هذه المسألة لا نجوزه لوجوه:
أحدها: أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من دّر صواباً لزم أن لا ينقض لأنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ وجب أن يبين الله توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء - عليهم السلام -، فلما مدحهما بقوله: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ دَلَّ على أنه لم يقع الخطأ من داود عليه السلام.
وثالثها: لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لكن الله تعالى قال: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
ورابعها: كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.
وأجيب عن الأول: بأنَّ الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجِعَالاَت، وحكم المصرّاة.
555
وعن الثاني: لعلَّ خطأه كان من باب الصغائر.
وعن الثالث: إنّ المتمسك بالقياس فإن الظن واقع في طريق الحكم، فأمَّا الحكم فمقطوع به.
وعن الرابع: أنَّ المجتهد إذا تأمل واجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم كأن الله - تعالى - فهمه من حيث بين له طريق ذلك.
فهذا جملة الكرم في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أنْ يكون اختلافهما فيه بسبب النص، فوجهه أنْ يقال: إنَّ داود - عليه السلام - كان مأموراً بالحكم من قبل الله - تعالى - ثم إنه تعالى نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان خاصة، وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً.
وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ اي: أوحينا إليه. فإن قيل: هذا باطل لوجهين:
الأول: لما أنزل الله الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان.
الثاني: أن الله تعالى مدح كل واحد منهما على الفهم، ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح.
واعلم أنَّ القول الأول أولى، لأنه روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورده ما عنده، ولو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه. ووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس: أن داود - عليه السلام - قوّم قدر الضرر في الكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو حنيفة في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه.
وأما سليمان فأداه اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع الغنم في تلك
556
السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي: فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإيزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادّا.

فصل


إذا ثبت أنّ تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة على أَنَّ المصيب واحد، أو الكل مصيبين؟ فمن قال: إنَّ المصيب واحد استدل بقوله تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ قال: ولو كان الكل مصيبون لم يكن لتخصيص سليمان بهذا التفهيم فائدة. وأما القائلون بأنَّ الكل مصيبون فمنهم من استدل بقوله تعالى ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾، ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قال ابن الخطيب: وكلا الاستدلالين ضعيف أما الأول: فلأنّ الله - تعالى - لم يقل إنه فهم الصواب، فيحتمل أنه فهممه الناسخ، ولم يفهم ذلك داود، فكان كل واحد منهما مصيب فيما حكم به على أن أكثر ما في الآية أنَّها دالة على أنَّ داود وسليمان ما كانا مصيبين، وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا.
واما الثاني: فلأنه تعالى لم يقل: كلاًّ آتيناه فيما حكم به هنا، بل يجوز أنْ يكون إيتاؤه حكماً في شرعهم أنْ يكون الأمر كذلك في شرعنا.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ هذه من النعم التي خصَّ بها داود فقوله: «يُسَبِّحْنَ» في موضع نصب على الحال.
«والطَّيْرَ» يجوز ان ينتصب نسقاً على «الجِبَالَ»، وأن ينتصب على المفعول معه وقيل: «يسبِّحْنَ» مستأنف فلا محل له. وهو بعيد. وقرئ «وَالطَّيْرُ» رفعاً وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي: والطير مسخرات أيضاً.
557
والثاني: أنه نسق على الضمير في «يُسَبِّحْنَ»، ولم يؤكد ولم يفصل، وهو موافق لمذهب الكوفيين.

فصل


قال ابن عباس: (كان يفهم) تسبيح الحجر والشجر.
وقال وهب: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير.
وقال قتادة: «يُسَبِّحْنَ» أي: يصلين مع إذا صلى. وقيل: كان داود إذا فتر سمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه.
وقال بعض المفسرين: إنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وتخصيص داود - عليه السلام - بذلك إنما كان بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقيناً وتعظيماً.
وقالت المعتزلة: لو حصل الكرم في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله فيه، والأول محال، لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حياً قادراً عاقلاً يستحيل مه الفعل.
والثاني محال، لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاً للكلام فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله لكان المتكلم هو الله لا الجبال. فثبت أنَّه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، فعند هذا قالوا: معنى قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال﴾ قوله: ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] أي: تصرفي معه وسيري بأمره. ومعنى «يُسَبِّحْنَ» من السبح الذي هو السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو أفرد لقيل: اسبحي، فلما كثر قيل سبحي معه، أي: سيري وهو كقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: ٧] أي: تصرفاً ومذهباً، إذا ثبت هذا فنقول: إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله. واعلم أنّ مدار هذا القول على أن بنية الجبال لا تقبل الحياة، وأن المتكلم من فعل الكلام، وكلاهما ممنوع، وأما «
558
الطّيْر» فلا امتناع أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على أنّ المكلفين إمَّا الجن والإنس والملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكن حاله كحال الطفل في ان يُؤْمر ويُنْهَى.
وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله وعلى تنزيهه عمّا لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال. وقدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان.
ثم قال: «وَكُنَّا فَاعِلِينَ» أي: قادرين على أنْ نفعل وإنْ كان عجباً عندكم وقيل: نفعل ذلك بالأنبياء - عليهم السلام -.
الإنعام الثاني قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ الجمهور على فتح اللاتم من «لَبُوسٍ» وهو الشيء المعد للبس قال الشاعر:
٣٧٣٠ - أَلْبَسُ لكُلِّ حَالَةٍ لَبُؤْسَهَا إِمَّا نَعِيْمَهَا وَإمَّا بُؤسَهَا
والمراد باللبوس هنا الدرع لأنها لا تلبس، وهي في اللغة اسم لكل ما يلبس. ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب.
وقرئ «لُبُوس» بضم اللام، وحينئذ إما أنْ يكون جمع لُبْس المصدر الواقع موقع المفعول، وإما أنْ لا يكون واقعاً موقعه، والأول أقرب. و «لَكُمْ» يجز أن يتعلق ب «عَلَّمْنَاه»، وأن يتعلق ب «صَنْعَةَ» قاله أبو البقاء، وفيه بُعْد. وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «لَبُوس». قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وإنما كانت صفائح.
قوله: «لِتُحْصِنَكُم». هذه لام كي، وفي متعلقها أوجه:
أحدها: أن تتعلق ب «عَلَّمْنَاهُ»، وهذا ظاهر على القولين الآخرين وأما على
559
القول الثالث فيشكل، وذلك أنه يلزم تعلق جر في جر متحدين لفظاً ومعنى. ويجاب عنه بأن يجعل بدلاً من «لَكُمْ» بإعادة العامل كقوله تعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهو بدل اشتمال، وذلك أنَّ أنْ الناصبة للفعل المقدرة مؤولة وهي منصوبها بمصدر، وذلك المصدر بدل من ضمير المخاطب في «لَكُمْ» بدل اشتمال، والتقدير: وعلمناه صنعة لبوس لتحصنكم.
والثاني: أن تتعلق ب «صَنْعَةَ» على معنى أنه بدل من «لَكُم» كما تقدم تقريره وذلك على رأي أبي البقاء، فإنه علَّق «لَكُمْ» ب «صَنْعَةَ».
والثالث: أنها تتعلق بالاستقرار الذي تعلق به «لَكُمْ» إذا جعلناه صفة لما قبله. وقرأ الحرميان والأخوان وأبو عمرو: «لِيُحْصِنَكُمْ» بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى، وفيه التفات على هذا الوجه، إذ تقدمه ضمير المتكلم في قوله «وَعَلَّمْنَاهُ». أو داود، أو التعليم، أو اللبوس. وقرأ حفص وابن عامر بالتاء من فوق، والفاعل الصنعة أو الدرع، وهي مؤنثة، أو اللبوس، لأنها يراد بها ما ليس، وهو الدرع، والدرع مؤنثة كما تقدم.
وقرأ أبو بكر «لِنُحْصِنَكُمْ» بالنون جرياً على «عَلَّمْنَاهُ». وعلى هذه القراءات الثلاث الحاء ساكنة والصاد مخففة. وقرأ الأعمش «لِيحَصِّنكم» وكذا النعيمي عن أبي عمرو بفتح الحاء وتشديد الصاد على التكثير إلاَّ أن الأعمش بالتاء من فوق وأبو عمرو بالياء من تحت وقُدِّمَ ما هو الفاعل.

فصل


معنى «لِنُحْصِنَكُم» أي: لنحرزكم ونمنعكم من بأسكم أي: حرب عدوكم.
560
وقال السُّديّ: من وقع السلاح فيكم. ذكر الحسن أن لقمان الحكيم - صلوات الله عليه - حضر داود وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأله عمَّا يفعل ثم كف عن السؤال حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال عند ذلك: الصمت حكمة وقليل فاعله. ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ يقول لداود وأهل بيته وقيل: يقول لأهل مكة، فهل أنتم شاكرون نعمي بالطاعة الرسول.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح﴾ العامة على النصب، أي: وسخرنا لسليمان، فهي منصوبة بعامل مقدر. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر عن عاصم في رواية بالرفع عى الابتداء، والخبر الجار قبله. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمع والنصب. وأبو حيوة بالجمع والرفع. وتقدم الكرم على الجمع والإفراد في البقرة، وبعض هؤلاء قرأ في سبأ وكذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: «عَاصِفَةً» حال، والعامل فيها على قراءة من نصب «سَخَّرْنَا» المقدر، وفي قراءة من رفع الاستقرار الذي تعلق به الخبر. يقال: عَصَفتِ الرِّيْحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً، فهي عَاصِفٌ وعَاصِفَةٌ. وأسد تقول: أَعصَفَتِ بالألف تعصف، فهي مُعْصِفٌ ومَعْصِفَةٌ. والريح تذكر وتؤنث. والعاصفة: الشديدة الهبوب. فإن قيل: قد قال في موضع آخر ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾ [ص: ٣٦] والرخاء: اللين قيل: كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت.
فإن قيل: قال في داود: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال﴾، وقال في حق سليمان ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح﴾ فذكر في حق داود بكلمة مع وفي حق سليمان باللام وراعى
561
هذا الترتيب أيضاً في قوله ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] وقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [ص: ٣٦] فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ مع، وسليمان باللام؟
فالجواب: يحتمل أنّ الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي.
قوله: «تَجْرِي» يجوز أن تكن حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من الضمير في «عَاصِفَة» فتكون حالين متداخلين. وزعم بعضهم: أَنَّ «الَّتِي بَارَكْتَا (فِيهَا» صفة للريح، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير: الريح التي باركنا فيها) إلى الأرض.
وهو تعسف. والمراد بقوله: ﴿إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بيت المقدس. قال الكلبي: كان سليمان - عليه السلام - وقومه يركبون عليها من إصطخر إلى الشام، وإلى حيث شاء، ثم يعود إلى منزله.
ثم قال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ وكنا بكل شيء عملناه عالمين بصحة التدبير فيه، علمنا أنما نعطي سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه. قوله: ﴿مَن يَغُوصُونَ﴾ يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعلى كلا التقديرين فموضعهما إمَّا نصب نسقاً على الريح، أي: وسخرنا له من يغوصون، أو رفع على الابتداء والخبر في الجار قبله وجمع الضمير حملاً على معنى «مَنْ»، وحسن ذلك تقدم الجمع في
562
قوله «الشَّيَاطِينَ» فلما ترشح جانب المعنى روعي، ونظيره قوله:
٣٧٣١ - وَإنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هِي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح
راعى التأنيث لتقدم قوله: وإنَّ من النسوان. و «دُونَ ذَلِكَ» صفة ل «عَمَلاً».

فصل


يحتمل أن يكون من يغوصون منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم فرقة أخرى، ويكون الكل داخليتن في لفظة «مَنْ» والأول أقرب. وظاهر الآية أنه سخرهم لكنه قد روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين:
أحدهما: إطلاق لفظ الشياطين.
والثاني: قوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ فإنَّ المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر. ومعنى «يَغُوصُونَ» أي: يدخلون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك﴾ أي: دون الغوص، وهو ما ذكره تعالى في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] الآية. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ حتى لا يخرجوا من أمره.
وقيل: وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من المؤمنين الجن. وقال ابن عباس:
563
إنَّ سلطانه مقيم يفعل بهم ما يشاء. وفي كونهم محفوظين ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم لئلا يذهبوا.
وثانيها: قال الكلبي: كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً في زمانه.
وثالثها: قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يعملوا بالنهار ثم يفسدونه بالليل.
روي أن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه وأفسدوه.

فصل


سأل الجبائي نفسه، وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم دقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب بأنه - سبحانه - كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزة لسليمان، فلما مات سليمان - عليه السلام - ردهم إلى الخلقة الأولى، لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ولو ادعى مثبت النبوة وجعله دلالة، لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم الأول.
قال ابن الخطيب: وهذا الكلام ساقط من وجوه:
أحدها: لم قلتم إنّ الجن من الأجسام، ولم يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، ويكون الجن منهم؟ فإن قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى. قلت: هذا ضعيف لأنَّ الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في اللزومات، فكيف اللوازم السلبية.
سلمنا أنه جسم لكن لم يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بُدّ من تكثيف أجسامهم، لكن لم قلتم: بأنه لا بثدّ من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان.
564
وقوله: بأنه يفضي إلى التلبيس، قلنا: التلبيس غير لازم، لأن النبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعوّ أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: إن قوة أجسامهم كانت معجزة لنبي ىخر. ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به. واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة. أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود - عليه السلام - قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد أنْ يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً. وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلها الله - تعالى - معجزة لسليمان - عليه السلام، أما الهواء فقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح﴾ [ص: ٣٦]. وأما النار فلأنَّ الشياطين مخلوقين من النار، وقد سخرهم الله - تعالى - له، ثم كان يأمرهم بالغوص في المياه، والنار تطفأ بالماء، ولم تكن تضرهم وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.
565
قوله :
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا ﴾. قرأ العامة «فَفَهَّمْنَاهَا » بالتضعيف الذي للتعدية، والضمير للمسألة أو للفتيا١.
وقرأ عكرمة :«فَأَفْهَمْنَاهَا » بالهمزة٢ عداه بالهمزة كما عدّاه العامة بالتضعيف٣.

فصل٤


قال أكثر المفسرين : دخل رجلان على داود -عليه السلام٥- أحدهما : صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث : إن غنم هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدته، فلا يبق منه شيئاً، فقال داود : اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان، فقال : كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه، فقال : لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا. وروي أنه قال : غير هذا أرفق بالفريقين٦ فأخبر بذلك داود، فدعاه، فقال : كيف تقضي، وروي أنه قال له٧ : بحق النبوة والأبوة إلاّ أخبرتني بالذي هو أرفق٨ بالفريقين، فقال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود : القضاء ما قضيت. وقال ابن مسعود ومقاتل : إن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان، وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود، فقضى له بالغنم، لأن لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت وذكر باقي القصة. قال ابن عباس : حكم سليمان ذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة وأما حكم الإسلام : أنّ ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها، لأنَّ في عرف الناس أنَّ أصحاب الزروع يحفظونها بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح٩.
روى ابن١٠ محيصة أنّ ناقة لِلْبَرَاء بن عازِب١١ حائطاً١٢ فَأَفْسَدَتْ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -١٣ «أَنَّ على أَهْل الحَوَائِط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضَامِنٌ على أهْلِهَا »١٤.
وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما اتلفت الماشية ليلاً كان أو نهاراً١٥.

فصل١٦


قال أبو بكر الأصم : إنهما لم يختلفا في الحكم البتة، وأنه تعالى بين لهما الحكم على لسان سليمان. والصواب أنهما اختلفا، ويدل على إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- وأيضاً قوله تعالى :﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾، ثم قال :﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ والفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا الفهم، وذلك الحكم السابق إن اتفقا فيه لم يبق لقوله ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ فائدة. وإن اختلفا فيه فهو المطلوب.

فصل١٧


احتج الجبائي على أنّ الاجتهاد غير جائز من الأنبياء بوجوه :
الأول : قوله تعالى :﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾١٨ وقوله :﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾١٩.
الثاني : أنّ الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على اليقين، فلا يجوز المصير إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز الاجتهاد.
الثالث : لو جاز له الاجتهاد في الأحكام لكان لا يقف في شيء منها، فلما وقف في مسألة الظهار واللعان إلى ورود الوحي دلّ على أنّ الاجتهاد غير جائز عليه.
الرابع : أنّ الاجتهاد إنما يصار إليه عند فقد النص، وفقد النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد.
الخامس : لو جاز الاجتهاد من الرسول أيضاً من جبريل، وحينئذ لا يحصل الأمان بأن٢٠ هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله أم من اجتهاد جبريل ؟
وأجيب عن الأول : أنّ الآية واردة في إبدال آية بآية، لأنه عقيب قوله :﴿ قَالَ٢١ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾٢٢ ولا مدخل للاجتهاد في ذلك.
وأما قوله :﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾ فمن جوَّز له بالاجتهاد يقول٢٣ إنّ الذي اجتهد فيه هو عن وحي على٢٤ الجملة، وإن لم يكن ذلك٢٥ على التفصيل، وأيضاً فالآية واردة في الأداء عن الله لا في حكمه الذي يكون بالعقل.
وعن الثاني : أنَّ الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بمثل ذلك الحكم، فههنا الحكم مقطوع به، والظن غير واقع فيه بل في طريقه.
وعن الثالث : لعله -عليه السلام-٢٦ كان ممنوعاً عن الاجتهاد في بعض الأنواع، أو كان مأذوناً له مطلقاً، لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد فتوقف.
وعن الرابع : لِمَ لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد.
وعن الخامس : أن هذا الاحتمال٢٧ مدفوع بإجماع الأمة على خلافه. ثم الذي يدل على جواز الاجتهاد لهم وجوه :
الأول : أنه -عليه السلام٢٨- إذا٢٩ غلب على ظنه أنَّ الحكم في الأصل معلّل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بُدَّ وأن يغلب على ظنه أنَّ٣٠ حكم الله في٣١ هذه الصورة مثل ما في الأصل كقوله -عليه السلام-٣٢.
﴿ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ﴾٣٣.
الثاني : قوله تعالى :﴿ فَاعْتَبِرُوا ﴾٣٤ أمر الكل بالاعتبار، فوجب اندراج الرسول- عليه السلام٣٥- فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم.
الثالث : أن الاستنباط أرفع درجات العلماء، فوجب أن يكون للرسول٣٦ فيه مدخل، وإلا لكان كل واحد من المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل : إنما يلزم لو لم يكن درجته أعلى من الاعتبار، وليس الأمر كذلك لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين، فكان أرفع درجة من الاجتهاد ( قصاراه الظن.
فالجواب : لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع، فلو لم يكن من أجل الاجتهاد )٣٧ لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه تعرف ذلك٣٨ الحكم من الاجتهاد، وأيضاً فقد تقدم أن الله لما أمره بالاجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع.
الرابع : قوله -عليه السلام٣٩- «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ »٤٠ فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الاجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك.
الخامس : قوله تعالى :﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾٤١ فذاك الإذْنُ إن كان بإذن الله -تعالى- استحال له «لِمَ أَذِنْتَ » وإن كان بهوى٤٢ النفس فهو جائز. وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.

فصل٤٣


قال الجبائي : لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء ففي هذه المسألة لا نجوزه لوجوه :
أحدها : أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من دَر الماشية وصوفها ومنافعها مجهول المقدار، فكيف يجوز الاجتهاد وأخذ المجهول عوضا عن الآخر.
وثانيها : أن اجتهاد دواد – عليه السلام٤٤ - إن كان صواباً لزم أن لا ينقض٤٥ لأنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ وجب أن يبين الله توبته٤٦ كسائر ما حكاه عن الأنبياء -عليهم السلام-٤٧، فلما مدحهما بقوله :﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ دَلَّ على أنه لم يقع الخطأ من داود عليه السلام٤٨.
وثالثها : لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لكن الله تعالى قال :﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾.
ورابعها : كيف يجوز أن يكون عن اجتهاد مع قوله :﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾.
وأجيب عن الأول : بأنَّ الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجِعَالاَت٤٩، وحكم المصرّاة٥٠.
وعن الثاني : لعلَّ خطأه كان من باب الصغائر.
وعن الثالث : إنّ المتمسك بالقياس فإن الظن واقع في طريق الحكم، فأمَّا الحكم فمقطوع به.
وعن الرابع : أنَّ المجتهد إذا تأمل واجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم كأن الله -تعالى٥١- فهمه من حيث بين له٥٢ طريق ذلك.
فهذا جملة الكرم في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أنْ يكون اختلافهما فيه بسبب النص، فوجهه أنْ يقال : إنَّ داود -عليه السلام٥٣- كان مأموراً بالحكم من قبل الله -تعالى- ثم إنه تعالى نسخ ذلك بالوحي٥٤ إلى سليمان خاصة، وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً.
وقوله :﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ أي : أوحينا إليه. فإن قيل : هذا باطل لوجهين :
الأول : لما أنزل الله الحكم الأول على داود٥٥ وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان.
الثاني : أن الله تعالى مدح كل واحد منهما على الفهم، ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح.
واعلم أنَّ القول الأول أولى، لأنه روي في الأخبار الكثيرة أن داود لم يكن بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أنَّ غير ذلك أولى، وفي بعضها أنّ داود ناشده لكي يورد ما عنده، ولو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه. ووجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس : أن داود -عليه السلام٥٦- قوّم قدر الضرر في الكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم وكان عنده أنّ الواجب في ذلك الضرر أن يزال٥٧ بمثله من النفع، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه كما قال أبو حنيفة٥٨ في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه٥٩.
وأما سليمان فأداه٦٠ اجتهاده إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد وأما مقابلته بالزوائد فغير جائز، لأنه يقتضي الحيف، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازنة فحكم به، كما قال الشافعي٦١ : فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه٦٢ بإيزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادّا.

فصل٦٣


إذا ثبت أنّ تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد، فهل تدل هذه القصة على أَنَّ المصيب واحد، أو الكل مصيبين ؟ فمن قال : إنَّ المصيب واحد استدل بقوله تعالى ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾ قال : ولو كان الكل مصيبون لم يكن لتخصيص سليمان بهذا التفهيم فائدة. وأما القائلون بأنَّ الكل مصيبون فمنهم من٦٤ استدل بقوله تعالى ﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾، ولو كان المصيب٦٥ واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال :﴿ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ﴾ قال ابن الخطيب : وكلا الاستدلالين ضعيف أما الأول : فلأنّ الله -تعالى- لم يقل إنه فهمه الصواب، فيحتمل أنه فهممه الناسخ، ولم يفهم ذلك داود، فكل واحد منهما مصيب فيما حكم به على أن أكثر ما في الآية أنَّها دالة على أنَّ داود وسليمان٦٦ ما كانا مصيبين، وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا.
وأما الثاني : فلأنه تعالى لم يقل : كلاًّ آتيناه فيما حكم به هنا، بل يجوز أنْ يكون إيتاؤه حكماً في شرعهم أنْ يكون الأمر كذلك في شرعنا٦٧.
قوله تعالى :﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ ﴾ هذه من النعم التي خصَّ بها داود فقوله :﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ في موضع نصب على الحال٦٨.
«والطَّيْرَ » يجوز أن ينتصب نسقاً على «الجِبَالَ »، وأن ينتصب على المفعول معه٦٩ وقيل :«يسبِّحْنَ » مستأنف فلا محل له٧٠. وهو بعيد. وقرئ «وَالطَّيْرُ » رفعاً وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأ والخبر محذوف، أي : والطير مسخرات أيضاً٧١.
والثاني : أنه نسق على الضمير في «يُسَبِّحْنَ »،
١ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٢ في ب: بالهمز. المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٠..
٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٥-١٩٩..
٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٦ في ب: أوفق الفريقين. وهو تحريف..
٧ له: سقط من ب..
٨ في ب: أوفق..
٩ في الأصل: الراح. وهو تحريف. هذا الحكم قاله الإمام الشافعي – رحمه الله – واحتج بالحديث المروي عن البراء بن عازب الآتي. الفخر الرازي ٢٢/١٩٩..
١٠ في النسختين: روى محيصة. والصواب ما أثبته وهو حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود الأنصاري المدني وينسب إلى جده، أخذ عن أبيه، وأخذ عنه الزهري، مات سنة ١١٣ هـ. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ١/٢٠٢..
١١ تقدم..
١٢ الحائط هنا: البستان من النخيل إذا كان عليه الحائط وهو الجدار، وجمعه الحوائط. اللسان (حوط)..
١٣ وسلم: سقط من الأصل..
١٤ أخرجه مالك في الموطـأ (أقضية) ٢/٧٤٨، أحمد ٥/٤٣٦..
١٥ هذا الحكم قاله الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – حيث قال: لا ضمان عليه ليلا كان أو نهارا إذا لم يكن متعديا بالإرسال لقوله صلى الله عليه وسلم: "جرح العجماء جبار" الفخر الرازي ٢٢/١٩٩..
١٦ في ب: قوله. وهو تحريف. هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٥-١٩٧..
١٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٦-١٩٧..
١٨ [يونس: ١٥]..
١٩ [النجم: ٣]..
٢٠ في النسختين: أن..
٢١ في النسختين: وقال. وهو تحريف..
٢٢ [يونس: ١٥]..
٢٣ في الأصل: ويقول. وهو تحريف..
٢٤ في الأصل: عن..
٢٥ في ب: كذلك. وهو تحريف..
٢٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٧ في النسختين: الاجتهاد. والصواب ما أثبته..
٢٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٩ في ب: لو..
٣٠ أن: سقط من ب..
٣١ في ب: و. وهو تحريف..
٣٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٣ أخرجه مسلم (صيام) ٢/٨٠٤..
٣٤ من قوله: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]..
٣٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٦ في ب: الرسول..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ في ب: ذي. وهو تحريف..
٣٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٠ أخرجه ابن ماجة (مقدمة) ١/٨١، أحمد ٥/١٩٦..
٤١ من قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ [التوبة: ٤٣]..
٤٢ في ب: هوى..
٤٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٧-١٩٨..
٤٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤٥ في ب: لا ينقص. وهو تحريف..
٤٦ في ب: توبته عنه..
٤٧ في ب: عليهم الصلاة والسلام..
٤٨ ؟؟؟؟؟.
٤٩ الجعالة والجعالات: ما يتجاعلونه عند البعوث أو الأمر يحزبهم من السلطان. اللسان (جعل)..
٥٠ في الأصل: المصرات..
٥١ تعالى: سقط من ب..
٥٢ له: سقط من ب..
٥٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٤ في ب: الوحي. وهو تحريف..
٥٥ في الأصل: على الأول داود، وهو تحريف..
٥٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥٧ في الأصل: أن ينزال..
٥٨ في ب: أبو حنيفة –رضي الله عنه-..
٥٩ في الأصل: أو يفيده. وفي ب: أو يعديه. والصواب ما أثبته.
.

٦٠ في ب: فإذا أداء..
٦١ في ب: الشافعي – رحمه الله -..
٦٢ منه: سقط من ب..
٦٣ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٩٨-١٩٩..
٦٤ من: سقط من ب..
٦٥ في الأصل: المصيبو. وهو تحريف..
٦٦ ما: سقط من ب..
٦٧ الفخر الرازي ٢٢/١٩٩..
٦٨ انظر الكشاف ٣/١٧، التبيان ٢/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣١..
٦٩ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٥٨٦ الكشاف ٣/١٧، البيان ٢/١٦٣، التبيان ٢/٩٢٣ البحر المحيط ٦/٣٣١..
٧٠ انظر الكشاف ٣/١٧، البحر المحيط ٦/٣٣١..
٧١ التبيان ٣/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣١..
الإنعام الثاني قوله :﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ﴾ الجمهور على فتح اللام١ من «لَبُوسٍ » وهو الشيء المعد للبس قال الشاعر :
٣٧٣٠- أَلْبَسُ لكُلِّ حَالَةٍ لَبُوسَهَا إِمَّا نَعِيْمَهَا وَإمَّا بُوسَهَا٢
والمراد باللبوس هنا الدرع لأنها لا تلبس، وهي في اللغة اسم لكل ما يلبس. ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالحلوب٣ والركوب.
وقرئ «لُبُوس » بضم اللام٤، وحينئذ إما أنْ يكون جمع لُبْس المصدر الواقع موقع المفعول، وإما أنْ لا يكون واقعاً موقعه، والأول أقرب. و «لَكُمْ » يجوز أن يتعلق ب «عَلَّمْنَاه »٥، وأن يتعلق ب «صَنْعَةَ » قاله أبو البقاء٦، وفيه بُعْد. وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «لَبُوس »٧. قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وإنما كانت صفائح٨.
قوله :﴿ لِتُحْصِنَكُم ﴾. هذه لام كي٩، وفي متعلقها أوجه :
أحدها : أن تتعلق ب «عَلَّمْنَاهُ »١٠، وهذا ظاهر على القولين الآخرين وأما على القول الثالث فيشكل، وذلك أنه يلزم تعلق جر في جر متحدين لفظاً ومعنى. ويجاب عنه بأن يجعل بدلاً من «لَكُمْ » بإعادة العامل كقوله تعالى :﴿ لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾١١ وهو بدل اشتمال، وذلك أنَّ أنْ الناصبة للفعل المقدرة مؤولة وهي منصوبها بمصدر، وذلك المصدر بدل من ضمير المخاطب في «لَكُمْ » بدل اشتمال، والتقدير : وعلمناه صنعة لبوس لتحصنكم.
والثاني : أن تتعلق ب «صَنْعَةَ »١٢ على معنى أنه بدل من «لَكُم » كما تقدم تقريره وذلك على رأي أبي البقاء، فإنه علَّق «لَكُمْ » ب «صَنْعَةَ »١٣.
والثالث : أنها تتعلق بالاستقرار الذي تعلق به «لَكُمْ » إذا جعلناه صفة لما قبله١٤. وقرأ الحرميان١٥ والأخوان١٦ وأبو عمرو :«لِيُحْصِنَكُمْ » بالياء من تحت١٧، والفاعل الله تعالى، وفيه التفات١٨ على هذا الوجه، إذ تقدمه ضمير المتكلم في قوله «وَعَلَّمْنَاهُ ». أو داود، أو التعليم، أو اللبوس١٩. وقرأ حفص وابن عامر بالتاء من فوق٢٠، والفاعل الصنعة أو الدرع، وهي مؤنثة، أو اللبوس، لأنها يراد بها ما يلبس، وهو الدرع، والدرع مؤنثة كما تقدم٢١.
وقرأ أبو بكر «لِنُحْصِنَكُمْ » بالنون٢٢ جرياً على «عَلَّمْنَاهُ »٢٣. وعلى هذه القراءات الثلاث الحاء ساكنة والصاد مخففة. وقرأ الأعمش «لِيحَصِّنكم » وكذا النعيمي٢٤ عن أبي عمرو بفتح الحاء وتشديد الصاد على التكثير إلاَّ أن الأعمش بالتاء من فوق وأبو عمرو بالياء من تحت٢٥ وقُدِّمَ٢٦ ما هو الفاعل٢٧.

فصل


معنى «لِنُحْصِنَكُم » أي : لنحرزكم ونمنعكم من بأسكم أي : حرب عدوكم٢٨.
وقال السُّديّ : من وقع السلاح فيكم٢٩. ذكر الحسن أن لقمان الحكيم -صلوات الله عليه- حضر داود وهو يعمل الدرع، فأراد أن يسأله عمَّا يفعل ثم كف عن السؤال حتى فرغ منها ولبسها على نفسه، فقال عند ذلك : الصمت حكمة وقليل فاعله٣٠. ثم قال تعالى :﴿ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ يقول لداود وأهل بيته وقيل : يقول لأهل مكة، فهل أنتم شاكرون نعمي بالطاعة الرسول٣١.
١ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٢ رجز قاله بيهس الفزاري، وهو في إصلاح المنطق ٣٣٣، الكشاف ٣/١٧ القرطبي ١١/٣٢٠، اللسان (لبس). شواهد الكشاف (١٤٠)..
٣ في ب: كالمحلوب. وهو تحريف..
٤ البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٥ انظر التبيان ٢/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٦ التبيان ٣/٩٢٣..
٧ انظر التبيان ٢/٩٢٣، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٨ انظر البغوي ٥/٥٠٦..
٩ والفعل المضارع بعدها منصوب بـ (أن) مضمرة على مذهب البصريين وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها. انظر شرح الأشموني ٣/٢٩٢..
١٠ انظر التبيان ٢/١٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
١١ [الزخرف: ٣٣]..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
١٣ التبيان ٢/٩٢٣..
١٤ انظر التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
١٥ ابن كثير ونافع..
١٦ حمزة والكسائي..
١٧ السبعة (٤٣٠) الكشف ٢/١١٢، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
١٨ في الأصل: التفاوت. وهو تحريف..
١٩ انظر الكشف ٢/١١٢، التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢، الإتحاف (٣١١)..
٢٠ السبعة (٤٣٠) الكشف ٢/١١٢، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
٢١ انظر الكشف ٢/١١٢، التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢، الإتحاف (٣١١)..
٢٢ السبعة (٤٣٠) الكشف ٢/١١٢، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١١)..
٢٣ انظر الكشف ٢/١١٢، البيان ٢/١٦٤، التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٢٤ النعيمي: سقط من ب..
٢٥ المختصر (٩٢) البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٢٦ في ب: وقد تقدم..
٢٧ في توجيه قراءة التخفيف..
٢٨ انظر البغوي ٥/٥٠٦، الفخر الرازي ٢٢/٢٠٠..
٢٩ انظر البغوي ٥/٥٠٦..
٣٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٠٠..
٣١ في ب: الرسول عليه الصلاة والسلام..
قوله تعالى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الريح ﴾ العامة على النصب، أي : وسخرنا لسليمان، فهي منصوبة بعامل مقدر١. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر عن عاصم في رواية بالرفع على الابتداء، والخبر الجار قبله٢. وقرأ الحسن وأبو رجاء بالجمع والنصب. وأبو حيوة بالجمع والرفع٣. وتقدم الكلام على الجمع والإفراد في البقرة٤، وبعض هؤلاء قرأ في سبأ٥ وكذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله :«عَاصِفَةً » حال، والعامل فيها على قراءة من نصب «سَخَّرْنَا » المقدر، وفي قراءة من رفع الاستقرار الذي تعلق به الخبر٦. يقال : عَصَفتِ الرِّيْحُ تَعْصِفُ عَصْفاً وعُصُوفاً، فهي عَاصِفٌ وعَاصِفَةٌ. وأسد تقول : أَعصَفَتِ بالألف تعصف، فهي٧ مُعْصِفٌ ومَعْصِفَةٌ٨. والريح تذكر وتؤنث٩. والعاصفة : الشديدة الهبوب. فإن قيل : قد قال١٠ في موضع آخر ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً ﴾١١ والرخاء : اللين قيل : كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت١٢.
فإن قيل : قال في داود :﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال ﴾، وقال في حق سليمان ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الريح ﴾١٣ فذكر في حق داود بكلمة مع وفي حق سليمان باللام وراعى١٤ هذا الترتيب أيضاً في قوله ﴿ يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ ﴾١٥ وقال :﴿ فَسَخَّرْنَا١٦ لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾١٧ فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ مع، وسليمان باللام ؟
فالجواب : يحتمل أنّ الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي١٨.
قوله :«تَجْرِي » يجوز أن تكن حالاً ثانية، وأن تكون حالاً من الضمير في «عَاصِفَة » فتكون حالين متداخلين١٩. وزعم بعضهم٢٠ : أَنَّ «الَّتِي بَارَكْتَا ( فِيهَا » صفة للريح، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير : الريح التي باركنا فيها )٢١ إلى الأرض. وهو تعسف. والمراد بقوله :﴿ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ بيت المقدس٢٢. قال الكلبي : كان٢٣ سليمان -عليه السلام٢٤- وقومه يركبون٢٥ عليها من إصطخر٢٦ إلى الشام٢٧، وإلى حيث شاء، ثم يعود إلى منزله.
ثم قال :﴿ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ﴾ وكنا بكل شيء عملناه عالمين بصحة التدبير فيه، علمنا أنما نعطي سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه.
١ انظر التبيان ٢/٣٣٢..
٢ المرجعان السابقان..
٣ المختصر (٩٢) البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٤ عند قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤]..
٥ عند قوله تعالى: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [سبأ: ١٢]..
٦ انظر التبيان ٢/٩٢٤، البحر المحيط ٦/٣٣٢..
٧ في ب: فهو..
٨ اللسان (عصف)..
٩ قال ابن الأنباري: (والريح على وجهين: الريح من الرياح مؤنثة. والريح: الأرج والنشر وهما حركتا الريح مذكر) المذكر والمؤنث ١/٢٦٥-٢٦٦..
١٠ في الأصل: فإن قال قد قيل..
١١ من قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦]..
١٢ انظر البغوي ٥/٥٦٠٥، الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
١٣ في النسختين: وسخرنا لسليمان الريح..
١٤ في الأصل: راعى..
١٥ [سبأ: ١٠]..
١٦ في النسختين: وسخرنا. وهو تحريف..
١٧ في ب: أو سخرنا. وهو تحريف..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
١٩ انظر التبيان ٢/٩٢٤..
٢٠ هو المنذر بن سعيد قال أبو حيان: (وقال منذر بن سعيد الكلام تام عند قوله: "إلى الأرض" و"التي باركنا فيها" صفه للريح ففي الآية تقديم وتأخير يعني أن أصل التركيب ولسليمان الريح التي باركنا فيها عاصفة تجري بأمره إلى الأرض).
البحر المحيط ٦/٣٣٢-٣٣٣..

٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٠١..
٢٣ في ب: و. وهو تحريف..
٢٤ في ب: عليهما الصلاة والسلام..
٢٥ في ب: يركبون. وهو تصحيف..
٢٦ إصطخر: أطلال مدينة إيرانية قديمة. المنجد في الأعلام (٥٢)..
٢٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٢..
قوله :﴿ مَن يَغُوصُونَ ﴾ يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وعلى كلا التقديرين فموضعها إمَّا نصب نسقاً على الريح، أي : وسخرنا١ له من يغوصون، أو رفع على الابتداء والخبر في الجار قبله٢ وجمع الضمير حملاً على معنى «مَنْ »٣، وحسن ذلك تقدم الجمع في قوله «الشَّيَاطِينَ »٤ فلما ترشح جانب المعنى روعي، ونظيره قوله :
٣٧٣١- وَإنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هِي روضة تهيج الرياض٥ قبلها وتصوح٦
راعى التأنيث لتقدم قوله : وإنَّ من النسوان. و «دُونَ ذَلِكَ » صفة ل «عَمَلاً »٧.

فصل


يحتمل أن يكون٨ من يغوصون منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال، ويحتمل أنهم فرقة أخرى، ويكون الكل داخليتن في لفظة «مَنْ » والأول أقرب. وظاهر الآية أنه٩ سخرهم لكنه قد روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين :
أحدهما : إطلاق لفظ الشياطين.
والثاني : قوله :﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ فإنَّ المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر١٠. ومعنى «يَغُوصُونَ » أي : يدخلون تحت الماء، فيخرجون له من قعر البحر الجواهر ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك ﴾ أي : دون الغوص، وهو ما ذكره تعالى في قوله :﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ ﴾١١ ١٢ الآية. ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ حتى لا يخرجوا من أمره١٣.
وقيل : وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من المؤمنين الجن. وقال ابن عباس : إنَّ سلطانه مقيم يفعل بهم ما يشاء. وفي كونهم محفوظين ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه تعالى كان يحفظهم لئلا يذهبوا.
وثانيها : قال الكلبي : كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً١٤ في زمانه.
وثالثها : قال الزجاج : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا١٥، وكان دأبهم أن يعملوا١٦ بالنهار١٧ ثم يفسدونه بالليل١٨.
روي أن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً قال له : إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه١٩ وأفسدوه٢٠.

فصل٢١


سأل الجبائي نفسه، وقال : كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم دقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب بأنه -سبحانه- كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون٢٢ ذلك معجزة لسليمان، فلما مات سليمان -عليه السلام-٢٣ ردهم إلى الخلقة الأولى، لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ولو ادعى مثبت النبوة وجعله دلالة، لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم٢٤ الأول.
قال ابن الخطيب : وهذا الكلام ساقط من وجوه :
أحدها : لم قلتم إنّ الجن من الأجسام، ولم يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، ويكون الجن منهم ؟ فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى. قلت : هذا ضعيف لأنَّ الاشتراك٢٥ في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في اللزومات، فكيف اللوازم السلبية.
سلمنا أنه جسم لكن لم٢٦ يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بُدّ من تكثيف أجسامهم، لكن لم قلتم : بأنه لا بدّ من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان.
وقوله : بأنه يفضي إلى التلبيس، قلنا : التلبيس غير لازم، لأن النبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعوّ أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : إن قوة أجسامهم٢٧ كانت معجزة لنبي آخر. ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به. واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة. أما الكثيف٢٨ فأكثف الأجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود -عليه السلام-٢٩ قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة، فأي بعد أنْ يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً. وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار، وقد جعلها الله -تعالى- معجزة لسليمان- عليه السلام٣٠، أما الهواء فقوله :﴿ فَسَخَّرْنَا٣١ لَهُ الريح ﴾٣٢. وأما النار فلأنَّ الشياطين مخلوقين٣٣ من النار، وقد سخرهم الله -تعالى- له، ثم كان يأمرهم بالغوص في المياه، والنار تطفأ بالماء، ولم تكن تضرهم وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.
١ في ب: أو سخرنا. وهو تحريف..
٢ انظر التبيان ٢/٩٣٤، البحر المحيط ٦/٣٣٣..
٣ "من" تكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث مفردا كان أو مثنى أو مجموعا والأكثر في ضميرها اعتبار اللفظ نحو ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام: ٢٥]، ويجوز اعتبار المعنى نحو ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس: ٤٣]، ما لم يحصل من مطابقة اللفظ لبس نحو: أعط من سألتك، ولا تقل من سألك، أو قبح نحو: من هي حمراء أمك. وما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاة المعنى نحو: وإن من النسوان من هي روضة. وإذا اجتمع في (من) ضمائر جاز في بعضها مراعاة اللفظ وبعضها مراعاة المعنى، والأحسن البداءة بالحمل على اللفظ نحو قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]. ويجوز البداءة بالمعنى كقولك: من قامت وقعد، وشرط قوم لجوازه وقوع الفصل بين الجملتين نحو من يقومون في غير شيء وينظر في أمرنا قومك وعزي للكوفيين. وإذا اعتبر اللفظ ثم المعنى جاز العودة إلى اعتبار اللفظ بقلة قال تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين. وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا﴾ [لقمان: ٦، ٧].
انظر شرح التصريح ١/١٤٠، الهمع ١/٨٧..

٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٣..
٥ في ب: الرياح..
٦ البيت من بحر الطويل لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر المحيط ٦/٣٣٣، شرح التصريح ١/١٤٠، حاشية الصبان على شرح الأشموني ١/١٥٣..
٧ انظر التبيان ٢/٩٢٤..
٨ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٢..
٩ في ب: أن. وهو تحريف..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٢..
١١ من قوله تعالى: ﴿يعلمون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣]..
١٢ انظر البغوي ٥/٥٠٨-٥٠٩..
١٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٢..
١٤ أحدا: سقط من ب..
١٥ معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠١..
١٦ في الأصل: يعملون. وهو تحريف..
١٧ بالنهار: تكملة ليست بالمخطوط..
١٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٢..
١٩ في ب: ما عملوا..
٢٠ انظر البغوي ٥/٥٠٩..
٢١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٢-٣٠٢..
٢٢ في ب: فيكون..
٢٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٤ في ب: حلقهم. وهو تحريف..
٢٥ في الأصل: الاشتراك. وهو تصحيف..
٢٦ في ب: لم لا..
٢٧ في ب: أجسادهم..
٢٨ في ب: الكثيفة..
٢٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٠ في النسختين: وسخرنا. وهو تحريف..
٣١ في النسختين: وسخرنا. وهو تحريف..
٣٢ من قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦]..
٣٣ في الأصل: مخلوقين..
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ الآية.
قوله: وَأَيُّوبَ «كقوله:» وَنُوحاً «وما بعده. وقرأ العامة» أَنِّي «بالفتح لتسلط النداء عليها بإضمار حرف الجر بأني. زعيسى بن عمر بالكسر فمذهب البصريين إضمار القول أي: نادى فقال: إني ومذهب الكوفيين أجرى النداء مجرى القول. والضُّرّ بالضم المرض في البدن وبالفتح الضرر في كل شيء فهو أعم من الأول.

فصل


قال وهب بن منبه: كان أيوب - عليه السلام - رجلاً من الروم، وهو
565
أيوب بن أنوص بن زارح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله قداصطفاها ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البَثَنِيَّة من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر والبساتين ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة والأهل والولد من الرجال والنساء، وكان رحيماً بالمساكين يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل. وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به، وعرفوا فضله؛ قال: كان أحدهم من أهل اليمن يقال له: اليقن، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما: يلدد، والآخر ضافر، وكانوا كهؤلاء.
وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى، فحجب من أربع، فما بعث محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاص كان يقفه، فقال: إلهي نظرت في عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج من طاعتك. فقال الله - تعالى -: انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فني سلطت على مال أيوب؟ فقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرق كل شيء، فقال له إبليس: فأت الإبل ورعاتها حتى أتى على آخرها. ثم جاء إبليس في وي بعض الرعاة إلى أيوب، فوجده قائماً يصلي، فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري فقال أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديماً وطّنْتُ نفسي ومالي على الفناء، فبقي الناس مبهوتين متعجبين، فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبد شيئاً، وما كان إلا في غرور. ومنهم مَنْ يقول: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه.
ومنهم مَنْ يقول: هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوه، ويفجع به صديقه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله، ولو علم الله فيك خيراً أيها العبد لنقل روحك مع تلك الأرواح، وصرت شهيداً ولكنه علم
566
منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً ذليلاً، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة، فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحة صحيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه. فقال له إبليس: فأت الغنم ورعاتها، فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاتها، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عيله أيوب الرد الأول. فرجع إبليس صاغراً إلى أصحابه، فقال لهم: ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب؟ فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً أقلع كل شيء أتيت عليه.
فقال: اذهب إلى الحرث والفدادين، فأتاهم، فأهلكهم. ثم أتى إبليس متمثلاً إلى أيوب، فقال مثل قوله: فرد عيله أيوب الرد الأول. وكلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله. فقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده، فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المعصية التي لا تقوم لها قلوب الرجال؟ قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده. فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم. ثم جاء أيوب متمثلاً بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه والرأس يسيل دمه ودماغه، فقال: لو رأيت بنيك حتى رَقَّ ايوب - عيله السلام - وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه، وقال: ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعاً، ووقف موقفه. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فسبقت توبته إلى الله - تعالى - وهو أعلم. فوقف إبليس ذليلاً فقال: يا إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد لعلمه أنه يرى أنك متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله - عزَّ وجلَّ - انطلق فقد سلطتك على جسده، وذكرى للعابدين، وكل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر، ورجاء للثواب. فانْقَضّ عدو الله سريعاً، فوجد أيوب ساجداً، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل فيها جسده فخرج من
567
قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكّة لا يملكها، فكان يحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة حتى تقطع لحمه وتغير وأنتن، فأخرجوه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له شرعاً، ورفضه الناس كلهم إلا امرأته رحمة بن افرايم بن يوسف، فكانت تصلح أموره ويختلف إليه مما يصلحه.
ثم إنَّ وَهْباً طول الحكاية إلى أن قال: إنَّ أيوب - عليه السلام - أقبل على الله - تعالى - متضرعاً إليه فقال: رب لأي شيء خلقتني يا ليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك عني ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللمرأة قيماً، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فَالمَنُّ لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وسلطت عليّ ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله، إلهي تقطعت أصابعي، وتساقطت لهواتي، وتناثر شعري، وذهب المال فصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي، ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وفي جملة هذا الكلام ليتك إذا كرهتني لم تخلقني، ثم قال: ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنم إبليس بان يحمله على الشكوى، وأن يخرجه عن حلية الصابرين، والله لم يخبر عنه إلا قوله ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ وقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. واختلف العلماء في السبب الذي قاله لأجله ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾ «فروى ابن شهاب عن أنس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» إن أيوب - عليه السلام - بقي في البلاء ثماني عشر سنة، فرفضه القريب والبعيد إلاَّ رجلين كانا يغدوان ويروحان، فقال أحدهما للآخر ذات يوم: والله إن أيوب أذنب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين. فقال صاحبه: وما ذاك. فقال: منذ ثماني عشرة سنة لم ي رَحِمَهُ اللَّهُ، ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: ما أدري ما يقولان غير أن الله - تعالى - يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يذكر الله إلا في حق. وروي أنّ الرجلين لما دخلا عليه قالا: لو كان ليوب عند الله منزلةً ما بلغ في هذه الحالة. فما شق على أيوب شيء مما بلي به أشد مما سمع منهما، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني
568
لم أبت شبعاناً وانا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصي وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق. وهما يسمعان، ثم خرَّ أيوب ساجداً، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال: فكشف الله ما به «.
وروى الحسن قال: مكث أيوب بعد ما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهراً، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة، صبرت معه، وكانت تأتيه بطعام. فاجتمع جنوده من أقطار الأرض، وقالوا له: ما خبرك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً، ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة ما يقربه إلا امرأته، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذمر والحمد، فاستغثت بكم لتعينوني، فأشيروا علي. قالوا: أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته. قالوا: فشأنك من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها، لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأته، فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذَا يَحُكُّ قُرُوحَهُ وتتردد الدواب في جسده. فلما سمعها طمع أن يكون ذلك جزعاً فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه.
قال الحسن: فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت، فاتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا أيوب لغير الله فيبرأ، قال: فجاءت تصرخ إلى أيوب تقول: حتى متى يعذبك ربك، ألا يرحمك، أين المال، أين الولد، أين الماشية، أين الصديق، أين الحسن، أين جسمك الذي قد بلي وصار مثل الرماد وتردد فيك الدواب، اذبح هذه السخلة واسترح؟ قال أيوب - عليه السلام -: أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجتبيه، أما تذكرين ما كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانا ذلك؟ قالت: الله. قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا بهذا البلاء؟ قالت سبع سنين قال: ما أنصفت ربك ألاَّ صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله، وحرام عليّ ان أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به، فطردها، فذهبت، فلما نظر أيوب في شأنه، وليس عنده طعام، ولا شراب، ولا صديق، وقد ذهبت امرأته، خَرَّ ساجداً، وقال: {أَنِّي
569
مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين} فقال: ارفع رأسك فقد استجبت لك ﴿اركض بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت، ثم ضرب برجله مرة أخرى، فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلاَّ خرج، وقام صحيحاً، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان، ثم كسي حبة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمال إلا وقد ضاعفه الله، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى، ولكن من يشبع من نعمك، قال: فخرج حتى جلس مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع، لأرجعن غليه فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه، وتسأل عنه، فأرسل إيلها أيوب، ودعاها، فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت، وقالت: بعليط، قال أتعرفينه إذا رأتيه، قالت: وهل يخفى علي فتبسم وقال: أنا هو.
فعرفته بضحكه فاعتنقته، ثم قال: إنك أمرتيني أن أذبح لإبليس سخلة، وإني أطعت الله، وعصيت إبليس، ودعوت الله، فرد عليَّ ما ترين.
وروى الضحاك ومقاتل: أنّ أيوب بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقال وهب: بقي في البلاء ثلاث سنين، فلما غلب أيوب - عليه السلام - إبليس ذهب إبليس - لعنه الله - إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العطم والحسن والجمال، وعلى مركب ليس من مراكب الناس، فقال لها: أنت صاحبة أيوب، قاقلت: نعم. قال: فهل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: فأنا إله الأرض، صنعت بأيوب ما صنعت، وذلك لأن عبد إله السماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما من مال وولد فإن ذلك عندي. قال وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله لعوفي مما في البلاء، وفي رواية أخرى قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة لرجعت المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها. فقال لها أيوب - عليه
570
السلام - أتاك عدو الله ليفتنك، ثم أقسم إن عافاه الله ليضربنها مائة سوط. فقال عند ذلك: ﴿مَسَّنِيَ الضر﴾ يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي له، ودعائه إيَّاها وإيَّايَ إلى الكفر.
وفي رواية قال وهب: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتأتيه بقوته، فلما طال عليه البلاء، وسئمها الناس، فلم يستعملوها، فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام، فلم تجد شيئاً، فجزت قرنها من رأسها فباعته برغيف، فأتته، فقال لها: أين قرنك؟ فأخبرته بذلك. فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضر﴾. وفي رواية قال إسماعيل السّدّيّ: لم يقل أيوب ﴿مَسَّنِيَ الضر﴾ إلا لأشياء ثلاثة:
أحدها: قول الرجل له: لو كان عملك خالصاً لما أصابك ما أصابك.
والثاني: كانت لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداهن فقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً، وجاءت إلى أيوب، فقال: من أين هذا؟ قالت: كُلْ فإنَّهُ حلال. فلما كان من الغ لم تجد شيئاً فباعت الثانية، وكذلك فعلت في اليوم الثالث، وقالت: كُلْ فإنَّه حلال، فقال لا آكل ما لم تخبريني، فأخبرته، فبلغ ذلك من أيوب ما الله أعلم به.
وقيل: إنما باعت، لأن إبليس تمثل لقومه في صورة بشر، وقال: لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فخرجوه إلى باب البلد، ثم قال لهم: إنَّ امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها، فأقول: إنَّه يتعدى إليكم علته، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها.
والثالث: حين قالت له امرأته ما قالت. وفي رواية: قيل: سقطت دودة من فخذه فردها إلى موضعها، وقال: قد جعلني الله طعمة لك، فعضته عضة شديدة. فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضر﴾. وأوحى الله إليه: لولا أني جعلت تحت كل شعرة صبراً لما صبرت.

فصل


طعنت المعتزلة في هذه القصة من وجوه:
الأول: قال الجبائي: ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلاً للشيطان سلطه عليه لقوله تعالى عنه ﴿مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]. وهذا جهل أما أولاً: فإنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدها من العافية لتهيأ له فعل الأجسام، ومن هذا حاله يكون إلهاً. وأما ثانياً: فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأن
571
قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فالواجب تصديق خبر الله - تعالى - دون الرجوع إلى وهب بن منبه. وهذا اعتراض ضعيف، لأن المذكور في الحكاية أنَّ الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه. فلم قلتم: إنَّ القادر على النفخة التي تولد منها هذه الحكة لا بدَّ وأن يكون قادراً على خلق الأجسام، وهذا إلا محض التحكم. وأما التمسك بالنصّ فضعيف، لأنه إنَّما يقدم على الفعل مع علمه أنهل وأقدم عليه لما منعه الله تعالى. وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب - عليه السلام - من أنه استأذن الله فأذن له، وإن كان كذلك لم يكن بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة.
وثانيها: قالوا: ما روي أنه - عليه السلام - لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة. فبعيد، لأنّ الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم بما يراه من أهله جاز أيضاً أن يسأل ربه من قبل نفسه. فإن قيل: أفلا يجوزون أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره. قلنا: يجوز ذلك بأن يعلمه أن إنزال ذلك بعد مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك من حيث يجوز أن يدومم ويجوز أن ينقطع.
وثالثها: قالوا: انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير غير جائز على الأنبياء.

فصل


اعلم أنه - عليه السلام - ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب. فإن قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً.
فالجواب: قال سفيان بن عيينة: ولو شكى إلى الله فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرطه استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦].
572
قوله: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ وذلك أنَّ كلَّ من يرحم غيره فإمَّا أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو للرقة الجنسية في الطبع، فيكون مطلوب ذلك الثناء، ومن صفات الكمال فهو أرحم الراحمين. وأيضاً فكل من رحم غيره فإنما ذلك بمعونة رحمة الله، لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء فلولا الله - سبحانه - خلق المطعوم والملبوس والأدوية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ولولا فضل الله لما حصل النفع النفع بذلك، فإذن رحمة العباد مسبوقة برحمة الله، وملحوقة برحمته، فما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون أرحم الراحمين. وأيضاً فلولا أن الله - تعالى - خلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور تلك الرحمة عنه، فكانم الراحم في الحقيقة هو الحق سبحانه لأنه هو الذي أنشأ تلك الداعية فكان تعالى أرحم الراحمين. فإن قيل: كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام، وسلط البعض على البعض بالإيذاء، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وايذائه؟
فالجواب: أن كونه - سبحانه - ضاراً لا ينافي كونه راحماً بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة، ونفعه لي لجلب منفعة، بل لا يسأل عما يفعل.
قوله: «فاستجبنا لَهُ» يدل على أنه دَعَا ربَّه لكن هذا الدعاء يجوز أن يكون وقع منه على سبيل التعريض، كما يقال: إن رأيت لو أردت أو أجبت فافعل كذا، ويجوز أن يكون على سبيل التصريح لإزالة ما به من ضر. وبيّن تعالى أنه آتاه أهله، ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن والكلبي وكعب: إن الله تعالى أحيا له أهله، يعني أولاده بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم وهو ظاهر القرآن.
قال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده إليه وأهله، ويدل عليه ما روى الضحاك عن ابن عباس: أن الله رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكراً. قال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين.
وقال ابن يسار: كان له سبعة بنين وسبع بنات.
وروي عن أنس يرفعه: أنه كان له أندران أندر للقمح وأنذر للشعير، فبعث الله سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض.
573
«وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فجعل أيّوب يَحْثى في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوب ألم أكن أَغْنَيْتُكَ عَمَّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى عن بركتك» وروى الليث قال: أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال: قيل لأيوب إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا فعلى هذا يكن معنى الآية «وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ» في الآخرة «وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ» في الدنيا. وأراد بالأهل الأولاد. فأما الذين أهلكوا فإنَّهم لم يردوا عليه في الدنيا.
قوله: «رَحْمَةً» فيها وجهان:
أظهرهما: أنها مفعول من أجله.
والثاني: أنها مصدر لفعل مقدر، أي: رحمناه رحمةً.
و «مِنْ عِنْدِنَا» صِفَة ل «رَحْمَةً».
قوله: «وذكرى لِلْعَابِدِينَ» أي: فعل به تلك الرحمة، وهي النعمة لكي يتفكروا فيه بالذكر، ويتعظون فيعتبرون. وخص العابدين، لأنهم المنتفعون بذلك.
574
قوله :﴿ فاستجبنا لَهُ ﴾ يدل على أنه دَعَا ربَّه لكن هذا الدعاء يجوز أن يكون وقع منه على سبيل التعريض، كما يقال : إن رأيت لو أردت أو أجبت فافعل كذا، ويجوز أن يكون على سبيل التصريح١ لإزالة ما به من ضر. وبيّن تعالى أنه آتاه أهله، ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والحسن والكلبي٢ وكعب : إن الله تعالى أحيا له أهله، يعني أولاده بأعيانهم، وأعطاه٣ مثلهم معهم وهو ظاهر القرآن٤.
قال الحسن٥ : آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده إليه وأهله، ويدل عليه ما روى الضحاك عن ابن عباس : أن الله رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكراً. قال وهب : كان له سبع بنات وثلاثة بنين.
وقال ابن يسار : كان له سبعة بنين وسبع بنات. وروي عن أنس يرفعه : أنه كان له أندران أندر للقمح وأنذر للشعير، فبعث الله سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب٦، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض٧.
وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فجعل أيّوب يَحْثى في ثوبه، فناداه ربُّه : يا أيوب ألم أكن أَغْنَيْتُكَ عَمَّا ترى ؟ قال : بلى يا رب، ولكن لا غنى عن بركتك »٨ وروى الليث قال : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال : قيل لأيوب٩ إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال : يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا١٠ فعلى هذا يكن معنى الآية ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ﴾ في الآخرة ﴿ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ في الدنيا. وأراد بالأهل الأولاد. فأما الذين أهلكوا فإنَّهم لم يردوا عليه في الدنيا.
قوله :﴿ رَحْمَةً ﴾ فيها وجهان :
أظهرهما : أنها مفعول من أجله.
والثاني : أنها مصدر لفعل مقدر، أي : رحمناه رحمةً١١.
و ﴿ مِنْ عِنْدِنَا ﴾ صِفَة ل «رَحْمَةً ».
قوله :﴿ وذكرى لِلْعَابِدِينَ ﴾ أي : فعل به تلك الرحمة، وهي النعمة لكي يتفكروا فيه بالذكر، ويتعظون فيعتبرون. وخص العابدين، لأنهم المنتفعون بذلك١٢.
١ في ب: التضرع..
٢ في ب: الكعبي..
٣ في الأصل: وأعطاهم..
٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٠٩-٢١٠..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥١٨-٥١٩..
٦ في الأصل: المذهب. وهو تحريف..
٧ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥١٨-٥١٩..
٨ أخرجه البخاري (غسل) ١/٢٣١، النسائي (غسل) ١/٢١، أحمد ٢/٣١٤..
٩ في الأصل: أيوب..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٠..
١١ انظر التبيان ٢/٩٢٤..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٠..
قوله تعالى: «وَإِسْمَاعِيلَ» يعني ابن إبراهيم، «وَإِدْرِيسَ» وهو اختوخ ﴿وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾. لما ذكر صبر أيوب أتبعه بذكر هؤلاء، فإنهم أيضاَ كانوا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة. أما إسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت فأكرمه الله وأخرج من صلبه خاتم النبيين. وأما إدريس فتقدمت قصته في سورة مريم قال ابن عمر: «بعث إلى قومه داعياً إلى الله فأبوا فأهلكهم الله، ورفع إدريس السماء السابعة» وأما ذو الكفل قال الزجاج: الكفلُ في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير والكفل أيضاً:
574
النصيب قال تعالى: ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي: نصيب. واختلفوا في تسميته بهذا الاسم، فقال الحسن: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه، وضعف ثوابهم. وقال ابن عباس: إن نبياً من أنبياء بي إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك، فاعرض الملك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا. وَوَفَى به، فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة، لأنه تكفل بأمور فوفى بها.
وقال مجاهد: ما كبر اليسع - عليه السلام - قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس، فقال من يتقبل مني ثلاثاً أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويقضي فلا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا. فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. فذق الباب فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، فقال: افتح الباب. فقال: إنّ بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة. فقال: إذا رحت فأتني آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فلما كان الغد يقضي بين الناس ينظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه، فدق الباب، فقال من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم، ففتح له، فقال: أقيل، فإذا قعدت فأتني، فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد، قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق: فإذا رحت فأتني، فأتته القائلة، فراح فجعل ينظر ولا يراه، وشق عليه النعاس.
فقال للبواب في اليوم الثالث: قد غلب عليّ النعاس فلا تدع أحداً يقرب من هذا الباب حتى أنام، فجاء إبليس في تلك الساعة، فلم يأذن له الرجل فدخل في كُوَّة
575
في البيت، فتسور منها ودق الباب من داخل، فاستيقط وعاتب البواب، فقال: أما من قبلي فلم يأت، فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في التي، فقال له: أتنام والخصوم ببابك. فقال: أنت إبليس. قال: نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال بك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوقى به، وقيل غير ذلك.

فصل


قال أبو موسى الأشعري ومجاهد: ذو الكفل لم يكن نبياً بل كان عبداً صالحاً. وقال الحسن والأكثرون كان نبياً، وهو الأظهر، لأنه تعالى قرن ذكره بإسماعيل وإدريس، والغرض ذكر الفضلاء من عباده، فدلّ ذلك على نبوته، ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء، ولأنَّ قوله: «دُو الكِفْلِ» يحتمل أن يكون لقباً، وأن يكون اسماً، والأولى أن يكون اسماً، لأنه أكثر فائدة من اللقب، وإذا ثبت ذلك، فالكِفْلُ هو النصيب، لقوله تعالى «يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَ». والظاهر أنّ الله تعالى سماه بذلك تعظيماً له، فوجب أن يكون الكفل هو كفل لاثواب، فسمي بذلك، لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره، وقد كان في زمنه أنبياء على ما روي.

فصل


قيل: إن ذا الكفل زكريا. وقيل: يوشع. وقيل: إلياس. ثم قالوا: خمسة من الأنبياء - عليهم السلام - سماهم الله باسمين إسرائيل ويعقوب وإلياس وذا الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذا النون، ومحمداً وأحمد.
قوله: «كُلّ مِنَ الصَّبِرِيْنَ» أي: على القيام بأمر الله، واحتمال الأذى في نصرة دينه. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال مقاتل: الرحمة النبوة، وصيرهم إلى الجنة والثواب. وقال آخرون: يتناول جميع أعمال البر.
576
﴿ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ﴾ قال مقاتل : الرحمة النبوة، وصيرهم إلى الجنة والثواب. وقال آخرون : يتناول جميع أعمال١ البر.
١ أعمال: سقط من ب..
قوله: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ الآية. «ذَا» بمعنى صاحب و «النون» الحوت. ويجمع على نِينَان كحوت وحيتان والمراد بذي النون يونس - عليه السلام - وسمي بذلك، لأنَّ النون ابتلعه. وقد تقدم أن الاسم إذا دار بين أن يكون مفيداً ولقباً فحمله على المفيد أولى خصوصاً إذا علمت الفائدة التي لذلك الوصف.
قوله: «مُغَاصِباً» حال من فاعل «ذَهَبَ» والمفاعلة هنا تحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، أي: غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر، وفي بعض التفاسير: مغاضباً لربه فإن صح ذلك عمن يعتبر قوله، فينبغي أن تكون اللام للتعليل لا التعدية للمفعول، أي: لأجل ربه ولدينه.
ويحتمل أن يكون بمعنى غضبان، فلا مشاركة كعاقبت وسافرت. والعامة على «مُغَاضِباً» اسم فاعل. وقرأ ألو شرف «مُغَاضِباً» بفتح الضاد على ما لم يسم فاعله كذا نقله أبو حيان. ونقله الزمخشري عن أبي شرف «مُغْضباً» دون ألف من أغضبته فهو مغضب.
قوله: «أن لَّن» «أنْ» هذه المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و «لَنْ نَقْدِرَ» هو الخبر، والفاصل حرف النفي. والمعنى: أن نضيق عليه كقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ
577
رِزْقَهُ} [الفجر: ١٦] ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. والعامة على «نَقْدِرَ» بنون العظمة مفتوحة وتخفيف الدال، والمفعول محذوف أي: الجهات والأماكن.
وقرأ الزهري بضمها وتشديد الدال. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب «يُقْدَر» بضم الياء من تحت، وفتح الدال خفيفة مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بفتح الياء وكسر الدال خفيفة وعلي بن أبي طالب واليماني بضم الياء وكسر الدال مشددة.
والفاعل على هذين الوجهين ضمير يعود على الله تعالى.
قوله: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ﴾ يجوز في «أَنْ» وجهان:
أحدهما: أنها المخففة من الثقيلة فاسمها كما تقدم محذوف، والجملة المنفية بعدها الخبر.
والثاني: أنها تفسيرية، لأنَّها بعد ما هو بمعنى القول دون حروفه.

فصل


معنى الآية: واذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى «إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً» قال ابن عباس: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة
578
أسباط ونصفاً، وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعيا النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً، فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال الملك: ومن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس بن متى فإنه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا.
قال: هل سماني لك؟ قال: لا. قال: فها هنا هي المفاعلة التي تكون من واحد كالمسافرة والمعاقبة.
فمعنى قوله: «مُغَاضِباً» أي: غضبان. وعن ابن عباس قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب، فانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تَفسَّخَ تَحْتَهَا الرَّبع تحت الحمل الثقيل. فقذفها من يده، وخرج هارباً منها، فلذلك أخرجه الله من أول العزم، فقال لنبيه محمد - عليه السلام -: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]، قال: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨].
قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: أن نقضي عليه بالعقوبة. قال مجاهد وقتادة
579
والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن عباس: يقال: قدّر الله شيئاً تقديراً، وقدر يقدر قدرً بمعنى واحد. ومنه قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ [الواقعة: ٦٠] في قراءة من خفّفها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري «فَظَنَّ أَن لَّن نُّقَْدِّرَ عَلَيْهِ» بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معنا فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر (عليه؟) وعن الحسن قال: بلغني أنَّ يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضباً لربه، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة، فأبى الله أن يجعله للشيطان، فقذفه في بطن الحوت، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء، فلم أعبد غيرك، فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته.

فصل


احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه:
أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه، قيل: هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب، واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير، وإذا كان كذلك فمغاضبة الله من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله بل كان مع ذلك الملك، أو مع القوم، فهو أيضاً محظور لقول الله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور.
580
وثانيها: قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله.
وثالثها: قوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ والظلم مذموم قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: ١٨].
ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بان ألقاه في البحر في بطن الحوت.
وخامسها: قوله: ﴿فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب.
وسادسها: قوله: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] فإن لم يكن صاحب ذنب ولم يجز النهي عن التشبّه به وإن كان مذنباً فهو المطلوب.
وسابعها: قوله: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] وقاتل: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم﴾ [الأحقاف: ٣٥] وهذا يقتضي أنّ ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي العزم.
والجواب: أنه ليس في الآية من غاضبة، فلا نقطع على نبي الله بأنه غاضب ربه، لأنّ ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً.
وأما ما روى من أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد فمما يرتفع حال الأنبياء عنه، لأنّ الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]. فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم. وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصه فيما يامره به، فيحمل على مغاضبة قومه، أو الملك، أو هما جميعاً ومعنى مغاضبته لقومه أنه غاضبهم لمفارقته لخوف حلول العذاب بهم، وقرئ «مغضباً» كما تقدن وأما قولهم: مغاضبة القوم أيضاً محظورة لقوله: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨].
581
فالجواب لا نسلم أنها كانت محرمة، أما الذهاب، فلأن الله أمره بتبليغ الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً، فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية. وأما الغضب لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من الله الأمر بالمهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: ٤٨] كأن الله تعالى أراد لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أفضل المنازل وأعلاها.
وأما الجواب عن قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فنقول من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء، فإن لا بدَّ فيه من التأويل، وفيه وجوه:
الأول: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ نضيق عليه كقوله:
﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق، وكذا قوله: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أي: ضيق، فمعناه: أن لن نضيق عليه، وهلى هذا فالآية حجة لنا، لأن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أنَّ الصلاح في تأخير خروجه، وهذا من الله بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن أنَّ الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك.
والثاني: أن يكون هذا من باب التمثيل، أي: فكانت حاله مماثلة لحال من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر الله.
الثالث: أن يفسر القدر بالقضاء، والمعنى فظن أن لن نقدر عليه بشدة.
قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار الفراء والزجاج: يقال: قَدَرَ الله الشيء قَدْراً وقَدَّرَهُ تَقْدِيراً فالقدر بمعنى التقدير، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون والتشديد من التقدير.
582
وروي أنه دخل عن ابن عباس على معاوية، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. فقال: وما هي؟ قال: ظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه. فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة.
الرابع: فظن أن لن (نقدر، أي: فظن أن لن نفعل لأن) بين القدرة والفعل مناسبة، فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر.
الخامس: أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد.
السادس: قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس، فيكون هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان.
وأما الجواب عن قوله ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ فنقول: إن حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، وإن حملناه على ما بعدها فيجب تأويله، لأنا لو أجريناه على ظاهره، لاستحق اللعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول: لا شك أنه كان تاركاً للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلماً.
وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت، وأن ذلك عقوبة، فلا نسلم أنَّ ذلك عقوبة، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة.
وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل.

فصل


قوله ﴿فنادى فِي الظلمات﴾ قال الزمخشري: أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقيل: أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت.
﴿أَن
لاَّ
إله
إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ﴾
نزه ربه عن كل النقائض، ومنها العجز، وهذا يدلّ على أنه ما كان مراده من قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنه ظن العجز، وإنما قال: «سُبْحَانَكَ»، لأنّ معناه سبحاتنك أن تفعل جوراً أو شهوة الانتقام أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾
583
أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الان من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة.
روى أنس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له».
قوله: ﴿فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ أي: من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته.
قوله: ﴿وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي: كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة «نُنْجِي» بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجي ينجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّي» بتشديد الجيم وسكون الياء وفيها أوجه:
أحسنها: أن يكون الأصل «نًنْجِي» بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله «مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ» في قراءة من قرأه كما تقدم، وكما حذفت التاء الثانية في قوله: «تَذَكَّرَونَ» و «تَظَاهَرُونَ» وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال:
أحدهما: أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً.
والثاني: أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف «تظاهرون» ألا ترى أنك لو قلت: تتحامى المظالم لم يَسُغْ حذف الثانية.
أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا
584
في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا.
الوجه الثاني: أنّ «نُجِّي» فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله: «مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا» في قراءة شاذّة تقدمت، قالوا: وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن نخفيفاً فالمعتل أولى، ومنه:
٣٧٣٢ - إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلاَنِ
وتقدم منذ لك جملة وأسند هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر «لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» وهذا رأي الكوفيين والأخفش، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير: نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء: وهو ضعيف من وجهين:
585
أحدهما: تسكين آخر الفعل الماضي.
والآخر: إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح.
وقد عرف جوابهما مما تقدم.
الوجه الثالث: أن الأصل «نُنْجِي» كقراءة العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها.
الوجه الرابع: أنه ماض مسند بضمير المصدر أي: نُجِّي النجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ «المُؤْمِنِينَ» ليس منصوباً ب «نُجِّي» بل بفعل مقدر. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به من وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج.
وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال: ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال: نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد التعسف. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف.
586
قوله :
﴿ فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم ﴾ أي : من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته.
قوله :﴿ وكذلك نُنجِي المؤمنين ﴾ : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي : كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة١ «نُنْجِي » بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجي ينجي٢. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّي » بتشديد الجيم وسكون الياء٣ وفيها أوجه :
أحسنها : أن يكون الأصل «نًنْجِي » بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله ﴿ مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ ﴾٤ في قراءة من قرأه كما تقدم٥، وكما حذفت التاء الثانية في قوله :﴿ تَذَكَّرَونَ ﴾٦ و ﴿ تَظَاهَرُونَ ﴾٧ وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال :
أحدهما : أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً.
والثاني : أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف «تظاهرون »٨ ألا ترى أنك لو قلت : تتحامى المظالم لم يَسُغْ٩ حذف الثانية١٠.
أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في١١ منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة١٢ وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا.
الوجه الثاني : أنّ١٣ «نُجِّي »١٤ فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله :﴿ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾١٥ في قراءة شاذّة تقدمت١٦، قالوا : وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن تخفيفا فالمعتل أولى، ومنه :
٣٧٣٢- إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ *** قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلاَنِ١٧
وتقدم منذ لك جملة١٨ وأسند١٩ هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر «لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ »٢٠ وهذا رأي الكوفيين والأخفش٢١، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير : نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء : وهو ضعيف من وجهين :
أحدهما : تسكين آخر الفعل الماضي.
والآخر : إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح٢٢.
وقد عرف جوابهما مما تقدم٢٣.
الوجه الثالث : أن الأصل «نُنْجِي » كقراءة٢٤ العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت٢٥ في الجيم بعدها٢٦. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها٢٧.
الوجه الرابع : أنه ماض مسند بضمير المصدر أي : نُجِّي النجاءُ٢٨ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ «المُؤْمِنِينَ » ليس منصوباً ب «نُجِّي » بل بفعل مقدر٢٩. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به من وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال : هي لحن٣٠. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج٣١.
وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال : ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال : نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد٣٢ التعسف٣٣. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف٣٤.
١ غير أبي بكر عن عاصم وابن عامر. السبعة ٤٣٠..
٢ وهو زيد بن علي حيث قرأ ﴿ما نزل﴾ ماضيا مخففا مبنيا للفاعل "الملائكة" بالرفع. البحر المحيط ٦/٤٤٦..
٣ السبعة (٤٣٠)، الكشف ٢/١١٣، النشر ٢/٣٢٤، الإتحاف ٣١١..
٤ من قوله تعالى: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين﴾ [الحجر: ٨]..
٥ ٥ وهو زيد بن علي حيث قرأ ﴿ما نزل﴾ ماضيا مخففا مبنيا للفاعل "الملائكة" بالرفع. البحر المحيط ٦/٤٤٦.
.

٦ قوله ﴿تذكرون﴾ ذكر في القرآن في سبعة عشر موضعا أوله: ﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ [الأنعام: ١٥٢] وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ٢٧٢..
٧ من قوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ [البقرة: ٨٥]، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣/٨٧. انظر اللباب ١/٢٠١..
٨ من قوله تعالى: ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ [البقرة: ٨٥]، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣/٨٧. انظر اللباب ١/٢٠١..
٩ في النسختين: لم تمنع. وما أثبته من التبيان..
١٠ التبيان ٢/٩٢٥..
١١ في ب: و. وهو تحريف..
١٢ فالخليل وسيبويه على أن المحذوف الألف الثانية، والأخفش والفراء على أن المحذوف الألف الأولى..
١٣ أن: سقط من ب..
١٤ في ب: تنجي. وهو تحريف..
١٥ من قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]..
١٦ وذلك أن أبيا قرأ "ما بقي" بكسر القاف وسكون الياء. المختصر (١٧)..
١٧ البيت من مجزوء الرمل، قاله وضاح اليمن، وهو في الحجة ٢/٦٦، اللسان (جلل) والبحر المحيط ١/٤٢. وقبله:
ضحك الناس وقالوا *** شعر وضاح الكباني
القند: عسل قصب السكر، ويروى (شهد) والشهد بفتح الشين وضمها وسكون الهاء: العسل ما دام لم يعصر من شمعه، ويروى (ملح) بكسر الميم ومعناه الحسن من الملاحة، ويروى (فيد) بفتح الفاء وسكون الياء: وهو ورد الزعفران وقيل ورقه. الجلجلان: ثمرة الكزبرة، وقيل : حب السمسم، وقيل: ما في جوف التين.
والاستشهاد بالبيت على حذف حركة اللام من الفعل الماضي الصحيح اللام في خلط..

١٨ تقدم في السورة السابقة..
١٩ في الأصل: واسكن. وهو تحريف..
٢٠ من قوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون﴾ [ الجاثية: ١٤] وقراءة أبي جعفر ﴿ليجزي﴾ بضم الياء وفتح الزاي بالبناء للمجهول. النشر ٢/٣٧٢..
٢١ وذلك أن الكوفيين والأخفش يجوزون إنابة غير المفعول به مع وجوده مطلقا، غير أن الأخفش يشترط تقدم النائب، واستدلوا على ذلك بقراءة أبي جعفر ﴿ليجزي قوما بما كانوا يكسبون﴾ ببناء (يجزى) للمفعول، وبقول الشاعر:
لم يعن بالعلياء إلا سيـــدا *** ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
وقول الآخر:
وإنما يرضي المنيب ربه *** ما دام معنيا بذكر قلبــــــه
ومذهب البصريين لا يجوز إنابة غير المفعول به مع وجوده، وأولوا قراءة أبي جعفر بأن النائب منها ضمير مستتر يعود على الغفران المفهوم من يغفروا وحملوا البيتين على الضرورة وانظر البيان ٢/١٦٤، البحر المحيط ٦/٣٣٥، الهمع ١/١٦٢، شرح الأشموني ٢/٦٧-٦٨..

٢٢ التبيان: ٢/٩٢٥..
٢٣ من أن تسكين آخر الفعل الماضي للتخفيف، وإقامة غير المفعول به مع وجوده مذهب الكوفيين والأخفش..
٢٤ في ب: لقراءة. وهو تحريف..
٢٥ في ب: قلبت ضما وإذا ضمت. وهو تحريف..
٢٦ وهذا الوجه لأبي عبيد، إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٨..
٢٧ إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٨، الكشف ٢/١٣٣، التبيان ٢/٩٢٥، البحر المحيط ٣٣٥..
٢٨ في الأصل: نجاء..
٢٩ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٥..
٣٠ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٥..
٣١ قال الزجاج: (فـأما ما روي عن عاصم بنون واحدة لا وجه له، لأنّ ما لا يسمى فاعله لا يكون بغير فاعل. وقد قال بعضهم: نُجّي النجاء المؤمنين، وهذا خطأ بإجماع النحويين كلهم، لا يجوز ضُرب زيدا، تريد ضرب الضرب زيدا، لأنك إذا قلت: ضرب زيد فقد علم أنه الذي ضربه ضرب، فلا فائدة في إضماره وإقامته مقام الفاعل) معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٥٠٣..
٣٢ في ب: بإرادة. وهو تحريف..
٣٣ الكشاف ٣/١٩..
٣٤ وهو قوله: (وننجي) فيكون موافقا للوجه الأول..
قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ الآية. اعلم أنه تعالى بين
586
هاهنا انقطاع زكريا إلى ربه لما مسه الضر بتفرده، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بقدرة ربه على ذلك، وانتهت به الحال وبزوجه من الكبر وغيره ما يمنع من ذلك بحكم العادة فقال: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ وحيداً لا ولد لي، وارزقني وارثاً، ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه أفضل من بقي حياً.
ويحتمل أن يكون المعنى: إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير الوارثين.
قال ابن عباس: كان سنه مائة سنة، وسن زوجته تسعاً وتسعين، ﴿فاستجبنا لَهُ﴾ أي: فعلنا ما أراده بسؤاله، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى﴾ ولداً صالحاً ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً. قاله أكثر المفسرين وقيل: كانت سيئة الخلق سلطة اللسان فأصلح الله خلقها. وقيل: جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه، لأنه يكون إعانة في الدين والدنيا واعلم أنَّ قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأنَّ إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ. ثم قال: «إنَّهُمْ» يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة.
وقيل: زكريا وولده وأهله ﴿كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾، والمسارعة في طاعة الله من أكبر ما يمدح المرء به، لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة.
قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾ العامة على ثبوت نون الرفع قبل (ن) مفكوكة منها وقرأت فرقة ﴿﴾ بحذف نون الرفع. وطلحة بإدغامها فيها.
وهذا الوجهان فيهما إجراء نون (ن) مجرى نون الوقاية. وقد تقدم. قوله: ﴿رَغَباً وَرَهَباً﴾ يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله، وأن ينتصبا على أنهما مصدران واقعان موقع الحال، أي: راغبين راهبين، وأن ينتصبا على المصدر الملاقي لعامله
587
﴿ فاستجبنا لَهُ ﴾ أي : فعلنا ما أراده بسؤاله، ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى ﴾ ولداً صالحاً ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ أي : جعلناها ولوداً بعد ما كانت عقيماً١. قاله أكثر المفسرين وقيل : كانت سيئة الخلق سلطة اللسان فأصلح الله خلقها٢. وقيل : جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه، لأنه يكون إعانة في الدين والدنيا٣ واعلم أنَّ قوله ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ٤ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب، لأنَّ إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ٥. ثم قال :«إنَّهُمْ » يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة٦.
وقيل : زكريا وولده وأهله٧ ﴿ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات ﴾، والمسارعة في طاعة الله من أكبر ما يمدح المرء به، لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة٨.
قوله :﴿ وَيَدْعُونَنَا ﴾ العامة على ثبوت نون الرفع قبل ( نا )٩ مفكوكة منها وقرأت فرقة ﴿ وَيَدْعُونَنَا ﴾ بحذف نون الرفع١٠. وطلحة بإدغامها فيها١١.
وهذا الوجهان فيهما إجراء نون ( نا ) مجرى نون الوقاية١٢. وقد تقدم. قوله :﴿ رَغَباً وَرَهَباً ﴾ يجوز أن ينتصبا على المفعول من أجله١٣، وأن ينتصبا على أنهما مصدران واقعان موقع الحال، أي : راغبين راهبين١٤، وأن ينتصبا على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون اللفظ، لأن ذلك نوع منه١٥. والعامة على فتح الغين والهاء١٦. وابن وثاب والأعمش ورويت عن أبي عمرو بسكون الغين والهاء، ونقل عن الأعمش وهو الأشهر عنه بضم أراء وما بعدها١٧. وقرأت فرقة بضمة وسكون فيهما١٨.

فصل


ومعنى «رَغَباً » : طمعاً «وَرَهَباً » : خوفاً، أي : رغباً في رحمة الله، ورهباً من عذاب الله. ﴿ وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ ﴾ أي : متواضعين، قال قتادة : ذلك لأمر الله١٩. وقال مجاهد : الخشوع هو الخوف اللازم في القلب٢٠.
١ وهو قول قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين. الفخر الرازي ٢٢/٢١٧، القرطبي ١١/٣٣٦..
٢ وهو قول ابن عباس وعطاء. الفخر الرازي ٢٢/٢١٧، القرطبي ١١/٣٣٦..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٧..
٤ ووهبنا له: سقط من ب..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٧-٢١٨..
٦ انظر البغوي ٥/٥٢٨، البحر المحيط ٦/٣٣٦..
٧ في ب: وأهله وولده. الفخرالرازي ٢٢/٢١٨..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢١٨..
٩ في ب: أنها. وهو تحريف..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١١ أي: بإدغام نون الرفع في "نا" ضمير النصب، البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١٢ ذلك أن نون الوقاية مع نون الإعراب لها ثلاثة أوجه: حذف إحداهما، وإدغام نون الإعراب في نون الوقاية وإثباتهما بلا ادغام. شرح الكافية ٢/٢٢..
١٣ انظر التبيان ٢/٩٢٥، البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١٤ المرجعان السابقان..
١٥ التبيان ٢/٩٢٥..
١٦ المختصر (٩٢)، البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١٧ البحر المحيط ٦/٣٣٦..
١٨ المرجع السابق..
١٩ انظر البغوي ٥/٥٢٨..
٢٠ المرجع السابق..
في المعنى دون اللفظ، لأن ذلك نوع منه. والعامة على فتح الغين والهاء. وابن وثاب والأعمش ورويت عن أبي عمرو بسكون الغين والهاء، ونقل عن الأعمش وهو الأشهر عنه بضم اراء وما بعدها. وقرأت فرقة بضمة وسكون فيهما.

فصل


ومعنى «رَغَباً» : طمعاً «وَرَهَباً» : خوفاً، أي: رغباً في رحمة الله، ورهباً من عذاب الله. ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين، قال قتادة: ذلك لأمر الله. وقال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب.
قوله
تعالى
: ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. يجوز أن ينتصب قوله: «وَالَّتِي» نسقاً على ما قبلها، وأن ينتصب بإضمار اذكر، وأن يرتفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: وفيما يتلى عليكم التي أحصنت. ويجوز أن يكون الخبر «فَنَفَخْنَا» وزيدت الفاء على رأي الأخفش نحو زيد فقائم. وفي كلام الزمخشري: نفخنا الروح في عيسى فيها. قال أبو حيان مؤاخذاً له: فاستعمل «نفخ» متعدياً والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى سماع، وغير متعد استعمله هو في قوله؛ أي: نفخت في المزمار. انتهى ما آخذه به.
قال شهاب الدين: وقد سمع «نفخ» متعدياً، ويدل على ذلك ما قرئ في الشاذ «فانفخها فَيَكُونُ طَائِراً»، وقد حكاها هو قراءة، فكيف ينكرها. فعليك بالالتفات إلى ذلك. وقال ابن الخطيب: جعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل - عليه
588
السلام - لأنه نفخ في جيب درعها، فوصل النفخ إلى جوفها أي: أمرنا جبريل فنفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى (- عليه السلام -).
ومعنى «أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا» أي: إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم: ٢٠]. وقيل: منعت جبريل جيب درعها قبل أن تعرفه.
والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أما مريم فآياتها كثيرة:
إحداها: ظهور الحبل فيها لا من ذكر، وذلك معجزة خارجة عن العادة.
وثانيها: أنَّ رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة لقول زكريا: ﴿أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٣٧].
وثالثها: ورابعها: قال الحسن: أنها لم تلتقم ثدياً قط، وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى. وأما آيات عيسى - عليه السلام - فقد تقدم بيانها فإن قيل: هلا قيل آيتين كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ليطابق المفعول؟
فالجواب: أنَّ كلاًّ منهما آية بالآخر فصارا آية واحدة، لأنّ حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل. أو تقول: حذف من الأول لدلالة الثاني، أو بالعكس أي: وجعلنا ابن مريم آية وأمه كذلك، وهو نظير الحذف في قوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وقد تقدم. أو أنّ معنى الكلام: جعلنا شأنهما وأمرهما آية.
589
قوله تعالى: ﴿ق إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية. قرأ العامة على رفع «أُمَّتُكُمْ» خبراً ل «إنَّ»، ونصب «أُمَّةً واحِدَةً» على الحال، وقيل: على البدل من «هَذِهِ» فيكون قد فصل بالخبر بين البدل والمبدل فيه نحو: إنَّ زيداً قائمٌ أخاك. وقرأ الحسن «أمَّتَكُمْ» بالنصب على البدل من «هَذِهِ»، أو عطف البيان. وقرأ أيضاً هو وابن أبي إسحاق والأشهب العقليل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» بالرفع على خبر «إنَّ» و «أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» برفع الثلاث على أن يكون «أُمَّتُكُمْ» خبر «إنَّ» كما تقدم و «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» بدل منها بدل نكرة من معرفة، أو يكون «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» خبر مبتدأ محذوف ومعنى «أُمَّتُكُمْ» قال الزمخشري: الأمة الملة، وأشار إلى ملة الإسلام. «أمَّةً وَاحِدَةً» أي: ديناً واحداً وهو الإسلام غير مختلف، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان. وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد. ثم قال: «وَأَنَا رَبُّكُمْ» أي: إلهكم فَاعْبدُونِ.
قوله: «وَتَقَطّعُوا» أي: اختلفوا، والأصل: وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفاف، وكأنه ينفي عهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى: اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً.
590
قال الكلبي: وفرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض. والتقطع هاهنا بمعنى: التقطيع.
قوله: «أَمَرَهُمْ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي: تفرقوا في أمرهم.
الثاني: أنه مفعول به، وعدى «تَقَطعُوا» لأنه بمعنى: قطعوا.
الثالث: أنه تمييز، وليس بواضح معنى، وهو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييز أي: تقطع أمرهم. فجعله منقولاً من الفاعلية. و «زُبُراً» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على أن تضمن (تقطعوا) معنى (صيروا) بالتقطيع. وإمَّا أن ينصب على الحال من المفعول، أي: مثل زبر، أي: كتب، فإنّ الزبر جمع زَبُور كرُسُل جمع رَسُول.
أو يكون حالاً من الفاعل، نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظر إذ لا معنى له، وإنما يظهر كونه حالاً من الفاعل في قراءة «زُبَراً» بفتح الباء أي فرقاً. والمعنى: صيروا أمرهم زبراً أي تقطعوه في هذه الحال، والوجهان مأخوذان من تفسير الزمخشري، لمعنى الآية الكريمة، فإن قال: والمعنى جعلوا أَمْرَ دِينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة، ويقتسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً وفي الكلام التفاف من الخطاب وهو قوله: «أُمَّتُكُمْ» إلى الغيبة تشنيعاً عليهم بسوء صنيعهم.
وقرأ الأعمش: «زُبَراً» بفتح الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل
591
ونصبه على الحال من ضمير الفاعل «تَقَطَّعُوا» كما تقدم. ولم يتعرض له أبو البقاء في هذه السورة، وتعرض له في المؤمنين، فذكر فيه الأوجه المتقدمة، وزاد أنه قرئ «زُبْراً» بسكون الباء وهو بمعنى المضمومة.
قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم، قال عليه السلام: «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة، وقالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة. قال:» الجماعة الجماعة الجماعة «وبهذا الخبر بيّن أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن قول الرسول في الناجية إنّها الجماعة ليس تعريفاً للفرقة الناجية، إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد، ولهذا طعن بعضهم في صحة الخبر، فقال: إنْ أراد بالاثنين وسبعين فوقة أصول الأديان فلن يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنَّها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك. وقيل أيضاً ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة.
والجواب: قال ابن الخطيب: المراد ستفترق أُمتي في حال وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، ولأنه لا يجوز أن يزيد وينقص.
592
قوله :
﴿ وَتَقَطّعُوا ﴾ أي : اختلفوا، والأصل١ : وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق٢ الالتفات٣، وكأنه ينفي عهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم٤ : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء، والمعنى : اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً٥.
قال الكلبي : وفرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض. والتقطع هاهنا بمعنى : التقطيع٦.
قوله :﴿ أَمَرَهُمْ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على إسقاط الخافض، أي : تفرقوا في أمرهم.
الثاني : أنه مفعول به، وعدى «تَقَطعُوا » لأنه بمعنى : قطعوا.
الثالث : أنه تمييز٧، وليس بواضح معنى، وهو معرفة، فلا يصح من جهة صناعة البصريين٨. قال أبو البقاء : وقيل : هو تمييز أي : تقطع أمرهم٩. فجعله منقولاً من الفاعلية. و «زُبُراً »١٠ يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على أن تضمن ( تقطعوا ) معنى ( صيروا ) بالتقطيع١١. وإمَّا أن ينصب على الحال من المفعول، أي : مثل زبر، أي : كتب١٢، فإنّ الزبر جمع زَبُور كرُسُل جمع رَسُول١٣.
أو يكون حالاً من الفاعل، نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين١٤. وفيه نظر إذ لا معنى له١٥، وإنما يظهر كونه حالاً من الفاعل في قراءة «زُبَراً » بفتح الباء١٦ أي فرقاً. والمعنى : صيروا أمرهم زبراً أي تقطعوه في هذه الحال، والوجهان مأخوذان من تفسير الزمخشري، لمعنى١٧ الآية الكريمة، فإن قال : والمعنى جعلوا أَمْرَ دِينهم فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة، ويقتسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً١٨ وفي الكلام التفاف من الخطاب وهو قوله :﴿ أُمَّتُكُمْ ﴾ إلى الغيبة تشنيعاً عليهم بسوء صنيعهم١٩.
وقرأ الأعمش :«زُبَراً » بفتح الباء٢٠ جمع زُبْرَة٢١، وهي قطعة الحديد في الأصل ونصبه على الحال من ضمير الفاعل «تَقَطَّعُوا » كما تقدم٢٢. ولم يتعرض له أبو البقاء في هذه السورة، وتعرض له في المؤمنين٢٣، فذكر فيه الأوجه المتقدمة، وزاد أنه قرئ «زُبْراً » بسكون الباء٢٤ وهو بمعنى المضمومة٢٥.
قوله :﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ توعدهم٢٦ بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم، قال عليه السلام٢٧ :«تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، فهلك سبعون وخلصت فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة، وقالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة ؟ قال :«الجماعة الجماعة الجماعة »٢٨ وبهذا الخبر بيّن أن المراد بقوله :﴿ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ ﴾ الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات، وأن قول الرسول في الناجية إنّها الجماعة ليس تعريفاً للفرقة الناجية، إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد، ولهذا طعن بعضهم في صحة الخبر، فقال : إنْ أراد بالاثنين وسبعين فرقة أصول الأديان فلن يبلغ هذا القدر، وإن أراد الفروع فإنَّها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك. وقيل أيضاً ضد ذلك، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة.
والجواب : قال ابن الخطيب : المراد ستفترق أُمتي في حال وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال، ولأنه٢٩ لا يجوز أن يزيد وينقص٣٠.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٩..
٢ في الأصل: طريقة..
٣ من الخطاب في قوله: "إن هذه أمتكم واحدة" إلى الغيبة في قوله: "وتقطعوا أمرهم"..
٤ في ب: وبقولهم..
٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢١٩٢٢..
٦ انظر البغوي ٥/٥٢٩..
٧ ذكر الأوجه الثلاثة أبو البقاء. التبيان ٢/٩٢٦..
٨ وذلك أن البصريين اشترطوا تنكير التمييز، وذهب الكوفيون وابن الطراوة إلى جواز أن يكون معرفة كقوله: وطبت النفس يا قيس عن عمرو. وقوله: علام ملئت الرعب والحرب لم تقد وقولهم: سنه زيد نفسه. وألم رأسه، وبطرت معيشتها. والبصريون أولوا ذلك على زيادة اللام، والمضافات نصبت على التشبيه بالمفعول به أو على إسقاط الجار، أي: في نفسه، وفي رأسه، وفي معيشتها انظر الهمع ١/٢٥٢..
٩ التبيان ٢/٩٢٦..
١٠ من قوله تعالى: ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣]..
١١ التبيان: ٢/٩٥٧..
١٢ مشكل إعراب القرآن ٢/١١١، التبيان ٢/٩٥٧..
١٣ وذلك أن فعل بضمتين من أمثلة جمع الكثرة وهو يطرد في نوعين..
١٤ التبيان ٢/٩٥٧..
١٥ وذلك أن معنى زبر – بضم الفاء والعين – كتب..
١٦ وهي قراءة الأعمش كما سيأتي قريبا إن شاء الله..
١٧ في ب: ولمعنى..
١٨ الكشاف ٣/٢٠..
١٩ البحر المحيط ٦/٣٣٧..
٢٠ المختصر (٩٩)، البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٢١ وذلك أن فعل – بضم الفاء وفتح العين – من أمثلة جمع الكثرة، وهو يطرد في نوعين: الأول: ما كان على فعلة – بضم الفاء وسكون العين – اسما نحو غرفة وغرف ومدية ومدى، فإن كان صفة نحو ضحكة لم يجمع على فعل وشذ قولهم رجل بهمة، ورجال بهم. الثاني: ما كان على فعلى – بضم الفاء وسكون العين – أنثى أفعل صفة نحو كبرى وكبر، فإن لم تكن فعلى أنثى أفعل كحبلى لم تجمع هذا الجمع، انظر شرح الأشموني ٤/١٣٠..
٢٢ كما تقدم في إعراب "زبرا" بضم الزاي والباء في قراءة الجمهور..
٢٣ عند قوله تعالى: ﴿فتقطعوا أمرهم بنيهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣]..
٢٤ قراءة عبد الوهاب عن أبي عمرو. المختصر (٩٩)..
٢٥ وذلك أن (فُعُل) بضمتين جمعا يجب في غير الضرورة تسكين عينه إن كانت واوا لثقل الضمة على الواو، فتقول في جمع سوار سور، ويجوز تسكين عينه إن لم تكن واوا فتقول في جمع كتاب كتب وكتب وفي جمع زبور زُبُر وزُبْر. وعلى ذلك يكون (زبر) بسكون الباء مخفف زبر بضمها. وإن كانت عين هذا الجمع ياء كسرت الفاء عند التسكين لمناسبة الياء فتقول في جمع سيال: سُيُل وسِيَل. انظر التبيان ٢/٩٥٧، شرح الأشموني ٤/١٣٠..
٢٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٩..
٢٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٨ أخرجه ابن ماجه (فتن) ٢/١٣٢٢، أحمد ٣/١٤٥..
٢٩ في النسختين: ولا أنه..
٣٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢١٩..
قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية. لمَّا ذَكَرَ أَمْرَ الأُمَّةِ وتفرقهم، وأنهم راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا نجحد ولا نبطل سعيه.
والكفران مصدر بمعنى الكفر، قال:
٣٧٣٣ - رَأَيْتُ أُنَاسَاً لاَ تَنَامُ خُدُودُهُمْ وَخَدِّي وَلاَ كُفْرَانَ لِلَّهِ نَائِمُ
و «لِسَعْيِهِ» متعلق بمحذوف، أي: نكفر لسعيه، ولا يتعلق ب «كُفْرَانَ» لأنه يصير مطولاً، والمطول ينصب وهذا مبني. والضمير في «لَهُ» يعود على السعي. والمعنى: لا بطلان لثواب عمله، وهو كقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩].
فالكفران مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه.
فقوله: «فَلاَ كُفْرَانَ» المراد نفي الجنس للمبالغة، أنَّ نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ أي: لسعيه كاتبون إمَّا في أم الكتاب، أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد من ذلك ترغيب العباد في الطاعات.
قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ﴾ قرأ الأخوان وأبو بكر ورويت عن أبي عمرو «
593
وَحِرْمُ» بكسر الحاء وسكون الراء وهما لغتان كالحِلّ والحَلاَل.
وقرأ ابن عباس وعكرمة «وحَرِمَ» بكسر الحاء وسكون الراء وفتح الميم على أنه فعل ماض وروي عنهما أيضاً وعن أبي العالية بفتح الحاء والميم وضم الراء بزنة كَرُم، وهو فعل ماض أيضاً. (وروي عن ابن عباس أيضاً فتح الجميع وهو فعل ماض أيضاً). وعن اليماني بضم الحاء وكسر الراء (مشددة وفتح الميم ماضياً مبنياً للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء وكسر الراء) وتنوين الميم.
فمن جعله اسماً ففي رفعه وجهان:
أحدهما: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه:
أحدها: قوله: «لا يَرْجِعُونَ» وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات:
التأويل الأول: أن «لا» زائدة، والمعنى: وممتنع على قرية قدرنا إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى ان تقوم الساعة. وممن ذهب إلى زيادتها أبو عمرو مستشهداً عليه بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] يعني أحد القولين.
التأويل الثاني: أنها غير زائدة، وأن المعنى: أنهم غير راجعين عن معصيتهم وكفرهم.
594
التأويل الثالث: أنَّ الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وترك الشرك ويدل عليه قول الخنساء:
٣٧٤٣ - وَإِنَّ حَرَاماً لا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيَاً عَلَى شَجْوَةِ إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْر
أي: واجباً. وأيضاً فمن الاستعمال إطلاق أحد الضدين على الآخر، وهو مجاز مشهور قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ومن ثم قال الحسن والسدي: لا يرجعون عن الشرك.
وقال قتادة: لا يرجعون إلى الدنيا.
التأويل الرابع: قال مسلم بن بحر: حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون عدم رجوعهم واجباً، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى: إن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى - مجازيه يوم القيامة.
وقول ابن عطية قريب من هذا فإنه قال: وَمُمْتَنِعٌ على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون (بل هم راجعون) إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون «لاَ» على بابها والحرام على بابه.
الوجه الثاني: أن الخبر محذوف، تقديره: وحرام توبتهم أو رجاء بعضهم، ويكون ﴿أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون حينئذ في «لاَ» احتمالان:
الاحتمال الأول: أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد تقديره الخبر المتقدم: إذ جعلت (لا) زائدة.
قلت: والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الأخرة وجزائها.
الاحتمال الثاني: أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك.
الوجه الثالث: أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظاً ولا تقديراً، وإنما وقع شيئاً
595
يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء: والجيد أن يكون (أنهم) فاعلاً سد مسد الخبر. وفي هذا نظر، لأنَّ ذلك يشترك فيه أن يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر، وحينئذ يكون في (لا) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي: امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة.
الوجه الثاني: من وجهي رفع «حَرَامٌ» : أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: الإقالة والتوبة حرام، وقدره أبو البقاء: أي: ذلك الذي ذكر من العمل الصالح حرام وقال الزمخشري: وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر، فيكف لا يمتنع ذلك. وقرأ العامة «أَهْلَكْنَاهَا» بنون العظمة.
وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة «أَهْلَكْتُهَا» بتاء المتكلم. ومن قرأ «حَرِمٌ» بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فَعِل نحو حَذِر، وقال:
596
ومن قرأه فعلاً ماضياً فهو في قراءته مسند ل «أن» وما في حيزها، ولا يخفى الكلام في (لا) بالنسبة إلى الزيادة وعدمها، فإن المعنى واضح مما تقدم.
وقرئ «إِنَّهُمْ» بالكسر على الاستئناف، وحينئذ فلا بُدَّ من تقدير مبتدأ يتم به الكلام تقديره: ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك.
قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ﴾ الآية. تقدم الكلام على (حَتَّى) الداخلة على (إذا) مشبعاً. وقال الزمخشري هنا: فإن قُلْت: بم تعلقت (حَتَّى) واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة ب «حَرَام» وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى الشرط والجزاء أعني: إذا وما في حيزها. وأبو البقاء نحا هذا النحو، فقال: و «حَتَّى» متعلقة في المعنى ب «حَرَام». أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عمل لها في «إذَا». قال الحوفي: هي غاية، والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال ابن عطية: «حَتَّى» متعلقة بقوله: «وَتَقَطَّعُوا»، ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تتعلق ب «يَرْجِعُونَ»، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء، وهو الأظهر بسبب (إذا) لأنها تقتضي جواباً للمقصود ذكره.
قال أبو حيان: وكون (حَتَّى) متعلقة ب «تَقَطَّعُوا» فيه من بعد حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جَيِّد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله. وتلخص في تعلق (حَتَّى) أوجه:
أحدها: أنها متعلقة ب «حَرَام».
597
والثاني: أنها متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، وهو قول الحوفي.
الثالث: أنها متعلقة ب «تَقَطَّعُوا».
الرابع: أنها متعلقة ب «يَرْجِعُونَ».
وتلخص في (حتى) وجهان:
أحدها: أنَّها حرف ابتداء، وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره.
والثاني: إنها حرف جر بمعنى (إلى).
وقرأ «فُتِّحَتْ» بالتشديد ابن عامر، والباقون بالتخفيف. وتقدم ذلك أول الأنعام وفي جواب «إذَا» أوجه:
أحدها: أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق: قالوا يا ويلنا، وقدره غيره، فحينئذ يبعثون، وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ عطف على هذا المقدر.
والثاني: أنَّ جوابها الفاء في قوله: «فَإِذَا هِيَ» قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية، فقال الزمخشري: و «إذا» هي للمفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، فَإِذَا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: (إذَا هِيَ شَاخِصَةٌ) كان سديداً.
وقال ابن عطية: والذي أقول: إنَّ الجواب في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره، لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه.
وقوله: «يَأْجُوج» هو على حذف مضاف، أي سدّ يأجوج ومأجوج، وتقدم
598
الكلام فيهما وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة أجزاء منها يأجوج ومأجوج يخرجون حيت يفتح السد.
قيل: السد يفتحه الله ابتداء. وقيل: بل إذا جعل الله الأرض دكاً زالت تلك الصلابة من أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد.
قوله: «وَهُمْ» قال أكثر المفسرين: «هُم» كناية عن «يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ».
وقال مجاهد: كناية عن جميع العالم بأسرهم أي: يخرجون من قبورهم، ومن كل موضع، فيحشرون إلى موقف الحساب.
والأول أظهر وإلا لتكلف النظم، ولأنه روي في الخبر أن يأجوج ومأجوج لا بدَّ وأن يسيروا في الأرض، ويقبلوا على الناس من كل موضع مرتفع. وقرأ العامة «يَنْسِلُونَ» بكسر السين. وأبو السمال وابن أبي إسحاق بضمها. والحَدَب: النشز من الأرض. أي: المرتفع، ومنه الحدب في الظهر، وكل كُدْيَة أو أَكْمَةٍ فهي حدبة، وبها سمي القبر لظهوره على وجه الأرض والنَّسَلاَنُ: مقاربة الخطا مع الإسراع كالرملِ يقال: نَسَلَ يَنْسِلُ وَيَنْسُلُ بالفتح في الماضي والكسر والضمّ في المضارع، ونَسَلَ وعَسَلَ واحد قال الشاعر:
٣٧٣٥ - وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مِسْأَلَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي ولاَ حَرِمُ
٣٧٣٦ - عَسَلاَنَ الذئبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
والنَّسْلُ من ذلك، وهو الذُّرّيةُ، أطلق المصدر على المفعول، ونَسَلْتُ ريشَ الطائِر من ذلك. وقدم الجار على متعلقة لتراخي رؤوس الآي.
599
وقرأ عبد الله وابن عباس: «جَدَث» بالثاء المثلثة والجيم اعتباراً بقوله:
﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. وقرئ بالفاء، وهي بدل منها قال الزمخشري: الثاء للحجاز، والفاء لتميم. وينبغي أن يكونا أصلين، لأنَّ كلاّ منهما لغة مستقلة، ولكن كثر إبدال الثاء من الفاء، قالوا مغثور في مغفور، وقالوا فُمَّّ في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارة، وهذه من هذه أخرى.
« (روى حذيفة بن أسد الغفاري قال: اطلع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علينا ونحن نتذاكر، فقال:» مَا تَذْكُرُونَ؟ «قالوا: نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حَتى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيات فذكر الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم).»
قوله: ﴿واقترب الوعد الحق﴾. المراد بالوعد وهو يوم القيامة.
(وسمي الموعود وعداً تجوّزا. قال الفراء وجماعة: الواو في قوله: «وَاقْتَرَبَ» مقحمة معناه: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤] أي: ناديناه. ويدل عليه ما روى حذيفة قال: لو أنَّ رجلاً اقتنى فُلُّوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة.
600
وقال قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ﴾ في قوله: «يَا وَيْلَنَا» يكون مجازاً لأنّ التقدير: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة).
قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾ «إذَا» هنا للمفاجأة، و «هِيَ» فيها أوجه:
أجودها: أن يكون ضمير القصة، و «شَاخِصَةٌ» خبر مقدم، و «أَبْصَارُ» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ل «هِيَ»، لأنها لا تفسر إى بجملة مصرح بخبرها، وهذا مذهب البصريين.
الثاني: أن تكون «شَاخِصَةٌ» مبتدأ، و «أَبْصَارُ» فاعل سد مسد الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة.
الثالث: قال الزمخشري: «هِيَ» ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر «الَّذِينَ ظَلَمُوا» «وَأَسَرُّوا». ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين: وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار: تقدمت لدلالة الكلام ومحيء ما يفسرها، وأنشد شاهداً على ذلك:
٣٧٣٧ - فَلاَ وَأَبِيهَا لا تَقُولُ خَلِيلَتِي أَلاَ فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ
الرابع: أن تكون «هِيَ» عماداً، وهو قول الفراء أيضاً قال: لأنه يصلح موضعها
601
هو، فتكون كقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا الله﴾ [النمل: ٩] ومثله: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] وأنشد:
٣٧٣٨ - بِثَوب ودينارٍ وشاة ودرهم فَهَلْ هُوَ مَرْفُوع بِمَا هَاهُنَا رَاس
وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو: هو خير منك زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو حيان: أجاز هو القائم زيد، على أنَّ زيداً هو المبتدأ، والقائم خبره، وهو عماد، وأصل المسألة: زيد هو القائم.
قال شهاب الدين: وفي التمثيل نظر، لأنّ تقديم الخبر هنا ممتنع لاستهوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم. فيكون أصل الآية الكريمة: فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، «شَاخِصَة»، قدم معها العماد.
وهذا أيضاً إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير المقارنة للمعرفة.
الخامس: أن تكون «هِيَ» مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على «هِيَ» ويبتدأ بقوله: «شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ»، والتقدير: فإذا هي بارزة، أي: الساعة بارزة أو حاضرة و «شَاخِصَةٌ» خبر مقدم، و «أَبْصَارُ» مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي.
602
وهو بعيد جداً لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان.
قوله: «يَا وَيْلَنَا» معمول لقول محذوف، أي: يقولون يَا وَيْلَنَا. وفي هذا القول المحذوف وجهان: أحدهما: أنه جواب «حتى إذا» كما تقدم.
والثاني: في محل تصب على الحال من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ قاله الزمخشري.
قوله: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا﴾ يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا: إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب محمد، وعبادة الأوثان.
603
قوله تعالى١ :
﴿ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ ﴾ قرأ الأخوان٢ وأبو بكر ورويت عن أبي عمرو «وَحِزْمُ » بكسر الحاء وسكون الراء٣ وهما لغتان كالحِلّ والحَلاَل٤.
وقرأ ابن عباس وعكرمة «وحَرِمَ » بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم٥ على أنه فعل ماض وروي عنهما أيضاً وعن أبي العالية٦ بفتح الحاء والميم وضم الراء٧ بزنة كَرُم، وهو فعل ماض أيضاً. ( وروي عن ابن عباس أيضاً فتح الجميع٨ وهو فعل ماض أيضاً )٩. وعن١٠ اليماني بضم الحاء وكسر الراء ( مشددة وفتح الميم١١ ماضياً مبنياً للمفعول. وروى عكرمة بفتح الحاء وكسر الراء ) ١٢ وتنوين الميم١٣.
فمن جعله اسماً١٤ ففي رفعه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ ثلاثة أوجه :
أحدها : قوله :﴿ لا يَرْجِعُونَ ﴾ وفي ذلك حينئذ أربعة تأويلات :
التأويل الأول : أن «لا » زائدة١٥، والمعنى : وممتنع على قرية قدرنا إهلاكها لكفرهم رجوعهم إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة. وممن ذهب إلى زيادتها أبو عمرو مستشهداً عليه بقوله تعالى :﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾١٦ يعني أحد القولين١٧.
التأويل الثاني : أنها غير زائدة، وأن المعنى : أنهم غير راجعين عن معصيتهم وكفرهم١٨.
التأويل الثالث : أنَّ الحرام قد يراد به الواجب، ويدل عليه قوله تعالى :﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ ﴾١٩ وترك الشرك واجب ويدل عليه قول الخنساء٢٠ :
٣٧٤٣- وَإِنَّ حَرَاماً لا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيَاً عَلَى شَجْوَةِ إلاَّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْر٢١
أي : واجباً. وأيضاً فمن الاستعمال إطلاق أحد الضدين على الآخر، وهو مجاز مشهور قال تعالى :﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾٢٢ ومن ثم قال الحسن والسدي : لا يرجعون عن الشرك. وقال٢٣ قتادة : لا يرجعون إلى الدنيا٢٤.
التأويل الرابع : قال مسلم بن بحر : حرام ممتنع، وأنهم لا يرجعون، فيكون عدم رجوعهم واجباً، وإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، فيكون المعنى : إن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيقه ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد وأنه - تعالى- مجازيه يوم القيامة٢٥.
وقول٢٦ ابن عطية قريب من هذا فإنه قال : وَمُمْتَنِعٌ على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون ( بل هم راجعون )٢٧ إلى عذاب الله وأليم عقابه، فتكون «لاَ » على بابها والحرام على بابه٢٨.
الوجه الثاني : أن الخبر محذوف، تقديره : وحرام توبتهم أو رجاء بعثهم، ويكون ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ علة لما تقدم من معنى الجملة. فيكون حينئذ في «لاَ » احتمالان :
الاحتمال الأول : أن تكون زائدة، ولذلك قال أبو البقاء في هذا الوجه بعد تقديره الخبر المتقدم : إذ جعلت ( لا ) زائدة٢٩.
قلت : والمعنى عنده لأنهم يرجعون إلى الآخرة وجزائها.
الاحتمال الثاني : أن تكون غير زائدة بمعنى ممتنع توبتهم، أو رجاء بعثهم لأنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيستدركوا فيها ما فاتهم من ذلك.
الوجه الثالث : أن يكون هذا المبتدأ لا خبر له لفظاً ولا تقديراً، وإنما وقع شيئاً يقوم مقام خبره من باب أقائم أخواك، قال أبو البقاء : والجيد أن يكون ( أنهم )٣٠ فاعلاً سد مسد الخبر٣١. وفي هذا نظر، لأنَّ ذلك يشترك فيه أن يعتمد الوصف على نفي أو استفهام وهنا لم يعتمد المبتدأ على شيء من ذلك اللهم إلا أن ينحو نحو الأخفش فإنه لا يشترط ذلك، وهو الظاهر٣٢، وحينئذ يكون في ( لا ) الوجهان المتقدمان من الزيادة وعدمها باختلاف معنيين، أي : امتنع رجوعهم إلى الدنيا أو عن شركهم، إذا قدرتها زائدة، أو امتنع عدم رجوعهم إلى عقاب الله في الآخرة، إذا قدرتها غير زائدة.
الوجه الثاني : من وجهي رفع «حَرَامٌ » : أنه حبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم : الإقالة والتوبة حرام٣٣، وقدره أبو البقاء : أي : ذلك الذي ذكر من العمل الصالح حرام٣٤ وقال الزمخشري : وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح، والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل : إنَّهم لا يرجعون عن الكفر، فيكف لا يمتنع ذلك٣٥. وقرأ العامة «أَهْلَكْنَاهَا » بنون العظمة.
وقرأ أبو عبد الرحمن وقتادة «أَهْلَكْتُهَا » بتاء المتكلم٣٦. ومن قرأ «حَرِمٌ » بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم فهو في قراءة صفة على فَعِل نحو حَذِر٣٧، وقال :
٣٧٣٥- وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مِسْأَلَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي ولاَ حَرِمُ٣٨
ومن قرأه فعلاً ماضياً٣٩ فهو في قراءته مسند ل «أن » وما في حيزها٤٠، ولا يخفى الكلام في ( لا ) بالنسبة إلى الزيادة وعدمها، فإن المعنى واضح مما تقدم٤١.
وقرئ «إِنَّهُمْ » بالكسر على الاستئناف٤٢، وحينئذ٤٣ فلا بُدَّ من تقدير مبتدأ يتم به الكلام تقديره : ذلك العمل الصالح حرام، وتقدم تحرير ذلك٤٤.
١ قوله تعالى: سقط من الأصل..
٢ حمزة والكسائي..
٣ السبعة (٤٣١)، الكشف ٢/١١٤، ٢/٣٢٤، الإتحاف (٣١٢)..
٤ انظر الكشف ٢/١١٤، التبيان ٢/٩٢٧..
٥ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٦ تقدم..
٧ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٨ البحر المحيط ٦/٣٣٨، ونسب ابن جني هذه القراءة إلى قتادة ومطر الوراق المحتسب ٢/٦٥..
٩ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٠ عن: سقط من ب..
١١ المختصر (٩٣) البحر المحيط ٦/٣٣٨..
١٢ ما بين القوسين سقط من ب..
١٣ المحتسب ٢/٦٥، البحر المحيط ٦/٢٣٨..
١٤ وهي قراءة: "حرام" بالألف، و"حرم" بدون ألف وبكسر الحاء وسكون الراء و"حرم" بفتح الحاء وكسر الراء وتنوين الميم..
١٥ "لا" الزائدة: هي الداخلة في الكلام لمجرد تقويته وتوكيده. نحو قوله: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢].
وانظر البيان ٢/١٦٥، والتبيان ٢/٩٢٦-٩٢٧، والمغني ١/٢٤٨..

١٦ [الأعراف: ١٢]. والدليل على زيادتها قوله تعالى في موضع آخر ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥].
انظر البيان ١/٣٥٥..

١٧ القول الثاني: أنها غير زائدة. انظر البحر المحيط ٤/٢٧٣..
١٨ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
١٩ [الأنعام: ١٥١]..
٢٠ هي تماضر بنت عمرو بن الشريد، وهي صحابية – رضي الله عنها – قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع قومها من بني سليم وأسلمت معهم، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعجبه شعرها، ويستنشدها. الخزانة ١/٤٣٣-٤٣٨..
٢١ البيت من بحر الطويل قالته الخنساء وليس في ديوانها، وهو في الفخر الرازي ٢٢/٢٢١، القرطبي ١١/٣٤٠، واللسان (حرم) وهو فيه منسوب إلى عبد الرحمن بن خمانة المحاربي، جاهلي. والبحر المحيط ٦/٣٣٩..
٢٢ [الشورى: ٤٠]. .
٢٣ في ب: قال..
٢٤ انظر هذا التأويل في الفخر الرازي ٢٢/٢٢١، البحر المحيط ٦/٣٣٨-٣٣٩..
٢٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٢٦ في ب: وقرأ. وهو تحريف..
٢٧ ما بين القوسين تكملة من تفسير ابن عطية..
٢٨ تفسير ابن عطية ١٠/٢٠٤..
٢٩ التبيان ٢/٩٢٧..
٣٠ في ب: أنه. وهو تحريف..
٣١ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
٣٢ وذلك أن كل وصف اعتمد على نفي أو استفهام، وكان مرفوعه اسما ظاهرا أو ضميرا منفصلا، وتم الكلام بمرفوعه، استغني بمرفوعه عن الخبر نحو: أقائم الزيدان، وما مضروب الزيدان، وأقائم أنتما. والأخفش والكوفيون لا يشترطون اعتماد الوصف على نفي أو استفهام فأجازوا: قائم الزيدان، محتجين بقول الشاعر:
خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة لهبيٍّ إذا الطير مرّت
فخبير مبتدأ وبنو لهب فاعل سد مسد الخبر. ورد البصريون احتجاجهم بالبيت بأن (خبير) خبر مقدم، و(بنو لهب) مبتدأ مؤخر، وجاز الإخبار بالمفرد عن الجمع، لأن (خبير) على وزن (فعيل) بزنة المصدر، والمصدر يخبر به عن الواحد والمثنى والجمع بلفظ الواحد. وفي ذلك يقول ابن مالك:
وأول مــبتدأ، والـثـانـــــــي فـاعل أغنـى في "أسـارذان"
وقس، وكاستفهام النفي وقد يجوز نحو "فائز أولو الرّشد"
انظر الهمع ١/٩٤، وشرح الأشموني ١/١٨٩-١٩٢..

٣٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٣٤ التبيان ٢/٩٢٧..
٣٥ الكشاف ٣/٢٠..
٣٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨..
٣٧ أي: أن الوصف من (فعل)، اللازم على (فاعل) قليل نحو سلم فهو سالم، وإنما قياس الوصف منه (فعل) بفتح الفاء وكسر العين في الأعراض كفرح، وكما هنا. و(أفعل) في الألوان والخلق كأخضر، وأعور، و(فعلان) فيما دل على امتلاء وحرارة البطن كشبعان وريان، وعطشان وصديان. انظر شرح التصريح ٢/٧٨..
٣٨ البيت من بحر البسيط، قاله زهير ابن أبي سلمى. وقد تقدم..
٣٩ وهي (حرم) بفتح الحاء وكسر الراء وفتح الميم، و(حرم) بفتح الحاء والميم وضم الراء و (حرم) بفتح الجميع وحرم بضم الحاء وكسر الراء مشددة وفتح الميم..
٤٠ انظر التبيان ٢/٩٢٧..
٤١ تقدم قريبا..
٤٢ انظر التبيان ٢/٩٢٧، البحر المحيط ٦/٣٣..
٤٣ في ب: وح..
٤٤ تقدم قريبا..
قوله تعالى :
﴿ حتى إِذَا فُتِحَتْ ﴾ الآية. تقدم الكلام على ( حَتَّى ) الداخلة على ( إذا ) مشبعاً١. وقال الزمخشري هنا : فإن قُلْت : بم تعلقت ( حَتَّى ) واقعة غاية له وأية الثلاث هي ؟ قلت : هي٢ متعلقة ب «حَرَام » وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي حتى التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكي هو الجملة من الشرط والجزاء أعني : إذا وما في حيزها٣. وأبو البقاء نحا هذا النحو، فقال : و «حَتَّى » متعلقة في المعنى ب «حَرَام ». أي : يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عمل لها في «إذَا »٤. قال الحوفي : هي غاية، والعامل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك٥. وقال ابن عطية :«حَتَّى » متعلقة بقوله :«وَتَقَطَّعُوا »٦، ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تتعلق ب «يَرْجِعُونَ »، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء، وهو الأظهر بسبب ( إذا ) لأنها تقتضي جواباً للمقصود ذكره٧.
قال أبو حيان : وكون ( حَتَّى ) متعلقة ب «تَقَطَّعُوا » فيه من بعد حيث كثرة الفصل لكنه من حيث المعنى جَيِّد، وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحق إلى قرب٨ مجيء الساعة، فإذا جاءت الساعة انقطع ذلك كله٩. وتلخص في تعلق ( حَتَّى ) أوجه :
أحدها : أنها متعلقة ب «حَرَام »١٠.
والثاني : أنها متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، وهو قول الحوفي.
الثالث : أنها متعلقة ب «تَقَطَّعُوا ».
الرابع : أنها متعلقة ب «يَرْجِعُونَ »١١.
وتلخص في ( حتى ) وجهان :
أحدها : أنَّها حرف ابتداء، وهو قول الزمخشري وابن عطية فيما اختاره.
والثاني : إنها حرف جر بمعنى ( إلى )١٢.
وقرأ «فُتِّحَتْ » بالتشديد ابن عامر، والباقون بالتخفيف١٣. وتقدم ذلك أول الأنعام١٤ وفي جواب «إذَا » أوجه :
أحدها : أنه محذوف، فقدره أبو إسحاق : قالوا يا ويلنا١٥، وقدره غيره، فحينئذ يبعثون، وقوله :﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ ﴾ عطف على هذا المقدر١٦.
والثاني : أنَّ جوابها الفاء في قوله :«فَإِذَا هِيَ »١٧ قاله الحوفي والزمخشري وابن عطية، فقال الزمخشري : و «إذا » هي للمفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله تعالى :﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾١٨، فَإِذَا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل :( إذَا هِيَ شَاخِصَةٌ ) كان سديداً١٩.
وقال٢٠ ابن عطية : والذي أقول : إنَّ الجواب في قوله :﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ ﴾ وهذا هو المعنى الذي قصد ذكره، لأنه رجوعهم الذي كانوا يكذبون به وحرم عليهم امتناعه٢١.
وقوله :﴿ يَأْجُوج ﴾ هو على حذف مضاف، أي سدّ يأجوج ومأجوج٢٢، وتقدم الكلام فيهما٢٣ وهما قبيلتان٢٤ من جنس الإنس، يقال : الناس عشرة أجزاء تسعة أجزاء منها يأجوج ومأجوج يخرجون حيت يفتح السد.
قيل : السد يفتحه الله ابتداء. وقيل : بل إذا جعل الله الأرض دكاً زالت تلك الصلابة من أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح٢٥ السد٢٦.
قوله :﴿ وَهُمْ ﴾ قال أكثر المفسرين :«هُم » كناية عن «يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ».
وقال مجاهد : كناية عن جميع العالم بأسرهم أي : يخرجون من قبورهم، ومن كل موضع، فيحشرون إلى موقف الحساب.
والأول أظهر وإلا لتكلف النظم، ولأنه روي في الخبر أن يأجوج ومأجوج لا بدَّ وأن يسيروا في الأرض، ويقبلوا على الناس من كل موضع مرتفع٢٧. وقرأ العامة «يَنْسِلُونَ » بكسر السين. وأبو السمال وابن أبي إسحاق بضمها٢٨. والحَدَب : النشز من الأرض. أي : المرتفع، ومنه الحدب في الظهر، وكل كُدْيَة٢٩ أو أَكْمَةٍ٣٠ فهي حدبة، وبها سمي القبر لظهوره على وجه الأرض٣١ والنَّسَلاَنُ : مقاربة الخطا مع الإسراع كالرملِ يقال : نَسَلَ يَنْسِلُ وَيَنْسُلُ بالفتح في الماضي والكسر والضمّ في المضارع٣٢، ونَسَلَ وعَسَلَ واحد٣٣ قال الشاعر :
٣٧٣٦- عَسَلاَنَ الذئبِ أَمْسَى قَارِباً بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ٣٤
والنَّسْلُ من ذلك، وهو الذُّرّيةُ، أطلق المصدر على المفعول، ونَسَلْتُ ريشَ الطائِر من ذلك. وقدم الجار على متعلقة لتراخي رؤوس الآي.
وقرأ عبد الله وابن عباس :«جَدَث » بالثاء المثلثة والجيم٣٥ اعتباراً بقوله :
﴿ فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾٣٦. وقرئ بالفاء، وهي بدل منها٣٧ قال الزمخشري : الثاء للحجاز٣٨، والفاء لتميم٣٩. وينبغي أن يكونا أصلين، لأنَّ كلاّ منهما لغة مستقلة٤٠، ولكن كثر إبدال الثاء من الفاء، قالوا مغثور في مغفور، وقالوا فُمَّّ في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارة، وهذه من هذه أخرى٤١.
( روى حذيفة بن أسد الغفاري٤٢ قال : اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ونحن نتذاكر، فقال :«مَا تَذْكُرُونَ ؟ » قالوا : نذكر الساعة قال : إنها لن تقوم حَتى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيات فذكر الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم٤٣ )٤٤.
١ عند قوله تعالى: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٢]..
٢ هي: سقط من الأصل..
٣ أي أن (حتى) حرف ابتداء. الكشاف ٣/٢١..
٤ التبيان ٢/٩٢٧..
٥ أي أنها حرف جر متعلق بمحذوف دل عليه الكلام. ومعروف أنه يشترط في مخفوضها إذا كانت حرف جر شرطان. أحدهما: أن يكون ظاهرا لا مضمرا خلافا للكوفيين والمبرد. والثاني: أن يكون المجرور آخرا نحو أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيا لآخر جزء نحو ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] انظر البحر المحيط ٦/٣٣٨، المغني ١/١٢٣..
٦ [الأنبياء: ٩٣]..
٧ تفسير ابن عطية ١٠/٢٠٥..
٨ في الأصل: أقرب..
٩ في الأصل: عنده. وانظر البحر ٦/٣٣٩..
١٠ وهو قول الزمخشري وهو واضح من النص المنقول عنه فيما سبق..
١١ والثالث والرابع من احتمالات ابن عطية. وهو واضح من النص المنقول عنه..
١٢ وهو قول الحوفي وابن عطية في بعض احتمالاته..
١٣ السبعة (٤٣١)، الكشف ٢/١١٤، النشر ٢/٢٥٨، الإتحاف (٣١٢)..
١٤ عند قوله تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ [الأنعام: ٤٤]..
١٥ انظر معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠٥، مشكل إعراب القرآن ٢/٨٨، البيان ٢/١٦٦ والبحر المحيط ٦/٣٣٩..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٣٣٩..
١٧ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٨، البيان ٢/١٦٦..
١٨ من قوله تعالى: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦]..
١٩ أي أن (إذا) تقوم مقام الفاء في ربط جواب الشرط بالشرط، وهي هنا مع الفاء للتأكيد. الكشاف ٣/٢١..
٢٠ في الأًصل: قال..
٢١ تفسير ابن عطية ١٠/٢٠٥..
٢٢ البحر المحيط ٦/٣٣٩..
٢٣ عند قوله تعالى: ﴿قالوا يا ذا القرنين إنّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ [الكهف: ٩٤]..
٢٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢..
٢٥ في ب: فتح..
٢٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢، البحر المحيط ٦/٣٣٩..
٢٨ المختصر (٩٣)، البحر المحيط ٦/٣٣٩. وذلك أن مضارع نسل يجيء بكسر العين وضمها..
٢٩ الكدية: الأرض المرتفعة. وقيل: الأرض الصلبة، وقيل: الأرض الغليظة. اللسان (كدا)..
٣٠ ا لأكمة: القف من حجارة واحدة، وقيل: هو دون الجبل. وقيل: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا. اللسان (أكم)..
٣١ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢. اللسان (حدب)..
٣٢ انظر اللسان (نسل)..
٣٣ انظر مجاز القرآن ٢/٤٢، الكامل ١/٤٧٤..
٣٤ البيت من بحر الرمل، وهو في مجاز القرآن للنابغة الجعدي، وفي الجمهرة واللسان (عسل) للبيد. وهو في مجاز القرآن ٢/٤٢، الكامل ١/٤٧٤ والجمهرة ١/٢٥٢، والخصائص ٢/٤٨، القرطبي ١١/٣٤١، اللسان (عسل، نسل)..
٣٥ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٦، الكشاف ٣/٢١، البحر المحيط ٦/٣٩٩..
٣٦ [سورة يس: ٥١]..
٣٧ أي: أن الفاء بدل من الثاء. البحر المحيط ٦/٣٣٩..
٣٨ في ب: للحجازيين..
٣٩ الكشاف ٣/٢١..
٤٠ قال ابن جني في المحتسب ٢/٦٦: الجدث – بالثاء – هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجدف – بالفاء – لبني تميم..
٤١ وذلك أن العرب تقول في العطف: قام زيد فمّ عمرو، وكذلك قولهم: جدف وجدث. انظر سر صناعة الإعراب ١/٢٤٨- ٢٥١، البحر المحيط ٦/٣٣٩..
٤٢ هو حذيفة بن أسيد الغفاري، أبو سريحة، شهد الحديبية، روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعلي، وأبي ذر، روى عنه أبو الطفيل والشعبي، وغيرهما، مات سنة ٤٢ هـ. تهذيب التهذيب ٢/٢١٩..
٤٣ ذكره البغوي بسنده عن سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري ٥/٥٣٢..
٤٤ ما بين القوسين سقط من الأصل..
قوله :﴿ واقترب الوعد الحق ﴾. المراد بالوعد وهو يوم القيامة.
( وسمي الموعود وعداً تجوّزا. قال الفراء وجماعة : الواو في قوله :«وَاقْتَرَبَ » مقحمة معناه : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كقوله :﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ ﴾١ أي : ناديناه٢. ويدل عليه ما روى حذيفة قال : لو أنَّ رجلاً اقتنى فُلُّوا٣ بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة٤.
وقال قوم : لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب ﴿ حتى إِذَا فُتِحَتْ ﴾ في قوله :«يَا وَيْلَنَا » يكون مجازاً لأنّ التقدير : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة )٥.
قوله :﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ﴾ «إذَا » هنا للمفاجأة، و «هِيَ »٦ فيها أوجه :
أجودها : أن يكون ضمير القصة، و «شَاخِصَةٌ » خبر مقدم، و «أَبْصَارُ » مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ل «هِيَ »، لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بخبرها، وهذا مذهب البصريين٧.
الثاني : أن تكون «شَاخِصَةٌ » مبتدأ، و «أَبْصَارُ » فاعل سد مسد الخبر، وهذا يتمشى على رأي الكوفيين، لأن ضمير القصة يفسر عندهم بالمفرد العامل عمل الفعل فإنه في قوة الجملة٨.
الثالث : قال الزمخشري :«هِيَ » ضمير مبهم يوضحه الأبصار ويفسره كما فسر «الَّذِينَ ظَلَمُوا » «وَأَسَرُّوا »٩. ولم يذكر غيره. قال شهاب الدين : وهذا قول الفراء، فإنه قال في ضمير الأبصار : تقدمت لدلالة١٠ الكلام ومجيء ما يفسرها، وأنشد شاهداً على ذلك :
٣٧٣٧- فَلاَ وَأَبِيهَا لا تَقُولُ خَلِيلَتِي أَلاَ فَرَّ عَنِّي مَالِكُ بْنُ أَبِي كَعْبِ١١ ١٢
الرابع : أن تكون «هِيَ » عماداً١٣، وهو قول الفراء أيضاً قال : لأنه يصلح موضعها هو، فتكون كقوله :﴿ إِنَّهُ أَنَا الله ﴾١٤ ومثله :﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾١٥ وأنشد :
٣٧٣٨- بِثَوب ودينارٍ وشاة ودرهم فَهَلْ هُوَ مَرْفُوع بِمَا هَاهُنَا رَاس١٦
وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي، وهو أنه يجيز تقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو : هو خير منك١٧ زيد. الأصل زيد هو خير منك. وقال أبو حيان : أجاز هو القائم زيد، على أنَّ زيداً هو المبتدأ، والقائم خبره، وهو عماد، وأصل المسألة : زيد هو القائم١٨.
قال شهاب الدين : وفي التمثيل نظر، لأنّ تقديم الخبر هنا ممتنع لاستهوائهما في التعريف بخلاف المثال المتقدم١٩. فيكون أصل الآية الكريمة : فإذا أبصار الذين كفروا هي شاخصة، فلما قدم الخبر، «شَاخِصَة »، قدم معها العماد.
وهذا أيضاً إنما يجيء على مذهب من يرى وقوع العماد قبل النكرة غير المقارنة للمعرفة٢٠.
الخامس : أن تكون «هِيَ » مبتدأ وخبره مضمر، فيتم الكلام حينئذ على «هِيَ » ويبتدأ بقوله :﴿ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ﴾، والتقدير : فإذا هي بارزة، أي : الساعة بارزة أو حاضرة و «شَاخِصَةٌ » خبر مقدم، و «أَبْصَارُ » مبتدأ مؤخر. ذكره الثعلبي٢١.
وهو بعيد جداً لتنافر التركيب، وهو التعقيد عند علماء البيان٢٢.
قوله :﴿ يَا وَيْلَنَا ﴾ معمول لقول محذوف، أي : يقولون يَا وَيْلَنَا٢٣. وفي هذا القول المحذوف وجهان :
أحدهما : أنه جواب «حتى إذا » كما تقدم٢٤.
والثاني : في محل تصب على الحال من ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ قاله الزمخشري٢٥.
قوله :﴿ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا ﴾ يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا٢٦ : إنه غير كائن، بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وتكذيب محمد، وعبادة الأوثان٢٧.
١ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]..
٢ في ب: أي وناديناه. أي: أن جواب الشرط قوله: "واقترب" على زيادة الواو، وهو مذهب الكوفيين. انظر معاني القرآن ٢/٢١١، إعراب القرآن ٢/٨٨، البيان ٢/١٦٦، التبيان ٢/٩٢٧..
٣ الفَلُوُ والفُلُو والفِلُو: الجحش والمهر إذا فطم، والجمع أفلاء. اللسان (فلا)..
٤ انظر البغوي ٥/٥٣٣، البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٥ ما بين القوسين سقط من الأصل. أي: أن جواب الشرط محذوف تقديره قالوا يا ويلنا، وهو مذهب البصريين ذكره الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٠٥..
٦ هي: سقط من ب..
٧ أي أن مفسر ضمير الشأن والقصة لا يكون عندهم إلا جملة. التبيان ٢/٩٢٨، البحر المحيط ٦/٣٣٩، المغني ٢/٤٩٠..
٨ الكوفيون والأخفش يجوزون تفسير ضمير الشأن والقصة بمفرد له مرفوع نحو: كان قائما زيد، وظننته قائما عمرو. البحر المحيط ٦/٣٣٩. المغني ٢/٤٩٠..
٩ من قوله تعالى: ﴿لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣] الكشاف ٣/٢١..
١٠ في الأصل: في دلالة..
١١ البيت من بحر الطويل قاله مالك بن أبي كعب. وهو في معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢ برواية: لعمر أبيها لا تقول ظعينتي. وتفسير ابن عطية ١٠/٢٠٨. والقرطبي ١١/٣٤٢، البحر المحيط ٦/٣٤٠. الظعينة: المرأة في الهودج. الخليل: المحب الذي ليس في محبته خلل والأنثى خليلة..
١٢ الدر المصون ٥/٥٩، وانظر أيضا معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢..
١٣ يريد بقوله: (عمادا) ضمير الفصل والفصل تسمية البصريين والعماد تسمية الكوفيين. وهذا الضمير يشترط فيما قبله كونه مبتدأ في الحال أو في الأصل، وأجاز الأخفش وقوعه بين الحال وصاحبها نحو جاء زيد هو ضاحكا. وكونه معرفة، وأجاز الفراء وهشام ومن تابعهما من الكوفيين كونه نكرة نحو: ما ظننت أحدا هو القائم. ويشترط فيما بعده كونه خبرا في الحال أو في الأصل، وكونه معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل (أل)، وشرط الذي كالمعرفة أن يكون اسما كخير، وخالف في ذلك الجرجاني فألحق المضارع بالاسم لتشابههما، وجعل منه ﴿إنه هو يبدئ ويعيد﴾ [البروج: ١٣] ويشترط فيه أن يكون بصيغة المرفوع، وأن يطابق ما قبله، فلا يجوز كنت هو الفاضل. وفائدته الإعلام من أول الأمر بأن ما بعده خبر لا تابع، ولهذا سمي فصلا، لأنه يفصل بين الخبر والتابع، وعمادا لأنه يعتمد عليه معنى الكلام، والتوكيد والاختصاص. وزعم البصريون أنه لا محل له وقال الكوفيون له محل، ثم قال الكسائي محله بحسب ما بعده، وقال الفراء بحسب ما قبله. انظر المغني ٢/٤٩٣-٤٩٧..
١٤ من قوله تعالى: ﴿يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم﴾ [النمل: ٩]..
١٥ [الحج: ٤٦]..
١٦ البيت من بحر الطويل لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٢/٢١٢. والبحر المحيط ٦/٣٤٠، شرح التصريح ٢/٧٢، الهمع ٢/٩٩، ١٠١ الدرر ٢/١٣٣، ١٣٤..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١٨ البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١٩ في الأصل: وهي..
٢٠ أجاز قوم من الكوفيين وقوع العماد بين نكرتين مطلقا، وخرجوا عليه ﴿أن تكون أمة هي أربى من أمة﴾ [النحل: ٩٢]. وذهب قوم منهم إلى جواز وقوعه بعد اسم (لا) نحو لا رجل منطلق. وذهب آخرون إلى جواز وقوعه قبل المضارع نحو كان زيد هو يقوم. علما بأنه يشترط فيما بعده أن يكون معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل أل نحو زيد هو خير منك. وذهب قوم إلى جواز وقوعه بين نكرتين كمعرفتين في امتناع دخول أل نحو: ما أظن أحدا هو خيرا منك. انظر الهمع ١/٦٨..
٢١ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٣ انظر الكشاف ٣/٢١، التبيان ٢/٩٢٨، البحر المحيط ٦/٣٤٠..
٢٤ تقدم قريبا..
٢٥ الكشاف ٣/٢١..
٢٦ في الأصل: وقد قلنا..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٢..
قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ أتى هنا ب «مَا» وهي لغير العقلاء، لأنه متى اختلط العاقل بغيره يُخَيّر الناطق بين (مَا)، و «مَنْ).
وقرأ العامة:»
حَصَبُ «بالمهملتين والصاد مفتوحة، وهو ما يحصب أي: يرمى في النار ولا يقال له حصب إلا وهو في النار، فأما قبل ذلك فهو حطب وشجر وغير ذلك.
وقيل: يقال له حصب قبل الإلقاء في الناء. قيل: هو الحطب بلغة أهل اليمن.
وقال عكرمة: هو الحطب بالحبشية. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة ورويت عن ابن كثير بسكون الصاد، وهو مصدر، فيجوز أن يكون واقعاً موقع المفعول،
603
أو على المبالغة، أو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمة مفتوحة أو ساكنة وهو أيضاً ما يرمى به في النار، ومنه المِخْضَبِ عُودٌ يُحَرَّك به النار لتوقد، وأنشد:
٣٧٣٩ - فَلاَ تَكُ في حَرْبِنَا مِحْضَباً فَتَجْعَلَ قَوْمَكَ شَتَّى شُعُوبَا
وقرأ أمير المؤمنين وأبيّ وعائشة وابن الزبير» حَطَبُ «بالطاء، ولا أظنها إلا تفسيراً لا قراءة.

فصل


المعنى»
إِنَّكُمْ «أيُّهَا المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام» حَصَبُ جَهَنَّم «أي: وقودها، وهذا تشبيه. وأصل الحصب الرمي، قال تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ [القمر: ٣٤] أي: ريحاً ترميهم بالحجارة.
قوله: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. جوز أبو البقاء في هذه الجملة ثلاثة أوجه:
أحداه: أن تكون بدلاً من»
حَصَبُ جَهَنَّم «.
يعني: أن الجملة بدل من المفرد الواقع خبراً، وإبدال الجملة من المفرد إذا كان أحدهما بمعنى الآخر، جائز، إذ التقدير: إنكم أنتم لها واردون.
604
والثاني: أن تكون الجملة مستأنفة.
والثالث: أن تكون في محل نصب على الحال من» جَهَنَّمَ «وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير مواضع المستثناة. ومعنى ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: فيها داخلون. وإنما جاءت اللام في» لَهَا «لتقدمها تقول: أنت لزيد ضارب. كقوله تعالى: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨، المعارج: ٣٢] والمعنى: أنه لا بُدَّ وأن تردوها، ولا معدل لكم من دخولها.

فصل


»
روى ابن عباس أنه - عليه السلام - دخل المسجد وصَنَادِيد قريش في الحَطِيم. وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم، فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى أفحمه، ثم تلا عليهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. فأقبل عبد الله بن الزَّبَعْرَى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله. فقال ابن الزبعرى: انت قلت ذلك؟ قال نعم.
قال: خصمتك ورب الكعبة، أليس اليهود عُزَيْراً، والنصارى عبدوا المسيح، وين مليح عبدو الملائكة. فسكت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولم يجب، فضحك القوم «
، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧، ٥٨].
ونزل في عيسى والملائكة ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وفي رواية
605
أخرى أنه - عليه السلام - قال: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل - تعالى - ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] يعني عزيراً والمسيح والملائكة. قال ابن الخطيب: واعم أنَّ سؤال ابن الزبعرى غير متوجه من وجوه:
أحدها: أنَّ ذلك الخطاب كان مع مشركي مكة، وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط.
وثانيها: أنه لم يقل: ومن تعبدون بل قال: «وَمَا تَعْبُدُونَ». كلمة «مَا» لا تتناول العقلاء، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فحمول على الشيء، ونظيره هاهنا أن يقال: إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله، لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعرى.
وثالثها: أنَّ مَنْ عَبَدَ الملائكة لا يَدَّعِي أنهم آلهة وقال سبحانه ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
ورابعها: أنه ثبت العموم لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة، وهو المراد بقوله سبحانه ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وخامسها: الجواب الذي ذكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين. فإن قيل: الشياطين عقلاء ولفظ «مَا» لا يتناولهم، فكيف قال ذلك؟ قلنا: كأنه - عليه السلام - قال: لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه.
فإما ما قيل: إنه - عليه السلام - سكت عن إيراد ابن الزبعرى هذا السؤال، فهو خطأ، لأنه لا أقل من أنه - عليه السلام - كان يتنبّه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون، لأنه أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره، ولم يظهر له منها شيء.
فإن قيل: يجوز أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان. قلنا: كان البيان حاضراً معه، فلم يجز عليه السكوت، لكي لا يتوهم عليه الانقطاع من سؤالهم.
606
ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعرى، فقال: إن الله - تعالى - يُصَوِّر لهم في النار ملكاً على صورة مَنْ عبدوه وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها وهذا ضعيف من وجهين:
الأول: أنَّ القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار.
الثاني: أنَّ الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة، وإن صح أن يدخلها، فإنَّ خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم.

فصل


الحكمة في أنهم بآلهتهم أمور:
أحدها: أنَّهم لا يزالون بمقارنتهم في زيادة غم وحسرة لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم، والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب.
وثانيها: أنّهم قَدَّرُوا أن يشفعوا لهم في الآخرة، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قَدَّرُوا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
وثالثها: أنَّ إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بها.
ورابعها: قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى فيعذب بعبادها، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ اعلم أنّ قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ بالأصنام أليق، لدخول لفظ «مَا» وهذا الكلام بالشياطين أليق، لقوله: «هَؤُلاَءِ» ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام وغلب العقلاء ونبه الله - تعالى - على أنه مَنْ يرمي في النار لا يمكن أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه، لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة، وإن ذكرها لغيره فإما أن ي١كرها لمن يُصَدق بنبوته، (أو ذكرها لمن يُكَذّب بنبوته) فإن ذكرها لِمَنْ يُصَدّق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة، لأنّ كل مَنْ صدق بنبوته لم
607
يقل بالإهية هذه الأصنام، وإن ذكرها لمن كذب بنبوته فذلك المكذب لا يسلم أنّ تلك الآلهة يردون النار، فكان ذكر هذه الحجة لا فائدة فيه كيف كان.
وأيضاً فالقائلون بإلاهيتها لم يعتقدوا إلا كونها تماثيل الكواكب أو صورة الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا: المعنى لو كان هؤلاء - يعني الأصنام - آلهة على الحقيقة ما وردوها، أي: ما دخل عابدوها النار.
قوله: «آلِهَةٌ» العامة على النصب خبراً ل «كَانَ». وقرأ طلحة بالرفع وتخريجها كتخريج قوله:
٣٧٤٠ - إذَا مُتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ... ففيها ضمير الشأن.
قوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: العابدين والمعبودين، وهو تفسير لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ قال الحسن: الزفير هو اللهيب، أي: يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا وأرادوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد، فهوَوا إلى أسفلها سبعين خريفاً. قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يتنفس.
608
قال أبو مسلم: قوله: «لَهُمْ» عام لكل مُعَذب، فيقول: لهم زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله: «وَهُمْ فِيهَا» يرجع إلى المعبودين أي: لا يسمعون صراخهم وشكواهم، ومعناه أنهم لا يغيثونهم، وشبهه: (سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله دعاه.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾ على قول أبي مسلم محمول على الأنام.
ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيداة في عذابهم.
والثاني: لا يسمعون ما ينفعهم، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين، أو كلام مَنْ يتولى تعذيبهم من الملائكة.
والثالث: قال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إنَّ الكفار يجعلون في توابيت (من نار، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت) أخر من نار عليها مسامير من نار، فلذلك لا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنَّ أحداً يعذب غيره. والأول ضعيف، لأنَّ أهل النار سمعون كلام أهل الجنة، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف.
609
قوله تعالى :
﴿ لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ اعلم أنّ قوله١ :﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ بالأصنام أليق، لدخول لفظ «مَا » وهذا الكلام بالشياطين أليق، لقوله :«هَؤُلاَءِ » ويحتمل أن يريد الشياطين والأصنام وغلب العقلاء٢ ونبه الله - تعالى - على أنه مَنْ٣ يرمي في النار لا يمكن أن يكون إلها. قال ابن الخطيب : وهنا سؤال، وهو أنّ قوله ﴿ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ﴾ لكنهم وردوها، فهم ليسوا آلهة، وهذه٤ الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه، لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة، وإن ذكرها لغيره فإما أن يذكرها لمن يُصَدق بنبوته، ( أو ذكرها لمن يُكَذّب بنبوته )٥ فإن ذكرها لِمَنْ يُصَدّق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة، لأنّ كل مَنْ صدق٦ بنبوته٧ لم يقل بالإهية هذه الأصنام٨، وإن ذكرها لمن كذب بنبوته فذلك المكذب لا يسلم أنّ تلك الآلهة يردون النار، فكان ذكر هذه الحجة لا فائدة فيه كيف كان.
وأيضاً فالقائلون بإلاهيتها لم يعتقدوا إلا كونها تماثيل الكواكب أو صورة الشفعاء، وذلك لا يمنع من دخولها النار. وأجيب عن ذلك بأن٩ المفسرين قالوا : المعنى لو كان هؤلاء - يعني الأصنام- آلهة على الحقيقة ما وردوها، أي : ما دخل عابدوها النار١٠.
قوله :﴿ آلِهَةٌ ﴾ العامة على النصب خبراً ل «كَانَ »١١. وقرأ طلحة بالرفع١٢ وتخريجها كتخريج قوله :
٣٧٤٠- إذَا مُتَّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ١٣ ***. . .
ففيها ضمير الشأن١٤.
قوله :﴿ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ يعني : العابدين والمعبودين، وهو تفسير١٥ لقوله :﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾١٦.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٤-٢٢٥..
٢ انظر استعمال (ما) قبل صفحات..
٣ من: سقط من ب..
٤ في الأصل: هذه..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: يصدق..
٧ في الأصل: نبوته..
٨ الأصنام: سقط من ب..
٩ في ب: فإن. وهو تحريف..
١٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٤، ٢٢٥..
١١ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠..
١٢ المرجع السابق..
١٣ جزء بيت من بحر الطويل قاله العجير السلولي، والبيت بتمامه:
إذ متُّ كان الناس صنفان شامت *** وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقد تقدم..

١٤ أي أن اسم (كان) ضمير الشأن مضمر فيها، وجملة "هؤلاء آلهة" من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر لـ (كان)، وهي مفسرة لضمير الشأن. والتقدير: لو كان الشأن هؤلاء آلهة. وضمير الشأن يضمر في باب (كان) كما هنا، وباب (كاد) نحو قوله تعالى: ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [التوبة: ١١٧] في قراءة "يزيغ" بالتحتية وهي قراءة حمزة وحفص عن عاصم. السبعة (٣١٩). ويبرز مبتدأ نحو ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] واسم (ما) كقول الشاعر:
وما هو من يأسو الكلوم ويتقى *** به نائبات الدهر كالدائم النجل
ويبرز منصوبا في بابي (أنّ) نحو ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا﴾ [الجن: ١٩]. و(ظن) نحو قول الشاعر:
علمته الحق لا يخفى على أحد ***.......
انظر البحر المحيط ٦/٣٤٠، الهمع ١/٦٧..

١٥ في ب: وهذا التفسير..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٥..
وقوله :
﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾١ قال الحسن : الزفير هو اللهيب٢، أي : يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا وأرادوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد، فهوَوا إلى أسفلها سبعين خريفاً. قال الخليل : الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يتنفس٣.
قال أبو مسلم : قوله :﴿ لَهُمْ ﴾ عام لكل مُعَذب، فيقول : لهم زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله :﴿ وَهُمْ فِيهَا ﴾ يرجع إلى المعبودين أي : لا يسمعون صراخهم وشكواهم، ومعناه أنهم٤ لا يغيثونهم، وشبهه :( سمع الله لمن حمده )، أي : أجاب الله دعاه.
وقوله :﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ على قول أبي مسلم محمول على الأنام.
ومن حمله على الكفار فيحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أنَّ الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيادة في عذابهم.
والثاني : لا يسمعون ما ينفعهم، لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين، أو كلام مَنْ يتولى تعذيبهم من الملائكة.
والثالث : قال ابن مسعود - رضي الله عنه- : إنَّ الكفار يجعلون في توابيت٥ ( من نار، ثم يجعل تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت )٦ أخر من نار عليها مسامير من نار، فلذلك لا يسمعون شيئاً، ولا يرى أحد منهم أنَّ أحداً يعذب غيره. والأول ضعيف، لأنَّ أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة، فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف٧ ٨.
١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٥..
٢ في ب: اللهب..
٣ العين: (زفر)..
٤ أنهم: سقط من الأصل..
٥ التوابيت جمع تابوت، وهو الصندوق الذي يحرز فيه المتاع، وعند قدماء المصريين صندوق من حجر أو خشب توضع فيه الجثة، عليه من الصور والرسوم ما يصور آمال المصريين وعقائدهم في العالم الآخر. المعجم الوسيط ١/٨٤ (تبت)..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٠]..
٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٢٥..
قوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ الآية. قال بعض أهل العلم «إنَّ» ههنا بمعنى (إلا) أي: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى.
قال ابن الخطيب: قد بينا فساد هذا القول، وذكرنا أنَّ سؤال ابن الزبعرى لم يكن وارداً، فلم يبق إلا أحد أمرين:
609
الأول: أن يقال: إنَّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين.
الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا هو الحق، أجراها على عمومها، فتكون الملائكة والمسيح وعزير - عليهم السلام - داخلين فيها، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومَنْ قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله: «إنَّ الَّذِينَ» بهؤلاء فقط.
قوله: «مِنَّا» يجوز أن يتعلق ب «سَبَقَتْ»، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الحُسْنَى» قال الزمخشري: «الحُسْنَى» الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة ثم شرح أحوال ثوابهم فقال: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. قال أهل العفو معناه: أولئك عنها مخرجون، واحتجوا بوجهين:
الأول: قوله ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أثبت الورود، والورود الدخول، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج.
والثاني: أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر، لأنّ تحصيل الحاصل محال.
وقال المعتزلة: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور:
أحدها: أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا، وليس هذا حال من يخرج من النار.
وثانيها: أنه تعالى قال: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فكيف يدخل في لك من وقع فيها.
وثالثها: قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ وقوله: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم، ولم لم يجوز أن يكون المراد من «الحُسْنَى» تقدم الوعد بالثواب، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة باطلة، ويجوز الجميع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني: أنا
610
بينا أنّ قوله: ﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث: أن قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ مخصوص بما بعد الخروج.
وعلى قول المعتزلة بأن المراد بقوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها، يبطل القول بأن جميع الناس يردون النار، ثم يخرجون إلى الجنة، فيجب التوفيق بينه وبين قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقد تقدم.
قوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت﴾ إلى قوله: وَيَتَلَقاهُك «كل جملة من هذه الجمل يجتمل أن تكون حالاً مما قبلها، وأن تكون مستأنفة، وكذلك الجملة المضمرة من القول العامل في جملة قوله:» هذا يَوْمُكُمُ «إذ التقدير: وتتلقاهم الملائكة يقولون هذا يومكم.

فصل


معنى ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ أي: صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازل لهم في الجنة. والحس والحسيس: الصوت الخفي. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ مقيمون كقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾ [الزخرف: ٧١] ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ النفخة الأخيرة لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ [النمل: ٨٧]. وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادي يا أهل الجنة خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه.
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة﴾. أي: تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون ﴿هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فإن قيل: أي: بشارة في أنهم لا يسمعون حسيسها؟
فالجواب: المراد منه تأكيد بعدهم عنها، لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها فإن قيل: أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار؟ فالجواب: إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال.
611

فصل


معنى ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا ﴾١ أي : صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازل لهم في الجنة. والحس والحسيس : الصوت الخفي٢. ﴿ وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ مقيمون كقوله :﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وتلذّ الأعين ﴾٣
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٣٨-٥٣٩..
٢ اللسان (حسس)..
٣ [الزخرف: ٧١]..
﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ النفخة الأخيرة لقوله تعالى :﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ١ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض ﴾٢. وقال الحسن : حين يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج : حين يذبح الموت وينادي يا أهل الجنة خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو أن تطبق جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه.
﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة ﴾. أي : تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون ﴿ هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾٣. فإن قيل : أي : بشارة في أنهم لا يسمعون حسيسها ؟
فالجواب : المراد منه تأكيد بعدهم عنها، لأن من قرب منها قد يسمع حسيسها٤ فإن قيل : أليس أهل الجنة يرون أهل النار، فكيف لا يسمعون حسيس النار ؟ فالجواب : إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال٥.
١ في النسختين: نفخ. وهو تحريف..
٢ النمل: ٨٧]. انظر الكشاف ٣/٢٢، الفخر الرازي ٢٢/٢٢٧..
٣ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٣٨-٥٣٩..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٧..
٥ المرجع السابق..
قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء﴾ الآية. في «يَوْمَ نَطْوِي» أوجه:
أحدهما: أنه منصوب ب «لاَ يَحْزُنْهُمْ».
الثاني: أنه منصوب ب «تَتَلَقاهُم».
الثالث: أنه منصوب بإضمار (اذكر) أو (أعني).
الرابع: أنه بدل من العائد المقدر تقديره: توعدونه يوم نطوي، ف «يَوْمَ» بدل من الهاء، ذكره أبو البقاء وفيه نظر، إذ يلزم من ذلك خلو الجملة الموصول بها من عائد على الموصول، ولذلك منعوا جاء الذي مررت به أبي عبد الله، على أن يكون (أبي عبد الله) بدلاً من الهاء لما ذكر، وإن كان في المسألة خلاف.
الخامس: منصوب بالفزع، قاله الزمخشري، وفيه نظر من حيث إنه أعمل المصدر الموصوف قبل أخذه معموله. وقد تقدم أن نافعاً يقرأ «يُحْزنُ» بضم ايلاء إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ «يُحْزنُ» بضم الياء إلا هنا، وأن شيخه ابن القعقاع يقرأ «يَحْزُنُ» بالفتح إلا هنا.
612
وقرأ العامة «نَطْوِي» بنون العظمة. وشيبة بن نصاح في آخرين «يَطوي» بياء الغيبة، والفاعل هو الله تعالى. وقرأ أبو جعفر في آخرين «تُطْوَى» بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو مبنياً للمفعول. وقرأ العامة «السِّجِلِّ» بكسر السين والجيم وتشديد اللام كالطَّمرّ. وقرأ أبو هريرة وصاحبه أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير بضمهما واللام مشددة أيضاً بزنة «عُتُلٍّ». ونقل أبو البقاء تخفيفها في هذه القراءة أيضاً فتكون بزنة عُنْقٍ. وأبو السمال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن وعيسى بن عمر بكسرها. والجيم في هاتين القراءتين ساكنة واللام مخففة.
قال أبو عمرو: قراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. والسِّجل الصحيفة مطلقاً وقيل: مخصوص بصحيفة العهد، وهي من المساجلة وهي المكاتبة.
والسَّجْلُ: الدلو المَلأى. وقال بعضهم: هو فارسيّ معرب فلا اشتقاق له و «طَيّ» مصدر مضاف للمفعول، والفاعل محذوف، تقديره: كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها، أو لما يكتبه فيها من المعاني، والفاعل يحذف مع المصدر باطراد
613
والكلام في الكاف معروف أعني: كونها نعتاً لمصدر مقدر أو حالاً من ضميره. وأصل «طَيّ» طَوْي، فأعلّ كنظائره. وروي عن علي وابن عباس: أنّ السجل اسم ملك يطوي كتب أعمال بني آدم. وروى ابن الجوزاء عن ابن عباس: أنّ السجل اسم رجل كان يكتب لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وعلى هذين القولين يكون المصدر مضافاً لفاعله، والكتاب اسم الصحيفة المكتوبة. قال بعضهم: وهذا القول بعيد، لأنّ كُتَّاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كانوا معروفين وليس فيهم من سُمِّيَ بهذا.
قال أبو إسحاق الزجاج: السجل بلغة الحبشة.
وقال الزمخشري: كما يطوى الطُّومَار للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو لما يكتب فيه، لأنَّ الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب. فقدره الزمخشري من الفعل المبني للمفعول، وقد عرف ما فيه من الخلاف واللام في «الكتاب» إما مزيدة في المفعول إنْ قلنا: إنَّ المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، والتقدير: كطي الطاوي السجل وهذا قول الأكثرين. وقيلأ: اللام بمعنى (على)، وهاذ ينبغي أن لا يجوز لبعد معناه على كل قول.
614
والقراءات المذكورة في السجل كلها لغات فيه.
وقرأ الأخوان وحفص «لِلْكُتُبِ» جمعاً. والباقون «لِلْكِتَابِ» مفرداً. والرسم يحتملهما فالإفراد يراد به الجنس والجمع للدلالة على الاختلاف، والمعنى المكتوبات، أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة. فيكون معنى طي السجل للكتابة، كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها، لأنّ الطي هو الدرج ضد النشر الذي يكشف. قوله: «كَمَا بَدَأْنَا» في متعلق هذه الكاف وجهان:
أحدهما: أنها متعلقة ب «نُعِيدُهُ» و «مَا» مصدرية، و «بَدَأْنَا» صلتها، فهي وما في حيزها في محل جر بالكاف. و «أَوَّلَ خَلْقٍ» مفعول «بَدَأْنَا»، والمعنى: نعيد أوّل خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي: كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وإلى هذا نحا أبو البقاء فإنه قال: الكاف نعت لمصدر محذوف أي: نعيده عوداً كمثل بدئه.
وفي قوله: عوداً نظر إذ الأحسن أن يقول: إعادة.
والثاني: أنّها تتعلق بفعل مضمر. قال الزمخشري: ووجه آخر، وهو أنْ ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره «نُعِيدُهُ» و «ما» موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و «أَوَّلَ خَلْقٍ» ظرف ل «بَدَأْنَا» أي: أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى. قال أبو حيَّان: وفي تقديره تهيئة «بَدَأْنَا» لأنْ ينصب «أَوَّلَ خَلْقٍ» على المفعولية وقطعه عنه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك، وارتكاب إضمار (نعيد) مفسراً ب «نُعِيدُهُ» وهذه عجمة في كتاب الله، وأما قوله: ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره «نُعِيدُهُ» فهو ضعيف جداً، لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفش، وكونها اسماً عند اسم لا حرف، وليس مذهب الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك الأخفش، وكونها اسماً عند البصريين مخصوص بالشعر.
615
قال شهاب الدين: كل ما قدره فهو جار على القواعد المنضبطة وقاده إلى ذلك المعنى الصحيح فلا مؤاخذة عليه، ويظهر ذلك بالتأمل لغير الفطن وأما «ما» ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها مصدرية.
والثاني: أنها بمعنى الذي. وقد تقدم تقرير هذين.
والثالث: أنها كافة للكاف عن العمل كما في قوله:
٣٧٤١ - كَمَا النَّاسُ مَجْرومٌ عَلَيْهِ وجَارِم... فيمن رفع (النَّاس) قال الزمخشري: «أوَّلَ خَلْق» مفعول نعيد الذي يفسره «نُعِيدُهُ» والكاف مكفوفة ب «ما» والمعنى: نعيد أول الخلق كا بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لها على السواء، فإنْ قُلْتَ: ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه قُلْتُ: أوله إيجاده من العدم، فكما أوجده أولاً من يعدم يعيده ثانياً من عدم.
وأما «أَوَّلَ خَلق» فيحصل فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول «بَدَأْنَا».
والثاني: أنه ظرف ل «بَدَأْنَا».
زالثالث: أنه منصوب على الحال من ضمير الموصول كما تقدم تقريره.
والرابع: أنه حال من مفعول «نُعِيدُهُ» قاله أبو البقاء، والمعنى: مثل أول خلقه
616
وأما تنكير «خَلقٍ» فدلالته على التفصيل، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: ما بال «خَلْق» منكراً. قُلْتُ: هو كقولك: أول رجل جاءني، تريد أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً، فكذلك معنى أول خلق بمعنى أول الخلائق، لأنّ الخلق مصدر لا يجمع.
قوله: «وَعْداً» منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المتقدمة، فناصبه مضمر، أي: وعدنا ذلك وعداً.

فصل


اختلفوا في كيفية الإعادة فقيل: إن الله يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه بعيد تركيبها فذلك هو الإعادة.
وقيل: إنه تعالى يعدمها بالكلية، ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى، وهذه الآية دالة على هذا الوجه؛ لأنه تعالى شبه الإعادة بالابتداء، والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أنْ تكون الإعادة كذلك.
واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فدلّ هذا على أنّ السموات حال كونها مطويات تكون موجودة. وبقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [إبراهيم: ٤٨] وهذا يدلّ على أنَّ الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض.

فصل


قال المفسرون: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. «روى ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً «ثم قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. يعني الإعادة والبعث. وقيل: المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه وأن وقوع ما علم الله وقوعه واجب.
617
ثم حقق ذلك بقوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور﴾ قرأ حمزة بضم الزاي، والباقون بفتحها بمعنى المزبور كالمحلوب والمركوب، يقال: زبرت الكتاب أي: كتبته. والزُّبور بضم الزاي جمع زِبْرَة كقِشرة وقُشُور. ومعنى القراءتين واحد، لأنّ الزبور هو الكتاب.
قال سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل: «الزَّبُور» جميع الكتب المنزلة، و «الذِّكْر» أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس والضحاك: الزبور: التوراة، واذلكر: الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال قتادة والشعبي: الزبور والذكر: التوراة. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر: القرآن، و «بَعْدِ» بمعنى قبل كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
618
﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] اي: قبله. وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر هو ما روي أنه - عليه السلام - قال: «كان الله ولم يكن معه شيء ثم خلق الذكر» قوله: ﴿مِن بَعْدِ الذكر﴾ يجوز أن يتعلق بنفس «الزَّبُور» لأنه بمعنى المزبور، أي: المكتوب، أي: المزبور من بعد. ومفعول «كَتَبْنَا» «أنَّ» وما في حيزها، أي: كتبنا وراثة الصالحين للأرض، اي: حكمنا به قوله: «أنَّ الأَرْضَ» يعني أرض الجنة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ قال مجاهد: يعني أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض﴾ [الزمر: ٧٤] وقال ابن عباس: أراد أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين.
وقيل: أراد الأرض المقدسة يرثها الصالحون لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
﴿إِنَّ فِي هذا﴾ أي: في هذا القرآن يعني ما فيه من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة «لَبَلاَغَاً» وصولاً إلى البغية، فمن اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب. وقيل: «لَبَلاَغَاً» أي: كفاية: والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر. ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أي: مؤمنين. وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان.
وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً﴾ يجوز أن ينتصب «رَحْمَةً» مفعولاً له، أي: لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى راحم. وفي الحديث: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة».
قوله: «لِلْعَالَمِينَ» يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «رَحْمَةً» أي: كائنة
619
للعالمين. ويجوز أن يتعلق ب «أَرْسَلْنَاكَ» عند مَنْ يرى تعلق ما بعد قبلها جائز، أو بمحذوف عند مَنْ لا يرى ذلك. هذا إذا لم يفرغ الفعل لما بعدها أما إذا فرغ فيجوز نحو: ما مررت إلا بزيد، كذا قاله أبو حيان هنا. وفيه نظر من حيث إن هذا أيضاً مفرغ، لأنّ المفرغ عبارة عما افتقر ما بعد إلا لما قبلها على جهة المعمولية له.

فصل


قال ابن عباس: قوله: «رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» عام في حق من آمن ومن لم يؤمن. اعلم أنه - عليه لسلام - كان رحمة في الدين والدنيا، أما في الدين فلأنه - عليه السلام - بعث والناس في جاهلية وضلال، وأهل الكتابين كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله محمداً حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام، وميز الحلال والحرام، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من الذل والقتل. فإن
620
قيل: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة المال؟ فالجواب من وجوه:
الأول: إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، وهو منتقم من العصاة. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً﴾ [ق: ٩] ثم قد يكون سبباً للفساد.
الثاني: أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ولا يقال: أليس أنه قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]. وقال: ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين﴾ [الأحزاب: ٧٣] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه.
الثالث: أنه - عليه السلام - كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] «وقيل له - عليه السلام -: ادع على المشركين. فقال:» إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً «» وقال في رواية حذيفة: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة».
الرابع: قال عبد الرحمن بن يزيد: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ يعني المؤمنين خاصة.

فصل


قالت المعتزلة: لو كان تعالى أراد من الكافر الكفر ولم يرد منه القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه، وخلق ذلك فيهم، ولم يخلقهم إلا لذلك كما يقول أهل
621
السنة لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة، وهو خلاف هذا النص، ولا يقال: إن رسالته رحمة للكفار من حيث لم يجعل عذابهم في الدنيا كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا نقول: إنّ كونه رحمة للجميع على حد واحد، وما ذكرتموه في الكفار فهو حاصل للمؤمنين، وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته - عليه السلام - لحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قب بعثته كحصولها بعده وأعظم، لأن في بعثته نزل بهم الغم والخوف، ثم أمر الجهاد الذي فيه أكبر همّ، فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد.
والجواب أنْ نقول لما علم الله أن أبا لهب لم يؤمن البتة، وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً، وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال، وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز ان يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر؟ ولأنّ قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازمن وإن كانت صالحة للضدين توقف الترجيح على مرجح من قبل الله تعالى قطعاً للتسلسل. وحينئذ يعود الإلزام، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون رحمة للكفار تأخير عذاب الاستئصال عنهم؟ وقولهم أولاً: لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين.
فالجواب: ليس في الآية أنه - عليه السلام - رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواكم بكون الوجه واحداً تحكم. وقولهم نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل. فالجواب: نعم، ولكنه - عليه السلام - لكونه رحمة للمؤمنين لما بُعِثَ حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار.

فصل


تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، لأنّ الملائكة من العالمين، فوجب أن يكون أفضل منهم. وأجيب بأنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: ٧] وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول - عليه السلام - داخل
622
في المؤمنين، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦].
623
ثم حقق ذلك بقوله ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور ﴾ قرأ حمزة بضم الزاي، والباقون بفتحها١ بمعنى المزبور٢ كالمحلوب والمركوب٣، يقال : زبرت الكتاب أي : كتبته٤. والزُّبور بضم الزاي جمع زِبْرَة كقِشرة وقُشُور٥. ومعنى القراءتين واحد، لأنّ الزبور هو الكتاب.
قال سعيد بن٦ جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل :«الزَّبُور » جميع الكتب المنزلة، و «الذِّكْر » أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس والضحاك : الزبور : التوراة، والذكر : الكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال قتادة والشعبي : الزبور والذكر : التوراة. وقيل : الزبور : زبور داود، والذكر٧ : القرآن، و «بَعْدِ » بمعنى قبل٨ كقوله :﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ ﴾٩ أي١٠ : أمامهم. ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾١١ أي : قبله١٢. وقيل : الزبور : زبور داود، والذكر هو ما روي أنه -عليه السلام١٣- قال :«كان الله ولم يكن معه شيء ثم خلق الذكر »١٤ قوله :﴿ مِن بَعْدِ الذكر ﴾ يجوز أن يتعلق ب " كتبنا " ١٥، ويجوز أن يتعلق بنفس «الزَّبُور » لأنه بمعنى المزبور، أي : المكتوب، أي : المزبور من بعد١٦. ومفعول «كَتَبْنَا » «أنَّ » وما في حيزها، أي : كتبنا وراثة الصالحين للأرض، أي : حكمنا به١٧ قوله :«أنَّ الأَرْضَ » يعني١٨ أرض الجنة ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ﴾ قال مجاهد : يعني أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويدل عليه قوله تعالى :﴿ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض ﴾١٩ وقال ابن عباس : أراد أراضي الكفار يفتحها المسلمون، وهذا حكم من الله تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين.
وقيل : أراد٢٠ الأرض المقدسة٢١ يرثها الصالحون لقوله تعالى :﴿ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾٢٢
١ السبعة (٤٣١)، الكشف ٢/٤٠٢، النشر ٢/٢٥٣، الإتحاف (٣١٢)..
٢ في الأصل: المصدور. وفي ب: الزبور- وهو تحريف..
٣ في الأصل: والمقبوض المركوب..
٤ اللسان (زبر)..
٥ على ترك الاعتداد بالتاء، وذلك لأن فعول – بضم الفاء والعين – من أمثلة جمع الكثرة ويطرد في خمسة أوزان:
الأول: ما كان على فَعِل – بفتح الفاء وكسر العين – نحو كيد وكيود، ونمر ونمور.
الثاني: ما كان اسما على فعل – بفتح الفاء وسكون العين – وليست عينه واوا نحو كعب وكعوب.
الثالث: ما كان اسما على فعل – بكسر الفاء وسكون العين – نحو حمل وحمول.
الرابع: ما كان اسما على فعل – بضم الفاء والعين – وليست عينة واوا، ولا لامه ياء ولا مضعفا نحو جند وجنود.
الخامس: ما كان على فعل – بفتح الفاء والعين - اسما غير مضعف نحو أسد وأسود، وشجن وشجون. انظر شرح الأشموني ٤/١٣٥-١٣٧..

٦ في النسختين: شعبة. من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٤١-٥٤٢..
٧ في ب: الذكر..
٨ قال أبو حاتم: وقالوا: قبل وبعد من الأضداد، وقال في قوله عز وجل: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ أي: قبل ذلك. قال الأزهري: والذي قاله أبو حاتم عمن قاله خطأ قبل وبعد كل واحد منهما نقيض صاحبه، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، وهو كلام فاسد، وأما قول الله عز وجل ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾، فإن السائل يسأل عنه فيقول: كيف قال بعد ذلك والأرض أنشأ خلقها قبل السماء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ [فصلت: ٩] فلما فرغ من ذكر الأرض وما خلق فيها قال: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [فصلت: ١١]. وثم لا يكون إلا بعد الأول الذي ذكره قبله، ولم يختلف المفسرون أن خلق الأرض سبق خلق السماء، والجواب فيما سأل عنه السائل أن الدَّحو غير الخلق، وإنما هو البسط، والخلق هو الإنشاء الأول فالله عز وجل خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض أي بسطها. انظر اللسان (بعد)..
٩ يأخذ: سقط من الأصل. [الكهف: ٧٩]..
١٠ أي: سقط من ب..
١١ [النازعات: ٣٠]..
١٢ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٥١-٥٤٢..
١٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٤ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٢٩..
١٥ في ب: لكتبنا. وهو تحريف. التبيان ٢/٩٢٩..
١٦ انظر التبيان ٢/٩٢٩..
١٧ به: سقط من ب..
١٨ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٤٢-٥٤٣..
١٩ [الزمر: ٧٤]..
٢٠ أراد: سقط من ب..
٢١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٤٢-٥٤٣..
٢٢ [الأعراف: ١٣٧]..
﴿ إِنَّ فِي هذا ﴾ أي١ : في هذا القرآن يعني ما فيه من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة «لَبَلاَغَاً » وصولاً إلى البغية، فمن اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب. وقيل :«لَبَلاَغَاً » أي : كفاية : والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر. ﴿ لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ أي : مؤمنين. وقال ابن عباس : عالمين. وقال٢ كعب الأحبار : هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان٣.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٤٣- ٥٤٤..
٢ في الأًصل: قال.
٣ آخر هنا نقله عن البغوي ٥/٥٤٣- ٥٤٤..
وقوله :
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً ﴾ يجوز أن ينتصب «رَحْمَةً » مفعولاً له، أي : لأجل الرحمة، ويجوز أن ينتصب على الحال مبالغة في١ أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي : ذا رحمة، أو بمعنى راحم٢. وفي الحديث :«يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة »٣.
قوله :﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «رَحْمَةً » أي : كائنة للعالمين. ويجوز أن يتعلق ب «أَرْسَلْنَاكَ » عند مَنْ يرى تعلق ما بعد قبلها جائز، أو بمحذوف عند مَنْ لا يرى ذلك٤. هذا إذا لم يفرغ الفعل لما بعدها أما إذا فرغ فيجوز نحو : ما مررت إلا بزيد، كذا قاله أبو حيان هنا٥. وفيه نظر من حيث إن هذا أيضاً مفرغ، لأنّ المفرغ عبارة عما افتقر ما بعد إلا لما قبلها على جهة المعمولية له.

فصل


قال ابن عباس : قوله :﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ عام في حق من آمن ومن لم يؤمن٦. اعلم أنه٧ -عليه لسلام٨- كان رحمة في الدين والدنيا، أما في الدين فلأنه -عليه السلام- بعث والناس في جاهلية وضلال، وأهل الكتابين٩ كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله١٠ محمداً حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام، وميز الحلال والحرام، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، قال الله تعالى :﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ ﴾ إلى قوله :﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾١١ وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من الذل والقتل. فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة المال ؟ فالجواب من وجوه :
الأول : إنما جاء بالسيف لمن أنكر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، وهو منتقم من العصاة. وقال :﴿ وَنَزَّلْنَا١٢ مِنَ السمآء مَآءً مُّبَارَكاً ﴾١٣ ثم قد يكون سبباً للفساد.
الثاني : أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى١٤ :﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾١٥ ولا يقال : أليس أنه قال :﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ﴾١٦. وقال :﴿ لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين ﴾١٧ لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه.
الثالث : أنه -عليه السلام-١٨ كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى :﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾١٩ وقيل له -عليه السلام٢٠- : ادع على المشركين. فقال :«إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً » وقال في رواية حذيفة :«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ٢١ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة »٢٢.
الرابع : قال عبد الرحمن بن يزيد٢٣ :﴿ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ يعني المؤمنين خاصة٢٤.

فصل٢٥


قالت المعتزلة : لو كان تعالى أراد من الكافر الكفر ولم يرد منه القبول من الرسول، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه، وخلق ذلك فيهم، ولم يخلقهم إلا لذلك كما يقول أهل السنة لوجب أن يكون إرساله نقمة٢٦ وعذاباً عليهم لا رحمة، وهو خلاف هذا النص، ولا يقال : إن رسالته رحمة للكفار من حيث لم يجعل عذابهم في الدنيا كما عجل عذاب سائر الأمم، لأنا٢٧ نقول : إنّ كونه رحمة للجميع على حد واحد، وما ذكرتموه في الكفار فهو حاصل للمؤمنين، وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته -عليه السلام٢٨- لحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته كحصولها بعده وأعظم، لأن في بعثته نزل بهم الغم والخوف، ثم أمر الجهاد الذي فيه أكبر همّ، فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد.
والجواب أنْ نقول لما علم الله أن أبا لهب٢٩ لم يؤمن ألبتة، وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً، وذلك محال، فكان قد أمره بالمحال، وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر ؟ ولأنّ قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم، وإن كانت صالحة للضدين توقف الترجيح على مرجح من قبل الله تعالى قطعاً للتسلسل. وحينئذ يعود الإلزام، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون رحمة للكفار تأخير عذاب الاستئصال عنهم ؟ وقولهم أولاً : لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين.
فالجواب : ليس في الآية أنه -عليه السلام-٣٠ رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين، فدعواكم بكون الوجه واحداً تحكم. وقولهم نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل. فالجواب : نعم، ولكنه -عليه السلام٣١- لكونه رحمة للمؤمنين لما بُعِثَ حصل الخوف للكفار من نزول العذاب، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار.

فصل٣٢


تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة، لأنّ الملائكة من العالمين، فوجب أن يكون أفضل منهم. وأجيب بأنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾٣٣ وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين، والرسول -عليه السلام-٣٤ داخل في المؤمنين، وكذا قوله تعالى :﴿ إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي ﴾٣٥.
١ في ب: و. وهو تحريف..
٢ انظر التبيان ٢/٩٢٩..
٣ أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة. الدر المنثور ٤/٣٤٢..
٤ وذلك أن الاستثناء في حكم جملة مستأنفة، لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدا، فكأنك قلت: جاء القوم وما منهم زيد، فمقتضى هذا أن لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، ولا من قبلها فيما بعدها، فلا تقدم معمول تاليها عاليها، فلا يقال: ما زيد إلا أنا ضارب، وقال الرماني: لا يقال: ما قومك زيدا إلا ضاربون، لأن تقدم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز فكذلك معموله لما تقرر من أن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل. ولا يؤخر معمول ما قبلها عنها فلا يقال: ما ضرب إلا زيد عمرا، وما ضرب إلا زيدا عمرو، وما مر إلا زيد بعمر، إلا على إضمار عامل يفسره ما قبله. ويستثنى من هذا المستثنى منه وصفته فيجوز تأخيرهما نحو ما قام إلا زيدا أحد، وما مررت بأحد إلا زيدا خير من عمرو.
وأجاز الكسائي تأخير المعمول مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، واستدل بقوله: فما زادني إلا غراما كلامها. وقوله: و ما كف إلا ماجد ضرب بأس وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيات والزبر﴾ [النحل: ٤٣، ٤٤] ووافقه ابن الأنباري في المرفوع. ووافقه الأخفش في الظرف المجرور والحال نحو ما جلس إلا زيد عندك، و ما مر إلا عمرو بك، وما جاء إلا زيد راكبا.
قال أبو حيان وهو المختار. لأنه يتسامح في المذكورات ما لا يتسامح في غيرها. الهمع ١/٢٣٠-٢٣١..

٥ حيث قال أبو حيان: (ولا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا إذا كان العامل مفرغا له نحو ما مررت إلا بزيد) البحر المحيط ٦/٣٤٤..
٦ انظر البغوي ٥/٥٤٤..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٠-٢٣١..
٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٩ في الأصل: الكتاب..
١٠ لفظ الجلالة: سقط من الأصل..
١١ من قوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى﴾ [فصلت: ٤٤]..
١٢ في النسختين: وأنزلنا. وهو تحريف..
١٣ من قوله تعالى: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحبَّ الحصيد﴾ [ق: ٩]..
١٤ لفظ الجلالة: سقط من ب..
١٥ من قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهو يستغفرون﴾ [الأنفال: ٣٣]..
١٦ من قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [التوبة: ١٤]..
١٧ في النسختين: ليعذب المنافقين. وهو تحريف. وهو من قوله تعالى: ﴿ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الأحزاب: ٧٣]..
١٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٩ [القلم: ٤]..
٢٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢١ في الأصل: رجل..
٢٢ أخرجه أحمد ٣/٤٩٣..
٢٣ تقدم..
٢٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٠-٢٣١..
٢٥ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣١..
٢٦ في ب: نعمة. وهو تحريف..
٢٧ في ب: لأن. وهو تحريف..
٢٨ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٩ في الأصل: جهل..
٣٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٢ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣١-٢٣٢..
٣٣ من قوله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧]..
٣٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٥ من قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]..
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ الآية.
لما أورد على الكافر الحجج في أن لا إله إلا سواه، وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بما يكون إنذاراً في مجاهدتهم والإقدام عليهم فقال: «إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ» قوله: «أَنَّمَآ إلهكم» (أنَّ) وما في حيزها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل إذ التقدير: إنما يوحي إليّ وحدانية إلهكم. وقال الزمخشري: «إنّما» لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنَّما زيد قائمم، وإِنَّما يقوم زيد، و ﴿أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ بمنزلة إنَّما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الجلالة على أنَّ الوحي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مقصور على استئثار الله بالوحدانية.
قال أبو حيَّان: أما ما ذكره في «إنَّما» أنها لقصر ما ذكر فهو مبني على أن «إنّما» للحصر، وقد قررنا أنها لا تكون للحصر، وأنّ «مَا» مع «إنَّ» كهي مع «كأن» ومع «لَعَلّ» فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه، ولا الحصر في الترجي، فكذلك لا تفيده مع «إنَّ»، وأما جعله «أنَّما» المفتوحة الهمزة مثل المكسورتها يدل على القصر فلا نعلم الخلاف إلا في «إنَّما» بالكسر، وأما «أنَّما» بالفتح فحرف مصدري ينسبك منه مع ما بعده مصدر، فالجملة بعدخا ليست جملة مستقلة، ولو كانت «أنَّمَا» دالى على الحصر لزم أن يقال: أنه لم يوح إليَّ شيء إلا التوحيد، وذلك لا يصح الحصر فيه، إذ قد أوحي إليه أشياء غير التوحيد. قال شهاب الدين: الحصر بحسب كل مقام على ما يناسبه، فقد يكون هذا المقام بقتضي الحصر في إيحاء الوحدانية لشيء جرى من إنكار الكفار وحدانيته تعالى، وأنَّ الله لم يوح إليه شيئاً، وهذا كما أجاب الناس عن هذا الإشكال
623
الذي ذكره الشيخ في قوله: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ﴾ [النازعات: ٤٥] ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى غير ذلك، و «مَا» من قوله: ﴿إِنَّمَآ يوحى﴾ يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أنْ تكون كافة. وقد تقدم.
والثاني: أنْ تكون موصولة كهي في قوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ﴾ [طه: ٦٩]، ويكون الخبر هو الجملة من قوله ﴿أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ تقديره: أنّ الذي يوحى إليّ هو هذا الحكم. قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ استفهام معناه الأمر بمعنى: أسلموا، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا. قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ﴾ آذَنْتُكُمْ أعلمتكم، فالهمزة فيه للنقل، قال الزمخشري: آذن منقول من أذن: إذا علم، لكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار، ومنه قوله:
﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وقول ابن حلزة:
٣٧٤٢ - آذَنْتَنَا بِبَيْنهَا أَسْمَاءُ وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة.
قوله: «على سَوَآءٍ» في محل نصب على الحال من الفاعل والمفعول معاً، أي:
624
مستوين بما أعلمتكم به لم نطوه على أحد منهم.

فصل


قال أبو مسلم: الإنذار على السواء الدعاء على الحرب مجاهرة كقوله: ﴿فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر من أشرك أنّ ةحالهم مخالف لسائر حال الكفار في المجاهرة، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك. وقيل: المعنى: فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على سواء في الإبلاغ والبيان، لأني بعثت معلماً، والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا ﴿رَبَّنَا لولاا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] وقيل: (ليستوي في الإيمان). وقيل: ﴿آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ﴾ أي: على مهل أي: لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم، بل أمهل وأؤخر رجاء إسلامكم.
قوله: ﴿وَإِنْ أدري﴾ العامة على إرسال الياء ساكنة، إذ لا موجب لغير ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ» «وَإنْ أَدْرِيَ لَعَلَّهُ فتْنَةُ» بفتح الياءين، وخرجت على التشبيه بياء الإضافة على أن ابن مجاهد أنكر هذه القراءة البتة. وقال ابن جنيّ:
625
هو غلط، لأن «أن» نافية لا عمل لها. ونقل أبو البقاء عن غيره أنه قال في تخريجها: أنه ألقي حركة الهمزة على الياء فتحركت، وبقيت الهمزة ساكنة، فأبدلت ألفاً لانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت همزة متحركة، لأنها في حكم المبتدأ بها، والابتداء بالساكن محال. وهذا تخريج متكلف لا حاجة إليه، ونسبة راويها عن ابن عباس إلى الغلط أولى من هذا التكلف فإنها قراءة شاذة، وهذا التخريج وإن وقع في الأولى فلا يجري في الثانية شيئاً. وسيأتي قريب من ادعاء قلب الهمزة ألفاً ثم قلب الألف همزة في قوله: «مِنْسَأَتَهُ» - إن شاء الله -، وبذلك يسهل الخطب في التخريج المذكور والجملة الاستفهامية في محل نصب ب «أّدْرِي»، لأنها معلقة لها عن العملأ، وأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة، ولو وسط لكان التركيب: أقريب ما توعدون أم بعيد، ولكنه أخر مراعاة لرؤوس الآي. و «مَا تُوعَدُونَ» يجوز أن يكون مبتدأ وما قبله خبر عنه ومعطوف عليه، وجوّز أبو البقاء فيه أن يرتفع فاعلاً ب «قَرِيبٌ» قال: لأنه اعتمد على الهمزة. قال: ويخرج على قول البصريين أن يرتفع ب «بَعِيدٌ» لأنه أقرب إليه. يعني أنه يجوز أن تكون المسألة من التنازع فإِن كُلاًّ من الوصفين يصح تسلطه على «مَا تُوعَدُونَ» من حيث المعنى.

فصل


المعنى: وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، يعني: القيامة أو من عذاب الدنيا.
وقيل: الذي آذنهم به من الحرب لا يعلم هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أن يتأخر، وذلك أنَّ السورة مكية، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: ما يوعدون من غلبة المسلمين عليهم.
قوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ والمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق. و «من القول» حال من الجهر. قوله: «لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ» الظاهر أن هذه الجملة
626
متعلقة ب «أدْرِي» والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في ذلك، إلا أنّ النحويين لم يعدوا من المعلقات (لَعَلّ) وهي ظاهرة في ذلك كهذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى﴾ [عبس: ٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].

فصل


المعنى: وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم، أو لعل إبهام الوقت الذي ينزل عليكم العذاب فتنة لكم أي: بلية واختبار لكم ليرى صنيعكم، وهل يتوبوا عن الكفر أم لا وقيل: لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم، والفتنة البلوى والاختبار.
وقيل: لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم. وقيل: «قَالَ رَبِّ» خبراً عن الرسول - عليه السلام - والباقون: «قُلْ» على الأمر. وقرأ العامة بكسر الباء اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى. وقرأ أبو جعفر بضم الباء، فقال صاحب اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى. وقرأ بضم الباء، فقال صاحب اللوامح: إنه منادى
627
مفرد، ثم قال: وحذف حرف النداء فيما فيما يكون وصفاً ل (أيّ) بعيد بابه الشعر. قال شهاب الدين: وليس هذا من المنادى المفرد، بل نصّ بعضهم على أن بعض اللغات الجائزة في المضاف إلى ياء المتكلم حال ندائه. وقرأ العامة «
احْكُمْ»
على صورة الأمر.
وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر «رَبِّي» بسكون الياء «أَحْكَمَ» بفتح الميم كأكرم على أنه فعل ماض في محل خبر أيضاً ل «رَبِّي» وقرأ العامة «تَصِفُونَ» بالخطاب.
وقرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «يَصفُون» بالياء من تحت وهي مروية أيضاً عن عاصم وابن عامر، والغيبة والخطاب واضحان

فصل


المعنى: رب اقض بيني وبين قومي بالحق أي: بالعذاب، والحق ههنا العذاب، نظيره: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وقال أهل المعاني: رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأيم الحق مقامه. والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب: ظهور الرغبة من الطالب للحق. وقيل: المعنى: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع، وهو أن تنصرني عليهم. ﴿وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ من الكذب والباطل. وقيل: كانوا يطمعون أن يكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين.

فصل


روي عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من قرأ سورة ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ حاسبه الله حساباً يسيراً وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن».
628

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الحج
3
قوله :﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ ﴾ آذَنْتُكُمْ أعلمتكم، فالهمزة فيه للنقل، قال الزمخشري : آذن منقول١ من أذن : إذا علم٢، لكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار٣، ومنه قوله :
﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ ﴾٤ وقول ابن حلزة :
٣٧٤٢- آذَنْتَنَا بِبَيْنهَا أَسْمَاءُ٥ ***. . .
وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة٦.
قوله :﴿ على سَوَآءٍ ﴾ في محل نصب على الحال من الفاعل والمفعول معاً، أي : مستوين بما أعلمتكم به لم نطوه على أحد منهم٧.

فصل٨


قال أبو مسلم : الإنذار على السواء الدعاء على الحرب مجاهرة كقوله :﴿ فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ ﴾٩ وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر من أشرك أنّ حالهم مخالف لسائر حال الكفار في المجاهرة، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك١٠. وقيل : المعنى : فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على سواء في الإبلاغ والبيان، لأني بعثت معلماً، والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا ﴿ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾١١ وقيل :( ليستوي في الإيمان )١٢. وقيل :﴿ آذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ ﴾ أي : على مهل أي : لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم، بل أمهل وأؤخر رجاء إسلامكم.
قوله :﴿ وَإِنْ أدري ﴾ العامة على إرسال الياء ساكنة، إذ لا موجب لغير ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ » «وَإنْ أَدْرِيَ لَعَلَّهُ فتْنَةُ » بفتح الياءين١٣، وخرجت على التشبيه بياء الإضافة على أن ابن مجاهد أنكر هذه القراءة البتة١٤. وقال ابن جنيّ : هو غلط، لأن «أن » نافية لا عمل لها١٥. ونقل أبو البقاء عن غيره أنه قال في تخريجها : أنه ألقي١٦ حركة الهمزة على الياء فتحركت، وبقيت الهمزة ساكنة، فأبدلت ألفاً١٧ لانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت همزة متحركة، لأنها في حكم المبتدأ بها، والابتداء بالساكن محال١٨. وهذا تخريج متكلف لا حاجة إليه، ونسبة راويها عن ابن عباس إلى الغلط أولى من هذا التكلف فإنها قراءة شاذة، وهذا التخريج وإن وقع١٩ في الأولى فلا يجري في الثانية شيئاً. وسيأتي قريب من ادعاء قلب الهمزة ألفاً ثم قلب الألف همزة في قوله :﴿ مِنْسَأَتَهُ ﴾٢٠ -إن شاء الله-، وبذلك يسهل الخطب في التخريج المذكور والجملة الاستفهامية في محل نصب ب «أدْرِي »، لأنها معلقة لها عن العمل، وأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة، ولو وسط لكان التركيب : أقريب ما توعدون أم بعيد، ولكنه أخر مراعاة لرؤوس الآي٢١. و «مَا تُوعَدُونَ » يجوز أن يكون مبتدأ وما قبله خبر عنه ومعطوف عليه، وجوّز أبو البقاء فيه أن يرتفع فاعلاً ب «قَرِيبٌ » قال : لأنه اعتمد على الهمزة. قال : ويخرج على قول البصريين أن يرتفع ب «بَعِيدٌ » لأنه أقرب إليه٢٢. يعني أنه يجوز أن تكون المسألة من التنازع فإِن كُلاًّ من الوصفين يصح تسلطه على «مَا تُوعَدُونَ » من حيث المعنى.

فصل


المعنى٢٣ : وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، يعني : القيامة أو من عذاب الدنيا. وقيل : الذي آذنهم به من الحرب لا يعلم هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أن يتأخر، وذلك أنَّ السورة مكية، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل : ما يوعدون من غلبة المسلمين عليهم٢٤.
١ في ب: مفعول. وهو تحريف..
٢ أذن بالشيء إذنا وأذنا وأذانة: علم، وآذانه الأمر وآذانه به: أعلمه، وآذنتك بالشيء أعلمتكه، وآذنته: أعلمته. قال الله عز وجل: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ اللسان (أذن)..
٣ قال أبو عبيدة: ("وآذنتك على سواء" إذا أنذرت عدوك وأعلمته ذلك ونبذت إليه الحرب حتى تكون أنت وهو على سواء وحذر فقد آذنته على سواء) مجاز القرآن ٢/٤٣..
٤ من قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من عند الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]..
٥ صدر بيت من بحر الخفيف قاله الحارث بن حلزة اليشكري وعجزه:
رب ثاو يمل منه الثواء ***......
وهو مطلع معلقته. وقد تقدم..

٦ عند قوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. انظر اللباب ٢/١٣٨-١٣٩..
٧ وذلك أن الحال وصف هيئة الفاعل أو المفعول، وذلك نحو جاء زيد ضاحكا. فتكون بيانا لهيئة الفاعل الذي هو زيد. ونحو ضربت عبد الله باكيا، فتكون بيانا لهيئة المفعول الذي هو عبد الله. وقد تكون الحال منهما معا، فإن كانتا متفرقتين نحو قائم وقائم فأنت مخير إن شئت فرقت بينهما، فقلت: ضربت زيدا قائما قائما، تجعل أحدهما للفاعل والآخر للمفعول. وإن شئت جمعت بينهما فقلت: ضربت زيدا قائمين، لأن الاشتراك قد وقع في الحال والعامل واحد، وصار كأنك قلت: ضربت قائما زيدا قائما، واستغنيت بالتثنية عن التفريق، و من ذلك قول عنترة:
متى ما تلقني فردين ترجف *** روانف أليتيك وتستطارا
وكالآية التي معنا فقوله: "على سواء" حال من الفاعل والمفعول معا في "آذنتكم" وهما: التاء والكاف والميم. وقد جوز مكي وابن الأنباري وجها آخر وهو أن يكون قوله: "على سواء" منصوبا لأنه صفة لمصدر محذوف، وتقديره: آذنتكم إيذانا على سواء. مشكل إعراب القرآن ٢/٨٨، البيان ٢/١٦٦- ١٦٧، التبيان ٢/٩٣٠، شرح المفصل ٢٢/٢٣٢-٢٣٣..

٨ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٢-٢٣٣..
٩ من قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨]..
١٠ في ب: زيادة بعد قوله في ذلك: أي: أعلمتكم وأن لا صلح بيننا على سواء أي: إنذارا بينا ليتأهبوا لما يراد بكم، أي: آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به..
١١ من قوله تعالى: ﴿ولو أنا أهلكناهم من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزي﴾ [طه: ١٣٤]..
١٢ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٣ في المحتسب (٢/٦٨): روى أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ "وإن أدري لعله"، وإن أدري أقريب" بفتح الياء فيهما جميعا..
١٤ انظر المحتسب ٢/٦٨-٦٩..
١٥ لم أجد ما قاله ابن جني فيما رجعت إليه من كتبه، وهو في التبيان ٢/٩٢٠..
١٦ في ب: التي. وهو تحريف..
١٧ ألفا: سقط من الأصل..
١٨ التبيان ٢/٩٣٠..
١٩ في الأصل: يقع..
٢٠ من قوله تعالى: ﴿فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته﴾ [سبأ: ١٤].
حيث قرأ نافع وأبو عمرو "منسأته" بألف من غير همز، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة إلا ابن ذكوان فإنه سكن الهمزة. السبعة (٥٢٧)، الكشف ٢/٢٠٣..

٢١ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٤..
٢٢ التبيان ٢/٩٣٠..
٢٣ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٣. بتصرف..
٢٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٣. بتصرف..
قوله :﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ﴾ والمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق. و «من القول » حال من الجهر١.
١ انظر التبيان ٢/٩٣٠..
قوله :
﴿ لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ ﴾ الظاهر أن هذه الجملة متعلقة ب «أدْرِي » والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في ذلك، إلا أنّ النحويين لم يعدوا من المعلقات ( لَعَلّ )١ وهي ظاهرة في ذلك كهذه الآية، وكقوله :﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى ﴾٢ ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾٣ ٤.

فصل


المعنى٥ : وما أدري لعل تأخير العذاب عنكم، أو لعل إبهام الوقت الذي ينزل عليكم العذاب فتنة لكم أي : بلية واختبار لكم ليرى صنيعكم، وهل يتوبوا عن الكفر أم لا وقيل : لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم، والفتنة البلوى والاختبار٦.
وقيل : لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم. وقيل : لعل ما بينت لكم فتنة لكم ( لأنه زيادة في عذابهم إن لم يتوبوا )٧ " ومتاع إلى حين " أي : يتمتعون إلى انقضاء آجالهم.
١ عد أبو علي الفارسي (لعل) من المعلقات نحو ﴿و ما يدريك لعله يزكى﴾ [عبس: ٣] ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧] ووافقه أبو حيان، لأنه مثل الاستفهام في أنه غير خبر، وأن ما بعده منقطع مما قبله ولا يعمل فيه. الهمع ١/١٥٤..
٢ [عبس: ٣]..
٣ [الشورى: ١٧]..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٥..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٣. بتصرف يسير..
٦ في ب: والامتياز. وهو تحريف..
٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٣٣. بتصرف..
قوله :﴿ قل رب احكم ﴾ قرأ حفص عن عاصم ﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ خبراً عن الرسول -عليه السلام-١ والباقون :«قُلْ » على الأمر٢. وقرأ العامة بكسر الباء اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى٣. وقرأ أبو جعفر بضم الباء، فقال صاحب اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة وهي الفصحى. وقرأ بضم الباء٤، فقال صاحب اللوامح : إنه منادى مفرد، ثم قال : وحذف حرف النداء فيما يكون وصفاً ل ( أيّ ) بعيد بابه الشعر٥. قال شهاب الدين : وليس هذا من المنادى المفرد، بل نصّ بعضهم على أن بعض اللغات الجائزة في المضاف إلى ياء المتكلم حال ندائه٦. وقرأ العامة «احْكُمْ » على صورة الأمر.
وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن يعمر «رَبِّي » بسكون الياء «أَحْكَمَ » أفعل تفضيل، فهما مبتدأ وخبر٧. وقرئ " أحكم " بفتح الميم كأكرم على أنه فعل ماض في محل خبر أيضاً ل «رَبِّي »٨ وقرأ العامة «تَصِفُونَ » بالخطاب٩.
وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ -رضي الله عنه- «يَصفُون » بالياء من تحت وهي مروية أيضاً عن عاصم وابن عامر١٠، والغيبة والخطاب واضحان.

فصل


المعنى : رب اقض بيني وبين قومي بالحق أي : بالعذاب، والحق ههنا العذاب، نظيره :﴿ رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ﴾١١ فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر١٢. وقال أهل المعاني : رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه١٣. والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب : ظهور الرغبة من الطالب للحق١٤. وقيل : المعنى : افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع، وهو أن تنصرني عليهم١٥. ﴿ وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ من الكذب والباطل. وقيل : كانوا يطمعون أن يكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين١٦.
١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢ السبعة ٤٣١-٤٣٢، الكشف ٢/١١٥، النشر ٢/٣٢٥، الإتحاف ٣١٢..
٣ المضاف إلى ياء المتكلم الصحيح الآخر حال ندائه يجوز فيه لغات الأفصح والأكثر من هذه اللغات حذف الياء، والاكتفاء بالكسرة كما هنا ثم ثبوتها ساكنة نحو ﴿يا عبادي لا خوف عليكم﴾ [الزخرف: ٦٨]، ثم ثبوتها مفتوحة نحو ﴿يا عبادي الذين أسرفوا﴾ [الزمر: ٥٣]، ثم قلب الكسرة فتحة والياء ألفا نحو ﴿يا حسرتا﴾ [الزمر: ٥٦] ثم حذف الألف والاجتزاء بالفتحة فأجازها الأخفش والمازني والفارسي كقوله:
ولست براجع ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو آني
أصله: بقولي يا لهفا، ونقل عن الأكثرين المنع. وذكروا أيضا لغة سادسة، وهي الاكتفاء عن الإضافة بنيتها، وجعل الاسم مضموما كالمنادى المفرد، حكى يونس عن بعض العرب يا أم لا تفعلي، وبعض العرب يقولون: يا رب اغفر لي، ويا قوم لا تفعلوا. شرح الأشموني ٣/١٥٥-١٥٦..

٤ المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٦٩، البحر المحيط ٦/٣٤٥، الإتحاف ٣١٢..
٥ انظر البحر المحيط ٦/٣٤٥..
٦ الدر المصون: ٥/٦٢..
٧ فيكون قوله "ربي" على هذه القراءة في موضع رفع. المختصر (٩٣)، المحتسب ٢/٧١، التبيان ٢/٩٣٠، البحر المحيط ٦/٣٤٥..
٨ المختصر (٩٣)، البحر المحيط ٦/٣٤٥..
٩ السبعة (٤٣٢)، البحرالمحيط ٦/٣٤٥..
١٠ الدر المصون: ٥/٦٢..
١١ من قوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ [الأعراف: ٨٩]..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣٣-٢٣٤..
١٣ انظر القرطبي ١١/٣٥١..
١٤ انظر البغوي ٥/٥٤٥..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٢٣٤..
١٦ المرجع السابق..
Icon